وقد رصد م / الطهطاوى، الأسباب التى أدت إلى ظهور هذه العقيدة ومتى ظهرت، والأدلة التى استند عليها النصارى ثم ناقشها مناقشة عقلية متبعًا في ذلك تحليل النصوص تحليلًا منطقيًا يتفق مع العقل والمنطق ورد دعواهم وأبطلها بالأدلة من الأناجيل المختلفة.
وبين أن هذه الأناجيل تحمل بين طيات نصوصها عوامل هدم ما تحمله من أفكار باطلة فيقول:
1 - إن ما ورد في الأناجيل من نصوص يدعون أنها تشير إلى ألوهية المسيح، لا يمكن أن يعتبر دليلًا على مثل هذا الأمر الخطير وهو اعتبار المسيح إلهًا، وبخاصة إذا اتضح أن هذه الأناجيل من صنع متى ويوحنا أو من صنع الأجيال المتعاقبة، ونسبت إليهم؛ لأنّ الصلة بين إنجيل عيسى المسيح عليه السلام وهذه الأناجيل مقطوعة، والصلة بين هذه الأناجيل والذين نُسبت إليهم تكاد تكون مقطوعة أيضًا (1).
2 - أن كلمة ابن الله أو قول "هذا ابنى الحبيب" لو صح هذا أو ذاك لما كان دليلًا قط على ألوهية المسيح، فإنه استعمال مجازى معناه التكريم والطاعة ونظيره إطلاق الأناجيل على العصاة أنهم أبناء الشيطان مع أنهم أبناء آدم والغرض من ذلك أنهم يطيعون الشيطان كطاعة الأبناء للآباء (2) وغير ذلك من الأدلة التى ساقها م / الطهطاوى وتبين خطأ استناد النصارى عليها في تأليه المسيح.
وأما عن إسهامات صاحب الفارق في إبطال ألوهية المسيح يقول: إن تعميد يوحنا المعمدان -ابن زكريا- للمسيح يناقض زعمهم بأنّه إله وحكاية مجىء المسيح إلى يوحنا المعمدان تقول: "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه ولكن يوحنا منعه قائلًا: أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ، فأجاب يسوع وقال له: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" حينئذ سمح له فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السموات قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (3).--------------------------------------------
(1) النصرانية والإِسلام م / الطهطاوي ص40.
(2) المرجع السابق ص 41. ولمزيد من التفصيل تراجع ص 41 - 43.
(3) متى: (3/ 13) معمودية يسوع المسيح، انظر: (قاموس الكتاب المقدس، ص 1106).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
ويعلق صاحب الفارق على هذا النص منتقدًا ما يشتمل عليه فيقول: (إن المسيح بشر مخلوق لله تعالى، وأنه قبل أن يأتى إلى يوحنا المعمدان لم يكن الوحي ينزل عليه، وأن أول ما نزل عليه الوحي بواسطة روح الله جبريل؛ لأنّ الله تعالى سماه بذلك كما تشهد به كتبهم وأول ما بلغه عن الله تعالى أنه هو الابن الحبيب الذي به كان سرور الله تعالى ولكن أبي هذا المترجم إلا أن يدلس في كل ما يكتبه حيث أسند الكلام إلى غير جبريل عليه السلام (1).
أما عن الرؤية النقدية للدكتور / السقا، حول عقيدة تأليه المسيح عليه السلام فإنه قد أَتبع فيها المنهج التحليلى للنصوص حيث قام برد التفسير الخاطئ الذي يفسره النصارى لنصوص الأناجيل، وفسرها تفسيرًا صحيحًا يتفق وطبيعة المسيح عليه السلام وأذكر هنا بعض النماذج توضح ما قام به من جهد في إبطال ألوهية المسيح. حيث يعرض مقولة النصارى ثم يعقب عليها بالرد وبيان بطلانها.
1 - مما يدلّ على أن المسيح في الأزل مع الأب قوله: "والآن مجدني أنت أيها الأب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم" (2).
الرد: لو كان المسيح في الأزل مع الأب للزم عليه أن يكون هو إلهًا مستقلًا عن الإله الأب، وهذا لا يقول به الأرثوذكس الذين يقولون إن عيسى هو الله نفسه، وهذا التعبير كناية عن أن الله قدر وجود عيسى عليه السلام في الأزل كما يقدر وجود أي إنسان (3).
2 - مما يدلّ على أن المسيح كان في السماء ونزل إلى الأرض قوله لليهود: "أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم أما أنا فلست عن هذا العالم" (4).
الرد: معني الكلام أنتم تعيشون في اللذات الجسدية، أما أنا فأعيش في عالم الروح، أنتم في عالم الأرض تريدون أن تعيشوا أما أنا ففى عالم السماء مقصودى وقد قا
ل المسيح هذا القول بالنسبة لجميع تلاميذه: "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن أنكم لستم من العالم؛ بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم" (5). لقد سوى بينه وبين تلاميذه في عدم الكون من هذا العالم؛ فلو كان هذا مستلزمًا للألوهية للزم أن يكونوا كلهم آلهة (6).--------------------------------------------
(1) الفارق بين المخلوق والخالق: ص 55.
(2) يوحنا: (17/ 5، 24).
(3) أقانيم النصارى: د/ أحمد حجازي السقا، ص 114 ط / دار الأنصار القاهرة / 1397 هـ / 1977 م.
(4) يوحنا: (8/ 23) أنا هو نور العالم.
(5) يوحنا: (15/ 19).
(6) أقانيم النصارى: ص 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
3 - يقولون: إن عيسي إله؛ لأنه كان معصومًا من الخطأ بدليل قوله لليهود: "من منكم يبكتنى على خطية" (1).
الرد: لو كانت العصمة من الخطية سببًا في أن يكون الإنسان إلهًا لكان جميع الرهبان والراهبات عند النصارى آلهة؛ لأنهم يدعون عصمتهم من الخطأ ولكان جميع الباباوات خلفاء بطرس وبولس ومرقس آلهة؛ لأنهم يدعون عصمتهم من الخطايا أيضًا، وقد شهد الكتاب المقدس لبعض الأنبياء بالبر والصلاح فلماذا لم يجعلوهم آلهة؟ (2). وغير ذلك من الأدلة التى فسرها النصارى تفسيرًا خاطئًا، ورد عليهم د/ السقا، ونقدها وفسرها تفسيرًا صحيحًا يتفق مع العقل.
