والشيخ محمد عبده، عبر عن النظم بالأسلوب، وجعل لتأثير التلاوة مكاناً في قضية الإعجاز البلاغي، وأدخل الأوربيين ممن تعلموا العربية، في الاحتجاج لإعجاز القرآن، وتعلق "بشهادة أهل العلم والإنصاف منهم، بهذا الإعجاز في النظم والأسلوب، والبلاغة يغوص تأثيرها في أعماق القلوب".
وفيما عدا ذلك، نراه متأثراً بمذهب عبد القاهر في فهم الإعجاز ونهجه في المناقشة والاحتجاج.
والواقع أنه بقدر ما سيطر "السكاكي" على البلاغين المدرسيين، سيطر "عبد القاهر" على من تصدى من المحدثين لموضوع الإعجاز البلاغي، فكان الذي أضافوه إلى رصيده أن يتحدث المتحدثون عن إعجاز القرآن فيقولوا: ما أروع وما أعظم، ما أبهى وأبلغ، وما أجل وأسنى، ونظر إلى شرف هذا المعنى وجزالة ذلك اللفظ وفخافة هذه العبارة وروعة ذلك المثل، وتأمل في سحر هذا الإيقاع واسر ذلك النغم. . .
إلى أمثال لهذا العبارات المبذولة والقوالب الصماء التي ملّها سمع الزمان لطول ما ابتذلتها أقلام الكتاب وألسنة المداحين، في تقريظ قصص هزيلة يروَّجون لها، وأغان مبتذلة ينتشون بها.
ومن ألف سنة رُدَّدَتْ أمثال هذه العبارات الرنانة، فلم يجد فيها أبو سليمان الخطابي - ت 388 هـ - ما يقنع أو يشفى، قال في (بيان إعجاز القرآن) يرد على من ذهبوا إلى أن تميز القرآن عن سائر الكلام الموصوف بالبلاغة، أمر لا يمكن تصويره وقد يخفى سببه ويظهر أثره في النفس:
"إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع والهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب والتأثير في النفس فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام، وتحصر الأقوال عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أملا لابدَّ له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
من سبب، بوجوده يجب له هذا، وبحصوله، يستحق هذا الوصف"
* * *
وظل الإعجاز البلاغي مع ذلك، يدور في هذا النطاق من القوالب التقليدية الصماء والعبارات المضخمة التي لم يجد فيها مثل الخطابي، من القؤرن الرابع، ما يقنع في هذا المجال أو يشفى من داء الجهل، والتي لم تعد تليق بحرمة الكتاب المعجز، ولا تقدم شياً ذا بال، إلى هذا الجيل من أبناء العربية الذين نحرص على أن نصلهم بمعجزة البيان الأعلى. . .
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
المبحث الثاني
محاولة في فهم الإعجاز البياني
1 - فواتح السوَر، وسِرُّ الحرف.
2 - دلالات الألفاظ، وسر الكلمة.
3 - الأساليب، وسِرُّ التعبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
(1)
فواتح السُّوَر وسِرُّ الحرف
ما مِنْ حرف في القرآن الكريم تأوَّلوه زائداً أو قدَّروه محذوفاً أو فسرُوه بحرف آخر، لا يتحدى بسرَّه البياني كل محاولة لتأويله على غير الوجه الذي جاء به في البيان المعجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
مع إدراكي أن الإعجاز البياني للقرآن الكريم يفوت كل محاولة لتحديده، ويجاوز مدى طاقتنا على مشارفة آفاقه الرحبة واجتلاء أسراره الباهرة، أتقدم في خشوع إلى الميدان الجليل، فأضع إلى جانب محاولات السلف، محاولتى المتواضعة في فهم هذا الإعجاز.
وسبق الالتفات إلى أن "الخطابي" لمح الإعجاز في "اللفظ في مكانه إذا أُبدِل فَسَدَ معناه، أوضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة".
