Arabic source text

📘 আল-ইজাযুল বায়ানী লিল কুরআনি ওয়া মাসায়িলু ইবনিল আজরাক (আয়েশা আবদুর রহমান বিনতে আশ-শাতি - মৃত্যু 1419 হিজরী)

📘 الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق (عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ - ت 1419 هـ)

📘 আল-ইজাযুল বায়ানী লিল কুরআনি ওয়া মাসায়িলু ইবনিল আজরাক (আয়েশা আবদুর রহমান বিনতে আশ-শাতি - মৃত্যু 1419 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
"فإن قال: جوَّزوا، وإن كانت المعارضة ممكنة، أنهم ظنوا أنه تحداهم بما تضمنه من الإخبار عن الغيوب. ولولا ظنهم ذلك لما طلب بعضهم إلى بعض أخبارَ الفرُس. قيل له: إن هذا الوجه مما يدل على النبوة - على ما سنذكره - لكنه صلى الله عليه وسلم تحدى بالقرآن لمرتبته في قدر الفصاحة، لا لما ذكرتَه، للوجوه التي بيَّناها من قبل. ولا يجوز في العرب أن تنصرف في هذا الباب عن الطريقة المعتادة لهم في التحدي، إلى طريقة غير معتادة. لأنهم قد عرفوا أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام كيف تقع، وأنه لا معتبر فيه بالمعاني - وحدها - وإنما يعتبر قدوه في الفصاحة: إما على كل وجه، أو في نظم مخصوص، على ما تقدم ذكره. وذلك يُسقط هذا السؤال".
أضيف إليه: أن كثيراً من الصحابة آمنوا بالمعجزة، بمجرد سماع آيات منها. وأن كل السابقين الأولين سبقوا إلى الإسلام إثر نزول السور الأول من الوحي، دون أن ينتظروا حتى تتحقق أحداث أنبأ بها ليدركوا وجه إعجازه.
وهذا الملحظ نفسه، وارد على من ذهبوا إلى أن القرآن كان معجزاً، بما جاء به من أخبار الماضي الغابر "ووجهه أنه كان معلوماً من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أمياً، ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأنبائهم وسيرهم. ثم أتى القرآن بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ".
والذين ذكروا هذا الوجه في الإعجاز، لم يستطيعوا أن يفصلوه عن البيان القرآني. وقد علموا أن التوراة والإنجيل فيهما الكثير من أخبار الأمم الخالية وقصص الأنبياء منذ خلق الله سبحانه آدم. ولعلها في التوراة والإنجيل أكثر تفصيلاً. ولم يقل أحد إن الكتب السماوية كانت معجزات لرسلها وآيات نبوتهم، ولا علمنا أن عيسى وموسى عليهما السلام، تحديا قومهما أن يأتوا بسفر أو إصحاح من مثل التوراة والإنجيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

وواضح أن القرآن قدر مكان البيان في العرب، ودرايتهم بفنون القول، بحيث يستطيعون أن يحكموا في إعجازه.
* * *
* والإعجاز البلاغي هو الذي "ذهب إليه الأكثرون من علماء أهل النظر" وسيطر على مباحث المتكلمين في الإعجاز، سواء منهم من جعلوه الوجهَ الذي يصح به التحدي بالسورة الواحدة من القرآن، ويفسر موقف العرب، عصرَ المبعث، من المعجزة، والذين ذكروا مع إعجازه البلاغي غيره من وجوه الإعجاز الأخرى التي لا مشاحة فيها، وإنما الخلاف في أن تنفصل عن إعجاز نظمه وبلاغته.
والواقع أن المصنفات الأولى في الإعجاز، على اختلاف مذاهب أصحابها، جاءت أشبه بمباحث بلاغية مما قدروا أن إعجاز القرآن يُعرف بها، وإن استوعبت أقوال المتكلمين في وجوه الإعجاز، فرسائل الخطابي السني، والرماني المعتزلى، والباقلانى الأشعري تأخذ مكانها في المكتبة البلاغية.
وبعد أن استقلت البلاغة بالتأليف والتصنيف، وُجَّهت إلى خدمة الإعجاز البلاغي:
"الجرجاني" يضع كتابه في النظم والبلاغة ويقدمه باسم (دلائل الإعجاز) .
و"أبو هلال العسكري" يضع علم الفصاحة والبلاغة تالياً لعلم التوحيد، ويقدم (كتاب الصناعتين) بقوله: "أعلم علمك الله الخير أن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالحفظ، بعد المعرفة بالله جل ثناؤه، علمُ البلاغة والفصاحة، الذي يعرف به إعجاز كتاب الله".
و"الزمخشري" البلاغي، وهو من المعتزلة، يقرر أنه "لابد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله ومعرفة لطائف حجته".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

