ولا لها إسناد معروف" (1) .
كما أن علامات الوضع لنصوص الكتاب كثيرة ليس هذا موضع تفصليها (2) .
والغرض هنا أن الشيعة يشترطون في الحكم بالصحة اتصال السند فأين اتصال السند هنا؟ ومن قديم كان شيوخهم لا يعملون بمقاييس الصحة والضعف التي وضعوها بأنفسهم. قال الحر العاملي عن شيخهم الطوسي إنه "يقول: هذا ضعيف، لأن روايه فلان ضعيف، ثم نراه يعلم برواية ذلك الرواي بعينه، بل برواية من هو أضعف منه في مواضع لا تحصى. وكثيراً ما يضعف الحديث بأنه مرسل ثم يستدل بالحديث المرسل، بل كثيراً ما يعمل بالمراسيل وبرواية الضعفاء، ويرد المسند ورواية الثقات" (3) .
وإذا كان شيخهم البحراني المتوفى سنة (1186هـ) يقرر بأن تطبيق منهجهم في الجرح والتعديل (على ما فيه) يلغي الكثير من أحاديثهم - كما مر - فإن شيخهم الأردبيلي (4) . والمتوفى سنة (1101هـ) يؤلف كتابه جامع الرواة ويدعي دعوى في غاية الغرابة، حيث زعم - وهو في القرن الحادي عشر - أنه بتأليفه لكتابه المذكور تتغير أحكامه في اثني عشر ألف حديث عن الأئمة في العصور الأولى، تتغير من القول بضعفها أو إرسالها أو جهالتها إلى القول بصحتها، حيث قال: "بسبب نسختي هذه يمكن أن يصير قريباً من اثني عشر ألف حديث أو أكثر من الأخبار التي كانت بحسب المشهور بين علمائنا - رضوان الله عليهم - مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة معلومة الحال وصحيحة لعناية الله تعالى، وتوجه - كذا - سيدنا محمد وآله الطاهرين" (5) .--------------------------------------------
(1) ابن تيمية/ منهاج السنة: 4/24، المنتقى من منهاج الاعتدال ص 430
(2) انظر في نقد نهج البلاغة: ابن تيمية/ منهاج السنة: 4/159، المنتقى من منهاج الاعتدال: ص 508-509، الذهبي/ ميزان الاعتدال (ترجمة علي بن الحسين الشريف المرتضى: 3/124) ، ابن حجر/ لسان الميزان: 4/223، مختصر التحفة الاثني عشرية: ص 36، محب الدين الخطيب/ حاشية مختصر التحفة: ص 58، وحاشية المنتقى: ص 430، أحمد أمين/ فجر الإسلام: ص 178، أحمد زكي صفوت/ ترجمة علي بن أبي طالب: ص 125-162، الزعبي/ البينات في الرد على أباطيل المراجعات: ص 36-40، مجلة المقتطف المجلد 42 جص248 عدد (25) ربيع الأول عام 1331هـ، الوادعي/ رياض الجنة: ص162-163
(3) وسائل الشيعة: 20/111
(4) محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري
(5) الأردبيلي/ مقدمة جامع الرواة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
ويستدل بهذا القول صاحب فصل الخطاب على أنه لا مانع من أن تصبح أحاديث التحريف ضعيفة عند قدمائهم لعدم علمهم بطرق صحتها فتتحول عندهم إلى صحيحة (1) .
ونجد شيخهم المجلسي في كتابه مرآه العقول يضعف جملة من أحاديث الكافي مع أنه يقول: فإننا لا نحتاج إلى سند لهذه الأصول الأربعة، وإذا أوردنا سنداً فليس إلا للتيمن والتبرك والاقتداء بسنة السلف (2) ، وهذا تناقض غريب. ولكن شيخهم هاشم معروف يرى "أن اتصاف هذا المقدار من مرويات الكافي بالضعف (3) . لا يعني عدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها، لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، أو في بعض الكتب المعتبرة.. أو لكونها معمولاً بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء على أن الرواية الضعيفة إذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة، وربما تترجح عليها في مقام التعارض" (4) . ولهذا قال شيخهم الشعراني - كما مر - بأن أسانيد الكافي وإن كان أكثرها ضعيفاً فإن مضامينها صحيحة (5) .
ويلحظ أن هذا مع ما قبله محاولة للتخلص من تطبيق مبادئ الجرح والتعديل التي وضعها لهم ابن المطهر في القرن السابع وانتهت بهم إلى سقوط كثير من رواياتهم، كما كشف ذلك شيخهم البحراني، فطفقوا يبحثون عما يسند رواياتهم بأي قرينة.. وإلا فما معنى وجودها في كتاب معتبر وهل هناك أكثر--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب: ص 354
(2) رسالة لزوم نقد رجال من لا يحضره الفقيه، عن أبي زهرة/ الإمام الصادق: ص 470-471
(3) قالوا بأن عدد الضعيف من روايات الكافي (9485) حديثاً، والصحيح (5072) ، الحسن (144) ، والموثق (178) ، القوى (302) . (انظر: الذريعة: 17/245-246، النوري/ مستدرك الوسائل: الفائدة الرابعة)
(4) هاشم معروف/ دراسات في الحديث والمحدثين: ص 137
(5) الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني) 2/123
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
اعتباراً عندهم من الكافي المعروض على مهديهم؟!، أمام قوله: "كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة" (1) . فإن شيوخهم يقولون بأن الكتب الأربعة وغيرها من كتبهم المعتمدة كالخصال، والأمالي، ومدينة العلم.. منقولة من الأصول الأربعمائة (2) .