وهذه اللمحة الدقيقة، هي - كما قلت من قبل - محور فكرة عبد القاهر الجرجاني في النظم، ولعلها أيضاً تلتقي مع جانب من فكرتنا في الإعجاز البياني، ثم نختلف بعد ذلك في إدراك مغزاها ولمح أبعادها، وطريق الاحتجاج لها والاستدلال عليها.
لقد شُغل البلاغيون عن الإعجاز بمباحث بلاغية قدموها بمعزل عن المعجزة، لأنهم رأوا علوم البلاغة هي دلائل الإعجاز وسبيل فهمه. على حين نتعلم نحن البلاغة من هذا القرآن، ونخلص إليه لنتدبر أسرار بيانه المعجز. . .
* * *
ولعل أول ما لفتني إلى سر الحرف والكلمة، وقفتي أمام فواتح السور، وهي الحروف المقطعة التي افتتحت بها سِتُّ وعشرون سورة مكية، وثلاث من السور المدنية المبكرة.
وهذا هو المشهور في تسمية الفواتح، وإن كان البلاغي المصري "ابن أبي الإصبع" مؤلف بديع القرآن، قد صنف كتاباً عنوانه (الخواطر السوانح في أسرار الفواتح) وعنى بالفواتح أنواع الكلام في مفتتح السور القرآنية، وقد نسقها في عشرة أنواع أحدها حروف التهجي، أو ما نسميه الفواتح، والأنواع التسعة الأخرى هي: الثناء على الله تحميداً وتسبيحاً، والنداء، والجملة الخبرية،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
والقسم، والشرط، والأمر، والاستفهام، والدعاء، والتعليل.
ومثله طالزركشي" في النوع السابع من كتابه البرهان: "في أسرار الفواتح والسور".
وقد أدرجها "السيوطي" في نوع فواتح السور من كتابه (الإتقان) ، وأما الفواتح بمعنى الحروف المقطعة، فجاء بها باسم أوائل السور، في فصل المتشابه.
* * *
والسور المكية المستهلة بالفواتح، هي على المشهور في ترتيب النزول:
القلم (ن) ، ق، ص، الأعراف (المص) يس، مريم (كهيعص) طه، الشعراء (طسم) النمل (طس) القصص (طسم) يونس وهود ويوسف والحجر (الر) لقمان (الم) ، غافر وفصلت (حم) الشورى (حم عسق) الزخرف والدخان والجاثية والأحقاف (حم) إبراهيم (الر) السجدة والروم والعنكبوت (الم) .
والسور المدنية هي:
البقرة وآل عمران (الم) والرعد (المر) .
وقد تنبه السلف إلى أن مجموع هذه الحروف، بغير المكرر منها، أربعة عشر حرفاً، هي نصف الحروف العربية.
كما أطال بعضهم النظر في هذه الحروف، فلفتهم منها أنها نصف الحروف الهجائية على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علكاء اللغة بعد نزول القرآن بزمن طويل.
ففيها خمسة مهموسة، وعدد المهموس من حروف العربية عشرة.
وفيها كذلك نذف الحروف المجهورة، بغير زيادة ولا نقصان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وفيها ثلاثة من حروف الحلق، هي نصف الحروف الحلقية، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية.
وفيها نصف الحروف الشديدة، ونصف الحروف الرخوة.
وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة، ونصف الحروف الأخرى المنفتحة غير المطبقة.
وفيها نصف الحروف المستعلية، ونصف الحروف المنخفضة.
وقد ذهب قوم، منهم الباقلانى، إلى "أن مجئ هذه الحروف على حدَّ التنصيف مما تواضع عليه العلماء بعد العهد الطويل، هو من دلائل الإعجاز، من حيث لا يجوز أن يقع هكذا إلا من الله عز وجل، لأن ذلك يجرى مجرى علم الغيوب".
وإن يكن في موضع آخر، قد عدها معنى من معاني إعجاز القرآن "بديع نظمه وعجيب تأليفه وتناهيه في البلاغة".
ووقف الزمخشري عند هذه النصفية في حروف الفواتح، ورأى فيها لطائف ملزمة بالحجة.
