يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين وملاكه، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية.
بل إنه رحمه الله تعالى ذكر في بعض مؤلفاته أن الأصل الجامع والمرجع والحكم هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما مقدمان على قول كل أحد كائن من كان إذا تبين مخالفة القول لهما، وأقواله الدالة على هذه المعاني كلها كثيرة منها قوله رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم: ". . . وإن أفتاك المفتون. . . "(1) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قبوله، فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته قريشًا على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.--------------------------------------------
(1) هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد (4/ 194) عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وقال ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: وهذا إسناد جيد.
جامع العلوم والحكم (2/ 250) وقد تكلم رحمه الله عن روايات وطرق هذا الحديث في الموضع المذكور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(1).
وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}(2).
وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحاك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون(3).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا مبينا أن المقصود هو إظهار الحق مهما خالف أقوال الرجال، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، يقول: فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويثنون عليه فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فرض أن أحدًا يكره إظهار خطئه المخالف للحق، فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب آية (36).
(2) سورة النساء آية (65).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 259).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ومعرفة المسلمين له سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه. . . وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردها أبلغ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور(1) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. . . وأما مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرمًا سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز ودخل أيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته"(2).--------------------------------------------
(1) أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الإمام الحافظ، قال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولا بالرأي ويذهب إلى قول العراقيين، حتى قدم الشافعي فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي سنة 240 هـ.
الجرح والتعديل (2/ 97) وتاريخ بغداد (6/ 65).
(2) أخرجه أحمد (4/ 424) وأبو داود: كتاب الأدب - باب في الغيبة (5/ 194) والترمذى: كتاب الأدب - باب ما جاء في تعظيم المؤمن (4/ 378).
وقال: هذا حديث حسن غريب، والطبراني في الكبير (11/ 186) وقال الهيثمي في المجمع (8/ 94) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرا من الاقتداء بهم، ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين. . . ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص والذم، وإظهار العيب، فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة(1).
وهذا كله يدل على حرصه رحمه الله تعالى على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما.--------------------------------------------
(1) الفرق بين النصيحة والتعسر (ص 32 - 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
لقد أثنى على ابن رجب رحمه الله تعالى كثير من العلماء وأشادوا بفضله ومكانته العلمية، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم والمعرفة والانصراف عن الدنيا والإقبال على العلم وذلك لتمكنه في علوم كثيرة، فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه، وتقديرهم له، وأقوال العلماء التي سأذكر تبين مكانته العلمية بين علماء عصره:
وصفه تلميذه علاء الدين ابن اللحام فقال: شيخنا الإمام العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلي المشكلات، وموضح المبهمات. . .(1).
وقال أيضًا: شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ الإسلام زين الدين. . .(2).
وقال ابن حجي: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، وكان لا يخالط أحدا ولا يتردد إلى أحد. . . تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق(3).
وقال ابن فهد المكي: الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين. . . وكان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا مالت القلوب بالمحبة إليه،--------------------------------------------
(1) و(2) الجوهر المنضد (ص 49).
(3) إنباء الغمر (3/ 176).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة وللقلوب صادعة(1).
وقال ابن ناصر الدين: كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار(2).
وقال أيضًا: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة، واعظ المسلمين ومفيد المحدثين. . .(3).
وقال الحافظ ابن حجر: مهر في فنون الحديث أسماءً ورجالًا وعللًا وطرقًا واطلاعًا على معانيه. . .(4).
وقال أيضًا: الشيخ المحدث الحافظ. . . أكثر من المسموع وأكثر من الاشتغال حتى مهر. . .(5).
وقال ابن عبد الهادي: الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ جامع الشتات والفضائل. . . الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدث(6).
وقال برهان الدين بن مفلح: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة(7).
وقال ابن قاضي شهبة: الشيخ الإمام العلامة الحافظ شيخ الحنابلة--------------------------------------------
(1) لحظ الألحاظ (ص 180، 181).
(2) التبيان لبديعة البيان ورقة (159).
(3) الرد الوافر (ص 106).
(4) إنباء الغمر (3/ 176).
(5) الدرر الكامنة (2/ 428، 429).
(6) الجوهر المنضد (ص 46، 47).
(7) المقصد الأرشد (2/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وفاضلهم، أوحد المحدثين. . .(1).
وقال العليمي: الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة زين الملة والشريعة والدنيا والدين شيخ الإسلام وأحد الأعلام واعظ المسلمين مفيد المحدثين جمال المصنفين كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار(2).