فكيف يجعلون علامة صحة أخبارهم عن الأئمة في الكافي وجودها في أحد الأصول، والكافي برمته منقولة منها - كما يزعمون - أليس هذا تناقضاً؟!.
تقويم حال الأئمة الذين تدعي فيهم الشيعة كل تلك الدعاوى:
الملاحظ أن روايات الشيعة في كتبها كلها منسوبة إلى الأئمة الاثني عشر، ومعظمها مروي عن جعفر الصادق، وقليل منها (بل نادرٌ ولا يكاد يوجد إلا بكلفة) مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أشار شيخهم الحر العاملي إلى أنهم يتجنبون رواية ما يرفع إلى النبي خشية أن يكون من روايات أهل السنة (3) .
إذن هذه الطائفة "لا تعتني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحه من سقيمه والبحث عن معانيه، ولا تعتني بآثار الصحابة والتابعين حتى تعرف مآخذهم ومسالكهم وترد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول" (4) .
بل عمدتها ما تزعم روايته عن بعض أهل البيت وليس كل أهل البيت، فقد رد الطوسي روايات زيد بن علي بن الحسين (5) . وكفر هؤلاء جملة من أهل البيت لا لشيء إلا لأنهم لم يصدقوا بدعوى إمامة الاثني عشر (6) . ويا ليتهم أخذوا بما يقوله أمير--------------------------------------------
(1) ادعى شيوخ الشيعة بأن أسلافهم كانوا يعتمدون على أربعمائة مصنف يسمونها الأصول، ثم لخصت هذه الكتب وجمعت في كتب خاصة أحسنها الكتب الأربعة. (الوسائل 20/67)
(2) الوسائل: 20/67
(3) انظر: وسائل الشيعة: 20/391
(4) منهاج السنة: 3/40
(5) انظر: الاستبصار: 1/66
(6) انظر: أصول الكافي: 1/372، بحار الأنوار: 25/112-114
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
المؤمنين علي، أو قنعوا بمراسيل التابعين كعلي بن الحسين؛ بل يأتون إلى من تأخر زمانه كالعكسريين فيقولون: كل ما قاله واحد من أولئك فالنبي قد قاله.
وكل من له عقل يعلم أن العسكريين بمنزلة أمثالهما ممن كان في زمانهما من الهاشميين ليس عندهم من العلم ما يمتازون به عن غيرهم، ويحتاج إليهم في أهل العلم، ولا كان أهل العلم يأخذون عنهم، كما يأخذون عن علماء زمانهم، وكما كان أهل العلم في زمن علي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابن ابنه جعفر بن محمد، فأن هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم قد أخذ أهل العلم عنهم كما كانوا يأخذون عن أمثالهم بخلاف العسكريين ونحوهما فإنه لم يأخذ أهل العلم المعروفون بالعلم عنهم شيئاً. فيريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع العالمين، بمنزلة القرآن والمتواتر من السنن، وهذا مما لا يبنى عليه دينه إلا من كان أبعد الناس من طريقة أهل العلم والإيمان (1) .
وقد تحدث ابن حزم عن هذه الدعوى للروافض وقال: "وأما من بعد جعفر بن محمد فما عرفنا لهم علماً أصلاً، لا من رواية ولا من فتيا على قرب عهدهم منا، ولو كان عندهم من ذلك شيء لعرف كما عرف عن محمد بن علي وابنه جعفر وعن غيره منهم ممن حدث الناس عنه" (2) . وأما من قبل جعفر فلهم ما لنظرائهم من العلم والفضل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بأن من يدعي الروافض أن قوله كقول الله ورسوله: "منهم من كان خليفة راشداً تجب طاعته كطاعة الخلفاء قبله، وهو علي، ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم من أئمة العلم والدين كعلي بن الحسين، وأبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، ومنهم دون ذلك" (3) .
ثم فصل القول في من هم دون ذلك في موضع آخر؛ فذكر بأن موسى بن--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 3/40-41
(2) الفصل: 4/175
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/69
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
جعفر ليس له كثير رواية، وقد روى عن أبيه، وروى عنه أخوه علي، وروى له الترمذي وابن ماجه، وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم، وليس لهم رواية في الكتب الأمهات من الحديث، ولا فتاوى في الكتب المعروفة التي نقل فيها فتاوى السلف، ولا لهم تفسير ولا غيره، ولا لهم أقوال معروفة، ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل رضي الله عنهم (1) .
فكأن شيخ الإسلام رحمه الله يستدرك على ابن حزم.. فيزيد موسى بن جعفر، ويبين أنه كان له رواية في كتب السنة، إلا أنها ليست كثيرة. وقد حدّد الذهبي رواياته في الكتب الستة فقال: له عند الترمذي وابن ماجه حديثان (2) .
ولكن يلحظ أيضاً أن ابنه علي بن موسى الرضا؛ له رواية في سنن ابن ماجه، كما أشار إلى ذلك الذهبي، وابن حجر حيث رمزا له - عند ذكر ترجمته - بالقاف إشارة إلى ذلك (3) . وقد ذكر المزي بأنها رواية وحدة فقط (4) . وبالرجوع إلى سنن ابن ماجه تبين أن تلك الرواية جاءت من طريق أبي الصلت الهروي (5) . وهو ممن لا يحتج له، حتى قال فيه الدارقطني: "رافضي خبيث متهم بوضع حديث الإيمان في القلب" (6) . وهو الحديث الذي جاء في سنن ابن ماجه من طريق أبي الصلت عن علي بن موسى، ولذلك قال ابن السمعاني: إن الخلل في روايات علي الرضا من رواته، فإنه ما روى عنه إلا متروك (7) .