* * *
ولكن، لم جاءت حروف الفواتح، المفردة منها والمركبة، على هذه الصورة التي نزلت بها؟
وماذا قال السلف فيها؟
شغل المفسرون بها من قديم، فما يخلو كتاب تفسير من التعرض لها. وغالباً ما يأتي كلامهم فيها عند تفسير فاتحة سورة البقرة (الم) إذ هي أول سورة في ترتيب المصحف، مفتتحة بالحروف.
وقد أورد الإمام الطبري في تفسيره لفاتحة البقرة، ما انتهى إلى عصره من أقوال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
في الفواتح. ولا يكاد المتأخرون يخرجون عن تلك الأقوال، إلا أن يختاروا قولاً منها يزيدونه تفصيلاً وبياناً وإيضاحاً:
قيل هي حروف يتألف منها اسم الله الأعظم. ورووا عن سعيد بن جبير أنها أسماء الله تعالى مقطعة، لو عرف الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم. قال ابن عباي: إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.
أو هي اسم ملك من ملائكته تعالى، أو نبي من أنبيائه.
وعند بعضهم أن حروف الفواتح دوالّ على أسماء الله الحسنى أو مفاتيح لها، فما من حرف منها إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه تعالى: فالكاف من الكريم أو الكبير والهاء من الهادي، والعين من العزيز أو العليم أو العلي، والصاد من الصمد أو المصور، والألف من الله، والراء من الرحمن، والميم من الملك، والقاف من القدوس أو القاهر أو القادر. . .
ونحو ذلك ما روى عن ابن عباس من أن في قوله تعالى (الم) : أنا الله أعلم، وفي (المص) : أنا الله أفصل) ، وفي (الر) " أنا الله أرى.
* * *
وقيل، هي أسماء للسور التي افتتحت بها. قال "الزمخشري" في الكشاف: "وعليه - أي على هذا الوجه - إطباق الأكثر".
ولا يعني هذا عنده أنها أسماء السور حقيقة، بل هي التسمية بما افتُتحت به واستهلن. ونظيره قولهم" فلان يروى * قفا نبكِ، وعفت الديار * وقول القائل: قرأت من القرآن "الحمد لله"، و"براءة".
وقريب من هذا، قول من قال إن الفواتح من أسماء القرآن، كالفرقان. ومن تأويلها رموزاً لأسمائه، القول بأنها علامات وضعها كُتَّاب الوحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وهو قول متأخر فيما يبدو. ويمنعه أنْ تدخل هذه العلامات وهي من عند البشر، في آي القرآن الكريم.
* * *
وقيل هي أوصوات للتنبيه كما في النداء، عمد إليها القرآن ليكون في غرابتها ما يثير الالتفات، وقد ترك ما ألفوا من ألفاظ التنبيه إلى ما لم يألفوا، لأنه لا يشبه كلام البشر، ولكي يكون أبلغ في قرع الأسماع.
ثم اختلفوا فيمن يكون المقصود بهذا التنبيه:
أبو حيان يرى أنها تنبيه للمشركين إلزاماً لهم بالحجة: "ليستغربها المشركون فيفتحوا لها أسماعهم فتجب عليهم الحجة" بسماع القرآن.
على حين يتجه بها "الفخر الرازي" إلى تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام، لا المشركين. قال يفصل هذا الوجه من وجوه تأويلها:
"الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، ومن يكون مشغول البال بشغل من الأشغال، يُقدّم على الكلام المقصود شيئاً غيره، ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود.
وذلك المنبه "قد يكون كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع، واجعل بالك إلىّ. . . وقد يكطون شيئاً في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيْدُ، ويا زيد، و. . . ألا يا زيد. وقد يكون صوتاً غير مفهوم كالصفير بالفم والتصفيق باليد. . .
"والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان، لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسُن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات. . .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
"ثم إن تلك الحروف بحيث تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه، من تقديم الحروف التي لها معنى. . . لأن المقدَّم إذا كان كلاماً منظموماً وقولاً مفهوماً، فربما يظن السامع أنه كل المقصود ولا كلام بعد ذلك، فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود. فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في هذا الموضع، على الكلام المقصود، فيه حكمة بالغة".