إضافة إلى ما سبق فإن أظهر شىء وقف عليه النقاد المسلمون - فترة البحث - أن المسيح عليه السلام لم يدع الألوهية ولكنه دعا إلى التوحيد وهذا يبطل مزاعمهم في حق المسيح عليه السلام. وأكد ذلك أ/ إبراهيم خليل أحمد، في كتابه فقال: "في إنجيل لوقا سأله رئيس قائلًا: أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية فقال له يسوع: لماذا تدعونى صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد هو الله" (3).
لقد حرص المسيح على أن ينفى عن نفسه صفة الصلاح ويردها إلى الله وحده فكيف يُقال بعد ذلك أن المسيح إله أو ابن إله؟ بل أكثر من هذا نجد في إنجيل مرقس "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هى أول الكل؟ فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا هى اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد" (4) فلم يدع المسيح أنه إله يُعبد لكن موقفه أمام الله كموقف كل بنى إسرائيل ولقد نادى المسيح عليه السلام بالتوحيد صراحة، فجاء في إنجيل يوحنا: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (5) وغير ذلك من الأدلة التي ساقها أ/ إبراهيم خليل، وتدل صراحة على عبودية المسيح لله رب العالمين ودعوته للتوحيد الخالص وأيده في ذلك جميع علمائنا الأجلاء في تناولهم لمناقشة ألوهية المسيح (6).--------------------------------------------
(1) يوحنا: (8/ 46) أبناء إبليس.
(2) أقانيم النصارى: ص 115.
(3) الإصحاح: (18/ 18 - 19) الشاب الغني.
(4) الإصحاح: (12/ 28 - 29) الوصية العظمي.
(5) الإصحاح: (17/ 3).
(6) يُراجع: مناظرة بين الإِسلام والنصرانية لمجموعة من علماء المسلمين والنصرانية، مقال أ/ إبراهيم خليل أحمد، ص 193، نظرة في كتب العهد الجديد وعقائد النصرانية د/ محمَّد توفيق صدق، ص 172، الفارق بين المخلوق والخالق، ص 122، والجواب الفسيح للألوسي، 1/ 196، الجوهر الفريد: ص 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
وخلاصة ما وقف عليه العلماء في إبطال ألوهية المسيح عليه السلام أوجزه فيما يلي:
1 - أن المسيح عليه السلام بشر مخلوق يجرى عليه ما يجرى على سائر البشر من الأكل والشرب والنوم والراحة والتعب وغير ذلك.
2 - أنه عليه السلام لم يدع الألوهية؛ بل اعترف بالعبودية لله تعالى ودعا إلى التوحيد الخالص لرب العالمين لا شريك له.
3 - بُطلان ما استدل به النصارى على هذه العقيدة من نصوص لم تصح نسبتها إلى المسيح عليه السلام بل لم تصح نسبتها إلى أصحابها الذين كتبوها بعد المسيح -كما يدعون-.
4 - ولادته عليه السلام من غير أب معجزة ولكنها لا تكون سببًا في تأليهه؛ لأنّ آدم عليه السلام ولد من غير أب ولا أم ومع ذلك لم يقولوا بألوهيته.
5 - اعتراف المسيح عليه السلام بأنّه لا يقدر أن يفعل شيئًا من تلقاء نفسه ولكن الله سبحانه هو الفاعل الحقيقى فهو يقول للشيء "كن فيكون".
6 - وقد نفى الله عز وجل مزاعمهم وأبطلها، فأنطق الله عز وجل سيدنا عيسى عليه السلام عندما افتروا على أمه مريم عليها السلام وتكلموا عليها، وقد صور القرآن الكريم ذلك فقال تعالى على لسان سيدنا عيسى: "قال إنى عبد الله أتاني الكتاب وجعلنى نبيًا" (1)، فهذا دليل العبودية الكاملة لله رب العالمين، وأنه نبي من أنبياء الله عز وجل، ولقد أخبر الله سبحانه بكفر هؤلاء الذين يتخذون سيدنا عيسى عليه السلام إلهًا فقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (2).--------------------------------------------
(1) سورة مريم، الآية: (30).
(2) سورة المائدة، الآية: (72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
المبحث الثانى جهود علماء المسنمين في نقد عقيدة البنوة "بنوة المسيح لله تعالى"
يكاد يتفق معظم النقاد من علماء المسلمين -فترة البحث- في طريقة نقدهم لهذه العقيدة ولغيرها من العقائد. بعرض مقولة النصارى في المسيح عليه السلام كالبنوة أو التأليه ثم يذكرون النصوص التى يستندون عليها في تأييد مقولتهم الباطلة والتي أولوها تأويلًا فاسدًا أو حمَّلوها ما لا تحتمل، مع أن الأمر بخلاف ذلك ثم يتناولونها بالمناقشة والتحليل على النحو التالي:
1 - عرض مقولة النصارى الباطلة في سيدنا عيسي عليه السلام من البنوة لله تعالى.
2 - الأدلة إلى يستند عليها النصارى في هذه العقيدة من الكتاب المقدس.
3 - جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في الرد على هذه المقولة ونقد الأدلة.
أولًا: مقولة النصاري الباطلة في سيدنا عيسي عليه السلام (بنوة عيسي عليه السلام لله تعالى):
يرصد د/ سعد الدين صالح، د/ مريم زامل، ما يدعيه النصارى على سيدنا عيسى عليه السلام من البنوة لله تعالى فيقول د/ سعد الدين صالح: يدعى النصارى أن عيسى النبي هو ابن الله الوحيد … ويقولون إن ولادته من عذراء لم تعرف رجلًا على الإطلاق دليل على أن له وجودًا ذاتيًا قبل ولادته منها، ودليل على أن له حياة ذاتية تجعله في غنى عن بذرة حياة من رجل آخر، وإنما استمدها من الله نفسه إذًا فهو أبوه (1).
ويقول أيضًا: ويزيد النصارى من هذا الدليل توضيحًا فيقولون: (إن عملية الولادة البشرية تتم عن طريق الرجل والمرأة، فالرجل يعطي الروح لابنه في صورة الحيوان المنوي والمرأة تعطى الجسد لابنها، إذ أنها بعد أن تأخذ الحيوان المنوي من الرجل في طريق الرحم، تبدأ في بناء الجسد من حوله، وفي حالة سيدنا عيسى عليه السلام يقررون أن التي أعطت الجسد هى مريم فهي أمه ولكن الذي أعطاه الروح هو الله فيكون أبوه ويكون عيسى ابنه) (2).--------------------------------------------
(1) مشكلات العقيدة النصرانية: د/ سعد الدين صالح، ص 79 بتصرف بالحذف.