وقال السيوطي: الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ(3).
وقال النعيمي: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة(4).
وقال ابن العماد الحنبلي: الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي المذهب(5).
وقال مرعي بن يوسف الكرمي: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة الحافظ العمدة الثقة الحجة واعظ المسلمين، مفيد المحدثين. . . أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد. . .(6).
ونختم ذلك بقول صاحب الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء: هو الإمام الأصولي المحدث الفقيه الواعظ الشهير كان إمامًا في العلوم له مصنفات كثيرة(7).
وهكذا تظهر لنا هذه الأقوال والتي نقلناها من علماء كبار عاصروا ابن رجب أو تتلمذوا عليه أو قرأوا مؤلفاته، تظهر المنزلة الرفيعة التي تبوأها ابن رجب رحمه الله تعالى بين علماء عصره.--------------------------------------------
(1) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (140/ أ) وانظر الجوهر المنضد (47).
(2) المنهج الأحمد ورقة (470).
(3) طبقات الحفاظ (ص 540).
(4) الدارس في تاريخ المدارس (2/ 76).
(5) شذرات الذهب (6/ 339).
(6) الشهادة الزكية (ص 49).
(7) التاج المكلل (ص 325).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الباب الثاني أثر ابن رجب في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه
ويشتمل على الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها.
الفصل الثاني: توحيد الربوبية.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الرابع: توحيد الألوهية.
الفصل الخامس: نواقض التوحيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف التوحيد لغة.
المبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا.
المبحث الثالث: أنواع التوحيد.
المبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
المبحث الأول تعريف التوحيد لغة
التوحيد مصدر وحد يوحد توحيدًا أي جعله واحدًا، وكلمة التوحيد مصدر الفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه وهي تعني الوحدة والانفراد.
قال ابن فارس(1): الواو والحاء والدال أصل واحد، يدل على الانفراد من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله(2).
وقال الجوهري(3): الوحدة الانفراد، تقول رأيته وحده(4).
وقال الراغب(5) الأصفهاني: الوحدة الانفراد، والوحدة في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى أنه ما--------------------------------------------
(1) هو أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي اللغوي الأديب. من تصانيفه: مقاييس اللغة، والمجمل، توفي سنة 395 هـ.
معجم الأدباء (4/ 80) ووفيات الأعيان (1/ 118).
(2) معجم مقاييس اللغة (6/ 58).
(3) هو إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب "الصحاح" في اللغة، توفي سنة 396 هـ.
معجم الأدباء (6/ 151) وبغية الوعاة (1/ 446).
(4) الصحاح (2/ 547).
(5) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني، المعروف بالراغب، اشتهر في عصره وكان من المتكلمين، له كتب في الاعتقاد والتفسير منها: المفردات في غريب القرآن، توفي سنة 502 هـ.
سير أعلام النبلاء (18/ 120) وبغية الوعاة (2/ 297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد.
وقال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الله تعالى(1).
وقال ابن الأثير(2): في أسماء الله تعالى: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر(3).
وقال أبو هلال العسكري(4): . . . والواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة. . . وتقول: الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل والشبه(5).
وقال أيضًا: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد يفيد أنه فارق غيره ممن شاركه في فن من الفنون، ومعنى من المعاني كقولك: فارق فلان أوحد دهره في الجود والعلم تريد أنه فوق أهله في ذلك.
وقال أيضًا: . . . والوحدانية تفيد نفي الأشكال والنظراء ولا يستعمل في غير الله. . .(5).
وقال الزجاج(6): وقال بعض أصحاب المعاني: الفرق بين الواحد--------------------------------------------
(1) المفردات (ص 514).
(2) أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان ورعًا ذا بر وإحسان، له مؤلفات كثيرة مفيدة ومنها: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول، توفي سنة 606 هـ.
معجم الأدباء (6/ 238) والعبر (3/ 143) وبغية الوعاة (2/ 274).
(3) النهاية لابن الأثير (5/ 159).
(4) هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد أبو هلال العسكري، عالم بالأدب له مؤلفات منها: الفروق اللغوية، توفي سنة 382 هـ.
معجم الأدباء (8/ 258).
(5) الفروق اللغوية (ص 114، 115).
(6) هو إبراهيم بن محمد بن سري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة له كتب منها: تفسير أسماء الله الحسنى، توفي سنة 311 هـ.
