والذي حكاه الشعراء العرب عن مغامراتهم مع الغيلان ونقلوه من كلامهم، هو بلا ريب من كلام الشعراء أنفسهم.
ودون أن ندخل في مناقشة لحقيقة هذه المغامرات وما إذا كان الشعراء فيها يحكون عن مشاهدة لما تجسَّد من تصوراتهم، أو أن الأمر فيها لا يعدو تجاوب شعرية لمغامرات خيالية.
أقول إن الشاعر حين يحكي عن الجن ويتحدث بلسان الغيلان، فبِلُغَته يتكلم وبلسانه هو يعبر: وقد جمع "المرزبانى" في القرن الرابع جملة من (أشعار الجن) في كتاب له بهذا الاسم، أشار إليه أبو العلاء في (رسالة الغفران) حين التقى بالجني "أبي هدرش، الخيتعور، من بني الشيصبان: حيَّ من الجن".
وشخصية أبي هدرش من الشخوص المسرحية التي ابتدعها خيال أبي العلاء، ونظم على لسانه قصيدتين مطولتين تحكيان مغامراته. والقصيدتان مشحونتان بغريب الألفاظ، ولا كلمة منها أو من الحوار الذي أنطق فيه أبو العلاء أبا هدرش، يمكن أن نحكم بها على كلام الجن حقيقة، وإنما النصوص كلها لأبي العلاء تصوراً وصياغة ولفظاً!
وما تحدثت التوابع والزوابع في (رسالة ابن شهيد) وإنما تحدث "ابن شهيد" بلسانها، شعراًَ ونثراً.
وأقرب من هذا إلى ما نحن بصدده من معاجزة الجن، أن نذكر أن القرآن الكريم قد حكى عن الجن، فهل يخرج ما حكاه من ذلك، عن البيان القرآني المعجز، إلا كلام الجن على الحقيقة؟
وهل نطق الهدهد والنملة، بنص الكلمات التي نتلوها في سورة النمل؟
وكذلك قص علينا القرآن من قصص الغابرين، مثل حوار أهل الكهف، ونوح وابنه، وموسى وفرعون والسحرة، وامرأة العزيز ونسوة بالمدينة، والعزيز والملأ من قومه، وإبراهيم والملائكة. . .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
ولا شيء من هذا كله يمكن أن يخرج عن البيان القرآني المعجز، لنحكم به على فصاحة هؤلاء الغابرين، في اللسان العربي!
* * *
وتلقانا هنا أيضاً، في قضية التحدي والمعاجزة، مسألة بالغة الدقة، لما داخلها من التباس، وهي:
هل كان التحدي موجهاً إلى العرب في عصر المبعث، أو إنه قائم أبداً على امتداد الزمان؟
ذهب فريق ممن كتبوا في الإعجاز إلى "اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي" وذهب آخرون إلى أنه "تحد لسائر الناس على مر العصور والأجيال".
وتردد بعضهم بين بين، ذهبوا مرة إلى القول الأول، ثم انساقوا إلى القول الثاني من حيث يدرون أو لا يدرون.
وقد أرى أن الخلاف في هذه المسألة الدقيقة يحسمه أن نفرق بين الإعجاز والتحدي:
الإعجاز قائم في كل عصر لا يختص به أهل زمان دون زمان، وهذا هو ما نفهمه من كلام الإمام الطبري عما أيد الله به المصطفى من معجزة "على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى مر الشهور والسنين دائمة".
فالحديث هنا عن المعجزة، لا عن التحدي كما فهم من نقل هذه الفقرة من كلام الطبري، واستخلص منها" أن الإعجاز فيها واقع في كل عصر، والتحدي بها لازم لأهل كل زمان".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
فإن لم يكن للعرب في عصر المبعث وجه اختصاصٍ بالتحدي، فلأنهم أصحاب هذا اللسان العربي يدركون أسرار بيانه.
فمناط التحدي إذن، هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث عن معارضة هذا القرآن جون أن يُفهم من هذا أن حجة إعجازه خاصة بعصر دون عصر، أو على العرب دون العجم.
وكان الخلط بين ما في ثبوت عجز المشركين من العرب عن الإتيان بسورة من مثله، من حسم لموقف التحدي، وبين خلود المعجزة وبقاء الحجة بها ثابتة على مر الدهور، هو مدعاة الالتباس في القضية وطول الجدل فيها.