وقال فيه ابن--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 2/155
(2) سير أعلام النبلاء: 6/270
(3) الذهبي/ الكاشف: 2/296، ابن حجر/ تقرير التهذيب: 2/44-45
(4) المزي/ تهذيب الكمال: 2/993 (المخطوط)
(5) انظر: سنن ابن ماجه: 1/25-26 رقم (45) ، وقد حكم عليها ابن الجوزي بالوضع (الموضوعات: 1/128-129) ، وانظر: السخاوي/ المقاصد الحسنة: ص 140، الكناني/ تنزيه الشريعة: 1/515-152، البوصيري/ مصباح الزجاجة ص 12
(6) ميزان الاعتدال: 2/616
(7) الأنساب: 6/134، وانظر: تهذيب التهذيب: 7/389
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
حجر: إنه صدوق والخلل ممن روى عنه (1) .
ولعل هذا ما أشار إليه شيخ الإسلام حينما قال: "لم يأخذ عنه أحد من أهل العلم بالحديث شيئاً، ولا روى له حديثاً في كتب السنة، وإنما يروي له أبو الصلت الهروي وأمثاله نسخاً عن آبائه فيها من الأكاذيب ما نزه الله عنه الصادقين" (2) .
وأما من بعد علي الرضا - وهو من يعده الاثنا عشرية إمامهم الثامن - فلم يؤثر عنهم في كتب السنة من العلم شيء، وحينما ادعى ابن المطهر الحلي أن الحسن العسكري (إمامهم الحادي عشر) قد "روت عنه العامة (يعني أهل السنة) كثيراً"؛ نفى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: بأن ذلك من الدعاوى المجردة، والأكاذيب المثبتة، فإن العلماء المعروفين بالرواية الذين كانوا في زمن هذا الحسن بن عليّ العسكري ليست لهم عنه رواية مشهورة في كتب أهل العلم. وقال: "بأن شيوخ أهل كتب السنة (البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه) كانوا موجودين في ذلك الزمان وقريباً منه مثله وبعده، وقد جمع الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أسماء شيوخ الكل - يعني شيوخ هؤلاء الأئمة -، فليس في هؤلاء الأئمة من روى عن الحسن بن علي العسكري مع ورايتهم عن ألوف مؤلفة من أهل الحديث، فكيف يقال: روت عنه العامة كثيراً، وأين هذه الروايات؟ " (3) .
وقد رأيت الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن علي العسكري يذكر بأن ابن الجوزي ضعفه في الموضوعات (4) . فانظر الفرق بين هذا، وبين من يعد--------------------------------------------
(1) تقريب التهذيب: 2/45
(2) منهاج السنة: 2/156، وفي تهذيب التهذيب ذكر أمثلة لهذه المنكرات والأكاذيب التي يرويها أبو الصلت الهروي عن علي الرضا (تهذيب التهذيب: 7/388-389) كحديثهم الذي يقول: "السبت لنا، والأحد لشيعتنا، والاثنين لبني أمية.." إلخ.
(انظر: المصدر السابق 7/388) وترويه كتب الاثني عشرية في مصادرها المعتمدة عندهم. (انظر: عيون الأخبار: ص 207، وسائل الشيعة: 8/258)
(3) منهاج السنة: 2/163-164
(4) لسان الميزان: 2/240
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
كلامه وحياً يوحى.
وقد أثار ابن حزام على الشيعة ما ثبت تاريخياً من أن بعض أئمتهم المذكورين مات أبوه وهو ابن ثلاث سنوات، ثم قال: "فنسألهم من أين علم هذا الصغير جميع علومه الشريعة وقد تعذر تعليم أبيه له لصغره؟ فلم يبق إلا أن يدّعوا له الوحي فهذه نبوة وكفر صريح، وهم لا يبلغون إلى أن يدعوا له النبوة، وأن يدعوا له معجزة تصحيح قوله.
فهذه دعوة باطلة، ماظهر منها قط شيء، أو يدّعوا له الإلهام فما يعجز أحد عن هذه الدعوى" (1) .
وكأن ابن حزم يتنبأ بما ستضيفه الشيعة، أو هو يكشف شيئاً يتسترون عليه، فقد قالوا بالإلهام والوحي للإمام - كما سلف - وجاء في روايتهم ما يؤكد القول بإمامة الأطفال، ففي أصول الكافي "عن ابن بزيع قال: سألته يعني أبا جعفر رضي الله عنه عن شيء من أمر الإمام، فقلت: يكون ابن أقل من سبع سنين؟ فقال: نعم، وأقل من خمس سنين" (2) .
وقالوا بأن الجواد كان إماماً وهو ابن خمس سنوات (3) ، وقد مضى احتجاجهم بروايات منسوبة لمنتظرهم وهو ابن ليلة واحدة.
ويكفي مجرد تصور هذا لمعرفة مدى بطلان رواياتهم التي ينسبونها للأئمة، إذ قد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة، أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فتكون نفسه محضونة ومكفولة لمن يستحق كفالته الشرعية، وهو قبل السبع لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ السبع أمر بها.. فكيف يكون مثل هذا إماماً معصوماً، قوله قول الله ورسوله؟، وهل يؤمن بهذا إلا من أعمى الله قلبه..--------------------------------------------
(1) الفصل: 4/172
(2) أصول الكافي: 1/383-384، بحار الأنوار: 25/103
(3) بحار الأنوار: 25/103
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
ولذلك اعترفت كتب الفرق عند الشيعة، بأن طوائف من الشيعة أنكروا إمامة الجواد لاستصغارهم لسنه، وقالوا: لا يجوز الإمام إلا بالغاً، ولو جاز أن يأمر الله عز وجل بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس دقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبي - صلى الله عليه وآله -، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ (1) .