و"ابن سنان الخفاجي" وإن قال بالصرفة وصرح بأنا "إذا عُدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته" قرر في مقدمة (سر الفصاحة) أنه "لابد لمن يبحث في إعجاز القرآن من معرفة سر الفصاحة والبلاغة، سواء أقال بالصرفة أو بغيرها".
و"السكاكى" إمام البلاغيين المدرسيين، يقول في كتابه مفتاح العلوم: "أعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامه الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت. ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والحذق فيهما".
و"حمزة بن يحيى العلوي" يصنف كتابه المرسوم بالطراز في (أسرار البلاغة) ، يتلوها فصل في حقائق الإعجاز، يمهد له بأن "الكلام في بيان كون القرآن معجزاً، خليق بإيراده في المباحث الكلامية والأسرار الإلهية لكونه مختصاً بها ومن أهم قواعدها، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقاً لصاحب الشريعة، حيث اختاره الله تعالى بياناً لمعجزته وعلماً دالاً على نبوته وبرهاناً على صحة رسالته".
ثم يؤكد صلة المباحث البلاغية بالإعجاز، من حيث "كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللباب. والغرض المقصود عند ذوي الألباب، إنما هو بيان لطائف الإعجاز وإدراك دقائقه واستنهاض هممه".
من هنا كان بدؤه بالمباحث البلاغية مدخلاً إلى هذا الفصل في الإعجاز. وقد نقلنا في مدخلنا هنا، عَجَبه الذي لا ينقضي من حال علماء البيان وأهل البراعة فيه لما أغفلوا من هذا الشأن.
وجرى المتأخرين على أن يجمعوا في الإعجاز كل ما قال السلف من وجوه. كصنيع "الشيخ محمد عبده" في الفصل الذي كتبه في تفسيره عن الإعجاز فبدأ بإعجازه بأسلوبه ونظمه وبلاغته، وبتأثيره في القلوب والعقول. ثم ذكر إعجازه بأخبار الغيب فيه، وتعبيره عن المعاني بما يقبله المختلفون في فهمها مع موافقة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

الحق، وبسلامته من الاختلاف، وبالعلوم الدينية والتشريع، وبعجز الزمان عن إبطال شيء منه، وتحقق مسائل كانت مجهولة للبشر.
* * *
ولا أعرض هنا للذين خاضوا حديثاً فيما سموه "الإعجاز العلمي" وتأولوا فيه آيات قرآنية في اختراع الذرة وسفن الفضاء وقانون الجاذبية ودوران الأرض وهندسة السدود، وغير ذلك مما لم يخطر على بال أي عربي في عصر المبعث وصدر الإسلام، ولا كان بحيث يلتقط لمحةً منه، أيُّ صحابي من ألوف المؤمنين الذين لقوا المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصغوا إلى كلمات ربه فبهرهم إعجازها وخروا لله ساجدين.
وهل كان طواغيت الوثنية القرشية وهم يأخذون سبل العرب إلى مكة في الموسم ويحذرونهم من الإصغاء "إلى ما جاء به محمد من كلام هو السحر" يحسبون حساباً لأي شيء سوى إدراك العرب أن هذا البيان القرآني ليس من قول البشر؟
لا أحد يحجر على أي إنسان في أن يفهم القرآن كما يشاء، ولكن المحنة أن يؤلَّف فيه من ليسوا من أهل الاختصاص، وتروج في البيئة الإسلامية أقاويل وتأويلات مقحمة على القرآن نصاً وروحاً، لا يعرف لها فقهاء العربية والإسلام والمتخصصون في القرآن، سنداً ولا دليلاً، وإنما تستند إلى ملتقطات من معارف المحدثين، في التشريح وعلم الأجنة ورياضيات الفلك وبيولوجيا القمر.. والتكنولوجيا. . . و. . .
ولا شيء من هذا صح في أي خبر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاله لتلاميذه الصحابة لكي يفهموا هذا الإعجاز العلمي، فضلاً عن أن يبينوه للناس!.
وقد يلفتنا أن أكثر المحدثين ممن خاضوا في مجال التفسير العلماني وصنفوا الكتب في القرآن والعلوم، ردوا النظريات والكشوف العلمية في عصرنا إلى أصول لها في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