وقد نقل "القاضي عبد الجبار" كلام من سألوا عن العجم، ممن لا يعرفون الفصاحة أصلاً، كيف يعرفون مزية كلام فصيح على سواه؟ فإن كانوا لا يعرفون ذلك فيجب ألا يكونوا محجوجين بالقرآن.
وردَّ بأن الجميع يعرف إعجاز القرآن، في الجملة، بعجز العرب عن معارضته مع توافر الدواعي.
وقد أطال القاضي عبد الجبار الكلام في موقف العجم عن إعجاز القرآن، وهم يعرفون القدر المعتاد من الفصاحة فضلاً عن أن يعرفوا الخارج عن هذا الحد، ونقل أقوال شيوخه في هذه المسألة، ثم قال: "فأما قول من يقول: إن العجم إذا لم يصح فيهم تأتَّي مثل هذا القرآن ولا نعذُّره، فلا ينكشف ذلك فيهم أصلاًَ، فكيف يصح التحدي فيهم والاحتجاج بالقرآن عليهم؟ فبعيد، وذلك لأنا لا نقول إنه صلى الله عليه وسلم تحداهم، وإنما تحدى أهل هذا الشأن، وجعل تعذر المعارضة عليهم دلالة على نبوته، ودلالة لسائر الناس على أن القرآن خارج عن العادة. . . فهم يعلمون أن تعذر المعارضة على أهل هذا اللسان هو الدلالة، فإذا أمكنهم معرفة ذلك فحالهم في أن الحجة قائمة عليهم، كحالهم لو عرفوا تعذر المعارضة من قِبَلِهم لو كانوا أهل الفصاحة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
واضطرب "الباقلانى" في موقفه من هذه القضية، فهو يشتد في حملته على خطأ من زعموا اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي، "وقالوا: الذي بني عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن، أ، هـ وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه. فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب، وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه".
ثم لا يلبث أن يقول:
"إن هذه الآية - المعجزة - عِلْمٌ يلزم الكلَّ قبولُه والانقيادُ له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه. وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة، فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم في توجُّه الحجة عليه. وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن. ما يعرفه العالي في هذه الصنعة. فربما حل في ذلك محل الأعجمي في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه. . .
"والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء، دون الآحاد. . . ".
وهو في هذا الكلام، لا يبعد عما ذهب إليه الذين ذهبوا إلى اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي، فأشتد في نكيره عليهم.
وإذ يقول في أهل العصر الأول:
"إنا إذا علمنا أن أهل ذلك العصر - عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله، فمَن بعدهم أعجز، لأن فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون فيه من القول، مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم، وأحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم، فأمَّا أن يسبقوهم فلا".
لا يلبث في الفقرة التالية لها مباشرة، أن يهدر اختصاص العرب في عصر المبعث، ويقول بأن التحدي مطروح عليهم وعلى غيرهم على حدَّ واحد:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ذلك "أما قد علمنا عجز سائر أهل الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول. والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد، لأن التحدي في الكل على جهة واحدة، والتنافس في الطباع على حد واحد، والتكليف على منهاج لا يختلف".
وأخشى أني أظلم القاضي الباقلانى بنقل فقرات من كلامه قد أراها تحدد موقفاً له من قضيتي الإعجاز والتحدي، فالحق أنني ما أكاد أستبين له رأياً في فقرة أنقلها من كلامه، حتى يبدو لي في فقرة أخرى، تالية، غير ما فهمتُه من الفقرة قبلها.
وأحسبه ما تحير في موقفه إلا لأنه لم يفصل بين الإعجاز باقياً أبداً ملزماً للناس جميعاً على اختلاف العصور وامتداد الزمن، وبين التحدي للعرب المشركين في عصر المبعث، قد حسمه عجزهم عن أن يأتوا بمثله، وفيهم أمراء البيان ومن يظاهرهم من جن فيما زعموا.
