المبحث الرابع الغدر والخيانة
عند دراسة السلوكية اليهودية من خلال مؤلفات علمائنا الأفاضل يستطيع الباحث أن يتعرف بسهولة على تلك المواضع التي تفوح منها رائحة الغدر والخيانة فى الكتاب المقدس. ولقد كان للدكتور/ على خليل جهد مشكور في رصد تلك المواطن والتعليق عليها من خلال الأسفار التوراتية ولذلك يقول:
(إن من يقرأ الأسفار التوراتية يخلص إلى نتيجة مفادها أن الغدر والخيانة والانحلال الخلقى كانت من الثوابت التي سار عليها أسلاف اليهود اليوم، وهذه الثوابت جوهرية في الفكر المديني اليهودي، فقد بُنيت اليهودية على مبدأ التوجس من الأغيار والاستعلاء والعدوان والعنصرية، وهذه النزعات لا بد وأن تطبع الروح اليهودية بصفات الغدر والخيانة والانحلال الخلقي، فاليهودي يحق له أن يسرق .. لكن ليس يهوديا مثله بل أي شخص من الأغيار وكذلك الأمر بالنسبة للزني والقتل والغدر والخيانة وغيرها) (1).
ثم ذكر أمثلة من الأسفار التوراتية تؤكد وجود الغدر والخيانة في نصوص الكتاب المقدس:
1. احتال أولاد يعقوب على أبيهم ليغدروا بأخيهم الصغير يوسف فأخذوه معهم إلى البرية وتآمروا عليه هناك وغدروا به ورموه في بئر ليموت فيها ويتخلصوا منه لأنه كان له حظوة عند أبيه (2) والنص يقول: "فلما أبصروه من بعيد قبلما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه. فقال بعضهم لبعض هو ذا صاحب الأحلام قادم. فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش رديء أكله" (3).
2. حادثة اغتيال أوريا الحثي: وفيها غدر داود بالقائد أوريا الحثي ليأخذ زوجته (4). وقد مر ذكر هذه القصة (5).--------------------------------------------
(1) التعاليم الدينية ص 23.
(2) المرجع السابق ص 23.
(3) تكوين: (37/ 18 - 21) يوسف يُباع من اخوته.
(4) انظر: صموئيل الثانى: (11/ 2 - 13) داود وبتشبع.
(5) انظر: ص 163 - 165 من هذة الدراسة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
3 - حادثة الغدر والخيانة التي قام بها "إهود بن جيرا" (1) عندما أرسله بني إسرائيل لملك موآب، فقد دبر خطة. بملك موآب وقتله" فعمل إهود لنفسه سيفًا ذا حدين طوله ذراع وتقلده تحت ثيابه على فخذه اليمني وقدم هدية "لعجلون" (2) ملك موآب … ولما انتهي من تقديم الهدية صرف القوم حاملى الهدية … أما هو قال للملك لي كلام سر إليك أيها الملك … فدخل إليه وضربه في بطنه" (3).
4 - وفي سفري صموئيل الأوّل والثاني نقرأ مزيدًا من حوادث الغدر والخيانة والقتل ونفذها بنو إسرائيل فيما بينهم من جهة وبين سكان كنعان من جهة أخري (4). وغير ذلك من الأمثلة كثيرًا جدًا في الكتاب المقدس وذكرها د/ على خليل في كتابه.
ويقول د/ عابد الهاشمى في كتابه التربية في التوراة عن الغدر والخيانة: (إنه من الوصايا الرذيلة في الكتاب المقدس التي تبيح الغدر حين التعامل مع الآخرين، فتبيح التوراة المحرفة لبني إسرائيل أن يتستروا بالخداع والخيانة لينالوا من خصومهم ومن تعاليم التوراة لهم أنها تقول: يجوز لكم أن تتظاهروا بصفاء النية وحسن الجوار، ويجوز لكم أن تدينوا بدينهم وتقورون إليهم، وتضربون الأوتاد في أصداغهم حتى تنفذ إلى الأرض) (5).
وهكذا بهذا الحقد والوحشية يوصي إلههم افتراءً عليه أن يتعاملوا مع غيرهم من البشر، بتغيير دينهم ظاهرًا حتى يغدروا بخصومهم وينتقموا منهم، وفي سفر القضاة قصتين من الخداع انتهت إلى القتل بوحشية نادرة (6).
وكان للأستاذ / عبد الله التل، وقفة نقدية مع العهد القديم أثبت فيها بالأدلة أن ما حل بالعالم من ويلات وبلاء كامن في التطبيق العملي للخلق اليهودي وأن جميع عمليات الغدر والخيانة فيه لها تبرير وسبب في نظرهم، والحق أن هذا التبرير وتلك الأسباب حين توضع في الميزان التقويمي يتبين لأول نظرة ميلها عن الصواب وصدمها للفطرة الإنسانية فيقول:--------------------------------------------
(1) هو: إهود بن جيرا من سبط بنيامين عين قاضيًا لبني إسرائيل وكان إهود اعسرًا، وقد قتل عجلون ملك موآب الذي أدل بني إسرائيل وقاد شعبه إلى النصر على المؤآبيين (قاموس الكتاب القدس ص 128).
(2) هو: ملك موآب، احتل أريحا مدني 18 عامًا واستعبد بني إسرائيل متحالفًا مع العمونيين والعمالقة وفرض عليهم الضرائب، وخلص بني إسرائيل منه إهود بن جيرا الذي ضربه بالسيف وهو يقدم له الهدايا (قامرس الكتاب المقدس ص 608).
(3) انظر: قضاة: (3/ 15 - 25) إهود.
(4) التعاليم الدينية: ص 24.