القرآن وليسوا من أهل الاختصاص في الدراسة القرآنية وعلوم العربية والإسلام.
وطالما نبه علماء الدراسات القرآنية إلى ما ينبغي لكل دارس يتعرض لشيء منها، من اختصاص بالعربية وفقه لأساليب كلامها، وإطلاع على طرق المتكلمين وأصول الدين.
و"من هنا تهيب كثير من السلف - كما قال الخطابي - تفسير القرآن، وتركوا القول فيد حذراً أن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين. فكان الأصمعي، وهو إمام أهل اللغة، لا يفسر شيئاً من غريب القرآن".
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

(4)
‌‌البلاغيون والإعجاز البياني
خطوات على الطريق

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

هذا الإجماع على إعجاز البيان القرآني، هو الذي نقل القضية إلى الميدان البلاغي على وجه التخصيص، إلى جانب ما يعرض له المفسرون، وبخاصة البلاغيون منهم، من ملاحظ بلاغية في سياق تفسيرهم لآيات الكتاب المحكم.
وقد ظهرت محاولات مبكرة في الإعجاز البلاغي، واشتهر عبد القاهر الجرجاني بأنه صاحب مذهب الإعجاز في النظم، واشتهر أبو بكر الباقلانى بأنه أول من بسط القول في بلاغة القرآن.
والواقع أن كل المصنفات الأولى التي تحمل عنوان (نظم القرآن) تشير إلى أن مصنفيها اتجهوا إلى الدرس البلاغي "احتجاجاً لنظم القرآن" كما قال الجاحظ في تقديمه كتاب (نظم القرآن) إلى الفتح بن خاقان، ومثله كتاب أبي بكر السجستاني في (نظم القرآن) والكتابان من تراث القرن الثالث.
وإذا كنا لا نملك الحكم على مناهج المصنفين الأوائل في الإعجاز البلاغي، ممن لم تصل إلينا كتبهم، فلننظر في مناهج الذين بقيت كتبهم معالم لخطواتهم على الطريق.
سبق "الخطابي" من القرن الرابع الهجري - ت 388 هـ - في رسالته (بيان إعجاز القرآن) إلى شرح فكرة الإعجاز بالنظم، إيضاحاً للإعجاز من جهة البلاغة "الذي قال به الأكثرون من علماء أهل النظر" قبله، وإن كانت فكرتهم فيه قائمة على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن. أو كما قال:
"وفي كيفيتها - جهة البلاغة - يعرض لهم إشكال ويصعب عليهم منه الانفصال. ووجدتُ عامة أهل هذه المقالة - الإعجاز من جهة البلاغة - قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به، ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي أختص بها القرآن، الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام، وإنما يعرفه العالمون عند سماعه ضرباً من المعرفة لا يمكن تحديده. وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذي يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفةُ ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيلُ الفاضل من المفضول منه. قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به. قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره منه، والكلامان معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة.
"قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشَفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أُحِيلَ على إبهام. . .
"فأما من لم يرضَ من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن ظاهر العلة. . . فإنه يقول إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع الهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب وتَحصى الأقوال عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أمر لابد له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكمُ وبحصوله يستحق هذا الوصف" 24: 26
ومناط البلاغة في النظم القرآني، عند الخطابي، إنه "اللفظ في مكانه إذا أبدل فسد معناه أو ضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة" 29
وهذا الملحظ الدقيق، هو المحور الذي أدار عليه عبد الظاهر مذهبه في الإعجاز بالنظم، وهو أيضاً مما يلتقي - إلى حد ما - مع جوهر فكرتنا في الإعجاز البياني، ثم نختلف بعد ذلك في تحقيق مغزاه ولمح أبعاده وطريق الاحتجاج له:
فالخطابي حين يقول بسقوط البلاغة لفساد المعنى أو ضياع الرونق، يتجه إلى الرونق اللفظي فيجعله غير فساد المعنى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

وسنرى الجرجاني يعتمد هذه التفرقة بين المعنى واللفظ أساساً لنظريته في النظم، على حين لا نرى اللفظ منفصلاً عن معناه بحيث يمكن أن يصح أحدهما والآخر فاسد، بل يفسد المعنى بفساد لفظه، ولا عبرة عندنا برونق لفظي مع فساد المعنى. ثم إن الخطابي في شرح فكرته في النظم المعجز، يرى من الإعجاز أن تأتي بلاغات القرآن جامعة لطبقات ثلاث متفاوتة من حيث المستوى بعد استبعاد الهجين المذموم. قال:
"والعلة فيه - يعني إعجاز القرآن من جهة البلاغة - أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية: فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق. وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة:
"فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة" 26
والعبارة موهمة، قد يُفهم منها أن في القرآن ما هو من الدرجة العليا في البلاغة وفيه ما هو من أوسطها وأدناها. وذلك مردود عندنا من ناحيتين:
أولاهما: أن فهمنا للإعجاز البياني، فوت لأعلى درجات البلاغة دون أوسطها وأدناها.
والأخرى، أن هذه الدرجات الثلاث لا تجتمع، بالضرورة، في السورة الواحدة، وبسورة واحدة كان التحدي والمعاجزة.
وسبق "الخطابي" أيضاً إلى لمح فروق دقيقة في الدلالة، لألفاظ قرآنية جرت معاجمنا وكتب المفسرين على القول بترادفها مع "ألفاظ أخرى في معناها" مثل: العلم والمعرف، الحمد والشكر، العتق وفك الرقبة، (29: 33) . . .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

