فصل: [في حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى]
ويقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى1: كرفع اليدين في الصلاة، ومس الذكر، ونحوه، في قول الجمهور2.--------------------------------------------
1 معنى "تعم به البلوى" أي يكثر التكليف به، كرفع اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء بمس الذكر، ونحو ذلك من أخبار الآحاد التي يكثر التكليف بها، ولا تخص أحدًا دون أحد.
2 انظر: العدة لأبي يعلى "3/ 885" والتمهيد لأبي الخطاب "3/ 86" وشرح مختصر الروضة "2/ 233 وما بعدها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
وقال أكثر الحنفية: لا يقبل؛ لأن ما تعم به البلوى كخروج النجاسة من السبيلين يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشيع حكمه؛ إذ يؤدي إلى إخفاء الشريعة، وإبطال صلاة الخلق، فتجب الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواعي على نقله، فكيف يخفى حكمه، وتقف روايته على الواحد؟!
ولنا: أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بدون الإنزال1، وخبر رافع بن خديج في المخابرة2.
ولأن3 الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقه ممكن، فلا يجوز تكذيبه، مع إمكان تصديقه.
ولأن4 ما تعم به البلوى يثبت بالقياس، والقياس مستنبط من الخبر وفرع له، فلأن يثبت بالخبر الذي هو أصل أولى.
وما ذكروه يبطل بالوتر، والقهقهة، وخروج النجاسة من غير السبيلين، وتثنية الإقامة، فإنه مما تعم به البلوى، وقد أثبتوه بخبر الواحد5.--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه.
2 تقدم تخريجه والكلام على معنى "المخابرة" وهذا هو الدليل الأول للجمهور.
3 هذا هو الدليل الثاني.
4 هذا هو الدليل الثالث للجمهور.
5 بعد أن ذكر أدلة الجمهور، وأدلة الحنفية، بدأ يرد عليهم ويناقشهم في هذه الأدلة فقال: إنهم قبلوا خبر الواحد فيما يعم به البلوى مثل: وجوب الوتر، وإبطال الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، واختاروا تثنية الإقامة في الصلاة، وأوجبوا الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيلين، وكل ذلك مما تعم به البلوى، وقد أثبته الحنفية بخبر الواحد.
ثم رد على قولهم: "يجب إشاعة ما تعم به البلوى … " بقوله: إنه صلى الله عليه وسلم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
ولم يكلف الله -تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه إشاعة البعض، ورد الخلق -في البعض- إلى خبر الواحد.
كما ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المكيل بالمكيل، والمطعوم بالمطعوم؛ حتى يستغني عن الاستنباط من الأشياء الستة. فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما يقتضي مصلحة الخلق: أن يرد فيه إلى خبر الواحد.--------------------------------------------
= مكلف بإشاعة البعض، ورد البعض الآخر إلى خبر الواحد، فالذي لا يكفي فيه الظن تجب فيه الإشاعة، والذي يكفي فيه الظن لا تجب فيه الإشاعة، ولذلك رد الناس إلى القياس فيما تعم به البلوى في الأصناف الستة وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فيقاس عليها ما يماثلها، والخبر أولى من القياس ومقدم عليه. فإذا جاز ذلك في القياس، فلأن يجوز في خبر الواحد من باب أولى، ويكون في ذلك مصلحة للخلق، أرادها المشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
فصل: [في حكم خبر الواحد في الحدود]
ويقبل خبر الواحد في الحدود، وما يسقط بالشبهات1.
وحكي عن الكرخي2: أنه لا يقبل؛ لأنه مظنون فيكون ذلك شبهة، فلا يقبل، لقوله عليه السلام: "ادرءوا الحدود بالشبهات" 3.--------------------------------------------
1 وهو قول جمهور العلماء.
2 وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة انظر: المعتمد "2/ 570".
3 رواه بهذا اللفظ: الحارثي في مسند أبي حنيفة من حديث مقسم عن ابن عباس =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
وهذا غير صحيح، فإن الحدود حكم شرعي، يثبت بالشهادة، فيقبل فيه خبر الواحد، كسائر الأحكام.
ولأن ما يقبل فيه القياس المستنبط من خبر الواحد: فهو بالثبوت بخبر الواحد أولى.