(5) انظر قضاة: (4/ 18 - 22) ، التربية في التوراة: ص 127.
(6) التربية في التوراة: د/ الهاشمي، ص 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
(وما أكثر دروس الحقد والغدر والمكر التي تسردها التوراة ناسبة أغلبها إلى أنبياء اليهود، فقصة أبناء يعقوب مع شكيم الذي تزوج بأختهم تعتبر الدرس الأوّل من هذه الدروس اللا أخلاقية، وهم بعد أن مكروا وخدعوا آل شكيم وأقنعوهم بالاختتان لتتم المصاهرة، ويصبح الشعبان شعبًا واحدًا انقلبوا عليهم بعد تمام عملية الاختتان وأبادوهم (1) وغير ذلك من الحوادث التي تحض على الغدر والمكر والخيانة (2)، وكذلك حقد رب اليهود -في زعمهم- على الأمم الأخرى غير اليهودية (3)) (4).--------------------------------------------
(1) النظر: القصة كاملة في تكوين: (34/ 13 - 29) وقد سبق ذكرها في ص 247، 256من هذه الدراسة.
(2) كما في تكوين: (37/ 26 - 28)، صموئيل الثاني: (5/ 17 - 20).
(3) كما في أشعياء: (34/ 1 - 3).
(4) انظر: جذور النبلاء: أ/ عبد الله التل، ص 54 - 56 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
المبحث الخامس الكذب والسرقة
د/ محمَّد سيد ندا، في كتابه "جنايات بني إسرائيل" يُعد الكذب من الخصال التي أصرت بدينهم وجنت على المجتمع وفي تعاملهم مع الآخرين أيضًا فهي تدفعهم إلى السرقة وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة إذ أن: (الكذب رذيلة محضة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها وعن سلوك ينشئ الشر إنشاءً ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة مزعجة أو طبيعة قاهرة) (1).
وقد ذكر د/ محمَّد سيد ندا، نصوصًا كثيرة من الكتاب المقدس تدل على تأصل صفة الكذب في بني إسرائيل.
فجاء في سفر أشعياء: "إنهم شعب متمرد أولاد كذبة أولاد لم يشاؤا أن يسمعوا شريعة الرب الذين يقولون للرائين لا تروا وللناظرين لا تنظروا لنا مستقيمات كلمونا بالناعمات انظروا مخادعات" (2).
وفي أرمياء: "لا تتكلموا عليّ كلام الكذب قائلين هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب، … ها إنكم تتكلمون علىّ كلام الكذب الذي لا ينفع" (3).
ثم يقول: ولقد بلغ بهم الأمر في الاتصاف بتلك الصفة الخسيسة إلى حدّ أن ظهر فيهم أنبياء كثيرون كذبة أو أن كتبة التوراة وصفوا كثيرًا من الأنبياء الصادقين بأنهم كذابون ليسيغوا لليهود الكذب كيفما أرادوا مادام أنبياؤهم كاذبين (4). وفيه -أي أرمياء -أيضًا: "حتى متي يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم" (5).--------------------------------------------
(1) انظر: خلق المسلم: الشيخ محمَّد الغزالي، ص 39 ط دار الدعوة ط / 3 - 1411 هـ / 1990 م.
(2) الإصحاح: (30/ 9 - 10) ويل للأمة المتمردة.
(3) انظر: الإصحاح: (7/ 4 - 8) الديانة الباطلة لا تنفع.
(4) جنايات بني إسرائيل: ص220.
(5) أرمياء: (23/ 9 - 26) أنبياء كذبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
وتأكيدًا لوجود هذه الخصال الذميمة- من كذب وسرقة وغيرها- في التوراة يقول أ/ عبد الله التل: (الكذب في توراة اليهود من الأمور الشائعة التي يصادفها القاريء في أغلب صفحات العهد القديم البالغة 1358 صفحة، ويأخذ الكذب في التوراة عند اليهود أشكالًا مختلفة، تصور كلها نفسية اليهود المريضة، وخيالهم السقيم وعقولهم السخيفة التي تؤمن بالخرافات والسحر والشعوذة وقد امتلأت التوراة بالوعود الكاذبة التي لفقها حاخامات اليهود وحشوا بها توراتهم مثل وعد الله لإبراهيم عليه السلام لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (1)) (2).
ولقد ذكر د/عابد الهاشمى، أن اليهود سوغوا لأنفسهم جواز امتلاك ما ليس لهم بدون وجه حق وبين في كتابه "فلسطين في الميزان" كثيرًا من العهود المفتراه على الأنبياء تبيح لهم تملك أرض فلسطين، وقد فند هذه العهود من خلال النصوص التوراتية، مؤكدًا أنه ليس لليهود حق في فلسطين وأكد نقده بوجهة النظر الإِسلامية مدعومًا بالأدلة القرآنية (3).
ومن المواضع التي تنص على أن الكذب يدفع بني إسرائيل إلى أن يفعلوا ما يشاءون تلك التي رصدها د/ عابد الهاشمي، عن الأوامر المفتراة على الرب بالسرقة والكذب فقال:
(فأخبر بنو إسرائيل المصريين أن عندهم عيدًا لثلاثة أيام في البرية، فاستعاروا بأمر الرب أمتعة ذهب وفضة وثيابًا، وسلبوا مقتنياتهم الذهبية والفضية في أكبر سرقة عالمية: "تكلم موسى في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وأعطي الرب نعمة للشعب في عيون المصريين" (4).
أما سرقة الثياب ففى نص آخر يقول:
"وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى: طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين" (5).--------------------------------------------
(1) تكوين: (15/ 18 - 20) عهد الله مع إبراهيم.