وهذا أيضاً مما نتزود به لطريقنا إلى فهم الإعجاز البياني، على ما سوف نوضحه في: "الترادف وسر الكلمة".
وتجرد الخطابي لدفع شبهات من جادلوا في بلاغة عبارات قرآنية قالوا إنها جاءت على غير المسموع من فصيح كلام العرب. وفي ردَّ الخطابي عليهم ملاحظُ دقيقة، غير أنا نختلف معه، من حيث المبدأ، في قبول عرض العبارات القرآنية على ما نقل عصر التدوين من فصيح كلام العرب. والأصل أن يعرض هذا الذي نقلوه على القرآن، إذ هو الفصحى والنص الموثق الذي لم يصل إلينا من أصيل العربية بنص آخر صح له مثل ما صح للقرآن من توثيق يحميه من شوائب الرواية النقلية، وما لألفاظه من حرمة لا تجيز رواية بالمعنى، فضلاً عما في الشواهد الشعرية من ضرورات لا مجال لمثلها في الشواهد القرآنية.
وتفرغ الخطابي في النصف الأخير من رسالته، لنقض ما سموه "معارضات للقرآن" من مدّعي النبوة، فبسط القول في معنى المعارضة وشروطها ورسومها، وضرب الأمثلة من معارضات امرئ القيس وعلقمة في وصف الفرس، وامرئ القيس والحارث بن التوءم اليشكرى في إجازة أبيات، كما ضرب أمثلة من تنازع الشاعرين معنى واحداً، كأبيات في وصف الليل لامرئ القيس والنابغة الذبيانى، وفي وصف الخمر للأعشى والأخطل، وفي صفة الخيل لأبي دؤاد الإيادي والنابغة الجعدي. وقابل هذا كله إسفاف مسيلمة الكذاب وسُخف من تكلم في الفيل مبيناً سقم كلامهم وعدم استيفائه شروط المعارضة ورسومها. . .
ولهذا الفصل من رسالة الخطابي قيمته في المباحث البلاغية والنقدية المبكرة. ونرى مع ذلك أن أبا سليمان كان في غنى عن الاشتغال بهذيان من ادّعوا النبوة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وجاءوا بسخافات هابطة سقيمة يعارضون بها القرآن فيما زعموا. وهي عندنا أهون من أن توضع في الميزان أو يشار إليها في مجال الاحتجاج لإعجاز القرآن من جهة البلاغة. ومجرد ذكرها في هذا المقام الجليل، ولو للكشف عن سقمها وإسفافها، يرفع شأنها ويعطيها من القيمة ما لا تستحق. . .
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

وبلاغة القرآن هي موضوع "علي بن عيسى الرماني" - من القرن الرابع أيضاً - في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) : مهد لها بسرد مذاهب القوم في وجوه سبعة للإعجاز، ثم تفرغ للنظر في إعجازه من جهة البلاغة.
والبلاغة عنده على ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا "فما كان أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن. وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس" 75
خلافاً لما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي من أن بلاغة القرآن تحوز هذه البلاغات في طبقاتها الثلاث.
وليست البلاغة عند الرماني: "في إفهام المعنى، لأنه قد يُفهِمُ المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عَيِىّ، ولا البلاغة أيضاً بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف. وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ: فأعلاها طبقة في الحُسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة" 76
ثم كان منهجه في بيان إعجاز القرآن من جهة البلاغة، أن جعل البلاغة عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
وعقد لكل باب منها فصلاً يبدأ بتعريف الباب، ثم يقدم شواهد قرآنية منه، ففي باب الإيجاز مثلاًَ، يبدأ فيعرفه بأنه "تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى. وهو على وجهين: إيجاز حذف، وإيجاز قِصَر. فالحذف إسقاط كلمة للاجتراء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف"
ثم يقدم من شواهد الحذف:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} {لَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ} {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ}
"ومنه حذف الأجوبة وهو أبلغ من الذكر. وما جاء منه في القرآن كثير كقوله جل ثناؤه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} كأنه قيل: لكان هذا القرآن. ومنه: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} كأنه قيل: حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير.
"وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان.
"وأما الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضاً، للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع التي لا يصلح. فمن ذلك:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}
{إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}
واستطرد الرماني إلى بيان وجه الإعجاز بإيجاز القصر في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} عن طريق المقارنة بينها وبين ما استحسنه الناس من الإيجاز في قولهم: "القتل أنفى للقتل" فذكر أن التفاوت بينهما يظهر من أربعة أوجه:
- أن العبارة القرآنية أكثر فائدة، ففيها كل ما في قولهم: القتل أنفى للقتل، مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، والاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله.
- الإيجاز في العبارة، فعدد حروف "القتل أنفى للقتل" أربعة عشر حرفاً