استجاده الإمام الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، فقال: "القول بأنها تنبيهات جيد، لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة، فينبغي أن يرد على سمع متنبه، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونَ النبي صلى الله عليه وسلم في عالم البشر مشغولاً، فأمَر جبريَل بأن يقول عند نزوله: "الم" و"الر" و"حم". . . ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى إليه. وإنما لم يستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ: ألا وأمَا. . . لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآ، كلام لا يشبه الكلام، فناسبَ لأن يؤتىَ فيه بألفاظِ تنبيه لم تُعهد، ليكون أبلغ في قرع سمعه".
* * *
وقيل هي من حروف الجُمَّل، أو ما يسمونه "حساب أبي جاد" ويعنون به الأبجدية: أبجد هوز حطي كلمن. . .
واتجهوا بدلالة الأعداد فيها، إلى مدة المِلة أو مدة الأمم السابقة، أو مدة الدنيا! . . .
ولعل كل المرويات في تأويلها على حساب أبي جاد - مع اختلاف دلالته - تبدأ من قصة "حُيَىَّ بن أخطب اليهودي" وقد نقلها "ابن إسحاق" مفصلة في (السيرة النبوية) مع ما نقل من كيد يهود للإسلام، وجدلهم المعنت للمصطفى عليه الصلاة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
والسلام إثر هجرته إلى المدينة، وقد كانت هي وما حولها منطقةّ نفوذٍ لهم منذ حطوا عليها فراراً من وطأة الرومان، قبل المبعث بنحة خمسة قرون، فتسلطوا على مواردها الإقتصادية ومزقوا الوجود العربي فيها، بالعداوة والبغضاء.
وخلاصة القصة، أن "أبا ياسر بن أخطب" مر بالمصطفى عليه الصلاة والسلام عام الهجرة، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة، أول سورة نزلت بالمدينة:
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}
فأتى أبو ياسر أخاه "حيى بن أخطب" في نفر من يهود، فنقل إليهم ما سمع مما يتلو المصطفى من القرآن. فمشى "حيى" في النفر من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فيما تلا من فاتحة البقرة، فلما استوثق منه قال: "لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بينَّ لنبي منهم ما ملكُه وما أجَلُ أمتِه غيرَك: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون. فهذا إحدى وسبعون سنة، أفندخل في دين نبي إنما مدة مُلكه وأجَل أمته إحدى وسبعون سنة؟ "
ثم استطرد يسأل: يا محمد، هل معك مع هذا غيرهُ؟
قال عليه الصلاة والسلام: نعم، المَصْ.
قال حيى: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذا إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا غيره؟
رد المصطفى: نعم، الر.
قال اليهودي: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون الراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟
ولما ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام: المر، أحصاها حيى بن أخطب على حساب أبى جاد، فهي إحدى وسبعون ومائتان سنة.
وعندها توقف، ثم قام وهو يقول للنبي عليه الصلاة والسلام:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
"لقد لبس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلاً أُعطِِيتَ أم كثيراً
وانصرف بالنفر من قومه، فتساءل أخوه أبو ياسر: ما يدرينا لعله جُمِعَ هذا كله لمحمد؟ وأحصى مجموع ما سمعوا من حروف، فبلغت سبعمائة وأربعا وثلاثين سنة.
وقال النفر من اليهود: لقد تشابه علينا أمره.
ومن هذا التأويل اليهودي، دخل القول بحساب الجُمَّل، حساب أبى جاد، يتنقل في كتب التفسير - بصورة أو بأخرى - مع غيره من الإسرائيليات التي خالطت الفهمَ الإسلامي للقرآن الكريم، ونقل السيوطي تأويل الفواتح بهذا الحساب، فيما جمع من أقوال السلف في هذه الحروف.
ونقل معه شيخ الإسلام الحافظ "ابن حجر": "وهذا باطل لا يعتمد عليه، فقج ثبت عن ابن عباس الزجرُ عن عدَّ أبى جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة".