وما ذكروه يبطل الشهادة والقياس، فإنهما مظنونان ويقبلان في الحدود.--------------------------------------------
= مرفوعًا، كما في المقاصد الحسنة ص344، وابن عساكر في تاريخه.
كما روته عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم؛ فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" أخرجه الترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد، ورواه -أيضًا- موقوفًا وقال: الموقوف أصح، والدراقطني: في أوائل كتاب الحدود، والبيهقي، والحاكم في المستدرك: كتاب الحدود، باب، إن وجدتم لمسلم مخرجًا فخلوا سبيله وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
ومدار هذا الحديث على "يزيد بن زيادة" أحد رواة هذا الحديث، قال عنه البخاري: "منكر الحديث" وقال النسائي: "متروك الحديث" وضعفه الترمذي وغيره انظر: المغني في الضعفاء "2/ 749" وله روايات أخرى كثيرة مرفوعة وموقوفة انظر: تلخيص الحبير "4/ 56".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
فصل: [في حكم الواحد إذا خالف القياس]
ويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس1.
وحكي عن مالك: أن القياس يقدم عليه2.--------------------------------------------
1 وهو قول الشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء، وهو الذي رجحه ابن قدامة.
2 المنقول عن الإمام مالك رأيان. والذي حكاه المصنف بقوله: "وحكي...." هو =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
وقال أبو حنيفة: إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول، لم يحتج به1.
وهو فاسد؛ فإن معاذًا2 قدم الكتاب والسنة على الاجتهاد، فصوبه--------------------------------------------
= المشهور من مذهبه. انظر: "شرح تنقيح الفصول ص387".
1 الفرق بين مخالفة الأصول، أو معنى الأصول: أن مخالفة القياس أخص من مخالفة الأصول؛ لأن القياس أصل من الأصول، فكل قياس أصل، وليس كل أصل قياسًا، فما خالف القياس خالف أصلًا خاصًّا، وما خالف الأصول يصدق بما خالف قياسًا أو نصًّا أو إجماعًا، أو استصحابًا أو غير ذلك.
فوجوب الوضوء بالنوم موافق للقياس؛ من حيث إنه تعليق حكم بمظنته كسائر الأحكام المعلقة بمظانها، مع أنه مخالف لبعض الأصول، وهو: استصحاب العدم الأصلي في خروج الحدث حتى يعلم أمر ناقل عن الاستصحاب.
فالمراد بمعنى الأصل: نفي الفارق بين الأصل والفرع.
هذا معنى ما ذكره المصنف في مذهب الحنفية، والذي في كتبهم غير هذا وخلاصة ما ورد في كتبهم:
1- المتقدمون يرون تقديم خبر الآحاد على القياس مطلقًا، وهو رأي الإمام وصاحبيه.
2- تقديم القياس إذا كان الراوي لخبر الواحد غير فقيه، ولا مجال للاجتهاد في الحديث.
3- يقدم القياس على الصحابي الذي لم يعرف إلا بحديث أو حديثين،
واختلف الثقات في قبوله، أو لم يشتهر بين السلف.
4- تقديم خبر الواحد إذا كان الراوي ضابطًا غير متساهل فيما يرويه.
5- تقديم القياس إذا كان الراوي من غير الخلفاء الأربعة والعبادلة، وهو رأي البزدوي. انظر في ذلك: "أصول السرخسي 1/ 343، كشف الأسرار 2/ 379".
2 هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
النبي صلى الله عليه وسلم-1.
وقد عرفنا من الصحابة رضي الله عنهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يعدلون إلى القياس عند عدم النص.
ولذلك قدم عمر رضي الله عنه حديث حمل بن مالك في غرة الجنين2.--------------------------------------------
= أعلم الناس بالحلال والحرام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء اليمن، كما في الحديث الذي معنا. توفي سنة 18هـ "أسد الغابة 4/ 376، حلية الأولياء 1/ 228".
1 يشير إلى حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " قال: أقضى بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله".
أخرجه أبو داود: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، وقال: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل" وأخرجه الطيالسي في كتاب القضاء والدعاوي والبينات، باب آداب القضاء والقاضي كيف يقضي.
والحديث وإن كان في سنده مقال، إلا أن المحققين من العلماء حكموا بقبوله والعمل به. قال عنه إمام الحرمين، كما نقله ابن حجر في تلخيص الحبير "4/ 183" "إنه حديث مدون في الصحاح متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل".