وقد أدى بهم القول بإمامة طفل في حكم الحضانة.. إلى قبول رواية الكذابين الذين نسبوا لبعض الأئمة أقوالاً لم تصدر منهم، لأنهم لم يدركوهم إلا في مرحلة الطفولة.
قال الممقاني في ترجمة المعلى بن خنيس: "إن المعلى قتل لأربع وثلاثين ومائة، والكاظم طفل لأنه ولد سنة 28 أو 29 ومائة، فعمره عند قتل المعلى ست أو سبع سنين" (2) . ولكنه يروي عن الكاظم والشيعة تقبل روايته. يقول الممقاني في توجيه ذلك: "وفيه أن صغرهم لا يمنع من علمهم بالأحكام، ألا ترى إلى إمامة الجواد وهو صغير فيمكن أن يكون المعلى سأل الكاظم وهو صغير فروى عنه" (3) .
ثم إنهم فيما ينقلونه عن بعض علماء أهل البيت لا ينظرون في الإسناد إليهم هل ثبت النقل إليهم أم لا، فإنهم لا معرفة لهم بصناعة الحديث والإسناد (4) . فهم في حقيقة الأمر "ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله" (5) ، ولهذا وجدوا كتباً منسوبة لأوائلهم،--------------------------------------------
(1) النوبختي/ فرق الشيعة: ص 87-88، القمي/ المقالات والفرق ص 95
(2) تنقيح المقال للممقاتي، ترجمة المعلى
(3) تنقيح المقال للممقاتي، ترجمة المعلى
(4) منهاج السنة: 3/246
(5) منهاج السنة: 2/134، المنتقى: ص 163
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
مقطوعة الإسناد، بسبب الخوف من دولة الخلافة الإسلامية - كما يقولون - وقيل لهم اعملوا بها فإنها صادقة - كما مر -.
وكان شيوخهم يقبلون بما جاء في هذه الكتب بلا تمحيص.. حتى إذا جاء القرن السابع بدأ ابن المطهر بتقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره. وفي القرن ألف أول كتاب عندهم في مصطلح الحديث.. وخالفهم في ذلك طائفة منهم وهم الإخبارون، الذين رفضوا ذلك وقالوا: إنه مجرد محاكاة وتقليد لأهل السنة.. وفضحوا أمر الشيعة في هذا الباب.
وقد شهد طائفة من أعلام المسلمين بأن صناعة الكذب رائجة في الأوساط الشيعية، وأنهم يرون ذلك من الدين بحكم عقيدة التقية - كما سلف الإشارة إلى ذلك (1) .-، وقد بلغ التعصب المذهبي مداه حينما قبلوا روايات الكذابين، ومن أنكر إمامة بعض الأئمة.. لمجرد الانتساب للتشيع، وردوا روايات الصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله..
وكانت مقاييسهم في توثيق الرجال في غاية العجب؛ فمن زعم أنه رأى المنتظر، أو أكثر من الافتراء على أهل البيت (2) . أو زعم أنهم ضمنوا له الجنة (3) .--------------------------------------------
(1) ص: (362) هامش (3) ، وانظر: فصل التقية
(2) لأنهم رووا عن أئمتهم: "اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا". (أصول الكافي: 1/50)
(3) ضمان الإمام الجنة لأحد رواتهم من أعلى درجات التوثيق. (انظر: وسائل الشيعة: 20/118 رقم (20) ، رجال الكشي: ص 381 رقم (714) ، ص 567 رقم (1073) ، رجال الحلي: ص98، 158) .
ومن نماذج هذه التوثيقات ما جاء في ترجمة إبراهيم بن أبي محمود والذي قال عنه الكشي بأنه: "روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى مسائل موسى رضي الله عنه (يعني موسى الكاظم) قدر خمس وعشرين ورقة، وعاش بعد الرضا".
جاء فيها النص التالي الذي يدل على توثيق الرجل بزعمهم: "روى الكشي يسنده عن إبراهيم ابن أبي محمود، قال: دخلت على أبي جعفر - إلى أن قال - فقلت: جعلت فداك تضمن لي عن ربك أن تدخلني الجنة؟ قال: نعم، قال: فأخذت رجله فقبلتها" (رجال الكشي: ص 567) .
ولاشك بأن من يعتقد في الأئمة هذا الاعتقاد فليس من الإسلام في شيء، فضلاً عن أن يؤخذ من ذلك توثيق للرجل، وقد أفتى جعفر الصادق بكفر من اعتقد منهم ذلك. (انظر: ميزان الاعتدال: 1/69-70)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
أو أنه كان يغلو فيهم (1) . فهو الثقة المأمون.
فكيف يجعل الكذب أصلاً للتوثيق والتعديل.. وإذا تدبرت رجال السند على ضوء كتب الرجال عندهم رأيت أن كبارهم، والمكثرين من الرواية عندهم قد نالوا من ذم الأئمة، وحاق بهم لعنهم، وكان الأئمة يتبرؤون منهم ويكذبونهم.. وقد نقلت ذلك كتب الشيعة نفسها (2) .
