هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما طائفة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثني عشر بشرط أن يكون من ضمنهم الإمام، أو يكون إجماعهم كاشفا عن قول الإمام - كما قدمنا - ولا يلتفت إلى اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
بل الأمر أعظم من عدم اعتبار إجماعهم، حيث تعدى ذلك إلى القول بأن مخالفة إجماع المسلمين فيه الرشاد، وصار مبدأ المخالفة أصلاً من أصول الترجيح عندهم، وأساساً من أسس مذهبهم، وجاءت عندهم نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ وتدعو إليه.
ففي أصول الكافي سؤال أحد أئمتهم يقول: إذا ".. وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة (يعني أهل السنة) والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت (القائل هو الراوي) : جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتها فيترك ويؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات" (1) .--------------------------------------------
= غريب خرجه أبو نعيم في الحلية، واللالكائي في السنة ورجاله رجال الصحيح لكنه معلوم، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظاً حكمت بصحته على شرط الصحيح، لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة فذكرها، وذلك مقتضي للاضطراب والمضطرب من أقسام الضعيف (عن فيض القدير 2/271) . ورواه ابن ماجه بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" (سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب السواد الأعظم 2/1303) (رقم 3950) .
وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالصحة (فيض القدير: 2/431) . لكن قال السندي: "وفي الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف" (حاشية السندي على سنن ابن ماجه: 2/464) ، وقال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: "جاء الحديث بطرق في كلها نظر" (المصدر السابق) . وقال ابن حجر: "له طرق لا يخلو واحد منها من مقال" (عن فيض القدير: 2/200) وقد أورده أصحاب الأصول محتجين به. (انظر: المستصفى: 1/175، والإحكام للآمدي: 1/219)
(1) الكليني/ أصول الكافي: 1/67-68، ابن باوبيه القمي/ من لا يحضره الفقيه: 3/5، الطوسي/ =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
وذكر ثقتهم الكليني أن من وجوه التمييز عند اختلاف رواياتهم قول إمامهم: "دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم" (1) .
وقال أبو عبد الله - كما يفترون -: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما يخالف القوم" (2) .
وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (3) .رضي الله عنه: "هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا، فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء، ويروى عنه خلافه فأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم (إشارة لأهل السنة) وما وافق القوم فاجتنبه" (4) .
ويعللون الأخذ بهذا المبدأ بما يرويه أبو بصير عن أبي عبد الله قال: "ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء" (5) .
ويغرر هؤلاء الزنادقة الذين يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، بأولئك الأتباع الجهال الذين تعطلت ملكة التفكير عندهم بعدما شحنت نفوسهم بما يسمى "محن آل البيت" و"خدرت" عقولهم بما يقال لهم من ثواب كبير ينتظرهم بمجرد حب آل البيت، غرر هؤلاء الزنادقة بأولئك الأتباع فقالوا: إن الأصل في هذا المبدأ "أن علياً رضي الله عنه لم يكن يدين الله بدين إلا خالف - كذا - عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا--------------------------------------------
= التهذيب: 6/301، الطبرسي/ الاحتجاج ص 194، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/75-76
(1) أصول الكافي/ خطبة الكتاب ص 8، وانظر: وسائل الشيعة: 18/80
(2) وسائل الشيعة: 18/85
(3) هذا اللقب المراد به الإمام
(4) وسائل الشيعة: 18/85
(5) الموضع نفسه من المصدر السابق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له - كذا - من عندهم ليلتبسوا - كذا - على الناس" (1) .
مع أنهم يقولون بأن عمر كان يستشيره في كل صغيرة وكبيرة، ويأخذ بقوله ويعمل بفتواه، وأن الصحابة كانت ترجع إليه في مشكلاتهم (2) ، وأن عمر قال: لا عشت في أمة لست لها يا أبا الحسن (3) . لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبا الحسن (4) .
فأي القولين نأخذ به ونصدقه؟ ولكن هذا هو دأب هؤلاء الوضّاع التناقض، وهذه ثمار الكذب.
كما يوصون أتباعهم بالوصية التالية والتي تعمق الخلاف وتضمن استمراره، وتكفل لهذه الفئة العزلة عن جماعة المسلمين وإجماعهم: عن علي ابن أسباط قال: قلت للرضا رضي الله عنه: يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: ائت فقيه البلد، فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه" (5) .