وكان "عبد القاهر الجرجاني" أجلى موقفاً وأوضح مسلكاً في بيانه لوجه اختصاص العرب في عصر المبعث بالتحدي، لا يعني اختصاصهم بالإعجاز، بل يعني أن ثبوت عجزهم عن الإتيان بمثله، قاطع الدلالة على عجز سواهم، ومن ثم يكون هذا العجز حاسماً لقضية التحدي، وأما الإعجاز فيبقى قائماً ما بقى الدهر.
قال في مقدمة رسالته (الشافية) :
"معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاصيل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضاً، وأن عِلْمَ ذلك علمٌ يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب - في لسانهم - ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم، وأنه لا يجوز أن يُدَّعَى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم، الذي نزل فيه الوحي وكان فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا له. . .
"هذا خالد بن صفوان يقول: كيف نجاريهم وإنما نحكيهم؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم؟ . . .
"والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى أو ينكره إلا جاهل أو معاند، وإذ ثبت أنهم الأصل والقدوة، فَبِنَا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تُلى عليهم القرآن وتُحدوا إليه وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله ومن التقريع بالعجز عنه، وبُتَّ الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه".
* * *
وما من شك في أن عجز البلغاء من العصر الأول، عن معارضة القرآن، وفيهم أصل الفصاحة، برهان قاطع في قضية التحدي، فحين نقول إنها حَسمت في عصر المبعث، فلا يمكن بحال ما أن تُحمل هذا القول على مظنة اختصاص إعجازه بعصر المبعث دون سائر الأعصار، وإنما معناه أن من هم أصل العربية، لغة القرآن، هم الذين يُفترض أن يواجَهوا بالتحدي، لما يملكون من أسرار لغتهم التي نزل بها الكتاب العربي المبين. فاختصاصهم بالتحدي جاء من كونهم أهل الاختصاص بالعربية لغة القرآن، وقد حسمها عجزهم عن أن يأتوا بسورة من مثله، والمعجزة "على الأيام باقية وعلى الدهور والأزمان ثابتة" كما قال الإمام الطبري في مقدمة تفسيره.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
(3)
وجوه الإعجاز والبيان القرآني
اختلفت مذاهب السلف من علماء الإسلام في بيان الإعجاز، وتعددت أقوالهم في وجوهه. لكن إعجازه البلاغي لم يكن قط موضع خلاف، وإنما كان الجدل بين الفرق الإسلامية، في اعتباره الوجه في الإعجاز، أو القول بوجوه أخرى معه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
حُسمت قضية التحدي بعجز العرب المشركين في عصر المبعث، عن أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن.
لتظل قضية الإعجاز معروضة على الأجيال المتعاقبة، تلقاهم بهذا السؤال: لماذا أعيا العرب أن يأتوا بسورة من مثله، وقد تحداهم أن يفعلوا، وليدعوا من استطاعوا، وليستظهروا بالجن مجتمعين؟
وقد نزل القرآن بلغتهم، وكانت في عصر نزوله في عز أصالتها ونقائها، لم تَشُبْها شائبة من عجمة، ولا اختلطت بغيرها من الألسن.
فكيف عجز شعراؤهم الفحول وأمراء البيان من بلغائهم، ممن عبأتهم قريش لحربها ضد الرسالة والرسول، أن يأتوا بسورة من مثل سورة القصار، وهم الذين خاضوا المعركة ضد الإسلام بسلاح الكلمة وأجهدوا قرائحهم في هجاء المصطفى عليه السلام بقصائد مطولات، كان يغني عنها أن يجتمعوا على الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن؟
سورة واحدة فحسب، كانت تعقيهم كذلك من التورط في حملة الاضطهاد السفيهة الشرسة التي أرهقوا بها من أسلم منهم، وتكفيهم شر الحرب التي صَلُوا نارها سنين عدداً وأكلت فلذات أكبادهم وحصدت رءوس صناديدهم.
"لو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم، لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة ولم يركبوا الفواقر المبيدة، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول إلى الحزن الوعر من الفعل. هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لب. وقد كان قومه قريش موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
الخطباء المصاقع والشعراء المفلقون، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد فقال سبحانه:
{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} وقال: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} . . .
ومعلوم بالضرورة أن رجلاً عاقلاً لو عطش عطشاًَ شديداً خاف منه الهلاك على نفسه، وبحضرته ماء معروض للشرب فلم يشربه حتى هلك عطشاً، أنه عاجز عن شربه غير قادر عليه. وهذا بَيَّنٌ واضح لا يشكل على عاقل".