ولكن شيوخ الشيعة أعرضوا عن وصايا الأئمة وأقوالهم بلا مبرر إلا دعوى التقية التي هي في مثل هذا المقام كنسيج العنكبوت أو أوْهَى..
ومن بعد السند.. المتن.. فكثير من متون هذه الروايات كما رأينا في أبواب هذه الرسالة وفصولها.. وكما يظهر ذلك لمن راجع أصول الكافي، أو البحار، أو تفسير القمي، والعياشي، أو رجال الكشي - كثير من متونها هي معروف كذبها من الإسلام بالضرورة، لأنها تنال من كتاب ربنا، وتحارب سنة نبينا، وتكفر خير القرون ومن تبعهم بإحسان، وتقول بعقائدنا ليس لها في كتاب الله برهان..
فيكفي في الحكم على أحاديثهم؛ النظر في متونها "وكل متن يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع (3) . على الرسول".--------------------------------------------
(1) في رجال الحلي، وفي ترجمة رجل من رواتهم يدعى واصل، استدل على وثاقته بما رواه الكشي قال: "حدثني واصل، قال: طليت أبا الحسن رضي الله عنه بالنورة، فسددت مخرج الماء من الحمام إلى البئر، ثم جمعت ذلك الماء، وتلك النورة، وذلك الشعر فشربته كله". (رجال الكشي: ص 614) . قال ابن المطهر: وهذا يدل على علو اعتقاده، والسند صحيح (رجال الحلي: ص 177-178)
(2) انظر ما سبق: ص (374)
(3) ابن الجوزي/ الموضوعات: 1/106
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
الفصل الثالث: عقيدتهم في الإجماع
الإجماع من أصول أهل السنة، وهو الأصل الثالث بعد الكتابة والسنة الذي يعتمد عليه في العلم والدين (1) ، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة" (2) .
وأهل السنة يَزِنُون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما تعلق بالدين (3) ، وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة (4) . والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة (5) .
والشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعاً، ولها في هذا الباب عقائد مخالفة نذكرها فيما يلي:
أولاً: الحجة في قول الإمام لا في الإجماع
نقلت كتب الأصول عند أهل السنة أن الشيعة تقول: "إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعاً، بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة" (6) .--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 3/157، وراجع في هذا: الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: 1/200، الغزالي/ المستصفى: 1/173 وما بعدها، وانظر: الرسالة للشافعي: ص403 رقم 1105، وص 471 وما بعدها، ابن عبد البر/ التمهيد: 4/267
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 3/346
(3) المصدر السابق: 3/157
(4) وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين (انظر: المصدر السابق: 3/157)
(5) المصدر السابق: 3/157
(6) الإسنوي/ نهاية السول: 3/247
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
ونستطلع فيما يلي رأي الشيعة من مصادرها، يقول ابن المطهر الحلي: "الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها، فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع" (1) . وبمثل هذا قال عدد من شيوخهم (2) .
إذن الإجماع ليس حجة عندهم بدون وجود الإمام الذي يعتقدون عصمته، فمدار حجية الإجماع هو على قوله لا على نفس الإجماع، فهم في الحقيقة لم يقولوا بحجة الإجماع، وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها، فقول ابن المطهر: "الإجماع حجة عندنا" من لغو القول؛ إذ الأصل أن يقول: الإجماع ليس بحجة عندنا، لأن الحجة في قول الإمام المعصوم.. لأن هذا هو مقتضى مذهبهم، فهم جعلوا الإمام بمثابة النبي أو أعظم؛ فهو عندهم ينكت في أذنه، ويأتيه الملك، بل يرى خلقاً أعظم من جبرائيل وميكائيل، إلى آخر ما فصلنا القول فيه عنهم في معتقدهم في السنة، فهم ليسوا بحاجة للإجماع والإمام حاضر بينهم، كما أن الصحابة ليسوا بحاجة للإجماع والرسول حاضر بينهم.
فعندهم في كل عصر نبي يسمى الإمام، والحجة في قوله لا في الإجماع، ولهذا قالوا: "ونحن لما ثبت عندنا بالأدلة العقلية والنقلية كما هو مستقصى في كتب أصحابنا الإمامية أن زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم حافظ للشرع يجب الرجوع إلى قوله فيه، فمتى اجتمعت الأمة على قول كان داخلاً في جملتها لأنه سيدها، والخطأ مأمون على قوله، فيكون ذلك الإجماع حجة. فحجية الإجماع عندنا إنما هو باعتبار كشفه عن الحجة التي هي قول المعصوم" (3) .
والأرض لا تخلو من إمام، لأنه - كما يزعمون - "لو خلت الأرض من إمام--------------------------------------------
(1) ابن المطهر/ تهذيب الوصول إلى علم الأصول: ص 70، ط: طهران 1308هـ
(2) انظر: المفيد/ أوائل المقالات ص 99-100، قوامع الفضول ص 305، حسين معتوق/ المرجعية الدينية العليا ص 16، وراجع كتب الأصول عندهم عامة
(3) النحاريري/ معالم الدين: ص406
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
لساخت" (1) ، ومعنى هذا استمرار تعطيل مبدأ الإجماع.
وأنت إذا تأملت أقوالهم في الإجماع لا تكاد تلمس فرقاً بين مفهوم السنة عندهم، والإجماع إلا باللفظ فقط؛ لأن السنة قول المعصوم، والإجماع المعتبر عندهم هو الكاشف عن قول المعصوم. ولك أن تعجب لماذا يعدون الإجماع أصلاً يقررونه في كتبهم الأصولية. وهو اسم بلا مسمى حتى قرروا بأنه لا عبرة بأقوال ففقهائهم ولو بلغوا المائة، قالوا: "أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو كان في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله" (2) .