(2) مشكلات العقيدة النصرانية: ص 79، 80.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
وتقول د/ مريم زامل في كتابها: إن عقيدة البنوة تقررت في مجمع نيقية عام 325 م وقد تبنت الطوائف المسيحية من- ملكانية (1) ونساطرة (2) ويعاقبة (3) - هذه العقيدة، واستمرت الطوائف الحديثة- الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك على نفس العقيدة (4).
ثانيًا: الأدلة التي يستند عليها النصارى من الكتاب المقدس:
إن ما أطلقه النصارى على المسيح عليه السلام من مقولات باطلة له مرجعيته الدينية عندهم فلم يكن ادعاؤهم جزافًا بدون دليل ولكنهم يستندون في تدعيم باطلهم بنصوص من الأناجيل والرسائل الأخرى في العهد الجديد.
رقد رصدت د/مريم زامل بعض النصوص التي يستدل بها النصارى (5) من هذه النصوص ما يلي:
1 - "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلًا: هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت" (6).
2 - حكى "مرقس" في إنجيله قصة الرجل الهارب الذي به روح نجسة فقال عنه إنه حين "رأى يسوع من بعيد ركض، وسجد له وصرخ بصوت عظيم وقال: "مالى ومالك يا يسوع ابن الله" (7).
3 - قول الملاك جبرائيل لمريم: "وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيمًا، وابن العلى يدعى ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه" (8).
4 - وقوله لها كذلك: "الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (9).
فهذه الأدلة تدور حول معنى تولد الابن من الأب -كما يزعمون-.--------------------------------------------
(1) نسبة إلى دين ملوك الرومان يقولون بإله مستقل عن الإله الخالق هو الذي تجسد في شكل إنسان هو يسوع المسيح (انظر: هداية الحيارى ص 310).
(2) ذهبوا إلى أن المسيح شخصان وطبيعتان -لهما مشيئة واحدة- وأن طبيعة اللاهوت لما وجدت بالناسوت صار لهما إرادة واحدة (انظر: هداية الحيارى ص 310).
(3) أتباع يعقوب البرادعى يقولون: إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين إحداهما طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت ثم تركبتا فصار إنسانًا واحدًا وجوهرًا واحدًا وشخصًا واحدًا هو المسيح (انظر: هداية الحيارى ص 308).
(4) انظر: موقف ابن تيميه من النصرانية: ص 326، 327، ط جامعة أم القرى، 1416 هـ، وقد سبق تعريف هذه الطوائف في ص 41 - 42 من هذه الدراسة.
(5) انظر: موقف ابن تيميه من النصرانية، ص 329، 330.
(6) متى: (3/ 16، 17) معمودية يسوع المسيح.
(7) الإصحاح: (5/ 6 - 7) شفاء إنسان به روح نجس.
(8) لوقا: (1/ 31 - 32) البشارة بميلاد يسوع.
(9) لوقا. (1/ 35) السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
ثالثًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد الأدلة التي استدل بها النصارى على هذا الادعاء الباطل ومناقشتها:
قام علماء المسلمين -فترة البحث- بالتصدى لهذه العقيدة الباطلة ووجهوا سهام نقدهم لتلك النصوص التى يعتمد عليها النصارى في تأييد دعواهم التى تقول ببنوة عيسى عليه السلام لله تعالى:
فالدكتور/ سعد الدين صالح، ناقش هذه العقيدة مناقشة موضوعية فقال: إن نصوص الإنجيل التى أفادت ببنوة عيسى عليه السلام لله تعالى، نصوص غير صحيحة، ونجل عيسى عليه السلام أن يقولها إطلاقًا، لأنها لا تتفق مع العقل وقوانينه، ولا مع الهدف العام للرسالات الذي هو إثبات وحدانية الإله وتنزيهه عن كل نقص، ولكن هذه النصوص تستلزم الشرك بالله وإلحاق ما لا يليق به من الزوجة والولد وما يلزمهما من نقص وعجز وصفات لا تليق بذات الله، ومن هنا رفض القرآن الكريم هذه العقيدة الزائفة وأشار إلى ما يلزم عليها من النقص والعجز فقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (1)} (2).
(وهكذا يشير القرآن الكريم إلى أن ادعاء البنوة لله هو قول بلا علم يتنزه المولى سبحانه وتعالى عنه؛ لأنّ الولد لا يطلبه إلا المحتاج والله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع كل ما في السموات والأرض، والولد لا يكون إلا من زوجة، والله كيف تكون له زوجة؟ وكيف يكون له ولد وهو خالق كل شىء والعليم بكل شىء .. إذًا فادعاء الولد لله نقص في ذات الله وهو منزه عن النقص) (3).
ويقول أ/ أحمد إدريس: قد استخدمت التوراة والإنجيل لفظ ابن الله في حق كثير من الأنبياء وغيرهم، فآدم ابن الله (لوقا 3/ 38) وشيث ابن الله وإسرائيل ابن الله (خروج 4/ 2) وإبراهيم ابن الله وداود ابن الله الأكبر والقاضي والمفتي أيضًا ابن الله (مزامير 82/ 6) وجميع المسيحيين أبناء الله (يوحنا 3/ 9) وجميع بني إسرائيل أبناء الله وكل اليتامى أبناء الله (مزامير 68/ 5) وجميع العامة والخاصة أبناء الله (متي 7/ 11) (4).--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام الآيتان: (100، 101).
(2) مشكلات العقيدة النصرانية: ص 80.
(3) المرجع السابق ص 81.
(4) تاريخ الإنجيل والكنيسة: أ/ أحمد إدريس، ص 35، مشكلات العقيدة النصرانية: ص 82، النصرانية من التوحيد إلى التثليث: ص 231، المسيح في الإِسلام، ومحاورة مع قسيس حول ألوهية المسيح: أ / أحمد ديدات، ص 60، طبعة دار الفضيلة، 1988 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
المفهوم الحقيقي للبنوة:
وفي بيان معنى البنوة اعتمد د/ سعد الدين صالح في نقده لهذه الدعوى على أمرين:
الأوّل: استحالة ما يدعيه النصارى عقلًا.
الثاني: حمل معني البنوة على المعنى المجازي.