وعلق على هذا النص أحد شيوخهم، فقال: "من جملة نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنه خلى بين الشيطان وبين علماء العامة، فأضلهم في جميع المسائل النظرية حتى يكون الأخذ بخلافهم ضابطة لنا، ونظيره ما ورد في حق النساء شاوروهن وخالفوهن" (6) .
هذه النصوص في منتهى الخطورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد الكيد--------------------------------------------
(1) ابن بابويه/ علل الشرائع: ص 531، وسائل الشيعة: 18/83
(2) انظر: منهاج السنة حيث نقل كلام ابن المطهر في ذلك: 4/160
(3) مناقب آل أبي طالب: 1/492-493، الصادقي/ علي والحاكمون: ص120
(4) الإرشاد للمفيد ص 97-98، مناقب آل أبي طالب: 1/494
(5) ابن بابويه/ علل الشرائع: ص 531، الطوسي/ التهذيب: 6/295، وسائل الشيعة: 18/82-83، وبحار الأنوار: 2/233
(6) الحر العاملي: الإيقاظ من الهجعة ص 70-71
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
للأمة ودينها، وأراد أن يفتح للقوم باباً واسعاً للخروج من الإسلام، حيث يتجهون إلى مخالفة كل أمر من الدين عليه أمة الإسلام. وكيف يدعو قوم هذه عقائدهم إلى التقريب؟! وكيف يزعمون إمكانية اللقاء مع أهل السنة الذين يكون الرشد في خلافهم؟!
الجانب النقدي لهذه المقالة:
بالإضافة إلى ما ألمحنا إليه في أثناء العرض نوضح هذه المسألة أكثر، فأقول: أما ثبوت حجية الإجماع، فقد تكفلت كتب الأصول ببيانه، والاستدلال عليه بما يغني ويكفي.
والشيعة تقر بالإجماع اسماً، وتخالفه في الحقيقة - كما سلف -.
وقد نقل شخيهم المعاصر مغنية اتفاق شيعته القدماء على القول بالإجماع، وأن المتأخرين عدوه من أصول أدلتهم، ولكن لم يعتمدوا عليه (1) ، وهذا يعني أنهم خالفوا الإجماع الذي عدوه من أصول أدلتهم، أو أن قدماء الشيعة قد أجمعوا على ضلالة، أو أن متأخريهم خالفوا الحق الذي أجمع عليه متقدموهم.. والحقيقة أن مآل الجميع إلى الإنكار، وإن كثر ادعاء بعضهم في هذا الباب لاسيما في كتب الأصول عندهم، ذلك أن دعوى الإجماع عند التمحيص مجرد لغو لا حقيقة له.
ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإن حيرتهم في الوصول إلى هذا الإجماع الذي يدعونه برهان جلي يدل على أنهم ليسوا على شيء، ومن أوضح الأمثلة على ذلك اشتراطهم وجود عالم مجهول النسب لتحقق الإجماع على اعتبار أن يكون هو الإمام الغائب، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك من أعظم الجهل، حيث قال: "رأيت في كتب شيوخهم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين، وكان أحد القولين يعرف قائله، والآخر لا يعرف قائله، فالصواب عندهم القول الذي لا--------------------------------------------
(1) انظر: ص (406)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
يعرف قائله. قالوا: لأن قائله إذا لم يعرف كان من أقوال المعصوم، فهل هذا إلا من أعظم الجهل".
وتعجب كيف يجعلون عدم العلم بالقول وصحته، دليلاً على صحته، وقال: "من أين يعرف أن القول الآخر الذي لم يعرف قائله إنما قاله المعصوم؟ ولم لا يجوز أن يكون المعصوم قد وافق القول الذي يعرف قائله، وأن القول الآخر قد قاله من لا يدري ما يقول، بل قاله شيطان من شياطين الجن والإنس؟ فهم أثبتوا الجهل بالجهل، حيث جعلوا عدم العلم بالقائل دليلاً على أنه قول المعصوم. وهذه حال من أعرض عن نور السنة التي بعث الله بها رسوله، فإنه يقع في ظلمات البدع، ظلمات بعضها فوق بعض" (1) .