وقال الغزالي: "تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا" كما قواه ابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير.
انظر: المستصفى "2/ 254" والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.
2 سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
وكان يفاضل بين ديات الأصابع ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في كل إصبع عشر من الإبل" 1: رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة2.
ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم كلام المعصوم وقوله، والقياس استنباط الراوي، وكلام المعصوم أبلغ في إثارة غلبة الظن.
ثم أصحاب أبي حنيفة قد أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر. وأبطلوا الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، دون خارجها، وحكموا في القسامة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول3.--------------------------------------------
1 روى البيهقي في سننه الكبرى: كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر رضي الله عنه في الأصابع: في الإبهام بثلاث عشر، وفي التي تليها باثنتي عشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما هنالك من الأصابع "عشر، عشر" قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر، عشر.
وحديث عمرو بن حزم أخرجه النسائي: كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له.
وللحديث روايات أخرى عن أبي موسى الأشعري عند أبي داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم وصححه. وأخرجه أحمد بلفظ "الأصابع سواء، والأسنان سواء".
2 قال أبو يعلى في العدة "3/ 890": "وكان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم".
3 تقدم أن أبا حنيفة يرى: أن خبر الواحد إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول لا يحتج به، وأورد المصنف العديد من الأدلة التي تدل على رفض ما قاله أبو حنيفة. ثم أورد على مذهب الحنفية بعض الأمثلة التي أخذوا فيها بما يخالف =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
باب: الأصل الثالث: الإجماع
فصل: معنى الاجماع
…
باب: الأصل الثالث: الإجماع
فصل: ومعنى الإجماع
في اللغة: الاتفاق، يقال: أجمعت الجماعة على كذا: إذا اتفقوا عليه.
ويطلق بإزاء تصميم العزم، يقال: أجمع فلان رأيه على كذا: إذا صمم--------------------------------------------
= القياس؛ فقال: فقد أوجبتم الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، مع مخالفة ذلك لسائر المائعات استنادًا إلى ما رواه أبو داود "84" والترمذي "88" وابن ماجه "84" وأحمد "1/ 49، 150".
عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ " قال: نبيذ قال: "تمرة طيبة وماء طهور" وقد نص العلماء على ضعف الحديث من عدة طرق، منها: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة: انظر: "نصب الراية 1/ 138-141".
كما أبطلتم الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، بما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ".... بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس، إذ دخل رجل، فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير، من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة" أخرجه الطبراني، والهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 246".
وهو حديث في إسناده ثلاثة رواة متكلم فيهم. "نصب الراية 1/ 47".
كما أخذتم بحديث القسامة، وهي عبارة عن أيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم وليس لهم بينة، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في الديات، ومسلم في كتاب القسامة، كما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهم.
وحديث القسامة مخالف لسائر الدعاوى، لأن اليمين يبدأ فيها بالمدعي قبل المدعى عليه. ومعنى هذا كله: أن الحنفية بذلك أخذوا بخبر الواحد فيما يخالف الأصول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
عزمه عليه1.
قال الله -تعالى-: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُم} 2.
ومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين3.
[إمكان وجود الإجماع وتصوره]
ووجوده متصور:--------------------------------------------
1 انظر: القامو س المحيط "3/ 15" والمصباح المنير "1/ 171".
2 سورة يونس من الآية: 71.
3 جمهور الأصوليين يقولون في تعريفه: "اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم".
وعرفه الآمدي بقوله: "هو اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر ما على حكم واقعة من الوقائع".
وقريب منه تعريف القرافي.
والمراد بالاتفاق: الاشتراك في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد.
والمراد بأهل الحل والعقد: المجتهدين -كما قال الجمهور-.
وقول الآمدي: "اتفاق جملة أهل الحل والعقد: فيه احتراز من اتفاق البعض فلا يكون إجماعًا.
وفائدة قولهم: "من أمة محمد صلى الله عليه وسلم" إخراج اتفاق بقية الأمم، فإنه ليس إجماعًا معتبرًا، لأنهم قد يتفقون على الباطل، ومن هنا جاءت الأحاديث في عصمة هذه الأمة من الاتفاق على الباطل أو الخطأ. كما سيأتي في حجية الإجماع.