فمعنى هذا أن الإجماع لغو لا فائدة في القول فيه أصلاً، وإنما نهاية أمرهم أنهم سموا السنة باسم الإجماع.
ويبدو أن هذا الاعتراض أثير على الشيعة في عصور متقدمة، فقد نقل بعض شيوخ الشيعة عن الشريف المرتضى أنه قال: "إننا لسنا بادئين بالحكم بحجية الإجماع حتى يرد كونه لغواً، وإنما بدأ بذلك المخالفون، وعرضوه علينا، فلم نجد بداً من موافقتهم عليه.. فوافقناهم في أصل الحكم لكونه حقاً في نفسه، وإن خالفناهم في علته ودليله" (3) . أي: إنهم قلدوا لمجرد التقليد والمحاكاة.
وقال صاحب قوامع الفضول أيضاً: "تنعدم فائدة الإجماع لو علم حال شخص الإمام خروجاً أو دخولاً (4) . أو حال قوله تقية أو نحوها، لكن الذي يسهل الخطب هو أن عقد باب الإجماع منهم دوننا كي يتجه علينا ذلك" (5) .--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/179
(2) معالم الدين: ص 405
(3) قوامع الفضول: ص 305
(4) يعني خروجاً من الإجماع أو دخولاً فيه
(5) قوامع الفضول: ص 305
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
ومادام أهل السنة اعتبروا هذا أصلاً، فلماذا تجارونهم وعقيدتكم في الإمام تناقض القول به أصلاً؟!
ويقول محمد رضا المظفر: "إن الإجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم.. فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف، فيدخل حينئذ في السنة، ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها" (1) .
ويقول رضا الصدر: "وأما الإجماع عندنا - معاشر الإمامية - فليس بحجة مستقلة تجاه السنة، بل يعد حاكياً لها، إذ منه يستكشف رأي المعصومين عليهم السلام" (2) .
ويذكر شيخهم محمد جواد مغنية (وهو من شيخهم المعاصرين) : "أن ثمة تبايناً بين موقف متقدمي الشيعة وبين موقف متأخريهم في مسألة الإجماع، حيث اتفق المتقدمون (من الشيعة) على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلاً على كل أصل وكل فرع، وعد المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضماً مع دليل آخر في أصل معتبر" (3) . ولكن هذا الكلام ليس على إطلاقه، إذ من المتأخرين من يعد الإجماع دليلاً مستقلاً" (4) .--------------------------------------------
(1) المظفر/ أصول الفقه 3/92
(2) رضا الصدر/ الاجتهاد والتقليد: ص 17
(3) مغنية/ أصول الفقه للشيعة الإمامية بين القديم والحديث/ بحث بمجلة رسالة الإسلام، السنة الثانية، العدد الثالث: ص 284-286
(4) فقد ذهب شيخهم الشعراني والذي وصفوه بالعالم المتبحر إلى القول "بحجية الإجماع، وكونه دليلاً مستقلاً". (الشعراني/ تعاليق علمية "على شرح جامع للمازندراني": 2/414) .
إذن ما يقول مغنية غير مسلم، لكن الخلاف - فيما ألاحظ - دائر في هذا الأصل بين الأصوليين والإخباريين، فنجد الحر العاملي - وهو من الإخباريين - يرى أن "كل ما هو مذكور في هذا البحث في كتب الأصول فهو من العامة (يعني أهل السنة) لا دليل عليه، ولا وجه له أصلاً" (الفصول المهمة: ص 214) .
وبإزاء ذلك فإن الأصوليين من الشيعة قد بحثوا هذا "الأصل" وقرروا القول به في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
هذا وإمامهم انقطع ظهوره منذ القرن الثالث، فكيف الطريق للوصول لرأيه الكاشف عن حجية الإجماع؟
يرى شيخهم الحر العاملي ومن سلك سبيله من الإخباريين أن يتعذر الوصول لرأيه بعد غيبته، وبالتالي لا يثبت الإجماع، لأنه لا يمكن تحصيل العلم بدخوله فيهم ولا يظن به بعد غيبته، فلا يدرى في البر أم في البحر، في المغرب أم في المشرق (1) . بينما يذهب الأصوليون إلى ثبوت الإجماع، وإمكانية معرفة رأي الإمام.
يقول شيخهم الهمداني في مصباح الفقيه: "إن المدار على حجية الإجماع على ما استقر عليه رأي المتأخرين ليس على اتفاق الكل، بل ولا على اتفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس (2) . من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة، وهذا مما يختلف باختلاف الموارد، فرب مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام، وإن اتفقت فيها آراء جميع الأعلام.. ورب مسألة يحصل فيها الجزم بالموافقة ولو من الشهرة" (3) .--------------------------------------------
= كتب أصول الفقه عندهم، وإن كان مذهبهم في الإمام لا يستجيب للقول به.
يقول شيخهم المعاصر - الشعراني - في التأكيد على القول بهذا الأصل: "روى الطبرسي في الاحتجاج عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري في حديث طويل قال: "اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك على أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على الضلالة..". قال الشعراني: وهو يدل على حجية الإجماع، وكونه دليلاً مستقلاً، وإمكان العلم به، وتصديق لصحة الحديث المشهور "لا تجتمع أمتي على ضلالة". (الشعراني/ تعاليق علمية: 2/414)
(1) عن مقتبس الأثر للحائري: ص 63
(2) الحدس في اللغة: الظن والتخمين (مختار الصحاح مادة: حدس) وقد يراد بالحدس المصطلح الفلسفي وهو الإدراك المباشر لموضوع التفكير..