ويؤكد القاضي المعتزلي عبد الجبار هذا الملحظ ويضيف إليه:
"فإن قيل: فقد قال أمية بين خلف الجمحي: "لو نشاء لقلنا مثل هذا". قيل له: إن إدعاء الفعل وإمكانه لا يمنع من الاستدلال على تعذره بأن لا يقع مع توفر الدواعي، يبين لذلك أن كل واحد منا يتمكن من أن يدعى ما يعلم أنه لا يمكنه أن يأتيه.
"فإن قال: فكيف استجاز ذلك مع ظهور كذبه؟ قيل له: لا يمتنع على الواحد والجمع اليسير أن يدعى ما يعلم خلافه، على طريق البَهْتِ والمكابرة، لبعض الأغراض. . .
"وبعد فإنا لا نُجَوَّز على الجمع اليسير ما ظنه السائل على كل حال، من تواطؤ على ترك المعارضة أو إخفائها، لأنه مع التنافس الشديد والتقريع العظيم وتحرك الطباع ودخول الحمية والأنفة وبطلان الرياسة والأحوال المعتادة والدخول تحت المذلة، لا يجوز في كثير من الأحوال على الواحد أن يسكت عن الأمر الذي يزيل به عن نفسه الوصمة والعار والأنفة، فكيف على الجامعة القليلة أو الكثيرة؟ مثل هذا لا يجوز على عاقل واحد إذا كان من أهل المعرفة فكيف على الجماعة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
"وكيف يجوز أن يدعي فيهم النبوة ويوجب عليهم الدخول تحت الطاعة، ويعدلون عن الأمر الواضح الذي لا شبهة فيه؟ وهل حالهم في ذلك إلا كحال من يجوز عليه من شدة العطش والماء معروض والموانع زائلة، أن يعدل عن تناوله مع شدة الحاجة وتوفر الدواعي إليه؟ وذلك يوجب إخراجهم عن حد العقلاء".
* * *
ومن قديم فرضت قضية الإعجاز نفسها على السلف من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وتعددت أقوالهم في وجوه هذا الإعجاز.
وأيًّا ما قالوا فيها، فالذي لا ريب فيه هو أن إعجازه البلاغي لم يكن قط موضع جدل أو خلاف، وإنما كان الجدل بين الفرق الإسلامية، في اعتباره الوجه في الإعجاز، أو القول معه بوجوه أخرى. وقد تبدو شبهة خلاف فيه، في ضجيج جدلهم الكلامي، لكن الشبهة تنجلي في المال، بإمعان النظر في موقفهم من خلال الجدل المثار.
* * *
* قال قوم فيه بالصرفة، عنوا بها "أن الله تعالى صرف الهمم عن معارضته"
وشاعت نسبة هذا القول إلى المعتزلة بعامة، ونُقل فيه كلام عدد من متقدمي شيوخهم - منهم، أبو إسحاق النظام، إبراهيم بن سيار - وهشام القوطي وعباد بن سليمان. ووجهُ احتجاجهم للصرفة، إنه إذا جاز عقلاً عدم تعذر المعارضة، ثم عجز بلغاء العرب - فضلاً عمن دونهم - عن معارضته وانقطعوا دونه، فذلك برهان على المعجزة "لأن العائق من حيث كان أمراً خارجاً عن مجارى العادات، صار كسائر المعجزات".
ولعلهم لم ينظروا في ذلك إلى المعجزة وإنما نظروا إلى دلالتها على النبوة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
فبصرف النظر عن المعجزة ذاتها، يكفي عجز البشر عنها لتكون الآية والبرهان. أو كما قالوا افتراضاً:
"ولو كان الله عز وجل بعث نبياً في زمان النبوات، وجعل معجزته في تحريك يده أو مدَّ رجله في وقت قعوده بين ظهراني قومه، ثم قيل له: كما آيتك! فقال: (آيتي أن أحرك يدي أو أمد رجلي، ولا يمكن أحداً منكم أن يفعل مثل فعلي) - والقوم أصحاء الأبدان لا آفة بشيء من جوارحهم - فحرك يده أو مد رجله، فراموا أن يفعلوا مثل فعله فلم يقدروا عليه، كان ذلك آية دالة على صدقه، وليس يُنظَر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ولا إلى فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمراً خارجاً عن مجارى العادات ناقصاً لها، فمهما تكن بهذا الوصف، كانت آية دالة على صدق من جاء بها".