لعلماء المسلمين جهود قيمة في بيان المفهوم الحقيقى للبنوة وجميع من تناول هذه القضية وجه نقده إلى هدم ما يدعيه النصارى من حمل الألفاظ الواردة في التوراة والإنجيل في هذه القضية على حقيقتها وأنها تتعارض مع العقل فلا يقبلها بحال من الأحوال لأنها مستحيلة في حق الله تعالى من هؤلاء العلامة رحمة الله الهندي والألوسى، ود/ سعد الدين صالح ود/ مريم زامل، فالعلامة رحمة الله الهندي في نقده لهذا المفهوم يضعف حمل اللفظ على المعنى الحقيقى ويرده فيقول:
إن إطلاق لفظ ابن الله على المسيح في غاية الضعف؛ لأنّ هذا الإطلاق معارض بإطلاق ابن الإنسان … ؛ لأنه لا يصح أن يكون لفظ "ابن". بمعناه الحقيقى؛ لأنّ معناه الحقيقي باتفاق لغة أهل العلم من تولد من نطفة الأبوين، وهذا محال في هذا المقام، فلابد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح (1).
ولذلك يقول أ/أحمد ديدات: إن البنوة لله لفظ مجازى يستخدم على سبيل الاستعارة، ولفظتا ابن الله، كانتا شائعتين في الاستخدام لدى اليهود (2).
والدكتور / سعد الدين صالح:
قد أكد نقده بالاستدلال من العهد الجديد لبيان خطأ النصارى في فهمهم المبنوة وردهم إلى المفهوم الحقيقي لها ولذلك بدأ نقده متسائلًا فقال: (ما هو المفهوم الحقيقى للبنوة إلى وردت في التوراة والإنجيل؟ هل هى بنوة حقيقية عن طريق التوالد والتناسل والنسب؟ أم أن البنوة مجازية معناها القرب من الله والسير على تعاليمه؟) (3).--------------------------------------------
(1) انظر: إظهار الحق: (2/ 351) بتصرف بالحذف.
(2) المسيح في الإسلام: أ/ أحمد ديدات، ص60.
(3) مشكلات العقيدة النصرانية: ص 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وأجاب عن ذلك بقوله: (بالتأكيد أن المعني الأوّل لا يليق في حق الله إطلاقًا، ولو أخذ به النصارى وادعوا أن عيسى هو ابن الله الوحيد يُقال لهم: إن كل الذين وصفوا بأنهم أبناء الله في التوراة والإنجيل يشاركون عيسى عليه السلام نفس الوصف مع أنه مستحيل عقلًا في حق الله، وقد جاءت كل الرسالات لتتريهه عن النقص، إذن لا بد أن يكون للبنوة مفهوم آخر هو المعنى المجازى الذي يليق في حق الله وهو أن البنوة معناها القرب من الله والمحبة والسير على تعاليمه واتباع أوامره واجتناب نواهيه. وفي هذا المعنى يقول من: "أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم … لكى تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" (1)) (2).
وتزيد د/ مريم زامل، على ما سبق بُعدًا توضيحيًا يوضح بُطلان البنوة لله تعالى فتقول: إن عيسى عليه السلام قد أوضح لنا هذا المجاز وأن بنوة الله بالأعمال: "أنتم تعملون أعمال أبيكم" (3) فهي ليست بالتناسل والتوالد وإنما بالعمل الصالح وصدق الإيمان. ونفس المعني ردده "بولس" في رسالته إلى أهك رومية: "لأنّ كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (4).
وقد جاء في الأناجيل لفظ "ابن الله". بمعنى المؤمن الصالح الطائع، من ذلك ما رواه "مرقس" في إنجيله حيث يقول: "ولما رأى قائد المئة الواقفى مقابله، وأنه صرخ هكذا، وأسلم الروح قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله (5) " (6).
ويؤكد هذا الإطلاق -إطلاق لفظ الابن علي المؤمن الصالح- صاحب كتاب الفارق بين المخلوق والخالق - وهو ينتقد ما جاء في من (5/ 44، 45) "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" يقول: الذي يظهر من هذه الجمل أن في الزمن الأوّل كانوا يسمون المؤمن الطائع ابن الله كما هو الواضح من نصوص التوراة، وأبناء الله بصيغة الجمع هم المؤمنون الطائعون، كما أن الآب يستعمل. بمعنى الموجد الحقيقى وهو الله تعالى، فلا إشكال ولا بأس إذن بإطلاق لفظ ابن الله على المسيح بالمعنى المذكور وإلا لزم أن يكون جميع المؤمنين أبناء الله حقيقة كالمسيح إذ صرح بقوله: "كونوا أبناء الله" فلا بد من حمل معنى كلامه على ما تقدم (7).--------------------------------------------
(1) متى: (5/ 44، 45) محبة الأعداء.
(2) مشكلات العقيدة النصرانية ص 83.
(3) انظر: يوحنا: (8/ 41) أبناء إبراهيم.
(4) رسالة بولس إلى رومية: (8/ 14) الحياة حسب الروح.
(5) الإصحاح: (15/ 39) الموت.
(6) موقف ابن تيميه من النصرانية (1/ 436).
(7) الباجة جي زادة البغدادي ص 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
ويقيم البغدادي رحمه الله، الأدلة العقلية والنقلية على بطلان القول ببنوة المسيح لله تعالى وبالتالي أبوة الله له على الحقيقة فيقول: جعل المسيح "ابن الله" أي مولودًا منه -كما أطلق عليه النصارى ذلك- مردود عقلًا ونقلًا. أما من جهة العقل: فإن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، فولده إما أن يكون أيضًا واجب الوجوب أو لا يكون، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلًا بنفسه، قائمًا بذاته، لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن مولودًا البتة؛ لأنّ المولودية تشعر بالفرعية والحاجة وإن كان ذلك ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاده واجب الوجود لذاته ومن كان كذلك فيكون مخلوقًا لا ولدًا فثبت أن من عرف الإله ما هو (أي مفهوم الإله وحقيقته) امتنع أن يثبت له ولد … إلى غير ذلك من الأدلة العقلية التى ساقها إلى أن قال: فثبت بالبداهة بطلان ما ذهبت إليه النصارى (1).
وأما من جهة امتناع هذه العقيدة نقلًا فيقول العلامة البغدادي: فإذا علمت أن الولد مستحيل على الله تعالى عقلًا، فاعلم أن ذلك ممتنع نقلًا أيضًا؛ لأنّ الكتب السماوية كلها تنزه البارى سبحانه وتعالى عن ذلك حتى التوراة والإنجيل مع كونهما محرفين وما ورد فيهما مما يوهم ذلك فهو مؤل: من ذلك ما ورد في التوراة: "يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"،
وفي صموئيل الثاني (7/ 14): قال داود: "أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنًا "وفي التوراة" أن داواد ابن الله" وفي لوقا: "آدم ابن الله" وكذلك المؤمن البار أدخل تحت هذا العنوان فلا خصوصية فيه للمسيح عليه السلام (2).