معجم الأدباء (1/ 47).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
والأحد أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني على هذا جاء في التنزيل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}(1).
أراد: المنفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته تعالى الله علوًا كبيرًا(2).
فالله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد الذي انفرد بذاته وصفاته مع عدم المثيل والنظير.
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال: وأحد اسم من أسماء الله يسمى الله به، ولا يسمى به غيره من الأعيان به، فلا يسمى شيء من الأشياء أحدًا في الإثبات إلا في الأعداد المطلقة، وإنما يسمى به في النفي، وما أشبهه من الاستفهام، والنهي، والشرط، كقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}(3) وقوله: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ}(4) وقوله: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}(5) وقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}(6) ونحوه.
والأحد: هو الواحد في إلهيته وربوبيته(7).
ثم طرح ابن رجب رحمه الله تعالى استفسارًا، وأجاب عليه حيث قال سؤال: قوله: "الله أحد" ولم يقل: الأحد كما قال الصمد؟--------------------------------------------
(1) سورة الإخلاص آية (1).
(2) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص 57).
(3) سورة الإخلاص من آية (4).
(4) سورة مريم آية (98).
(5) سورة الجن آية (18).
(6) سورة التوبة آية (6).
(7) تفسير سورة الإخلاص (87 - 89) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
جوابه: أن الصمد يسمى به غير الله. . . فأتى فيه بالألف واللام ليدل على أنه سبحانه هو المستحق لكمال الصمدية، فإن الألف واللام تأتي لاستغراق الجنس تارة، ولاستغراق خصائص أخرى كقوله: زيد هو الرجل أي الكامل في صفات الرجولة، فكذلك قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ (2)}(1) أي الكامل في صفات الصمدية، وأما الأحد فلم يتسم به غير الله، فلم يحتج فيه إلى الألف واللام(2).
هذه هي أقوال أهل اللغة التي تبين المعنى اللغوي لكلمة التوحيد ونخلص منها إلى أن المعنى اللغوي لكلمة التوحيد يدور حول شيء واحد ألا وهو الوحدة والانفراد بالشيء، والله سبحانه وتعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك ولا مثيل ولا نظير له في ذلك كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}(3).--------------------------------------------
(1) سورة الإخلاص آية (2).
(2) تفسير سورة الإخلاص (ص 89).
(3) سورة الإخلاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا
مما سبق في التعريف اللغوي يتبين لنا أن الله تبارك وتعالى واحد في ذاته، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته.
فعلى هذا فالتوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة مع علم العبد واعترافه واعتقاده بتفرد الرب تبارك وتعالى بصفات الكمال وأنه لا شريك له واعتقاد أنه هو وحده الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون، وله الكمال المطلق، وأنه ذو الألوهية على خلقه أجمعين، فهو المستحق للعبادة دون سواه.
قال السفاريني(1) رحمه الله في تعريف التوحيد: وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تنفك عن الذات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك فهو الخالق دون سواه(2).--------------------------------------------
(1) محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي، محدث، أصولي، له تصانيف كثيرة منها: البحور الزاهرة في أمور الآخرة، ومنها: لوامع الأنوار، توفي سنة 1188 هـ.
مختصر طبقات الحنابلة للشطي (140) ومعجم المؤلفين لكحالة (8/ 262).
(2) لوامع الأنوار البهية (1/ 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب(1) رحمه الله: سمي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له(2).
وقد دلت الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى على هذه المعاني كلها.
فقد دل قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. . .}(3) الآية، على أن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء دون سواه فلا يتوجه إلى أحد سواه في جلب نفع أو دفع ضر لأن من سواه عاجزون عن فعل شيء من ذلك، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة ثم يبعث الخلائق يوم القيامة ولهذا قال بعد هذا كله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد بل هو الأحد الفرد الصمد الذي--------------------------------------------
(1) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفقيه المحدث، من أئمة الدعوة المجاهدين، وكان آية في العلم، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، له مؤلفات مفيدة نافعة منها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، قتل سنة 1233 هـ رحمه الله تعالى.
هدية العارفين (1/ 408) وعلماء نجد خلال ستة قرون (1/ 293) وعنوان المجد في تاريخ نجد (1/ 212).
(2) تيسير العزيز الحميد (ص 32، 33).
(3) سورة الروم آية (40).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد(1).
ودل قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}(2) على إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده دون سواه فلا يصرف شيء من العبادات لغيره عز وجل.