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

وقوله تعالى {الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} عشرة أحرف.
- البعد عن التكليف بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة. ففي قوله: "القتل أنفى للقتل" تكريرٌ غيرهُ أبلغُ منه. ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصَّر في البلاغة عن أعلى طبقة.
- العبارة القرآنية أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة، يُدْرَك بالحس ويوجد في اللفظ. فإن الخروج من الفاء إلى اللم - في القصاص - أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة - في: القتل أنفى - لبعد الهمزة من اللام. وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء، أعدل من الخروج من الألف إلى اللام.
"فباجتماع الأمور التي ذكرناها صار (الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أبلغ من (القتل أنفى للقتل) وإن كان بليغاً حسناً"
واستأنف الرماني القول في الإيجاز، فأوضح الفرق بينه وبين التقصير، وذكر أوجه الإيجاز ومسالكه ومراتبه، من حيث كانت المعرفة بها "سبيلاً إلى معرفة فضيلة ما جاء في القرآن منه على سائر الكلام، وعلوه على غيره من أنواع البيان" وختم الباب بقوله:
"الإيجاز تهذيب الكلام بما يحسن به البيان. والإيجاز تصفية الألفاظ من الكدر وتخليصها من الدرن. والإيجاز البيانُ عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ. والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير" 80.
* * *
وعلى هذا النهج سار "الرماني" في الأبواب الأخرى التسعة، للبلاغة عنده. وقد تمهلت في الوقوف عنده دون ضجر بنقل ما نقلتُ منه، لأني أقدر أن الرماني قدم في (النكت) محاولة جليلة من المحاولات الرائدة في التصنيف البلاغي وتنسيق أبواب ومصطلحات فيه. كما أردت أن ألفت إلى كونه لم يخرج عن موضوع الإعجاز فيما عرض له من أبواب البلاغة، بل كان همه أن يقدم لكل باب شواهده القرآنية، وان يلمح بذوق مرهف ما فيها من نكت بلاغية.
وهذا ما نفتقده في أكثر الكتب التي تناولت إعجاز القرآن من جهة البلاغة، بعد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

الرماني. فنرى الباقلانى مثلاً يُخرج في كتابه عن الدراسة القرآنية إلى دراسات للشعر، ونرى عبد القاهر يستكثر في (الدلائل) من الاستشهاد بالشعر. وقلما يأتي بشواهد قرآنية تجلو الملحظ البلاغي. وهذا هو ما غلب على جمهرة المصنفين من البلاغيين فيما عدا قلة منهم جعلت للشواهد القرآنية المكان الأول في مباحثها البلاغية، كابن أبي الأصبع المصري - في القرن السابع - الذي سار في (بديع القرآن) على نهج الرماني، في تقديم الشاهد القرآني.
ونرجئ التعرض لرأي الرماني في بلاغة اللفظ والمعنى إلى حيث يتسع المجال لمثل هذا في "مذهب النظم للجرجاني"
ونتابع خطوات السلف على الطريق، انطلاقاً من هذه الخطوة الرائدة التي وصل إليها جهد الرماني في دراسته البلاغية للقرآن، وقد بدا واضح الفكرة والمنهج، لم تختلط عنده بالجدل الكلامي، ولا شُغل عنها بالنظر في هذيانِ مُدَّعِى معارضة القرآن.
* * *
وفصاحة القرآن كانت مناط النظر، في الجزء الخاص بإعجاز القرآن، من (كتاب المغني) للقاضي المعتزلى عبد الجبار.
لم يتناوله تناول البلاغيين، كزميلة الرماني، وإنما كان همّه الاستدلال لإعجاز القرآن، من جهة فصاحته التي انفرد بها، وصحة التحدي به. فاقتضى هذا بطبيعة الحال، أن ينظر في مفهوم الفصاحة وإعجازها، فكان أن عرض لقضية النظم، مقصوداً به النمط الخاص من صياغة الكلام، وبيَّن وجهة نظر المعتزلة فيها. والملحظ الدقيق في النظم عنده. بمعنى النسق والطريقة، أنه لا يكفي عدم السبق إلى مثله، ليكون وجهاً لإعجاز. وإلا كان يجب القول بإعجاز من يبتدع طريقة ركيكة من النظم، لم يُسبق إليها "وقد علمنا أنه لابد من أن يُعتبر مع النظم المبتدع، رتبتُه في الفصاحة".
ومن ثم ينبغي أن يتبين المقصود بالنظم: إن أريد به مجرد السبق إلى طريقة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