وكذلك رفضه "الحافظ ابن كثير" من أئمة القرن الثامن للهجرة، (ت 774 هـ) ، قال:
"وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدُدَ، وأنه يُستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له وطار في غيره مطاره. وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدلّ على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي قال: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال: مر أبو ياسر بن أخطب - ونقل القصة كما وردت بسندها في السيرة لابن إسحاق عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
ابن الكلبي - فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما اتفرد به".
ويُفهم من عبارة "ابن كثير" أن حساب أبي جاد بدأ في قصة ابن أخطب اليهودي - في السيرة النبوية - بِعَدَّ الحروف مدة الإسلام وأجَلَ أمته، قد أضافت إليه العصور، بعد ابن إسحاق في القرن الثاني للهجرة، استخراجَ أوقات الحوادث والفتن والملاحم، من حساب الحروف بعدَّ أبى جاد!
وقد استسخفه الشيخ الإمام محمد عبده وقال فيه:
"إن أضعف ما قيل في هذه الحروف وأسخفه، أن المراد بها الإشارة بأعدادها في حساب الجُمَل إلى مدة هذه الأمة أو ما يشابه ذلك. وروى ابن إسحاق حديثاً في ذلك عن بعض اليهود عن النبي صلى الله عليه وسلم. . .
"ولا يزال يوجد في الناس، حتى علماء التاريخ واللغات منهم، من يرى أن في هذه الحروف رموزاً إلى بعض الحقائق الدينية والتاريخية ستظهره الأيام"
ثم بدا للسيد الأستاذ "على نصوح الطاهر"، أن يتجه بحسابها العددي إلى عدد حروف السوَر التي افتتحت بها، لكن المحاولة - وقد نشرها في رسالة مطبوعة في القدس، سنة 1960 - لم تسلم بعد الجهد الإحصائي المضني.
* * *
وقيل إن الحروف في مفتتح السور تشير إلى غلبة مجيئها في كلمات هذه السورة. ذكره "الزركشي" بمزيد تفصيل في (البرهان) : بياناً لوجه اختصاص كل سورة بما بدئت به، حتى لم تكن لترد (الم) في موضع (الر) ولا (حم) في موضع (طس) قال:
"وكل سورة بدئت بالحروف المفردة، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها. فلو وضع (ق) في موضع (ن) لم يكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله. وسورة ق بدئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر: القرآن، والخلق، وتكرار القول ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب والسائق، والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين والقلب، والقرن، والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل، والرزق، والقوم، وخوف الوعيد وغير ذلك. . .
"وتأمب ما اشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم، اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم. . . وكذلك سورة (ن، والقلم) : فإن فواصلها كلها على هذا الوزن، مع ما تضمنت من الألفاظ النونية"
ولا أدري ما وجهه، وفي فواصل سورة القلم: عظيم، الخرطوم، زعيم، مكظوم، مذموم. مع: يكتبون، الصالحين، متين، مثقلون!
ويبدو أن الملحظ لما لم يطرد في سائر السور المفتتحة بالحروف، عمد الزركشي إلى التأويل والتخريج، حتى خرج بها إلى إشاريات بعيدة من مثل قولها:
"و (الم) جمعت المخارج الثلاثة: الحلق واللسان والشفتين، على ترتيبها. وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق، والنهاية التي هي بدء الميعاد، والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي، وكل سورة افتتحت بها (الم) فهي مشتملة على الأمور الثلاثة.
"وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على (الم) - المص - لما فيها من شرح القِصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} ولهذا قال بعضهم، معنى (المص) : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وذهب الظاهرية إلى أنها من المتشابه، قال أبو محمد ابن حزم: "والمتشابه من القرآن هو الحروف المقطعة والأقسام فقط، إذ لا نص في شرحها ولا إجماع، وليس فيما عدا ذلك متشابه على الإطلاق".