(2) انظر: جذور البلاء أ/ عبد الله التل ص 65 - 67.
(3) انظر: ص 135 - 153 من هذه الدراسة.
(4) خروج: (11/ 2، 3) وانظر: التربية في التوراة ص 127.
(5) خروج: (11/ 35 - 36) الخروج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
ويعلق د/ بدران، على هذه السرقة بقوله:
(إن واقعة السرقة ثابتة تاريخيًا، ولا يستطير كتبة التوراة إنكارها، برروها وبئس ما برروا، لقد ألصقوا التهمة في إله بني إسرائيل وقالوا إنه هو الذي أمرهم بذلك. أي إله هذا الذي يأمر من يتبعونه بسرقة شعب، وأي رسول هذا الذي تكون من مبادئه السرقة؟) (1).
ولذلك يؤكد أ/ عبد الله التل، وجود هذه الخصلة الذميمة في بني إسرائيل قائلًا: (أباحت التوراة الغش والسرقة والطمع ونسبت إلى الأنبياء تحليهم هذه الصفات القبيحة التي يستنكرها المجتمع الإنساني حتى الجماعات الهمجية البدائية التي لم تر نبيًا واحدًا منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا واستدل بنصوص كثيرة منها: قصة رفقة زوجة إسحاق وأم عيسو ويعقوب تحرض ابنها الأصغر يعقوب على سرقة بركة والده بالغش والبركة من حق الابن الأكبر عيسو (تكوين 27/ 5 - 17) وغير ذلك) (2).
وفي نهاية هذا الفصل فإن ما سبق يعتبر أمثلة قليلة من كثير ورد في العهد القديم ونماذج تؤكد أن اللا أخلاقية محور ارتكاز تدور عليه النصوص التوراتية .. أضف إلى ذلك ما ذكره أ/ عبد الله التل في كتابه جذور البلاء من لا أخلاقيات العهد القديم (3) منها ما يلى:
1 - الظلم والطغيان: وبين أن التوراة أول كتاب في العالم يبيح قتل الأبرياء وأخذ الأبناء بجريرة الآباء (4).
2 - الرق والعبودية: وتحت هذا العنوان ذكر نصوصًا تؤكد أن الشعب المختار في نظرة التوراة سيد وبقية الشعوب عبيد يخدمون السادة اليهود إلى الأبد (5).
3 - الغاية تبرر الوسيلة: يواصل أ/ عبد الله التل كشف جذور البلاء في العهد القديم فيقولى: أباحت التوراة أن يصل الإنسان إلى غايته بأية وسيلة حتى لو كانت تلك الوسيلة منافية للأخلاق كتقديم إبراهيم التوراتي ساراي امرأته لفرعون ليحصل له الخير بسببها (6).--------------------------------------------
(1) التوراة: د/ بدران ص 61.
(2) جذور البلاء أ/ عبد الله التل ص 47 - 51.
(3) انظر: جدور البلاء أ/ عبد الله التل ص 44، 51، 56، 56، 60 باختصار.
(4) انظر: عدد: (14/ 18) تمرد الشعب.
(5) انظر: تكوين: (9/ 20 - 27)، (47/ 18 - 22) يوسف والمجاعة.
(6) انظر: تكوين: (12/ 10 - 16) إبراهيم في مصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
وخلاصة الجهود النقدية للعلماء في هذا الموضوع:
اهتم النقاد من علماء المسلمين، بدراسة السلوك الأخلاقي في العهد القديم، وقد ركزوا في نقدهم على إبراز الظواهر السلبية والانحرافات التي تحتوى عليها النصوص التوراتية، واستوعب نقدهم أغلب أسفار العهد القديم، وكان فارس هذا الميدان، د/ على خليل، في كتابه: التعاليم الدينية اليهودية، فقد استوفى فيه جميع الأسفار بالدراسة النقدية، موضحًا ما وقع فيها من خلل، في الأخلاق وعدوان في السلوك.
وبين أنه لا يخلو سفر من أسفار العهد القديم من سلوك لا أخلاقى ومن حادثة عدوان، يليه في الاستيعاب النقدي للجانب الأخلاقي، د/ محمَّد سيد ندا، فقد بين مدى ما تأثرت به المجتمعات من جنايات بني إسرائيل على الدين والمجتمع، وكذلك جهود الدكتور / عابد توفيق الهاشمي، ثم يأتي بعد ذلك باقي النقاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
الباب الثاني
نماذج من نقد متن العهد الجديد
ويشتمل على الفصول التالية:
* الفصل الأوّل: جهود علماء المسلمين فى نقد العقائد في العهد الجديد.
* الفصل الثاني: جهود علماء المسلمين في نقد الشرائع والعبادات والأخلاق في العهد الجديد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
الفصل الأول جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد العقائد في العهد الجديد
ويشتمل على المباحث التالية:
- المبحث الأوّل: نقض عقيدة تأليه المسيح.
- المبحث الثاني: نقض عقيدة بنوة المسيح لله تعالى.
- المبحث الثالث: نقض عقيدة تأليه روح القدس.
- المبحت الرابع: نقض عقيدة التثليث.
- المبحث الخامس: نقض عقيدة الحلول والاتحاد.
- المبحث السادس: نقض عقيدة الصلب والفداء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
تمهيد
تبيّن فيما سبق أن الله عز وجل أرسل سيدنا عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ليزيل تشددهم، ويكِّمل ويتمم لشريعة سيدنا موسى عليه السلام، فأتبعه فريق وخالفه فريق آخر ويا ليت من اتبعه منهم قد التزموا بما أمره الله عز وجل مثلما فعل الحواريون الذين ناصروه واعتدلوا في اعتقادهم به فآمنوا أنه بشر رسول من عند الله عز وجل فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (1).