من خلال الجهود السابقة لعلمائنا الأجلاء في نقد عقيدة البنوة يتبين ما يلي:
1 - المقصود من البنوة في حق المسيح عليه السلام-المعني المجازي لها وهو المحبة والطاعة والسير على تعاليم الله عز وجل.
2 - النصارى يفسرون البنوة بمعناها الحقيقى وهذا مُحال على الله تعالى ولا يليق بذاته المقدسة.
3 - وجود التعارض والتناقض في هذه العقيدة يكفي بردها وإبطالها.
4 - مخالفة هذه الدعوى لصريح المعقول.
5 - عدم قصر إطلاق البنوة على المسيح عليه السلام لأنها بالمعنى الصحيح لها -وهو المعنى المجازي- تطلق على غيره من المؤمنين الطائعين أيضًا فلم يكن في هذه اللفظة خصوصية له بالذات عن غيره من الأنبياء.
وهذه المقولة التى، يلقيها النصارى جزافًا إنما هي مجرد قول باللسان لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، فقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (3).--------------------------------------------
(1) الفارق: 184 - 186، 195، بتصرف يسير.
(2) المرجع السابق: ص 198، انظر: أرقام الإصحاحات لهذه النصوص في ص330 من هذه الدراسة.
(3) سورة التوبة الآية: (30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
المبحث الثالث جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة تأليه الروح القدس
الروح القدس في عرف المسيحيين هو الروح الذي حل على العذراء لدى البشارة لها، وعلى المسيح في العماد وعلى الرسل بعد صعود المسيح إلى السماء وفى نظر المسلمين فإن الذي أرسل إلى العذراء بالبشارة بولادة عيسى عليه السلام هو الملك جبريل عليه السلام (1).
وبقراءة متأنية لما قام به علماؤنا الأجلاء حول عقيدة ألوهية الروح القدس يمكن حصر جهودهم فيما يلي:
أولًا: عرض مقولة النصارى الباطلة في الروح القدس ونقدها.
ثانيًا: عرض أدلة القائلين بألوهية الزوج القدس وجهود العلماء في نقدها.
أولًا: عرض مقولة النصارى الباطلة في الروح القدس ونقدها:
ألوهية الروح القدس من العقائد الباطلة إلى تمسك بها النصارى وجعلوها من صلب عقيدتهم، وهي عندهم تعتبر الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث المقدس، وقد تقرر تأليه الروح القدس في مجمع القسطنطينية عام 381 م (2) والقرار الذي وافق عليه المجمع هو: تأليه الروح القدس ولعن من يقول بغير ذلك فقالوا: (ليس روح القدس عندنا. بمعنى غير روح الله، وليس روح الله شيئًا غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق فقد قلنا أن روح الله مخلوق، وإذا قلنا أن روح الله مخلوقة قلنا أن حياته مخلوقة وإذا قلنا أن حياته مخلوقة فقد زعمنا أنه غير حي، فقد كفرنا به ومن كفر به وجب عليه اللعن) (3).
ويقول د/ محمَّد مجدي مرجان، موضحًا ما يراه أصحاب الثالوث عن هذه العقيدة الباطلة: (يري أصحاب الثالوث أن الروح القدس الذي يمثل عنصر الحياة في الثالوث المقدس يعتبر أقنومًا قائمًا بذاته وإلهًا مستقلًا بنفسه، فالثالوث المقدس ثلاثة أقانيم هي الذات والنطق والحياة، فالذات هو الله الأب، والنطق أو الكلمة هو الله الابن، والحياهَ هى الله الروح القدس، وذلك أن الذات والد النطق والكلمة مولودة من الذات، والحياة منبعثة من الذات) (4).--------------------------------------------
(1) المسيحية: د/ أحمد شلبي، ص 156
(2) انظر: محاضرات في النصرانية: أبو زهرة، ص 133، النصرانية والإِسلام: م / محمَّد عزت الطهطاوي، ص 45، 46، والنصرانية من التوحيد إلى التثليث: ص 235، والمسيحية: د/ أحمد شلبي، ص 156، وحقيقة النصرانية من الكتب المقدسة: د/ السقا، ص 133 ط دار الفضيلة. بدون.
(3) الجواب الصحيح: 3/ 36، المسيحية: د/ أحمد شلبي، ص 157.
(4) الله واحد أم ثالوث: د/ محمَّد مجدي مرجان، ص 116 ط دار النهضة العربية. بدون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
نقد الأساس الذي وافق عليه مجمع القسطنطينية بتأليه الروح القدس:
يقول فضيلة الشيخ / أبو زهرة في نقده لهذا القرار: (المذكور في مقدمته "ليس روح القدس عندنا. بمعنى غير روح الله" يقول: إن مقدمة هذه السلسلة وهي أن روح القدس هي روح الله فهذا لا يسلمه له مخالفه ولا يستطيع أن يقيم عليه دليلًا، والعقيدة الصحيحة هي أن روح القدس خلقه الله واتخذه ليكون رسولًا بينه وبين من يريد أن يلقى عليه وحيًا من خلقه أو أمرًا كونيًا، فهي ليست روح الله المتعلقهَ بذاته وليس عنده من دليل على ما قال) (1).
ووافقه على ذلك م / محمَّد عزت الطهطاوي ود/ أحمد شلبي، وزاد على هذا النقد م / الطهطاوي، أدلة من العهد القديم والعهد الجديد (2) تؤكد أن من يطلق عليه الروح لا يتصف بالألوهية بأي حال من الأحوال وهذه الأدلة ما يلي:
1 - ما جاء في سفر العدد: "وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلًا الشيوخ فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا" (3).
2 - وما جاء في سفر أشعياء: "ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب" (4).
3 - وما جاء في لوقا: "سمعان عليه روح القدس" (5).
ويعلق م / الطهطاوي، بعد سرده للأدلة بقوله: (ولو كان من يتصف بصفة الروح أو من عليه الروح إلهًا لاشترك في الألوهية مع المسيح السبعون رجلًا الشيوخ من بني إسرائيل مع موسى وسمعان وغيره ممن تأيدوا بالروح) (6).--------------------------------------------
(1) محاضرات في النصرانية: ص 133.
(2) انظر: النصرانية والإِسلام ص 46.
(3) الإصحاح: (11/ 25) سلوى من عند الرب.