* * *
واستراح قوم من كل هذا العناء المضني الذي لا ينتهي في أي وجه قيل، إلى ما يُطمأن إليه من اطراد في كل فواتح السور، فقالوا إنها سر من مكنون علمه تعالى: ورووا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: "في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن، في الحروف التي في أوائل السور".
وحوّم حول هذا، جماعة من القائلين بعلوم الحروف، ذكرهم "أبو حيلن" وقال: "وقد أنكر جماعة من المتكلمين أن يكون في القرآن ما لا يُفهم معناه. فانظر إلى هذا الاختلاف المنتشر الذي لا يكاد ينضبط في تفسير هذه الحروف والكلام عليها. والذي أذهب إليه أن هذه الحروف في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وسائر كلامه تعالى محكم. . .
"وإلى هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد اليزيدي، وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من الحدَّثين. قالوا: هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن نتكلم فيها ولكن نؤمن بها وتمر كما جاءت. وقال الجمهور: بل يجب أن نتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك الاختلاف الذي قدمناه. قال ابن عطية: والصواب ما قال الجمهور، فنفسر هذه الحروف ونلتمس لها التأويل".
ويبدو أن القول بأنها من المتشابه، هو ما غلب على المتأخرين بحيث ساغ للسيوطي أن يضع الأقوال المختلفة في هذه الحروف في نوع المتشابه، وإن لم يقصره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
عليها بل أضاف إليها غيرها إنه من متشابه القرآن.
وقد بدأ الفصلَ الخاص بالحروف، من نوع المتشابه، بقوله:
"ومن المتشابه أوائل السور. والمختار فيها أنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى". . .
"وخاض في معناها آخرون" ممن نقل الجلال السيوطي اقوالهم في هذا الباب.
* * *
ويئس بعضهم من ذلك الجدل المثار في الحروف، واختلاف الأقوال في تأويلها. منهم القاضي "أبو بكر ابن العربي" الذي قال، فيكا نقل السيوطي من كلامه في (فوائد رحلته) : "ومن الباطل علمُ الحروف المقطعة في أوائل السور. وفد تحصل لي فيها عشرون قولاً وأزيد. ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم. والذي أقوله إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً عنهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. بلا تلا عليهم (حَمَ) و (صَ) وغيرها فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة، مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة. فدلَّ على أنه كان أمراً معروفاً بينهم لا إنكار فيه"
. . . . . . . . .
فماذا عساه أن يكون ما عرف العرب من دلالة هذه الحروف المقطعة في فواتح السور؟
لا يمكن أن يكونوا عرفوها إذا كانت من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. ومثله في البعد عن إدراكهم، أن تكون حروفاً يتألف منها الأسم الأعظم أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
اسم ملك من ملائكته تعالى أو نبي من أنبيائه، فذلك أيضاً مما لم يحيطوا به علماً؛ ولا نتصور أنهم، الأمين، عكفوا على حساب الجُمَّل يعدون الحروف على عدَّ أبي جاد، كما فعل اليهودي "حيى بن أخطب، وأخوه أبو ياسر"
كما لا يسهل أن نتصور أنهم راحوا يحصون حرف القاف في (سورة ق) ومواقف الخصومة في سورة (ص) أو يربطون بين بداية الخلق ونهايته والمعاش والتكليف بينهما، بمخارج حروف (الم) من الحلق واللسان والشفتين. . . .
* * *
ثم يرد على كل هذه الأقوال، سؤال عن وجه اختصاص بعض سور القرآن بفواتح من حروف مقطعة دون سائر السور. وإن كان الزمخشري يرى أن هذا السؤال ساقط "كا إذا سَمَّى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عَمْراً، لم يُقَلْ له: لم خصصت ولدك هذا يزيد وذاك عمرو؟ لأن الغرض هو التمييز، وهو حاصل أية سلك. ولذلك لا يقال: لم سُمَّي هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس، ولم قيل للانصتاب القيام، ولنقضيه القعود؟ "
على حين لم يُسقط الفخر الرازي هذا السؤال عن حكمة اختصاص بعض السور بحروف الفواتح دون سائر السور، بل رد عليه فقال:
"عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له"
ثم مضى فقدم في رده ملحظاً هاماً هو: غلبة ذكر القرآن أو الكتاب بعد هذه الفواتح. قال:
"كل سورة في أوائلها حروف التهجي، فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كقوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ}
{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ}
{المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}
{يس (1) وَالْقُرْآنِ}
{ص وَالْقُرْآنِ}
{ق وَالْقُرْآنِ}
{الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ}
{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ}
إلا ثلاث سور: {كهيعص} ، {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ} ، {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} - أي: مريم، والعنكبوت، والروم.