ومن المؤسف أن الذين ادعوا أنهم نصارى قد انحرفوا في اعتقادهم في الله سبحانه وتعالي وفي سيدنا عيسى عليه السلام وتلوثت عقائدهم بكثير من العقائد الوثنية متأثرين بعقائد الشعوب التي خالطوها، من هذه الانحرافات العقائدية أنهم اتخذوا رجال الدين عندهم أربابًا من دون الله فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2).
وانحرفوا عن عقيدة التوحيد الخالص الذي جاء به عيسى عليه السلام وغيره من الرسل فجعلوا الله ثالث ثلاثة فقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ} (3).
وقد اشتهر هؤلاء بالمثلثة وتنص عقيدتهم على أن عيسي ابن الله وتارة يقولون هو الله ويقولون الله الأب، والله الابن والله الروح القدس، وتأصلت فيهم عقيدة التثليث جيلًا بعد جيل إلى الآن، وغالوا في سيدنا عيسى عليه السلام فقال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (4).--------------------------------------------
(1) سورة الصف الآية: (14).
(2) سورة التوبة الآية: (31).
(3) سورة المائدة الآية: (73).
(4) سورة المائدة الآية: (17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (1).
وليس ذلك فحسب بل اضطهدوا عيسى عليه السلام وأرادوا قتله كما قتلوا غيره من الأنبياء، وادعوا كذبًا أنهم قتلوه وبعد القتل صلبوه وقد نفي القرآن الكريم ذلك وأبطل مزاعمهم فقال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (2).
وزعموا أن هذا الصلب يكفر عنهم خطاياهم التي ارتكبوها فهو المخلِّص والفادي وأن الذنوب لا تُغفر إلا إذا اعترف الخاطئ أمام القسيس وقدم القرابين وصكوك الغفران، وأصبح للكنيسة سلطان على النصارى لا يجب عليهم مخالفته ومن خرج عليها يرمونه بالهرطقة وغير ذلك من القضايا التي جعلوها أساسًا للاعتقاد عندهم بل وضعوا من خلال المجامع المقدسة -في زعمهم- قانونًا يجمع الطوائف المسيحية في صيغة إيمانية واحدة.
ولعلماء المسلمين على مر العصور جهود قيمة في نقد هذه العقائد لا سيما -فترة البحث- ولقد أسسوا نقدهم لتلك العقائد على المعايير التالية:
1 - بيان استحالة ما يدعون عقلًا.
2 - بطلان ما يدعون من عقائد لوقوع التناقض بينها وبين غيرها من العقائد الصحيحة.
3 - معارضهَ مزاعمهم الباطلة لنصوص أخرى في الكتاب المقدس.
4 - رد التأويل الفاسد للنصوص إلى التأويل الصحيح بما لا يخالف أصلًا من أصول التوحيد أو يتضمن فسادًا في العقيدة.
5 - التسليم الجدلي لما يدعيه النصارى استدراجًا لهم في إبطال دعواهم.
وفي هذا الفصل يتضح جيدًا كيف طبق العلماء هذه المعايير أثناء نقدهم للعقيدة النصرانية على النحو التالي:--------------------------------------------
(1) سورة التوبة الآية: (30).
(2) سورة النساء الآية: (157).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
المبحث الأول جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة تأليه المسيح وإبطالها
لقد غالى النصارى في المسيح عليه السلام فذهبوا فيه مذاهب شتي تتسم بالميل والشطط والانحراف عن الحق والنظرة المعتدلة لشخصيته عليه السلام كبشر رسول بعثه الله عز وجل لبني إسرائيل، وهذه العقيدة الباطلة يتم نقدها من خلال المحاور التالية:
1 - مشكلة تأليه المسيح عليه السلام وعرض مقولة النصارى الباطلة.
2 - الأدلة التي يستندون عليها من الكتاب المقدس.
3 - جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في الرد على المقولة الباطلة ونقد الأدلة.
أولًا: مقولة النصارى الباطلة التي تقول بتأليه المسيح عليه السلام-:
اختلف النصارى في تأليه المسيح عليه السلام اختلافًا كبيرًا مما يدلّ على الاضطراب والتذبذب الذي يشوب هذه العقيدة، وبالتالى توضع موضع شك وريبة، وتعددت آراؤهم في هذه العقيدة، وقد ذكر د/ سعد الدين صالح، في كتابه مشكلات العقيدة النصرانية (1) أوردها على النحو التالي:
1 - منهم من قال: إن عيسى هو الإله الحقيقي وأنه ظهر فقط في صورة إنسان دون أن تكون له حقيقة جسد الإنسان، وهو لم يولد بالحقيقة ولا تألم ولا صُلب؛ بل كان جسده مجرد خيال.
2 - ومنهم من قال: إن المسيح هو إله، ولكنه دون الإله الأب فهو إله مخلوق قبل الخلق، كما أن طبيعته تشبه طبيعة الله، وأن الله أوكل إليه خلق العالم ومن هنا استحق العبادة.
3 - وبعض المعتدلين من النصارى قالوا: إن عيسى ليس إلهًا وإنما هو إنسان كامل أو أعظم إنسان ظهر على وجه الأرض وقد رفض هؤلاء تمامًا فكرة تأليه عيسى أو الجمع بين اللاهوت والناسوت في شخصه.
4 - كما ذهب نسطور إلى أن المسيح بين بين، فلا هو إله كامل ولا هو إنسان كامل ولا يمكن أن يحل الإله في عيسى حلولًا حقيقيًا فهو ابن مريم ومن غير المعقول أن تكون مريم أمًا لله، فالله منزه عن أن يولد أو يموت.