ويبدو أن مثل هذا الاحتجاج للنبوة بصرف الهمَم عن معارضة القرآن، قد أوقع في شبهة أن إعجازه البلاغي غير معتبر عند من لم ينظروا إليه. وذلك ما التفت إليه أعلام المعتزلة أنفسهم، فجهدوا في تقرير وجه إعجاز فصاحته ونظمه، وتجردوا للاحتجاج له.
فالجاحظ، وهو من تلاميذ "النظَّام" صنف كتابه (نظم القرآن) احتجاجاً لإعجاز هذا النظم، ومخالفاً به رأي من أكتفوا فيه بالقول بالصرفة، دون نظر إلى بلاغته المعجزة التي تفوت بلاغات البشر.
والذي فهمته من كلام القاضي عبد الجبار، وهو من أقطابهم، هو أن الاعتبار الأول عنده لإعجاز القرآن من جهة فصاحته، وأن القول بالصرفة حجة ملزمة لمن قالوا بها. قال في مبحث "بيان صحة التحدي بالكلام الفصيح":
"فإن قال - السائل -: هلا قلتم إن التحدي بالقرآن يصح لأمر يرجع إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
التخلية والدواعي، فكأنه يتحداهم أن يأتوا بمثله فيمتنع عليهم ذلك لحصول منع فيهم أو لورود بعض الصوارف عليهم مما يختص القلب أو اللسان. . . فمن أين لكم مع تجويز ما ذكرناه، أنه خارج عن العادة من قدر الفصاحة؟ . . .
"قيل له: 'ن الذي ذكرته، لو صح، لأيد ما قلناه في التحدي. لأنه يؤذِن بأنه يصح من وجوه سوى الذي ادعيناه - في خروجه عن العادة في الفصاحة - وإنما يصح هذا السؤال بين من يعترف بإعجاز القرآن إذا اختلفوا في الوجه الذي صار به معجزاً. وغرضنا في هذا الباب الكلام على المخالفين الذين يظنون أن التحدي لا يصح به، على وجه، لكنا مع ذلك نبين فساد ما أوردتَه. وقد علمنا أن المنع من الكلام لا يكون إلا بما يجرى مجرى المنافي له. . . وإنما يقع المنع بأمر يختص محله وآلته، ولا يكون ذلك بما يضاد القدرة أو يغير حال الآلة والبنية. وما هذا حاله، يؤثر في صحة الكلام أصلاً، وقد علمنا أن من كان في زمانه صلى الله عليه وسلم من الفصحاء، لم يعتذر عليهم الكلام، فلا يصح أن يقال إنهم اختصوا بمنع، وبانَ هو عليه الصلاة والسلام منهم بالتخلية.
"فإن قال: امتنع عليهم ذلك بأن أعدمهم الله تعالى العلوم التي معها يكون الكلام الفصيح فصار ذلك ممتنعاً عليهم لفقد العلم؛
"قيل له" لست تخلو فيما ذهبت إليه من وجهين:
إما أن نقول: قد كان ذلك القدر من العلم حاصلاً من قبل معتاداً، فمنعوا منه عند ظهور القرآن، أو تقول: إن المنع من ذلك مستمر غير متجدد، وأنهم لم يختصوا، ولا من تقدمهم، بهذا القدر من العلم.
فإن أردت الوجه الأول فقد كان يجب أن يكون قدر القرآن في الفصاحة قدَر ما جرت به العادة من قبل، وإنما منعوا من مثله في المستقبل. لو كان كذلك لم يكن المعجز هو القرآن، لكونه مساوياً لكلامهم ولتمكنهم - قبلُ - كم فعل مثله في قدر الفصاحة، وإنما يكون المعجز ما حدث منهم من المنع،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع لا بالقرآن. حتى لو لم ينزل الله تعالى القرآن ولم يظهر أصلاً، وجعل دليل نبوته امتناع الكلام عليهم على الوجه الذي اعتادوه، لكان وجه الإعجاز يختلف. وهذا مما نعلم بطلانه باضطرار، لأنه عليه الصلاة والسلام تحدى بالقرآن وجعله العمدة في هذا الباب. على أن ذلك، لو صح، لم يقدح في صحة نبوته، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول صلى الله عليه وسلم: دلالة نبوتي أني أريد المشي في جهة فيتأتى لي على العادة، وتريدون المشي فيتعذر عليكم.. فإذا وُجد الأمر كذلك دل على نبوته، لكون هذا المنع على هذا الوجه ناقضاً للعادة.