(4) الإصحاح: (11/ 1) جذع يسي، ويسي هو ابن عوبيد وأبو داود وابن ابن راعوث وبوعز (قاموس الكتاب المقدس ص 1065.
(5) الإصحاح: (2/ 25) ختان الطفل يسوع وتقديمه في الهيكل.
(6) النصرانية والإِسلام: ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
ثانيًا: عرض أدلة القائلين بتأليه الروح القدس وجهود العلماء في نقدها:
ذكر شيخ الإِسلام الأدلة التي استدل بها النصارى على ألوهية الروح القدس وناقشها ورد عليها بطريقة علمية، وقد جاءت هذه الردود في أماكن متفرقة من كتابة .. أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1 - يستدل النصارى بما ينقلونه على لسان داود النبي: "لا تطرحنى من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني" (1).
ويُبطل شيخ الإِسلام استدلالهم بهذه الشبهة فيقول في نقده لهذا الدليل: "هذا دليل على أن روح القدس التى كانت في المسيح من هذا الجنس (الموجود في داود وغيره) فعلم أن روح القدس لا خصوصية للمسيح فيها؛ بل هى وباتفاقهم أنها حلت في داود وفي الحواريين وفي غيرهم وليس للمسيح خصوصية في ذلك وإلا فيلزم على قولهم: إن روح القدس هي حياة الله، ومن حلت فيه يكون لاهوتًا، يلزم على قولهم هذا أن يكون كل هؤلاء الذين حلت فيهم روح القدس فيهم لاهوت وناسوت كالمسيح -عندهم- وهذا خلاف إجماع المسلمين واليهود والنصارى … ، حيث أنهم متفقون على أن داود وغيره عباد الله عز وجل وإن كانت روح القدس فيهم.
كذلك فالمسيح عبد الله وإن كانت روح القدس فيه فما ذكرتموه عن الأنبياء حُجة عليكم (2).
2 - "اذهبوا إلى جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس إله واحد وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (3).
ويرد شيخ الإِسلام على استدلال النصارى بهذا النص مفندًا ما يشتمل عليه فيقول: (إن دليلكم هذا هو عمدتكم على ما تدعونه من الأقانيم الثلاثة، وليس فيه شىء يدلّ على ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا. فإن لفظ روح القدس لم يستعمل قط في الكتب الإلهية في معنى صفة من صفات الله، ولم يسم أحد من الأنبياء حياة الله التى هى صفته روح القدس ولا أرادوا ذلك، وإنما أرادوا بروح القدس ما ينزله على الصديقين والأنبياء من الوحى والهدي والتأييد) (4).
وبناء على ذلك فإن ما استدل به النصارى من نصوص توراتية أو إنجيلية لا يصلح أن يكون دليلًا على ألوهية الروح القدس؛ بل هى حجج واهية لا تعدو إلا أن تكون أدلة ظنية غير قاطعة والدليل إذا تطرق إليه الظن أو الاحتمال سقط به الاستدلال.--------------------------------------------
(1) مزامير: (51/ 11).
(2) انظر: الجواب الصحيح: 2/ 142، بتصرف بالحذف.
(3) متى: (28/ 19) يسوع يظهر للتلاميذ.
(4) الجواب الصحيح: 2/ 150، بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
المقصود بالروح القدس في الكتاب المقدس:
وأمام هذا الانحراف العقائدى يطالعنا د/ محمَّد مجدي مرجان في إطلالة نقدية متميزة تنم عن علم واسع بما يحتوى عليه الكتاب المقدس، ودراية تامة بما ترمى إليه نصوصه، وهو شاهد صدق على ما يدعون، فنجده يحلل النصوص تحليلًا موضوعيًا وفي حيدة تامة ونزاهة واضحة تؤكد حرصه على مشاعر الطرف الآخر متبعًا في مناقشته ما يدعون أسلوب الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، وقد بين في كتابه المقصود بالروح القدس وذكر أنها وردت في أماكن متعددة من الكتاب المقدس كل مكان منها يدل على معنى معين لها .. من هذه المعانى التي ذكرها ما يلي:
1 - وردت. بمعنى أن الله خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه فتقول التوراة: "وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية" (1) أي أن الله أعطى آدم روحًا من خلقه فصار آدم نفسًا حية فروح آدم وحياته نفخة من روح الله.
2 - وردت بمعنى القوة التي يبعثها الله لتأييد أنبيائه وشد أزر عباده الصالحين .. يقول الإنجيل: "روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين" (2)؛ "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأنّ الله كان معه" (3).
فلفظ روح القدس هنا مرادف للفظ القوة، فالروح القدس هي القوة إلى أيد الله بها السيد المسيح من لدنه تعالى، وبهذه القوة استطاع المسيح صنع المعجزات وهذه القوة ليست مادية منظورة وليست إلهًا قائمًا بذاته، وإنما هى قوة روحية قدسية (4).
3 - وروح الله القدس هي الروح الطيب روح الخير، وذلك بعكس روح الشيطان وهو الروح الخبيث روح الشر تقول التوراة: "فانطلق شاول إلى نايوت في الرامة وحلت عليه روح الرب فجعل يسير ويتنبأ" (5) ثم تقول التوراة: إن شاول لما عصى الله بيع ذلك وأصبح رجلًا شريرًا سحب الله منه القوة إلى كان قد أمده بها فتقول: "وابتعد روح الله عن شاول وصار روح رديء يعذبه بأمر الرب" (6).--------------------------------------------
(1) تكوين: (2/ 7) آدم وحواء.
(2) لوقا: (4/ 18) رفض الناصرة له.
(3) أعمال الرسل: (10/ 38) والناصرة مدينة في الجليل شمالي فلسطين (قاموس الكتاب المقدس ص 947).
(4) انظر: الله واحد أم ثالوث: ص 117 - 120، باختصار وبتصرف.
(5) صموئيل الأوّل: (19/ 23) ونايوت موضع في منطقة الرامة التى هى قرية تبعد عن أورشليم خمسة أميال (قاموس الكتاب المقدس ص 392، 948).
(6) صموئيل الأوّل: (19/ 9) شاول يحاول قتل داود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
4 - والروح القدس هو الروح الطاهر المبارك الروح الأمين ذلك أن القدس في اللغة معناها الطُهر أو البركة، ومن هنا أُطلق الروح القدس على ملاك الله جبريل عليه السلام (1).
وخلاصة ما وقف عليه علماؤنا الأفاضل في إبطال تأليه الروح القدس أن:
1 - ما استدل به النصارى على ألوهية الروح القدس لا يصلح أن يكون دليلًا على دعواهم.