5 - والرأي السائد بين النصارى يقول: باتحاد اللاهوت الكامل بالناسوت الكامل في شخص المسيح، فالمسيح في نظرهم ذو طبيعتين تامتين كاملتين، فهو إله تام وإنسان تام، اتحدا في شخصه الواحد بالتجسد وهم يعتقدون أن المسيح هو الإله الذي خلق السموات والأرض وهو الديان الذي سيحاسب الناس على أعمالهم يوم القيامة.--------------------------------------------
(1) ص 94 - 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
نقد هذه المقولة ومناقشة الإمام ابن تيميه لها:
ينتقد الإمام ابن تيميه هذه المقولة الباطلة على اختلاف النصارى فيها على أقوال شيء ويبين أن النصارى لم يستطيعوا أن يثبتوا ألوهية المسيح، وذلك لأن:
1 - النصوص التي استدلوا بها نصوص واهية.
2 - ولأن التحليلات العقلية التى يستنتجونها تحليلات فاسدة ومردودة فيقول: (أنتم لا يمكنكم إثبات كون المسيح هو الله إلا بهذه الكتب، ولا يمكنكم تصحيح هذه الكتب إلا بإثبات أن الحواريين رسل الله معصومون، ولا يمكنكم إثبات إنهم رسل الله إلا بإثبات أن المسيح هو الله، فصار ذلك دورًا ممتنعًا، فإنه لا تُعلم ألوهية المسيح إلا بثبوت هذه الكتب، ولا تثبت هذه الكتب إلا بثبوت أنهم رسل الله، ولا يثبت ذلك إلا بثبوت أنه الله فصار ثبوت الإلهية متوقفًا على ثبوت ألوهيته، وثبوت كونهم رسل الله متوقفًا على كونهم رسل الله فصار ذلك دورًا ممتنعًا) (1).
فليس للنصارى دليل قوى على ما يدعون في حق المسيح عليه السلام من تحليلات عقلية ولذلك قال د/ سعد الدين صالح: ومن الغريب أن هذا الإله الخالق العظيم هو هو الطفل المولود من فرج مريم، وأنه تقدم في نموه العقلى والبدني رويدًا رويدًا حتى اكتمل نموه، يقول لوقا في إنجيله: "أو أما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (2).
(وهذا يفيد أن عيسى الإله كان ينمو بدنيًا وروحيًا وعقليًا، ولا نستطيع أن نعقل كيف حدث هذا، وحتى إذا سلمنا تسليمًا باطلًا بحلول اللاهوت في الناسوت فلنا أن نسأل: ألم يحل اللاهوت بعقله وروحه حلولًا كاملًا؟ أم حل هو الآخر ناقصًا ثم اكتمل مع نمو عيسى من الطفولة حتى الرجولة) (3).
وفي مناقشة مطولة تناول فيها شيخ الإِسلام الرد على اتحاد اللاهوت والناسوت وامتناع ما يدعون عقلًا، وبُطلان تلك المقولة التي يطلقونها على المسيح عليه السلام ويتضح من خلال تلك المناقشة أن شيخ الإِسلام قد برع في استخدام الأدلة العقلية في الرد على النصارى في مشكلة تأليه المسيح عليه السلام فيقول رحمه الله:
(فإذا كان جوهرًا واحدًا لزم لذلك أن يكون اللاهوت قد استحال وتغير وكذلك الناسوت فإن الاثنين إذا صارا شيئًا واحدًا فذلك الشيء الثالث ليس هو إنسانًا محضًا، ولا إلهًا محضًا، بل اجتمعت فيه الإنسانية والإلهية) (4).--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح: 1/ 357.
(2) الإصحاح: (2/ 52) الصبي يسوع يمكث في الهيكل، وانظر مشكلات العقيدة النصرانية ص 95.
(3) مشكلات العقيدة النصرانية: ص 95.
(4) الجواب الصحيح: 3/ 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
ومع أنه قد كان الإنسان والإله اثنين متباينين -وهمًا في اصطلاحهم- جوهران، فإذا صار الجوهران جوهرًا واحدًا، لا جوهرين فقد لزم ضرورة أن يكون هذا الثالث ليس هو إلهًا محضًا ولا إنسانًا محضًا ولا جوهران إنسانًا وإلهًا فإن هذين جوهرين لا جوهر واحد، بل شيء ثالث، اختلط وامتزج واستحال من هذا وهذا، فتبدلت حقيقة اللاهوت وحقيقة الناسوت حتى صار هذا الجوهر الثالث الذي ليس لاهوتًا محضًا ولا ناسوتًا محضًا كسائر ما يُعرف من الاتحاد، فإن كل اثنين اتحدا فصارا جوهرًا واحدًا، فلابد في ذلك من الاستحالة في اتحاد الماء واللبن والخمر، وسائر ما يختلط بالماء، بخلاف الماء والزيت، فإنهما جوهران كما كانا لكن الزيت لاصق الماء وطفا عليه لم يتحد به … وبالجملة فجميع ما يعرفه الناس عن الاتحاد إذا صار الاثنان واحدًا وارتفعت الثنوية، فلابد من استحالة الاثنين (1)، وغير ذلك من المحاورات العقلية التى فند فيها شيخ الإِسلام هذه المقولة الباطلة.
ثانيًا: الأدلة التي يستدل بها النصارى على تأليه المسيح عليه السلام-:
رصد شيخ الإِسلام، والعلامة رحمة الله الهندي، د/ سعد الدين صالح، د/ مريم زامل وغيرهم من العلماء -فترة البحث- أدلة القائلين بألوهية المسيح عليه السلام (2) منها ما يلي:
أ- بعض الأدلة من العهد القديم:
1 - قول أشعياء: "لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعي اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبديًا رئيس السلام" (3).