لكن الفخر الرازي لم يمض بهذا الملحظ الهام إلى تدبر سر الحرف في الإعجاز البياني، بل ربطه بتأويلها بالمنبهات، ورأى "أن الحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أز الكتاب بالحروف، هي أن القرآن عظيم، والإنزال له ثقل، والكتاب له عبء كما قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}
وكلُّ سورة في أولها ذِكْرُ القرآن والكتاب والتنزيل، قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه".
ولم يفت الرازي أنَّ ربك الفواتح بذكر تالقرآن والكتاب والتنزيل، لا يسلم له طرداً ولا عكساً كما يقول المناطقة.
فثقل القرآن لا تختص به السور المفتتحة بالحروف دون سائر السور الأخرى. فضلاً عن وجود ذُكَرِ الإنزالُ زالكتاب في آياتها الأولى، غير مفتتحة بالحروف، مثل سور: الكهف: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الفرقان {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}
القَدْر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}
الزُّمَر: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}
كما أن التنبيه، جاء في القرآن بغير الحروف المقطعة، كالنداء في سور النساء والحج والتحريم، والبدء بواو القسم في مثل سور الضحى والعصر والليل والفجر والشمس والنجوم. . . وعدم ذكر البسملة، في سورة التوبة.
وقد رد الرازي على الأول، بأن السورة التي فيها ذكر القرآن تُنبه على كل القرآن. وردَّ على الثاني بأن هذه السور غير المفتتحة بالحروف، ليست واردة على مشغول القلب بشيء غير القرآن. وردّ على الثالث بأن أوائل الحج والتحريم أشياء هائلة عظيمة.
وأما السور التي افتتحت بالحروف ولم يذكر بعدها القرآن أو التنزيل، فعلَّله بأن ثقل القرآن، بما فيه من التكاليف والمعاني.
ولا يبدو ردهُّ مقنعاً، بل هو واضح التكلف.
وكان "الزركشي" أوضح مسلكاً وأنأى عن تكليف، إذ اكتفى بقوله:
"واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف، أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن. . .
وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم، فيسأل عن حكمة ذلك." وهو ما حاوله "الحافظ ابن كثير" فهداه الاستقراء إلى أن كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه. على ما سوف ننقل فيما يلي.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ولعل أقرب ما قالوه في حروف الفواتح، إلى طبيعة البيان وقضية الإعجاز، هو أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف هجائهم، مفردة أو مركبة "ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، أنه بالحروف التي يعرفونها ويبنون كلامهم منها".
ذكره الإمام الطبري في تفسيره، وأتى به الزمخشري في بيان مجئ الحروف مقطعة "مسرودة على نمط التعديد، كالإيقاع وقرع العصا لمن تُحدى بالقرآن وبغرابة نظمه، وكالتحريك إلى النظر في أن هذا المتلو عليهم، وقد عجزوا عنه من آخرهم، كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيفنوا أنْ لم تتساقط مقدرتهمة دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز؛ ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر".
وبعد أن ساق الزمخشري ملحظ مجئ الفواتح على حرف، واثنين، وثلاثة، وأربعة، وخمسة، كمجئ ألفاظ العرب وأبنيتهم على هذا لم تتجاوز، انتصر لهذا الوجه الذي يربط حروف الفواتح بالإعجاز فقال:
"وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل، إشارة إلى ما ذكرتُ من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم".
نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره، وأضاف:
"قلت: ولهذا، كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته. وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)