2 - لىّ أعناق النصوص من قبل النصارى لتأييد ما يدعون.
3 - روح القدس ليست هى الله وليست إلهًا قائمًا بذاته والقول الحق فيها أن المقصود بها جبريل الأمين عليه السلام.
4 - أن الله عز وجل أيد بروح القدس أنبياءه وعباده الصالحين لتمدهم بالقوة وتشد من أزرهم.
5 - إبطال ما يدعى النصارى من خصوصية الروح القدس بالمسيح عليه السلام ولكن الله عز وجل أيد بروح القدس جميع أنبيائه.--------------------------------------------
(1) الله واحد أم ثالوث: ص (122 - 124) باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
المبحث الرابع جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة التثليث
تبيّن فيما سبق أن سيدنا عيسى عليه السلام دعا إلى التوحيد الخالص ولكن النصارى لم يحافظوا على هذه العقيدة الصحيحة وانحرفوا من الوحدانية إلى التثليث وتحولت النصرانية من الإيمان إلى الكفر ومن التوحيد إلى الشرك بعد رفع المسيح عليه السلام، وقد ظهرت عقيدة "التثليث" في مجمع نيقية 325 م الذي وضع أساسها ثم اكتملت صيغتها الرسمية في مجمع القسطنطينية عام 381 م ومع أن عقيدة التثليث تعتبر أهم ركن من أركان النصرانية ولا يعتبر الشخص نصرانيًا إلا إذا آمن بهذا الثالوث فإن الكتاب المقدس لا يشتمل على لفظ الثالوث أو لفظ الأقانيم، ولكن النصارى يحتجون لذلك بأن تعليم الثالوث مطابق لنصوص في الكتاب المقدس (1).
وهذه العقيدة الباطلة يتم نقدها من خلال المحاور التالية:
1 - الأدلة التي يستدل بها النصارى على عقيدة التثليث.
2 - عرض مقولة الطوائف النصرانية في التثليث.
3 - جهود العلماء في نقد الأدلة والرد عليها.
وبالقراءة في كتابات علمائنا الأجلاء يضع الباحث يديه على جملة من النصوص التي استدل بها النصارى على تلك العقيدة وقد ذكرها كل من صاحب الجوهر الفريد أيوب بك صبري ود/ مريم عبد الله زامل، د/ سعد الدين صالح، د/ محمَّد أحمد الحاج .. أذكر هذه الأدلة أولًا، ثم أبين جهود العلماء في نقدها والرد عليها.--------------------------------------------
(1) انظر: النصرانية من التوحيد إلى التثليث: د/ محمَّد أحمد الحاج، ص 219، مشكلات العقيدة النصرانية: د/ سعد الدين صالح، ص 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
أولًا: الأدلة التي يستند عليها النصارى في قولهم بالتثليث:
أفادت د/ مريم عبد الله زامل في كتابها، موقف ابن تيميه من النصرانية: (أنه لا توجد للنصارى أدلة صريحة من التوراة تدل على عقيدة التثليث لديهم، وإنما يُفهم ضمنيًا منها، فقد جاءت ألفاظ في التوراة مثل "كلمة الله، حكمة الله، روح القدس … " ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعانى؛ لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت) (1).
أما النصوص التي يستدل بها النصارى من العهد القديم ويدعون أنها تدل على التثليث والتي ذكرها العلماء منها ما يلي:
أدلة من العهد القديم:
1 - ما جاء في سفر التكوين: "في البدء خلق الله السموات والأرض" (2).
2 - والنص الذي يقول: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (3).
3 - والنص الذي يقول: "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض" (4).
4 - وما ورد في سفر أشعياء: "من أرسل ومن يذهب من أجلنا" (5).
5 - وفي سفر العدد: "يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا" (6).
6 - حادثة ظهور الله لإبراهيم: (7) وحادثة ظهور الله في العليقة (8).--------------------------------------------
(1) 2/ 560.
(2) تكوين: (1/ 1) البدء.
(3) تكوين: (1/ 26) السابق.
(4) تكوين: (11/ 7).
(5) أشعياء: (6/ 8).
(6) عدد: (6/ 24 - 26).
(7) تكوين: (18/ 1 - 33) الزوار الثلاثة.
(8) خروج: (3/ 1 - 22) موسى والعليقة المشتعلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
أدلتهم من العهد الجديد:
1 - " بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها" (1).
2 - "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس" (2).
3 - ومتى جاء المعزى الذي سأرسله إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي" (3).
4 - "فإن الذين يشهدون في السماء ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (4).
5 - "الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (5).
6 - "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه" (6).
وغير ذلك من الأدلة التي ذكرها علماؤنا الأفاضل ويقحمها النصارى في تأييد باطلهم. ويستنتجون من هذه النصوص عقيدتهم الباطلة إلى تقول بالتثليث عن طريق لي أعناق النصوص وتفسيرها حسب أهوائهم، وقد ذكر علماؤنا الأجلاء ما ذهبت إليه طوائف النصارى في تقرير التثليث على النحو التالى:
ثانيًا: مقولة الطوائف النصرانية في التثليث:
مقولة الأرثوذكس:
(يعتقد الأرثوذكس أن الله واحد في أقانيم ثلاثة هكذا: الله عز وجل تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا- نزل من السماء واختبأ في بطن مريم العذراء تسعة أشهر وكان لما دخل بطنها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم أصبح جنينًا كاملًا، ثم خرج طفلًا اسمه عيسي- ونما كما ينمو الأطفال ولا بلغ سن الثلاثين بلغ الرسالة وبعد سنتين وأشهر قتله اليهود وصلبوه، ثم دفن فى القبر ثلاثة أيام ونزل إلى الجحيم وهو في القبر ثم خرج في اليوم الثالث وصعد إلى السموات ويسمي: الأب قبل التجسد ويسمى: الابن بعد التجسد ويسمي: الروح القدس الاسم الذي كان له قبل إنشاء العالم. أي أن عيسى هو الله خالق السماء والأرض والله هو عيسى. ويستدلون على مذهبهم بقول بولس: الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة، كرزبه بين الأمم: أُومِنَ به في العالم رفع في المجد" (7)) (8).--------------------------------------------
(1) مزمور: (33/ 6).
(2) متى: (28/ 19) يسوع يظهر للتلاميذ.
(3) يوحنا: (15/ 26) العالم يبغض يسوع والتلاميذ.
(4) رسالة يوحنا الأولي: (5/ 7) الشهادة ليسوع المسيح.