وهو أشبه عندهم بالرؤية المباشرة والإلهام. (المعجم الفلسفي: ص 69-70)
(3) مصباح الفقيه: ص 436، الاجتهاد والتقليد: ص 17
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
فمن هنا يتبين أن الطريق - عندهم - لاكتشاف قول الإمام هو الحدس، فانظر كيف يجعلون اكتشاف قول المعصوم بطريق الحدس والظن هو العمدة، وإجماع السلف ليس بعمدة، إنها مفارقات في غاية الغرابة، واتفاق جميع أعلامهم لا يحصل به الجزم بموافقة الإمام، ومجرد الشهرة يحصل بها الجزم ولو لم يحصل اتفاق. إنها مقاييس مقلوبة، كما أنه اعتراف منهم بأن شيوخهم قد يتفقون على ضلالة.
ومع إنكارهم حجية الإجماع في الحقيقة، فقد أثبتوا العمل بقول طائفة مجهولة وترك ما تقوله الطائفة المعروفة، وهذه من ثمار الشذوذ، وقد عللوا لهذا المسلك الشاذ بأن الإمام مع الطائفة المجهولة.
يقول صاحب معالم الدين: "إذا اختلفت الإمامية على قولين، فإن كانت إحدى الطائفتين معلومة النسب ولم يكن الإمام أحدهم كان الحق مع الطائفة الأخرى، وإن لم تكن معلومة النسب.." (1) . حتى اعتبروا وجود هذه الطائفة المجهولة شرطاً لتحقق الإجماع في عصور الغيبة. قالوا: "الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الإمام، كيف وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم ويكون قوله رضي الله عنه مستوراً بين أقوالهم، وهذا مقطوع بانتفائه، فكل إجماع يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا، وليس مستنداً إلى نقل متواتر وآحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم، فلابد أن يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة" (2) . العمدة عندهم قول الطائفة المجهولة، وهذا عزيز الوجود، فمنذ ما يقارب عصر شيخ طائفة الطوسي لم يطلع على مثل هذا، والإجماع الموجود هو الإجماع المنقول (3) . وكأنه--------------------------------------------
(1) معالم الدين: ص 406
(2) معالم الدين: ص 406
(3) الإجماع في اصطلاح الاثني عشرية ينقسم إلى قسمين:
1- الإجماع المحصل: والمقصود به الإجماع الذي يحصله الفقيه بتتبع أقوال أهل الفتوى. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
قبل عصر الشيخ قد وجد مثل هذا الإجماع.
وهؤلاء الذين يرفضون إجماع الصحابة، يبحثون عن قول طائفة مجهولة ليأخذوا به. ثم هم قد أصابوا في عدم الاعتداد بأقوال شيخهم وإن اتفقت كلمتهم، ولكنهم ضلوا في إعراضهم عما أجمع عليه الصحابة والسلف.
وهم في وصولهم إلى ما يسمى "بالإجماع" عندهم، يتخبطون أيما تخطب حتى صارت إجماعاتهم المتعارضة كرواياتهم المتضاربة التي تلاحظها أثناء مراجعتك لكتاب الاستبصار أو البحار أو غيرهما، بل إن العالم الواحد تتضارب أقواله في دعوى الإجماع، انظر - مثلاً - ابن بابويه القمي صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد الكتب الأربعة التي عليها مدار العمل عندهم، قالوا إنه: ".. ليدعي الإجماع في مسألة ويدعي إجماعاً آخر على خلافها وهو كثير" (1) . حتى قال صاحب جامع المقال: "ومن هذه طريقته في دعوى الإجماع كيف يتم الاعتماد عليه والوثوق بنقله" (2) .
بل إنهم يدعون الإجماع في أمر لا قائل به، يقول شيخهم النوري الطبرسي: "ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع الإمامية على أمر وإن لم يظهر له قائل" (3) . كما--------------------------------------------
= 2- الإجماع المنقول: والمقصود به الإجماع الذي لم يحصله الفقيه بنفسه وإنما ينقله له من حصله من الفقهاء سواء أكان النقل به بواسطة أم بوسائط، ثم النقل تارة يقع على نحو التواتر، وهذا حكمه حكم المحصل من جهة الحجية، وأخرى يقع على نحو خبر الواحد، وإذا أطلق قول الإجماع المنقول في لسان الأصوليين فالمراد منه الأخير، وقد وقع الخلاف بينهم في حجيته (المظفر/ أصول الفقه: 3/101) . وقال الأعملي في مقتبس الأثر: للإجماع في اصطلاحات الفقهاء (يعني فقهاء الجعفرية) إطلاقات منها يقولون: الإجماع: هو القطع برأي الإمام رضي الله عنه.
ومنها الإجماع المحصل، وعلق عليه بقوله: وهو غير حاصل، ومنها الإجماع المنقول بخبر الواحد وعقب عليه بقوله: وهو مقبول. (مقتبس الأثر: 3/62)
(1) جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال/ الطريحي: ص15
(2) الموضع نفسه من المصدر السابق
(3) فصل الخطاب: ص 34
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
ذكر شيخهم الطبرسي وأكد على وجود "الإجماعات المتعارضة من شخص واحد ومن معاصرين أو متقاربي العصر، ورجوع المدعي عن الفتوى التي ادعى الإجماع فيها ودعوى الإجماع في مسائل غير معنونة (كذا) في كلام من تقدم على المدعي، وفي مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدعي، بل في زمانه، بل ما قبله" (1) .