مبتدعة، فبعيد "وإن أراد من قال: "إن وجه إعجاز القرآن النظم المخصوص" هذا المعنى، وهو أنه تعالى خصه بالقرآن على نظام لم تجر العادة بمثله، مع اختصاصه برتبة في الفصاحة - معجزة - فهو الذي بينَّاه. لأن خروجه عن العادة في الفصاحة، يوجب كونه معجزاً، بإنفراد واختصاصه بنظم، من دون هذا الوجه لا يوجب كونه معجزاً. وإنما يُقوى ويؤكد كونَه معجزاً فإن سلَّم هذا المخالفُ بما ذكرناه، فهو الذي نصرناه.
"فإن قال: إنه يكون معجزاً للنظم فقط، ولكونه على هذه الطريقة المباينة لمنظوم كلامهم ومنثورة، وإن لم يختص برتبة الفصاحة، فالذي قدمناه يبطله. ومتى اعتُبر في كونه معجزاً كلا الأمرين: فإن أراد أنه بمجموعهما يتم ذلك، فقد بينا أنه قد يتم بأن يَبيِن من كلامهم برتبة عظيمة في الفصاحة. وإن أراد أنه يؤكد ذلك فهو صحيح، وهذا هو الأقرب. لأنهم لا يريدون النظام دون رتبة الفصاحة، وإنما يريدون بذلك أنه تعالى جاء بالقرآن على أوكد الوجوه في نقض العادة والمباينة، وأوكدها أن يكون نظاماً مبايناً لما تعارفوه، مع رتبته العظيمة في الفصاحة، وهذا بيَّن".
ولم ير "القاضي عبد الجبار" أن إبدال لفظة بأخرى موضع تعلق، "وذلك لأن هذه الطريقة تقارب الحكاية، فكما أن حكاية الكلام لا تدل على معرفة، فكذلك وضع لفظة بدل أخرى ووزنهما واحد، لا يدل على المعرفة. وإن كان من يتمكن في هذا الباب، لابد من أن يكون له قدر من العلم بالألفاظ التي تتفق معانيها وأوزانها، حتى يمكنه أن يأتي بَدلَ واحدة منها ما يماثلها أو يقاربها، لكن هذا القدر من العلم لا يكفي في التصرف المخصوص الذي قدمنا ذكره، لأنه يحتاج في ذلك إلى قدر مخصوص من العلم زائد على ذلك، حتى يمكنه أن يورد هذا القدر من الفصاحة، وبذلك أبطلنا قول من يقول: إن المفحم يمكنه قول الشعر على هذه الطريق؛ لأن إبدال الكلمات لا يُعدَ تمكيناً من الشعر وإن كان الكلام شعراً. حتى إذا صح منه أن يبتدئ ذلك ويتصرف فيه، عُدَّ ذلك منه شعراً".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