قال ابن جرير الطبري(3) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل، تعالوا: هلموا إلى كلمة سواء، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئًا. . . "(4).
ودل قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (3/ 435).
(2) سورة آل عمران آية (64).
(3) الإمام العلم أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري. قال الذهبي: "كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علَّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة وغير ذلك"، له مصنفات مفيدة منها: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وغيرهما، توفي سنة 310 هـ.
تاريخ بغداد (2/ 162) وسير أعلام النبلاء (14/ 267) ومعرفة القراء الكبار (1/ 264) وغاية النهاية (2/ 106).
(4) تفسير ابن جرير الطبري (3/ 301، 302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)}(1) على تفرد الرب عز وجل بذاته وأسمائه وصفاته التي لا نظير ولا مثيل له فيها، فذاته لا تشبه ذوات المخلوقين وكذلك أسماؤه وصفاته كما قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(2).
والآيات الدالة على هذه المعاني كثيرة جدًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد من إيضاح ذلك في الفصول القادمة.--------------------------------------------
(1) سورة الحشر الآيات (22، 23، 24).
(2) سورة الشورى آية (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
المبحث الثالث أنواع التوحيد
إن المتتبع للقرآن الكريم يجده من أوله إلى آخره يقرر العقيدة الصحيحة ويبينها ويوضحها خير بيان وإيضاح.
فسور القرآن الكريم متضمنة لجميع أنواع التوحيد.
وعلماء الإسلام رحمهم الله تعالى قسموا التوحيد إلى أقسام، وذلك استنباط منهم من نصوص الكتاب والسنة.
وهذه الأقسام منهم من يجعلها قسمين كالحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام وعلى هذا درج أكثر العلماء، ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنهم من يجعلها أربعة أقسام(1).
والحقيقة أن نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، لم يرد فيها تصربح بتقسيم التوحيد إلى أقسام، لكن هذه النصوص تضمنت هذا التقسيم الذي قسم العلماء التوحيد إليه، لأن المتتبع لهذه النصوص يجد قسمًا منها يتحدث عن أفعال الله تبارك وتعالى من الإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وجلب النفع ودفع الضر، وغيرها، وهو ما يسميه العلماء توحيد الربوبية.--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة كتاب التوحيد لابن منده، تحقيق الدكتور علي ناصر فقيهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وقسم آخر من النصوص يتحدث عن بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي اتصف بها الله تبارك وتعالى التي لا مثيل ولا نظير ولا شبيه له فيها وهو ما يسميه العلماء توحيد الأسماء والصفات.
وقسم آخر من النصوص يبين وجوب إخلاص العمل لله عز وجل، وإفراده بالعبادة دون سواه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهو ما يسميه العلماء توحيد الإلهية أو توحيد العبادة.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه(1).
والخلاصة أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة:
1 - توحيد الله بأفعاله كالرزق والإحياء والإماتة وغيرها من أفعاله تبارك وتعالى وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية.
2 - توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي ليس له فيها نظير ولا--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين (3/ 449، 450).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
شبيه ولا مثيل عز وجل، وهو ما يسمى بتوحيد الأسماء والصفات.
3 - توحيد الله بأفعال العباد وهو صرف جميع أنواع العبادة له وحده دون سواه، وهو ما يسمى بتوحيد الألوهية.
والحقيقة أن تقسيم العلماء رحمهم الله تعالى لتوحيد إلى هذه الأقسام إنما هو عبارة عن تفسير وتوضيح وشرح لنصوص كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والخلاف الذي بينهم في تقسيم التوحيد وبيان أنواعه خلاف لفظي، لأنهم جميعا يتفقون على أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة السابقة إلا أن الذين جعلوه نوعين جعلوا توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، نوعًا واحدًا، وسموه توحيد المعرفة والإثبات، وجعلوا توحيد الألوهية نوعًا مستقلًا والذين قسموه إلى أربعة أنواع جعلوا التوحيد في الأسماء نوعًا والتوحيد في الصفات نوعًا منفردًا بالإضافة إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
وهناك من يجعل النوع الرابع: هو توحيد المتابعة(1) للنبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المشهورة.
وقد تحدث ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته عن أنواع التوحيد وبينها وأوضحها، وهو ما سأتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الفصول القادمة لأبين ما لابن رجب رحمه الله تعالى من أثر في توضيح هذه الأنواع.--------------------------------------------
(1) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص 217) وكتاب القول المفيد في أدلة التوحيد للعبدلي (ص 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)