وقد انتقدهم شيخهم الحر العالي "صاحب الوسائل" على هذا المسلك (2) ، فقال: "وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأي دليل دل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظن به" (3) .
وأمر آخر لا يقل عن هذا، وهو كيف يجعل قول طفل عمره خمس سنين لم يخرج عن طور الحضانة بمنزلة إجماع الأمة بأسرها، بل يرفض إجماع الأمة ويؤخذ بقول صبي أو معدوم؟! هذا في غاية الفساد.
وإذا بحثت عن إجماعهم (الاسمي) الذي يكشف عن رأي المعصوم - كما يزعمون - لم تجد إلا روايات يعارض بعضها بعضاً، كما ترى ذلك في روايات التهذيب والاستبصار. وقد صرح به شيخ الطائفة في مقدمة التهذيب، وذكر أن هذا من أسباب خروج الكثير من التشيع - كما مر - (4) .--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 3/265-266
(2) لأنه من الإخباريين الذين لا يقولون بدليل الإجماع
(3) عن مقتبس الأثر: 3/63
(4) انظر: ص (361)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
ثم يلحظ أن أهم مسألة عند الشيعة وهي مسألة الإمام قد تضاربت في تعيينه فرق الشيعة، واختلفت مذاهبهم، واضطربت اتجاهاتهم حوله بشكل كبير، كما حفلت ببيانه وتفصيله كتب المقالات عند الفريقين، فأين تحقق الإجماع وأصل المذهب تنخر فيه الاختلافات، وتدور في شانه المنازعات؟
وترى كذلك أن دعوى الإجماع عندهم متعارضة متضاربة. وما انفردت به الشيعة عن الجماعة وادعت الإجماع عليه هي أقوال في غاية الفساد سواء في الأصول أو الفروع، كإيمانهم بذلك المنتظر الذي لم يولد، ومبالغاتهم في أوصاف الإمام ومعجزاته، وإلى آخر ما شذوا به مما سيأتي بسطه وبيانه. بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الشيعة ليس لهم قول واحد يتفقون عليه" (1) .
وهذا حق اعترفت به الشيعة نفسها، حيث جاء في أصول الكافي: "عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقلّ لبقائنا وبقائكم" (2) .
فهذا يؤكد أن من أصول مذهبهم بحكم عقيدة التقية اختلاف أقوالهم وتباين آرائهم، حتى لا يقف - بزعمهم - الأعداء على حقيقة مذهبهم، فكان من أثر ذلك أن ضاع المذهب، ولم يعرف حقيقة رأي الأئمة، فكيف يمكن تحقق الإجماع على قول أو حكم في ظل هذا الاختلاف والاضطراب؟!
والإمام أبو جعفر بريء من هذا، لكن هذا من اختراع الزنادقة حتى--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 2/129
(2) أصول الكافي: 1/65
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
لا يعرف الشيعة رأي أبي جعفر وغيره من علماء آل البيت ليتسنى لهم نشر كفرهم وغلوهم، وكلما كذب هذا الغلو أئمة أهل البيت قالوا: هذا تقية.
قال علامة الهند صاحب التحفة الاثني عشرية: وأما الإجماع فدعواهم أنه من أدلتهم باطل، لأنه كونه حجة ليس بالأصالة، بل لكون قول المعصوم في ضمنه، فمدار حجيته على قول المعصوم لا على نفس الإجماع.
وهم ينازعون في ثبوت عصمة الإمام، كما ينازعون في تعيينه. وأيضاً إجماع الصدر الأول - يعني قبل حدوث الاختلاف في الأمة - غير معتبر عندهم، لأنهم أجمعوا على خلافة أبي بكر وعمر.. ومنع ميراث النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة المتعة، وهذا باطل في نظرهم، فإذا كان هذا الإجماع غير معتبر عندهم فبعد حدوث الاختلاف في الأمة وتفرقهم بفرق مختلفة كيف يتصور الإجماع، ولاسيما في المسائل الخلافية المحتاجة إلى الاستدلال وإقامة الحجة القاطعة.