وعقد القاضي فصلاً (في اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة) فلم يتناول الموضوع تناول البلاغيين بل مضى على طريقته في الاستدلال لإعجاز القرآن بعلو مرتبته في الفصاحة إلى حيث بايَنَ الفصيح من كلام العرب، وأعياهم أن يأتوا بمثله، قال: بينا أن العرب كانت عارفة بما يباين المعتاد من الفصيح، للتجربة والعادة. فلم تكن عند سماع القرآن والوقوف على مزيته محتاجة إلى تجربة مجددة، وعلمت خروجَه عن العادة. ومَن قصَّر حاُله عن حالهم فكَمِثْل، لأنه إذا عرف بالتجربة تعذر مثل كلامهم عليه، فبأن يتعذر عليه أوْلى. وإن كان لا يمتنع أن يكون في العرب من ظن في الوقت أن مثل القرآن يواتيه إن رامه، ثم تبين تعذره. وإن كان ذلك - الظن - يبعد من أهل التقدم في الفصاحة، كما يبعد ممن جرب مقادير ما يمكنه أن يفعله، أن تلتبس عليه حال الأمور العظيمة. وقد أورد بعضُ شيوخنا عند جحد بعض اليهود أن للقرآن مزية، بعض ما ذكرناه من حال العرب. ثم تلا عليه قوله تعالى:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} وبعضهم تلا قوله تعالى:
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وإذا تأمل السامع لقوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}
إلى آخر الآيات، علم أن كزيته على ما نسمع من الكلام الفصيح عظيمةٌ، وإنما يشتبه مثلُ ذلك على من لاحظَّ له" 16 / 134
ثم كان أكثر ما تجرد له القاضي عبد الجبار: الرد على مطاعن المخالفين في القرآن (337) وبطلان القول بأن للتنزيل في القرآن تأويلاً باطناً غير ظاهر، على ما يحكى الباطنية (363) وبطلان طعنهم في القرآن بأن فيه تناقضاً واختلافاً فيما يتصل باللفظ والمعنى والمذهب (387) وبيان فساد طعنهم من جهة التكرار والتطويل وما يتصل بذلك (397) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

وفي كل ذلك، كان يجادل على طريقة الكلاميين لا البلاغيين. وحسبنا على كل حال، أنه أكد نصره لوجه إعجاز القرآن بفصاحته، وأعطانا مفهوماً محرراً لمعنى النظم: لا يراد به مجردُ طريقة مبتدعة في صياغة الكلام تُباين ما عرف العرب من منظوم ومنثور، وإنما انفرد معها برتبه في الفصاحة عرفها أهلُ التقدم منهم بمجرد سماعه، دون أن يظنوا أن مثل القرآن يُواتى من رامه. . .
* * *
وجاء "الباقلانى" في أواخر القرن الرابع، فقدم كتابه المشهور في (إعجاز القرآن) ، وليس دراسة قرآنية خالصة للإعجاز كما يُفهم من عنوانه وكما تَعدِ مقدمتُه، بل هي أقرب إلى الجدل الكلامي والمذهبي، والنقد الأدبي لنصوص طوال، من الشعر والنثر.
ففي الفصول الأولى، يتصدى الباقلانى لتخطئة أقوال في الإعجاز، رفضها الأشاعرة وهو منهم، ولإبطال زعم من زعموا أن علم وحدانية الله لا يمكن بالقرآن، والرد على زعم المجوس أن بعض كتبهم معجز. . .
وهو في هذا كله يورد شبهات الخصوم دون ذكر أسمائهم، ويشتد في تجريحهم والطعن عليهم والزراية بهم.
بعد ذلك ينقل عن الأشاعرة ثلاثة أوجه في الإعجاز، فلا يطيل الوقوف عند الأول والثاني منها - الإخبار عن غيب المستقبل، وعن الماضي منذ خلق الله آدم - بل يمر بهما سريعاً كي يخلص للوجه الثالث وهو "بديع نظم القرآن وعجيب تأليفه وتناهيه في البلاغة" فتحسبه قد تجرد للدرس البلاغي لبديع نظم القرآن، لكنه لا يلبث أن يستطرد بين حين وآخر إلى جدل كلامي مُجهِد.
بل إنه فيكا يختص بالفصول البلاغية التي عقدها، لا يفرغ للنظر في أسرار البيان القرآني، وإنما يعمد إلى نقل قصائد وخطب طوال من مختار الشعر والنثر، ويتعجل النقد لما ينقده منها "لكيلا يتوهم متوهم أن جنس الشعر معارض لنظم القرآن، فتخطفه الطير أو تَهوِى به الريح في مكان سحيق".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