انظر: في تعريف الإجماع: "العضد على ابن الحاجب 2/ 29، شرح تنقيح الفصول ص322، الإحكام للآمدي 1/ 196، شرح مختصر الروضة 2/ 6".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
فإن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، وسائر أركان الإسلام.
وكيف يمتنع تصوره؛ والأمة كلها متعبدة بالنصوص والأدلة القواطع، معرضون للعقاب بمخالفتها؟
وكما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب: لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين.
وإذا جاز اتفاق اليهود -مع كثرتهم- على باطل: فلم لا يجوز اتفاق أهل الحق عليه1.--------------------------------------------
1 مسألة إمكان وقوع الإجماع للعلماء فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه يمكن انعقاده، بل ووقع فعلًا في كل العصور، وهو مذهب جمهور العلماء.
المذهب الثاني: أنه غير ممكن عادة، لا عقلًا، وهو رأي النظام وبعض الشيعة وبعض المعتزلة.
المذهب الثالث: أنه ممكن الوقوع باعتبار ذاته، ولكنه متعذر باعتبار نقله، وهو مروي عن الإمام أحمد، كما روي عنه إمكان ذلك ووقوعه في عصر الصحابة فقط، لإمكان الاطلاع عليه ونقله.
وقد استدل المصنف للمذهب الأول: بأن الإجماع قد وقع، والوقوع يستلزم الجواز، أي يدل عليه، ومثل لذلك بالإجماع على الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك، وكيف يمتنع تصور ذلك والأمة كلها متعبدة باتباع النصوص والأدلة القاطعة، ومعرضون للعقاب إذا خالفوها.
فكما لا يمتنع اتفاقهم واجتماعهم على أمر من أمور الدنيا، كالأكل والشرب لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين، وإذا جاز اتفاق أهل الباطل على شيء، فمن باب أولى اتفاق أهل الحق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
[كيف يعرف الإجماع]
ويعرف الإجماع بالإخبار، والمشافهة، فإن الذين يعتبر قولهم في الإجماع: هم العلماء المجتهدون، وهم مشتهرون معروفون، فيمكن تعرف أقوالهم من الآفاق1.
[موقف العلماء من حجية الإجماع]
والإجماع حجة قاطعة عند الجمهور2.--------------------------------------------
هذا رد على سؤال مقدر يمكن أن يرد من المنكرين لإمكان وقوع الإجماع، مفاده: أن الإجماع يتعذر وجوده لعدة أسباب:
أولًا: انتشار المجتمعين شرقًا وغربًا، وجواز خفاء بعضهم، بأن يكون أسيرًا أو محبوسًا، أو أن يكون خامل الذكر غير معروف.
ثانيًا: احتمال الكذب، فإن البعض قد يفتي على خلاف ما يعتقد خوفًا من سلطان جائر، أو بقصد التقرب إليه للوصول إلى منصب مرموق.
ثالثًا: احتمال رجوع بعضهم قبل الإجماع.
فأجاب المصنف على هذه الاحتمالات: بأن ذلك يعرف بالأخبار التي تنقل عن العلماء، أو المشافهة، خاصة وأن الذين يصلون إلى درجة الاجتهاد قليلون ومشهورون.
هذا معنى ما قاله المصنف وغيره.
وقد نقل "ابن بدران" عن أبي المعالي أنه قال: "والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفة الإجماع إلا من زمن الصحابة" ولعل هذا هو الذي جعل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، وما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا".
انظر: إعلام الموقعين "1/ 30" نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص335، أصول مذهب الإمام أحمد ص322.
2 للعلماء في نوع حجية الإجماع ثلاثة مذاهب: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
وقال النظام1: ليس بحجة2.
وقال: "الإجماع: كل قول قامت حجته" ليدفع عن نفسه شناعة قوله، وهذا خلاف اللغة والعرف3.--------------------------------------------
= المذهب الأول: أنه حجة قطعية تحرم مخالفته، وهو رأي الجمهور كما قال المصنف.
المذهب الثاني: أنه حجة ظنية، وهو رأي بعض العلماء، كالإمام الرازي، والآمدي وغيرهما.
المذهب الثالث: أنه حجة قطعية إذا اتفق عليه المعتبرون، أما إذا لم يتفقوا، بأن كان إجماعًا سكوتيًّا، أو يندر مخالفه كان حجة ظنية. انظر: "فواتح الرحموت 2/ 213، التقرير والتحبير 3/ 83، الإحكام للآمدي 1/ 144".