2 - وفيه أيضًا: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانويل" (4) ومعني كلمة عمانويل "الله معنا" أو إلهنا معنا (5).
3 - وفي ميخا وهو يخاطب بيت لحم: "يخرج الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم الأزل" (6)، وغير ذلك من النصوص التي وردت في العهد القديم وتقرر ألوهية المسيح عليه السلام كما يدعون-.--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح: 3/ 135، ولمزيد من التفصيل يراجع: 3/ 136 - 146،
(2) المرجع السابق: 2/ 123، وإظهار الحق: 2/ 353 - 355، ومشكلات العقيدة النصرانية: ص 96.
(3) الإصحاح: (9/ 6) ولد لنا ولد.
(4) أشعياء: (7/ 14) آية عمانوئيل.
(5) قاموس الكتاب المقدس: ص 639.
(6) الإصحاح: (5/ 2) الوعد بملك من بيت لحم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
ب- بعض الأدلة من العهد الجديد:
1 - قول يوحنا: "الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (1).
2 - وقوله أيضًا: "والآن مجدني أنت أيها الأب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (2).
3 - وجاء أيضًا: "يسوع المسيح هو أمس واليوم وإلى الأبد" (3).
وغير ذلك من النصوص التى وردت في العهد الجديد وتقرر ألوهية المسيح -كما يدعون-.
ثانيًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد أدلة القائلين بتأليه المسيح:
تنوعت الرؤى النقدية لعلمائنا الأجلاء -فترة البحث- حول دعوى تأليه المسيح عليه السلام-فمنهم من نقدها نقدًا إجماليًا، ومنهم من فصل القول فيها محللًا تلك النصوص إلى استدل بها النصارى على دعواهم الباطلة- تحليلًا يتفق مع طبيعتها كنصوص مقدسة -في زعمهم-.
وكان اعتمادهم الأساسي في نقد هذه العقيدة الباطلة على الأدله العقلية والمحاورات المنطقية، وفيما يلي بيان لتلك الرؤى من خلال دراسة جهود العلماء حول تأليه المسيح عليه السلام:
1 - أجمع علماء المسلمين على رد النصوص إلى استدل بها النصارى على ألوهية المسيح عليه السلام لأنها نصوص محرفة، ولم يُعرف من كتبها بعد وبالتالى لا يصح الاستدلال بها، ولذلك عندما ناقش د/ سعد الدين صالح هذه الأدلة فندها على مرحلتين:
المرحلة الأولي: الرفض الكامل لهذه النصوص التى لا يقبلها عقل ولا منطق وذلك:
أ- لأنه يستحيل على نبي من الأنبياء أن يكذب على الله ويدعو الناس إلى عبادته بدلًا من عبادة الله الخالق.
ب- لورود معظم هذه الأدلة عن يوحنا تلميذ بولس الأفاك الذي حرَّف العقيدة النصرانية.
ج- لأنّ هناك نصوصًا أخرى تنص على أن سيدنا عيسى عليه السلام لم يدع الألوهية وإنما ادعى النبوة وحسب ..
منها: "لا تسبوا أباكم على الأرض فإن أباكم الذي في السماء وحده ولا تدعو معلمين فإن معلمكم المسيح وحده" (4). وفي هذا من التناقض ما فيه فكيف يقولون إنه إله في نصوص وأنه لا يعترف لله بالوحدانية في نصوص أخرى.--------------------------------------------
(1) الإصحاح: (8/ 57) يسوع وإبراهيم.
(2) يوحنا: (17/ 5، 24) صلاة يسوع.
(3) رسالة بولس إلى العبرانيين: (13/ 8) وصايا ختامية.
(4) انظر: متي: (23/ 9 - 10) التحذير من الكتبة والفريسيين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
المرحلة الثانية:
التسليم الجدلي بصحة ما استدلوا به عن نصوص مجاراة للخصم ولكن هذه الأدلة لا تدل على أن سيدنا عيسي عليه السلام إله عند تفسيرها تفسيرًا يتناسب مع طبيعتها كوحى سماوي مقدس- كما يدعون- (1).
2 - التناقض والتعارض بين نصوص الأناجيل في هذه القضية: فإن كانت هناك أدلة يحتج بها النصارى على ألوهية المسيح -كما يدعون- فإن هناك نصوصًا أخرى من الأناجيل تثبت أن المسيح عليه السلام ما هو إلا بشر رسول أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل ويعتريه ما يعترى البشر ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر.
ولذلك يقول د/ عبد العظيم المطعنى، وهو يبين موقف الأناجيل من دعوى تأليه المسيح (2): لقد ورد في الأناجيل نصوص كثيرة تدل على أن عيسى إنسان في مواضع متعددة منها:
أ- "لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم … ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا" (3).
ب- "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون: هو ذا إنسان أكول شريب خمر" (4).
ج- "منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله" (5).
د- "ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (6).
ويقول أيضًا: تعددت النصوص التي تصف المسيح عليه السلام بأنّه نبي مرسل من هذه النصوص ما يلي:
1 - "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلنى من يقبل نبيًا باسم نبى فأجر نبي يأخذ" (7).
2 - "ومن قبلنى فليس يقبلنى أنا؛ بل الذي أرسلنى" (8).
3 - إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتى إلى العالم" (9).--------------------------------------------
(1) انظر: مشكلات العقيدة النصرانية: ص 99 - 102.
(2) انظر: الإِسلام في مواجهة الاستشراق: د/ المطعني، ص 399.
(3) متى: (9/ 2 - 6) شفاء مشلول.