هذا قول الطبرسي وهو الخبير المتتبع لكتبهم، واضطر ليكشف هذا لنصرة مذهبه الذي ألف فصل الخطاب من أجله، ويرد دعوى الإجماع على خلافه فاستفدنا من هذا الاعتراف غير المقصود لذاته لنبين اضطرابهم في هذا الأصل، واضطرابهم في تحديده وفي تطبيقه.
ثم إنهم - وهم يقولون بأن الإجماع وهو ما يكشف عن قول المعصوم - لا يطبقون هذا، بل يتتبعون اتفاق أصحابهم لا قول معصومهم. ولهذا قال صاحب معالم الدين حينما ذكر ما قاله أحد كبار شيوخهم من أن العمدة هو كلام المعصوم لا اتفاق الفقهاء بدونه، فقال: "والعجب من غفلة الأصحاب عن هذا الأصل وتساهلهم في دعوى الإجماع عند احتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن مجرد اتفاق الجماعة من الأصحاب فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من غير قرينة جلية، ولا دليل على الحجية معتداً - كذا - به" (2) .
فهم لا يقولون بالإجماع على الحقيقية، ومع ذلك يجعلونه من أصول أدلتهم، ويتناقضون في دعواه وتطبيقه أيما تناقض. والتناقض في القول دليل بطلانه.
وحتى يتجلى لك الفرق جلياً بين مذهب أهل السنة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك، فلك أن تتصور أنه لو صدر من إمامهم محمد الجواد، والذي قالوا بإمامته وهو ابن خمس سنين (3) ، لو صدر منه وهو--------------------------------------------
(1) الموضع نفسه من المصدر السابق
(2) معالم الدين: ص 405-406
(3) انظر: بحار الأنوار: 25/103
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
في هذا العمر قول أو رأي، أو نسب إليه عن طريق جماعة من الروافض أنه يقول في أمر شرعي بحكم، أو قول، وخالفته في ذلك الأمة الإسلامية جمعياً، فإن الحاجة في رأيه لا في إجماع الأمة" (1) .
ولو أثر عن منتظرهم الذي قال التاريخ بأنه لا وجود له - كما سيأتي - قول، ولو عن طريق حكايات الرقاع، وخالفه في هذا القول أو ذلك الحكم المسلمون جميعاً، فإن القول هذا المعدوم الذي لم يوجد، ولا عبرة بقول المسلمين جميعاً. قال مفيدهم في تقرير هذا: "فلو قال (يعني الإمام) قولاً لم يوافقه عليه أحد من الأنام لكان كافيًا في الحجة والبرهان" (2) .
وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج إلى مناقشة.
ولهذا قرر المفيد أن هذا مما شذت به طائفته، فقال: "وهذا مذهب أهل الإمامة خاصة، ويخالفهم فيه المعتزلة والمرجئة والخوارج وأصحاب الحديث.." (3) .
ثناياً: ما خالف العامة ففيه الرشاد
الإجماع عند جمهور المسلمين ينظر فيه إلى إجماع الأمة، لأن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة. قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (4) .--------------------------------------------
(1) وقد جاء في أصول الكافي القول بإمامة الإمام، ولو كان عمره ثلاث سنين.
انظر (أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني: 1/321) ، وانظر: (المفيد/ الإرشاد ص 298، الطبرسي/ أعلام الورى: ص 331. وفيهما "ولو كان ابن أقل من ثلاث سنين"، وبحار الأنوار: 25/102-103)
(2) أوائل المقالات: ص 100
(3) المصدر السابق ونفس الصفحة
(4) النساء، آية: 115، فمن خرج من إجماع الأمة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/194) . ولذلك عوّل الإمام الشافعي رحمه الله في الاحتجاج =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهو ظاهرون على الناس" (1) .
وروي عنه صلى الله عليه وسلم عدة روايات في أن هذه الأمة "لا تجتمع على ضلالة" (2) .--------------------------------------------
= على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته بهذه الآية الكريمة، وذلك بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها (تفسير ابن كثير: 1/590) . ولشيخ الإسلام تحقيق بديع حول هذه الآية والإجماع (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/178، 179، 192 وما بعدها، وانظر: تفسير القاسمي: 5/459 وما بعدها) .
قال الإمام ابن كثير: "قوله {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم.
وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك.. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها".
(تفسير ابن كثير: 1/590)
(1) رواه مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم" 2/1524.
والحديث بهذا المعنى أخرجه - أيضاً - البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" 8/149
(2) قال السخاوي: "حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره (المقاصد الحسنة ص460) فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال (ومنها) وأن لا يجتمعوا على ضلالة" رواه أبو داود في سننه: 4/452 (رقم 4253) . قال الحافظ في التلخيص: في إسناده انقطاع، وقال في موضع آخر: سنده حسن (عون المعبود: 11/326) .
وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت الله عز وجل أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها" (المسند 6/396) قال الحافظ في التلخيص: ".. رجاله ثقات لكن فيه راو لم يسم" (عون المعبود:11/326) . وروى الترمذي عن ابن عمر "أن الله تعالى لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". قال أبو عيسى: حديث غريب من هذا الوجه (سنن الترمذي 4/466) (رقم 2167) . وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)