1 هو: إبراهيم بن يسار بن هانئ، أبو إسحاق البصري، المعتزلي، كان أديبًا متكلمًا، وهو أستاذ الجاحظ، تنسب إليه اقوال غريبة، كما كان شديد الحفظ، حفظ القرآن والتوراة والإنجيل، وطالع كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، من مؤلفاته "النكت" في عدم حجية الإجماع. توفي سنة 231هـ.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة ص59، تأريخ بغداد "6/ 97".
2 وهو رأي بعض الشيعة وبعض المعتزلة.
وقالت الإمامية: إن كان فيه قول الإمام المعصوم فهو حجة، وإلا فلا. وهذا في الواقع خارج عن الإجماع، لأن الحجة عندهم في قول الإمام، باعتبار أنه معصوم حسب عقيدتهم. انظر: المعتمد "2/ 458".
3 يعنى: أن النظام لما أحس بشناعة رأيه عرف الإجماع بما ذكره المصنف، وهو تعريف غير صحيح من ناحية اللغة والعرف الشرعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
فصل: [الأدلة على حجية الإجماع]
ولنا دليلان1:--------------------------------------------
1 أي طريقان أو مسلكان، أحدهما من القرآن، والثاني من السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
أحدهما: قول الله -تعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 1 وهذا يوجب اتباع سبيل المؤمنين، ويُحرِّم مخالفتهم.--------------------------------------------
1 سورة النساء الآية: 115. والمصنف لم يكمل الآية، وقد أكملتها تبعًا للغزالي حتى يظهر وجه الشاهد من الآية وهو: الوعيد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم أي مخالفته، واتباع غير سبيل المؤمنين.
قال الشوكاني: "ووجه الدلالة من الآية: أن الله -تعالى- جمع بين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا، لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن: متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة" "إرشاد الفحول جـ1 ص293، 294".
والغزالي -كغيره من العلماء- أورد العديد من الآيات الدالة على حجية الإجماع هي:
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ … } [البقرة: 143] .
وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ … } [آل عمران: 110] .
وقوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] .
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا … } [آل عمران: 103] .
وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه … } [الشورى: 10] .
وقوله تعالى: { … فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .
ثم قوله: فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل -أيضًا- دلالة الظواهر. وأقواها قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ.....} الآية. انظر: "المستصفى جـ2 ص298، 299".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
فإن قيل1: إنما توعّد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك اتباع سبيل المؤمنين معًا، أو على ترك أحدهما بشرط ترك الآخر، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد.
ومن وجه آخر: وهو أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق فيه؛ لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} والحق -في هذه المسألة- من جملة "الهدى" فيدخل فيها.
ويحتمل: أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا فيه مؤمنين.
ويحتمل: أنه أراد بالمؤمنين: جميع الأمة إلى قيام الساعة، فلا يحصل الإجماع بقول أهل عصر.
ولأن المخالف من جملة المؤمنين، فلا يكون تاركًا لاتباع سبيلهم بأسرهم.
ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك، غير أنه لا ينقطع الاحتمال، والإجماع أصل لا يثبت بالظن2.
قلنا3: التوعد على الشيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا، أو بهما معًا.
ولا يجوز أن يكون لاحقًا بأحدهما معينًا، والآخر لا يلحق به--------------------------------------------
1 بدأ المصنف يورد الاعتراضات التي قالها المخالفون على الاستدلال بالآية الكريمة.
2 خلاصة هذا الاعتراض: أن النص ليس بقاطع، لأن قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين} يحتمل وجوهًا كثيرة، منها ما ذكره، إذا وجد الاحتمال لم يكن النص قطعيًّا، وإنما كان ظنيًّا، والإجماع أصل من الأصول العامة فلا يثبت بطريق الظن.
3 بدأ المصنف يرد على الاعتراضات السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
وعيد، كقول القائل: "من زنا أو شرب ماء عوقب".
وهذا لا يدخل في القسم الثاني1 لأن مشاقة الرسول بمفردها تثبت العقوبة، فثبت أنه من القسم الأول2.
وأما الثاني3: فلا يصح؛ فإنه توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا من غير شرط.