(4) متى: (11/ 16) يسوع ويوحنا المعمدان.
(5) لوقا: (22/ 69) استهزاء الحراس.
(6) يوحنا: (8/ 40) أبناء إبراهيم.
(7) متى: (10/ 40) إرسال الاثنى عشر.
(8) مرقس: (9/ 37) من هو الأعظم؟.
(9) يوحنا: (6/ 14) إشباع الخمسة آلاف رجل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
ثم وقف د/ المطعني مع هذه النصوص وقفة نقدية فاحصة قال فيها: إن المفاد الوحيد الذي تشير إليه النصوص المتقدمة ينحصر في هذين الوصفين:
1 - المسيح إنسان.
2 - المسيح نبي مرسل.
ولا نزاع في هذين الوصفين؛ بل هما المعتقد الصحيح في عيسى عليه السلام وهما يفيدان قطعًا أن المسيح ليس إلهًا، إذ لو كان إلهًا فلن يكون إنسانًا ولا ابن إنسان، ولو كان إلهًا فلن يكون نبيًا ولن يكون رسولًا وها هو يقول: "الذي أرسلنى" فمن هو الذي أرسله؟ "هو الله" وهل الله يرسل "الله" مثله … ثم قرر في نهاية بيانه هذا: أن الأناجيل خلت من أي كلمة تُشير إلى أنه قال عن نفسه إنه إله (1).
وقد خصص أبو الفضل المالكي السعودى في كتابه بابًا في إثبات نبوته ورسالته بما أظهر من معجزاته، وقال إن اليهود والنصارى ارتكبوا في شأنه تناقضًا واضحًا وكانوا فيه على طرفي نقيض، فاليهود رموه بالكذب والسحر واستخدام الشياطين في تحقيق أغراضه، والنصارى لم يعترفوا به نبيًا؛ بل قالوا بألوهيته وبنوته لله وأنه خلق العالم وغير ذلك من مخالفات وأباطيل.
وقد سار الشيخ رحمه الله في إثبات نبوة سيدنا عيسى عليه السلام ورسالته وفي نقده لعقائد النصارى على ما يلي:
1 - الالتزام بالمنهج العلمي في الرد على النصارى ونقد عقائدهم وإبطال مزاعمهم.
2 - يغلب على نقده المنهج التحليلي للنصوص لبيان ما تهدف إليه في ضوء ما تحتمله ألفاظها دون مغالاة أو شطط.
3 - طرح الافتراضات الجدلية استدراجًا للخصم فيما يدعي ثم التدرج به إلى التسليم والاعتراف بالخطأ، وبالتالي إبطال ما يدعو إليه.
4 - يستدل على نقده للقضايا المختلفة بمعنى النص دون أن يذكر النص نفسه، وقد قام الأستاذ الدكتور / بكر زكي عوض بذكر هذه النصوص في الهامش مما يدلّ على تمكن فضيلته من معرفة ما تهدف إليه هذه المعاني من نصوص، فله جهد طيب في تحقيق هذا الكتاب.
هذا: وقد ساق الشيخ المسعودى جملة أدلة تؤكد نبوة سيدنا عيسى عليه السلام ورسالته منها: "من قبلكم وآواكم فقد قبلنى وآوانى ومن قبلنى فإنما يقبل من أرسلنى" (2).--------------------------------------------
(1) انظر: الإسلام: د/ المطعني، ص 403.
(2) انظر يوحنا: (10/ 40 - 42) إرسال الاثني عشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
وقال حول هذا الدليل الذي ورد في يوحنا: فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد أن المسيح لم يدع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله ويذكر أن الله غيره وأن الرب سواه وأنه رسول من عند الله (1). بل إن الأناجيل تصرح يأن عيسي وهو يُقاد إلى خشبة الصلب كان يدعو ويقول: إلهى إلهى لماذا تركنني (2)، فكيف يكون إلهًا وله إله آخر؟ (3).
ومما يؤكد بشرية سيدنا عيسي عليه السلام أن الصورة التى رسمتها له الأناجيل ليست إلا صورة إنسان لا تتوفر فيه صفات الألوهية فالله عليم خبير لا يخفى عليه شىء والمسيح ليس كذلك (متي 24/ 36)، ومرقس (13/ 32) والله معبود وسميع الدعاء والمسيح عابد يدعو لله (متي 11/ 25) والله حي لا يموت والإنجيل ينص على أن المسيح ظل ميتًا ثلاثة أيام (متى 17/ 23) والله لا تدركه الأبصار والمسيح كانت تدركه الأبصار وظل محدودًا في رحم أمه فترة حملها به والله لا ينام والمسيح ينام (لوقا 8/ 23 - 24) والله قادر والمسيح غير قادر (يوحنا 5/ 30) وغير ذلك من الأوصاف وثبت من خلالها أن المسيح لم يدع الألوهية أو البنوة لله تعالى (4).
3 - رد التفسير الخاطئ للنصوص التى استدل بها النصارى وحملوها على حقيقتها والتزموا بالتطبيق الحرفى لها. فقام علماؤنا الأجلاء بتوجيه النظر إلى أن المقصود من هذه النصوص المعنى المجازى وليس المعنى الحقيقى لها، مع عرض هذه الدعوى وتلك المقولات الباطلة على العقل. فمثلًا يقول النصارى: إن "عيسى" إله ويروجون لهذه المقولة بأمرين لا ثالث لهما:
الأوّل: ولادته من أم من غير أب.
الثاني: قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره (5).--------------------------------------------
(1) المنتخب الجليل: ص 190.
(2) متى: (27/ 46) الموت.
(3) الإسلام في مواجهة الاستشراق: ص 403.