وإن أراد الوجه التالي مما قدمناه - أي أن المنع مستمر - فهو الذي يعُول عليه. أنا نعلم أن للقرآن المزية في الفصاحة من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم. . .
"فأما إدعاء السائل أنه صلى الله عليه وسلم توافرت دواعيه وأتى بمثل القرآن، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به، وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله، فبعيد. لأنا نعلم باضطرار توافر دواعيهم إلى إبطال أمره والقدح في حاله، حتى لم يبق وجه في الدواعي إلا توافر فيهم، فكيف يصح مع ذلك إدعاء ما ذكرت؟
"فإن قلت: إن دواعيهم وإن توافرت فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعي، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعي. وإن قلت: إنه تعالى صرفهم بمنع، فهو الذي بَيَّنا فساده من قبل. وهذا الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة، لأنها إذا كُشفت فلابد من أن يراد بها بعض ما بينا فساده. ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب وإنما المعتبر بالمعاني".
إلى هذا المدى، يمضي عبد الجبار المعتزلى في الرد على من يتعلق في إعجاز القرآن بالصرفة، وبيان وجه فساده إن اعتبر فيها بالألفاظ الموهمة احتمالَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
القدرة على الإتيان بمثله، في فصاحته، لولا صرفهم عن ذلك.
ومدار كلامه، على إعجاز القرآن بفصاحته والتحدي بأن يأتوا بمثله. وقد تجرد لبيان وجه "اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة" ردًّا على من قالوا: "فبَيًّنُوا أن للقرآن هذه الرتبة في الفصاحة ليتم ما ذكرتم"
وحين عرض لاختلاف مذاهب العلماء في وجه إعجاز القرآن، صرح بأن فصاحته الخارجة عن العادة هي وجه الإعجاز ومناط التحدي به، قال:
"واختلف العلماء في وجه دلالة القرآن: فمنهم من جعله معجزاً لاختصاصه برتبة الفصاحة خارجة عن العادة. وهو الذي نظرناه وبينَّا مذهب شيوخنا فيه.
"ومنهم من قال: لاختصاصه بنظم مباين للمعهود عندهم صار معجزاً. ومنهم من جعله معجزاً من حيثُ صرفت همهم عن المعارضة وإن كانوا قادرين متمكنين، ومنهم من جعله معجزاً لصحة معانيه واستمرارها على النظر وموافقتها لطريقة العقل".
وفي إبطال الصرفة، بالفهم الشائع، قال: إن المتقدمين قالوا بها لعجزهم عن معارضته.
"فلما رأى أتباعهم الأكابرَ ضاق ذرعهم بالقرآن وعدلوا عن المعارضة إلى الأمور الشاقة، تبعوهم في هذه الطريقة لعلمهم بأنهم عن ذلك أشد عجزاً. فذلك استمرت أحوالهم على هذا الوجه، لا للصرفة التي ظنها السائل. ولولا أنهم علموا أن القرآن في أعلى رتبة من الفصاحة الجامعة لشرف اللفظ وحسن المعنى حتى بهرهم ذلك، لقد كان يجوز أن يختلفوا في سائر المعارضة فيكون فيهم من يكفُّ وفيهم من يحاول. . . لكن الأمر في القرآن لَمَّا كان على ما ذكرناه عدلوا عن المعارضة لظهور حاله. ولولا صحة ذلك من هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
الوجه، لقد كان القول بالصرفة يقوى من حيث لم تجرِ العادة مع التنافس الشديد وتباين الهمم وامتداد الأوقات، أن يقع الكفُّ عن الأمر المطلوب الذي قويت الدواعي إلى فعله، فكان يصح أن يُتعلق بالصرفة ويراد بها انصرافهم عن المعارضة وإن كانت غير مؤثرة، دون المعارضة المؤثرة، لأن هذه المعارضة يُعلم أنها لا تحصل، بما قدمناه من الأدلة. لكن ذلك يبعد، لأنه متى جُوز في انصرافهم عنها أن يكون الوجه فيه الصرفة، لم يأمن أن تكون المعارضة الصحيحة أيضاً ممكنة وإنما عدلوا عنها للصرفة التي ذكرها السائل وهذا بين فيما أردناه".