(5) لوقا: (1/ 35) البشارة بميلاد يسوع.
(6) متى: (3/ 16) معمودية يسوع المسيح.
(7) رسالة بولس الأولي إلى تيموثاوس (3/ 16) الشمامسة.
(8) أقانيم النصارى: د/ السقا، ص 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
مقولة الكاثوليك والبروتستانت:
يقولون: إن الآلهة ثلاثة متميزون ومنفصلون: الأب -الابن- الروح القدس- يقول الكاثوليك في شرح الآية الأولى من إنجيل يوحنا: "والكلمة كان عند الله: يعني: أن الكلمة متميز عمن ولده، فالآب غير الابن. والابن غير الآب ومع ذلك فهما شيء واحد في الطبيعة والذات والحكمة" (1).
(والأقانيم على مذهب الأرثوذكس: مراحل لأنّ الله انقلب إلى إنسان واتخذ جسد إنسان فله طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، والأقانيم على مذهب الكاثوليك والبروتستانت ذوات متميزة لأنّ عيسي كما جاء في كلامهم: "مساو للآب بحسب لاهوته، ودون الآب بحسب ناسوته" ومع هذا التميز يقول الكاثوليك والبروتستانت: بأن الله واحد لئلا يكذبوا التوراة والإنجيل المصرحتان بالوحدانية) (2).
ثالثًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد الأدلة السابقة والرد عليها:
أَتبع علماء المسلمين -فترة البحث- في نقدهم لتلك الأدلة إلى يستند إليها النصارى في قولهم بالتثليث- اتبعوا منهجًا علميًا متميزًا في هدم هذه العقيدة الباطلة .. برز في هذا المنهج كثير من الرؤى النقدية- لعلمائنا الجلاء- القائمة على أسس ومعايير واضحة ومحددة قد أشرت إليها قبل ذلك في نقد متن العهد القديم وتميزت هذد الرؤى المتنوعة بما يلي:
1 - عرض تأويلات النصارى لهذه النصوص على الحقائق العلمية الثابتة لبيان الصواب من الخطأ في تأويلهم لها.
2 - عرض النصوص على العقل إذ أن العقل السليم هو الميزان الذي يزن الأمور بدقة تامة بعد الاستدلال النقلى.
3 - تحليل النصوص في حدود ما تحتمله الألفاظ دون انحراف أو شطط.
4 - المناقشة المنطقية لهذه الدعوى في حيده تامة وموضوعية كاملة.
5 - بيان خطأ النصارى في استدلالهم وخطأ استنباطهم لأسس هذه العقيدة من النصوص التى يعتمدون عليها.
وسوف يتضح هذا المنهج من خلال تتبع جهود علمائنا الأجلاء في نقد عقيدة التثليث وردها ويمكن حصر ما قاموا به من جهود تحت العناوين التالية:
1 - بطلان استنتاج النصارى من الأدلة إلى يستندون عليها في التثليث.
2 - مناقشة الأدلة إلى يستند عليها النصارى في تقرير عقيدة التثليث.
3 - نقد عقيدة التثليث بأدلة من الكتاب المقدس.
4 - نقد عقيدة التثليث بالأدلة والبراهين العقلية.--------------------------------------------
(1) أقانيم النصارى ص 68، انظر حواشي على الكتاب المقدس للكاثوليك (3/ 479) ط بيروت 1968 م.
(2) المرجع السابق: ص 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
أولًا: بطلان استنتاج النصارى عقيدة التثليث من الأدلة السابقة:
أجمع علماء المسلمين أنه لا يوجد دليل صريح يدلّ على التثليث لا من العهد القديم ولا من العهد الجديد وأن النصوص التي يدعون أمّا تؤيد دعواهم لا تدل من قريب أو من بعيد على أن الآلهة ثلاثة بل تدل على أن الله سبحانه واحد وهو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن ولكنهم يلوون أعناق النصوص ويفسرونها حسب أهوائهم ولذلك تقول د/ مريم عبد الله زامل:
إن التعبير في النص بلفظ الله أو ألوهيم ليس فيه ما يدل على التثليث لا ضمنًا ولا استتارًا؛ بل كل ما يدلّ عليه النص: أن الله جل جلاله في بدء عمارة الكون خلق السموات والأرض وأن لفظ الجلاله (الله) لا يُطلق إلا على الذات الإلهية وهو الله سبحانه وتعالى فقط وبذلك يتبين تعسفهم وشططهم في تأويل النصوص فأين صيغة الجمع في هذا اللفظ؛ بل إن صاحب قاموس الكتاب المقدس لم يشر إلى أن هذا اللفظ "ألوهيم" يدل على الجمع بل قال: "يدلّ هذا الاسم على صفة الله كالخالق العظيم وعلى علاقته مع جميع شعوب العالم من أمم ويهود" (1) فهذا اللفظ التعظيم وليس فيه دلالة على التثليث" (2).
وفي المناظرة التي تمت بين القس سوجارت والعلامة أحمد ديدات يُلاحظ أن استنتاج القس سوجارت استنتاج خاطئ وقد بين العلامة ديدات بُطلان هذا الاستنتاج واستخدم الاستدلال المنطقى والترتيب العقلى للأفكار والمعلومات التى توضح تلك العقيدة كما يفهمها النصارى ثم يعرض لها بذكر المقدمات السليمة التى تؤدى إلى نتيجة سليمة أيضًا مؤداها بُطلان هذه العقيدة المزيفة والتي يعتقدونها وتوضيح ذلك كالتالى:
عبر الأب سوجارت على ذلك بقوله: إن الرب يعلمنا بوجود إله واحد وليس اثنين أو خمسة أو عشرة أو خمسة عشر "وأنه تجلى في ثلاثة أشخاص، ثلاث شخصيات مختلفة نحن نؤمن بوجود الأب السماوي والإله الابن ونؤمن بالروح القدس الذي غشى مريم. إنه إله أيضًا وهم كلُ لا يتجزأ بمعنى أنهم متفقون تمامًا وفي توحد وانسجام لا يختلفون أبدًا ولن يختلفوا أبدًا" (3).--------------------------------------------
(1) انظر: موقف ابن تيميه من النصرانية: 2/ 562.
(2) قاموس الكتاب المقدس: ص 107.
(3) انظر: المناظرة الحديثة في علم مقارنة الأديان بين الشيخ/ أحمد ديدات والقس سوجارت، ص 192 جمع د/ السقا، مكتبة زهران بالأزهر بمصر 1408 - 1988 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)