وقد يكتفي بإيراد النصوص الشعرية والنثرية المختارة، ويعقب عليها بأن هبوطها عن مستوى النظم القرآني لا يخفى على ذي بصر وبصيرة.
نقل نصوصَ سبع خطب للرسول صلى الله عليه وسلم، وكتابيه إلى كسرى والنجاشي، وعهد صلح الحديبية، ليقول بعدها: "إن من كان له حظ في الصنعة وقسط من العربية، لا يشتبه عليه الفرق وكلام النبي" عليه الصلاة والسلام.
ونقل بعدها خطبة لأبي بكر الصديق، وعهده إلى عمر، وكتابين من أبي عبيدة ابن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب ورده عليهما، وعهده إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وخطبةً لعثمان بن عفان، وكتابه إلى علي بن أبي طالب، ورثاء عليَّ لأبي بكر، وخطبتين من خطب الإمام علي، وكتابه إلى عبد الله بن عباس، وخطباً لابن مسعود رضي الله عنهم جميعاً - وعمر بن عبد العزيز، والحجاج بن يوسف، وقس بن ساعدة، وخطبة أبي طالب فر زواج محمد صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها (169: 234)
وعقب على هذا الحشد الكاثر - الذي ملأ به سبعين صفحة - بعبارة توجز القول بأن "من تأمل الخطب المتقدمة ونحوها، سيقع له الفصلُ بين كلام الآدميين وكلام رب العالمين".
وملأ ثلاث صفحات من كلام مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية، ليقول: "ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام" (238: 240)
وتتبع القصائد المشهورة لكبار الشعراء، ينقلها وينقدها بيتاً بيتاً، حتى لتستغرق القصيدة الواحدة بضع عشرات من الصفحات، كمعلقة امرئ القيس (243: 277) وقد انتهى منها إلى القول:
"فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك في تفصيل حذا ما تستدل به على الغرض وتستولي على الأمد وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن العجز. . . وأعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب، ليس له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما فيه، وهو أدق من السحر وأهول من البحر وأعجب من الشعر.
"ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ في العالم حُكمُه وقُبِل في الدنيا رسمه، وطَمسَ ظَلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد. . .
فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الآية
"فأنظر إن شئت إلى شريف هذا النظم وبديع هذا التأليف وعظيم هذا الرصف، كلُّ كلمة من هذه الآية تامة، وكلُّ لفظ بديع واقع" 284
وتتوقع بعد هذا أن يفرغ الباقلانى لما "تستدل به على الغرض وتستولى على الأمد وتتصور إعجاز النظم القرآني كما تتصور الشمس".
فإذا به يستأنف نقل النصوص الطوال من شعر البحتري وأبي نواس وابن الرومي وأبي تمام وابن المعتز وأبي فراس، ومختارات من نثر الجاحظ وابن العميد. . .
ليقول إن هذا كله مما يمكن أن يوازي بغيره أو يعارض، احتجاجاً لما ذكره قبل هذه الصفحات المئات، من أن نظم القرآن:
"ليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدي به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً كما يتفق للشاعر البيت النادر والكلمة الشاردة والمعنى الفذ الغريب والشيء القليل العجيب. وكما يلحق من كلامه بالوحشيات ويضاف من قوله إلى الأوابد. لأن ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع فإنما يتفق للشاعر في لُمَعٍ من شعره وللكاتب في قليل من رسائله وللخطيب في يسير من خطبه. ولو كان كل شعره نادراً ومثلاً

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

سائراً ومعنى بديعاً ولفظاً رشيقاً، وكل كلامه مملوءاً من رونقه ومائه، ومحلى ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين والمتردد بين الطرفين، ولا البارد المستثقل والغث المستنكر، لم يبن الإعجاز في الكلام ولم يظهر بَيَّنُ التفاوتِ العجيب بين النظام والنظام" 164
ومن أشق الأمور على دارس ينظر في كتاب الباقلانى، أن يستخلص له من بين ذلك الحشد الكاثر من الجدل الخطابي والنصوص الطوال من الشعر والنثر، فكرةَ ّواضحة في الإعجاز البلاغي لنظم القرآن. فقد عقد بعد هذا كله فصلاً "في وصف وجوه من البلاغة" بدأه بقوله:
"ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام" ثم نقل هذه الأقسام العشرة عن "الرماني" - لم يصرح باسمه -، فملأ بها ثلاثين صفحة (396: 426) ثم تعقبها بالنقد الذي لا يستبين منه مذهبٌ واضح في الإعجاز البلاغي في بديع نظم القرآن.
وفيما تناوله من أنواع هذا البديع، بمعنى البلاغة، لم يلتزم منهج الرماني في الاستشهاد بالقرآن، بل قدم مع الشواهد القرآنية شواهد من الشعر والنثر. وربما بدأ بتقديم هذا الشواهد من كلام البشر، ثم عقب عليها بقوله: "ونظير ذلك في القرآن. . . " أو: "ومثله في القرآن. . . "
وهذا التنظير والمماثلة، مما ينبو عنه حِسَّ من يدرك أن الإعجاز البياني لا يحتمل وجودَ المثل والنظير. . .
وأقدم هنا مثلاً من نظر "الباقلانى" في الإعجاز البلاغي، وأسلوبه في التنظير: "ويعدون من البديع، الموازنة، وذلك كقول بعضهم: "أصبر على حر اللقاء ومضض النزال وشدة المِصاع" - أي المجالدة بالسيف - وكقول امرئ القيس:
سليم الشظا عبل الشوى شنج النَّسَا. . . له حجبات مشرفات على الفال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)