و"علي بن عيسى الرماني" وهو من المعتزلة أيضاً، لم يزد في القول بالصرفة، على أن ساقه بإيجاز مع وجوه إعجاز القرآن. قال:
"وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعللا ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة. وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول".
على حين جعل رسالته كلها (النكت في إعجاز القرآن) للحديث عن إعجازه البلاغي، باستثناء الصفحتين الأخيرتين.
ويوشك أن يكون هذا هو الموقف الغالب على المتكلمين في إعجاز القرآن، ممن عدوا الصرفة وجهاً للإعجاز، ثم مضوا ينظرون في بلاغته المعجزة.
فالزمخشري المعتزلى، يقرر أنه "لابد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعرفة لطائف حجته".
* * *
وقد خالف أهل السنة، من قالوا بالإعجاز بالصرفة واكتفوا بها عن النظر في المعجزة. قال "الخطابي" بعد أن ساق كلامهم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
"وهذا أيضاً وجه قريب - من وجوه الإعجاز - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
فأشار في ذلك إلى أمر طريقُه التكَلُّفُ والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة. فدل على أن المراد غيرها والله أعلم".
وذهب إلى أن البشر تعذر عليهم الإتيان بمثل القرآن، "لأنه معجزة البلاغة، جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمناً أحسن المعاني".
* * *
وسلَّم "ابن حزم الظاهري" بأن في كون القرآن كلام الله تعالى، وقد أصاره معجزاً ومنع من مماثلته، برهاناً كافياً. غير أنه أنكر أن يكون أحد قد قال إن كلام البشر معجز. ونص عبارته في (الفِصَل) :
"لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز. لكن لما قاله الله تعالى - أي القرآن - وجعله كلاماً له، أصاره معجزاً ومنع من مماثلته. . . وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره".
وأراد "الفخر الرازي" أن يتحاشى هذا الخلاف، فقال في تفسير آية المعاجزة من سورة الإسراء:
"وللناس في إعجاز القرآن قولان: منهم من قال إنه معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته، مع أن تلك الدواعي كانت قوية، كانت هذه الصرفة معجزة.
"والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
القرآن في نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون. فإن كان معجزاً فقد حصل المطلوب. وإن لم يكن معجزاً بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوافرة على الإتيان بهذه المعارضة، وما كان لهم عنها صارف ومانع، وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجباً لازماً، فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً. فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب"
نقله "ابن كثير" ورأى أن هذه الطريقة إنما تصلح على سبيل التنزل والمجادلة، لكنها غير مرضية، لأن القرآن في نفسه معجز، قال:
"وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة، وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان القرآن معجزاً في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضتُه، فقد حصل المدعَّى وهو المطلوب. وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا مع شدة عداوته له، كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك.
"وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية، لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق. وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر وإنا أعطيناك الكوثر".
والمسألة كما ترى قد عولجت في مجال الجدل النظري وإن آلت بالمعتزلة أنفسهم، بعد الجيل الأول من شيوخهم، إلى أن اعتبار الصرفة وجهاً من وجوه الإعجاز، لا يعطل النظر في وجه إعجازه البلاغي. والذين ذكروا الصرفة، من غير المعتزلة، استيعاباً لمذاهب المتكلمين في الإعجاز، لم يلبثوا أن خصوا إعجازه البلاغي بالعناية والاهتمام.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
*وقال قوم إن إعجاز القرآن بقيَمه ومثُله وأحكام، ووجههُ استحالةُ أن يأتي مثلها من بشر أمي في قوم أميين، في زمان ومكان هيهات أن يشارفا ذلك الأفق القرآني العالي.