(4) انظر: تاريخ الإنجيل والكنيسة: أ/ أحمد إدريس، ص 36، 37 بتصرف يسير.
(5) انظر: الإسلام: د/ المطعنى، ص 376.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
مناقشة العلماء للأمر الأول: ولادة سيدنا عيسى عليه السلام من غير أب:
ينتقد العلامة رحمة الله الهندي قولهم بولادته من غير أب بقوله:
إن استدلال النصارى بولادة عيسى عليه السلام بلا أب هو استدلال ضعيف جدًا؛ لأنّ العالم حادث بأسره، وما مضى على حدوثه إلى هذا الزمان ستة آلاف سنة- على زعمهم- وكل مخلوق من السماء والأرض والجماد والنبات والحيوان وآدم خلق عندهم في أسبوع واحد، فجميع الحيوانات مخلوقة بلا أب وأم، فكل هذا يشارك المسيح في كونه مخلوقًا بلا أب، ويفوق عليه في كونه بلا أم … آدم عليه السلام يفوق عليه وكذلك "ملكى صادق الكاهن" - ملك أورشليم- الذي هو معاصر لإبراهيم عليه السلام ففى الرسالة العبرانية: "بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة" (1) فيفوق المسيح في كونه بلا أب وفي كونه لا بداية له (2).
وقد فند شيخ الإِسلام مقولة تأليه المسيح عليه السلام بسبب ولادته من غير أب بالأدلة العقلية والنقلية من وجوه كثيرة منها:
أن قول الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (3).
كلام حق فإنه سبحانه وتعالى خلق هذا النوع البشرى على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، … وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح … ، فلهذا شبهه الله بخلق آدم، الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هى من جنس بدن الإنسان، وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتًا ولا ناسوتًا؛ بل كله ناسوت فكذلك المسيح كله ناسوت (4).--------------------------------------------
(1) الرسالة إلى العبرانيين: (7/ 3).
(2) انظر: إظهار الحق: 2/ 357، 358، بتصرف بالحذف.
(3) سورة آل عمران الآية: (59).
(4) الجواب الصحيح: 2/ 340 - 341، بتصرف بالحذف، الجواب الفسيح: 1/ 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
ويؤكد د/ المطعني، على ما ذهب إليه شيخ الإِسلام من تحليل عقلى منطقى في رده على تأليه النصارى لسيدنا عيسى عليه السلام فيقول ردًا على النصارى في استدلالهم:
أنتم متفقون معنا بأن آدم أبا البشر عليه السلام قد خلقه الله من "تراب" من غير أب ولا أم بيولوجيين فهو إذن أحق أن يكون إلهًا … وتقرون معنا بأن حواء "أم البشر" خلقها الله من آدم، ولا أم لها باتفاق، هذا إذا اعتبرنا آدم جدلًا- أبًا لحواء-، مع رفض هذا الفهم عقيدة وواقعًا. حواء مخلوقة من ذكر بلا أنثى مع أن طبيعة "التولد" تكون من ذكر وأنثى، وأنتم حين تخلف عنصر "الذكورة" في خلق عيسى اعتبرتم ذلك "التخلق" دليل التأليه، فعليه يلزمكم حعسب مقاييسكم أن تمنحوا حواء درجة الألوهية، ولكنكم مع هذا لم تقولوا بألوهية آدم ولا بألوهية حواء وهذا دليل بُطلان قولكم وكل مولود من غير أب فهو إله وما دامت المقدمة باطلة عقلًا وواقعًا لزم على بُطلانها بُطلان النتيجة، فعيسى إذن غير إله (1).
مناقشة العلماء للأمر الثاني: وهو قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره:
هناك جهود قيمة في إبطال ما يدعيه النصارى من أن المسيح عليه السلام قام بمعجزات لم تُعرف لغيره، ويستدلون بها على ألوهيته، يبرز في مقدمة هذه الجهود ما قام به العلامة رحمة الله الهندي وتبعه في ذلك صاحب كتاب الجوهر الفريد وكذلك د/ المطعني. وبينوا أن عيسى عليه السلام لم يكن وحده الذي تحققت على يديه المعجزات؛ بل غيره من الرسل أيضًا أيدهم الله بمعجزات كثيرة.
فيقول العلامة رحمة الله الهندي: الاستدلال بمعجزاته على ألوهيته، استدلال ضعيف؛ لأنّ من أعظم معجزاته إحياء الموتى مع قطع النظر عن ثبوته وعن أنه يفهم عن هذا الإنجيل المتعارف تكذيبه وأن عيسى عليه السلام بحسب هذا الإنجيل ما أحيا إلى زمان الصلب إلا ثلاثة أشخاص، وأحيا حزقيال ألوفًا كما هو مصرح به في الإصحاح 37 من سفره، فهو أولى بأن يكون إلهًا، وأحيا إيلياء ميتًا كما هو مصرح به في الإصحاح 17 من سفر الملوك الأوّل وأحيا اليسع أيضًا ميتًا كما هو مصرح به في سفر الملوك الثاني … وغير ذلك من معجزات أجراها الله على يد أنبيائه ورسله (2). واعتراف المسيح عليه السلام بعدم اقتداره على فعل الشىء من نفسه إلا ما علمه الله وأن كل شىء دُفع له من الله وأن الأعمال التى أعطاها الله إياها هى بعينها إلى عملها لتشهد له بأن الله أرسله (3).--------------------------------------------
(1) الإسلام: د/ المطعني ص 377، 378.
(2) انظر: إظهار الحق: 2/ 358، المنتخب الجليل: المسعودى، ص 201 - 205، الإسلام: د/ المطعني، ص 386.
(3) انظر: الجرهر الفريد، ص 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)