وإنما ذكر تبين الهدي عقيب قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} وليس بشرط لإلحاق الوعيد على مشاقة الرسول اتفاقًا، فلأن لا يكون شرطًا لترك اتباع سبيل المؤمنين -مع أنه لم يذكر معه- أولى.
وأما الثالث4: فنوع تأويل، وحمل اللفظ على صورة واحدة.
"وأما الرابع5: فإن مطلق الاحتمال لا يؤثر في نفس كونه من الأدلة--------------------------------------------
1 وهو: أن يكون على كل منهما معًا.
2 وهو: أن يكون الوعيد على كل منهما منفردًا.
3 أي الرد على الاعتراض الثاني وهو قوله: "أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق" وخلاصة الرد بوجهين:
أحدهما: لا نسلم أن كل ما كان شرطًا في المعطوف عليه أن يكون شرطًا في المعطوف، لأن العطف لا يقتضى سوى التشريك في مقتضى العامل إعرابًا ومدلولًا.
ثانيهما: لو سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، فإن ذلك لا يضرنا، فإنه لا نزاع في أن "الهدى" المشروط في تحريم المشاقة إنما هو دليل التوحيد والنبوة، لا أدلة الأحكام الفرعية، فيكون "الهدى" شرطًا في اتباع غير سبيل المؤمنين ونحن نسلم به.
4 أي الاعتراض الثالث: وهو: "ويحتمل أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين".
5 أي الاعتراض الرابع وهو قوله "ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الأصلية؛ إذ ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، فإن النص يحتمل أن يكون منسوخًا، والعام يجوز أن يكون مخصوصًا، وهذا وشبهه لم يمنع كونه من الأصول، كذا ههنا"1.
الدليل الثاني: من السنة2:
قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تجتمع أمتي على ضلالة" 3. وروي: "لا تجتمع على خطأ". وفي لفظ "لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ".--------------------------------------------
1 ما بين القوسين من النسخة التي حققها الدكتور عبد الكريم النملة -يحفظه الله-.
2 المسلك الثاني على حجية الإجماع: أن الإجماع صادر عن مجموع الأمة، والأمة معصومة، والمعصوم لا يصدر عنه إلا الصواب.
أما أن الأجماع صادر عن مجموع الأمة، فلما سبق في تعريفه، من أنه اتفاق مجتهدي الأمة إلخ. والمجتهدون قائمون مقام الأمةإ إذ إليهم إبرام أمورهم ونقضها، ولذلك جاء في بعض التعريفات أنه: "اتفاق أهل الحل والعقد".
وأما أن الأمة معصومة عن الخطأ، أو الضلال: فلأن الأخبار النبوية في عصمتها بلغت حد التواتر المعنوي، لاختلاف ألفاظها، واشتراكها في الدلالة على أمر واحد، وهو: نفي الخطأ عنها.
انظر: شرح المختصر "3/ 18، 19".
3 هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه عنه الترمذي: كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي، أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" ثم قال: هذا الحديث غريب من هذا الوجه.
كما رواه الحاكم في المستدرك: كتاب العلم "1/ 115، 116".
وأخرجه أبو داود: كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها عن أبي مالك الأشعري. وابن ماجه في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، من حديث أنس بن مالك. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
وقال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح"1.
وقال: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة2 الإسلام من عنقه"3--------------------------------------------
= كما روي بأسانيد أخرى كثيرة بعضها مرفوع وبعضها موقوف، وبعضها ضعيف.
يراجع في ذلك: مجمع الزوائد "1/ 177" و"5/ 217" ونصب الراية "4/ 133".
1 هذا جزء من حديث موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخرجه الإمام أحمد في مسنده "1/ 379" ولفظه: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد في قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهوعند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيّء" وأخرجه عنه الحاكم -موقوفًا- في كتاب معرفة الصحابة، باب فضائل أبي بكر رضي الله عنه. ثم قال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرجه البزار بسنده في باب الإجماع من كتاب كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي "1/ 88".
قال الهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 177، 178": "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون".
والحديث وإن كانت له روايات متعددة، إلا أن الصحيح أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.
انظر: المقاصد الحسنة ص367".
2 قال ابن الأثير في النهاية "2/ 62": "الربقة في الأصل: عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام: أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه".
3 هذا الحديث رواه أبو ذر رضي الله عنه مرفوعًا: أخرجه عنه أبو داود: كتاب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)