وهؤلاء أيضاً لم يكونوا بحيث يفوتهم أن البيان القرآني - أو النظم كما سماه بعضهم - هو الذي فرض إعجازه على العرب من مستهل الوحي، وأن قضية التحدي واجهت المشركين في العهد المكي وحُسمت بآية البقرة أولى السور المدنيات، قبل أن يتم التشريع والأحكام بتمام الوحي في آخر العهد المدني.
وهو وإن لم ينصوا على التفاتهم إلى هذا الملحظ، فقد عبر عنه مسلكهم حين أكتفوا بأن عَدُّوا القيم والأحكام بين وجوه الإعجاز، ثم تفرغوا للنظر في الإعجاز البلاغي للقرآن.
بل إنهم لم يستطيعوا فصل الأحكام والقيم والمثل القرآنية، عن النظم البليغ المعجز الذي نزلتْ به. فالخطابي يقول شرحاً لهذا الوجه من الإعجاز:
"وأعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمناً أحسن المعاني: من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأكر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها. واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يُرَى شيء أولى منه. . .
"ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قُدَرُهم، فانقطع الخلق دونه. . . ".
و"الباقلانى" كتب بعض فقرة في "إعجاز المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين" ثم اتجه بكل هذا إلى أن المعاني والأحكام "جاءت على تلك الألفاظ البديعة وموافقة بعضها بعضاً في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع. وذلك أنه قد علم أن تخير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين الناس، أسها وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور. ثم انضاف إلى ذلك التصرفُ البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يُبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه، بَانَ التفاضلُ في البراعة والفصاحة. ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر فالبراعة أظهر والفصاحة أتم".
ويوشك أن يكون هذا هو النهج الغالب على من عدواً قيم القرآن وأحكامه وجهاً من وجوه إعجازه، لم يفصلوها عن نظمه المعجز الذي حشدوا جهدهم للنظر في بلاغته.
وإعجاز القيم والمثل والأحكام القرآنية، ليس موضع جدل أو خلاف. لكنه كما التفت الخطابي "ليس بالأمر العام في كل سورة من سور القرآن، وقد كانت المعاجزة بسورة واحدة. ومعلوم بالضرورة أن سورة واحدة لا تجمع كل ما ذكروه من أحكام القرآن ومعانيه ومثله وآدابه"27.
فضلاً عن كون التشريع والأحكام، مما اتجهت إليه عناية القرآن في العهد المدني أكثر، بعد حسم قضية المعاجزة، بآية البقرة: أولى السور المدنية.
* * *
* ويقال مثل هذا فيمن ذهبوا إلى أنه معجز بما ذَكَر من أحداث قبل أن تقع، وأخير عن أمور كانت لا تزال مطوية في مضمر الغيب، ثم حدثت تماماً كما أنبأ عنها.
وهو أحد وجوه قال بها الأشاعرة في الإعجاز ولم يختلف أحد معهم في صدق ما أخبر به القرآن من أحداث قبل أن تقع، حتى أصحاب الصرفة من المعتزلة قالوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
به. فشيخهم "النظام" يقرر أن "الآية والأعجوبة في القرآن، ما فيه من الإخبار عن الغيوب".
وأهل السنة لم يترددوا في تقرير أن هذا وجه من وجوه الإعجاز، لكنه عندهم ليس الوجه العام الذي يتحقق في كل سورة، فتقع به المعاجزة. والأمر فيه كما قال الخطابي:
"وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان. نحو قوله سبحانه:
{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} .
ونحوهما من الأخبار التي صدقت. . .
"قلت: ولا يُشَك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع إعجازه. ولكنه ليس بالأمر العام في كل سورة من سور القرآن. وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها فقال:
{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} من غير تعيين - للسورة - فدل ذلك على أن المعنى غير ما ذهبوا إليه.
ويوضح القاضي عبد الجبار مذهب المعتزلة في هذا الوجه: إن اعتبرُ به في صدق النبوة فصحيح، وأما أن يقال إنه مناط التحدي بإعجاز القرآن، فبعيد. أو كما قال:
"فأما من قال إنه صلى الله عليه وسلم إنما تحدى بالقرآن من حيث تضمن الإخبار عن الغيوب، فبعيد، لأنه قد تحدى بمثل كل سورة من غير تخصيص، ولا يتضمن كل ذلك الإخبار عن الغيوب. ولأنا نعلم أنه تحدى بجملته لا ببعضه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)