ثم أشار صاحب التحفة إلى صور من التناقض عندهم، حيث إن بعضهم نقل إجماع فرقتهم على أمر وكذبهم وأنكر عليهم بذلك الآخرون منهم. وأن شيخهم (الشهيد الثاني) وهو من أجلة علمائهم قد أفرد فصلاً مستقلا ًفي أن شيخ الطائفة قد ادعى في مواضع إجماع الفرقة مع أنه قال هو بخلافه في مواضع أخر (1) . ثم نقل صاحب التحفة نص كلامه (2) .
وأقول: إن مذهبهم بأن الإجماع حجة من جهة كشفه عن رأي المعصوم--------------------------------------------
(1) جمع شيخهم زين الدين العاملي، الملقب عندهم بالشهيد الثاني أربعين مسألة ادعى فيها شيخ الطائفة الطوسي الإجماع، وقد خالف أكثرها في موارد أخرى، كما أن بعض شيوخهم يدعي الإجماع فيما يتفرد به، وعلل شيوخهم المجلسي لهذه الظاهرة عندهم بقوله: إنهم لما رجعوا إلى الفروع ونسوا ما أسسوه في الأصول، فادعوا الإجماع في أكثر المسائل سواء أهر فيها الخلاف أم لا، وافق الروايات المنقولة أم لا.
(انظر: الشيعة في الميزان: ص323) .
وقد لا يكون مرد ذلك النسيان كما يقول المجلسي، بل سبب ذلك أن كتب الفروع عندهم منقولة في الغالب من كتب أهل السنة، فانفصلت عن آرائهم في مسائل الإمامة
(2) انظر: التحفة الاثني عشرية - الورقة 118 (مخطوط) ، ومختصر التحفة ص51
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
فقط لا من جهة أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما عليه أهل السنة، فوق أن هذا إنكار للإجماع على الحقيقة، فإن في ذلك مخالفة للحديث الثابت عندهم وهو: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (1) . كما أن هذا الحديث أيضاً ورد من طرق أهل السنة كما سبق تخريجه" (2) .
فلماذا لا يؤخذ بهذا النص الذي يستدل به كل الفريقين، وليس ذلك فحسب بل قد ورد أيضاً في الاحتجاج - وهو من كتبهم المعتمدة كما قرر ذلك المجلسي وغيره - رواية عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري رضي الله عنه في حديث طويل قال: "واجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك على أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" فأخبر أن ما أجمعت عليه الأمة، ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحق، فهذا معنى الحديث، لا ما تأوله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، واتباع حكم الأحاديث المزورة، والروايات المزخرفة، واتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيرات.." (3) .
فأنت ترى في هذا النص إمامهم لم يقل: انظروا إلى ما اتفق عليه الجماعة التي فيها المعصوم، ودعوا رأي الجماعة الأخرى، ولم يقل: ابحثوا عن الجماعة أو الشخص المجهول النسب، فقد يكون المنتظر من ضمن تلك الجماعة، أو يكون هو نفسا المجهول النسب، بل قال: بأن ما أجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحق، وبين أن أساس إصابة الحق هو الاعتماد على الكتاب والسنة، وأن إصابة الحق في حالة الإجماع محققة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على--------------------------------------------
(1) انظر: الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني) : 2/414
(2) انظر: ص (412) من هذه الرسالة
(3) بحار الأنوار: 2/225
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
ضلالة" وهذا الحديث هو أحد حجج جمهور المسلمين في إثبات حجية الإجماع.
وحذر من اتباع غير ذلك من الروايات المكذوبة.
فلماذا تشذ هذه الطائفة، وتأخذ بتلك الروايات المكذوبة، وتدع قول إمامهم، وتفارق الأمة، وتنبذ إجماعها، وتأخذ برأي طفل صغير أو معدوم، وتدع ما أجمع عليه أمة الإسلام، كل ذلك لأن زنديقاً وضع لها أصلاً يقول بأن ما خالف العامة فيه الرشاد "فجمعوا مخالفة أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه الرسول وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أصلاً للنجاة، فصار كلما فعل أهل السنة شيئاً تركوه، وإن تركوا شيئاً فعلوه، فخرجوا بذلك عن الدين رأساً، وذلك هو الضلال المبين باليقين" (1) .
والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2) .
ولو كان هذا الأصل؛ أعني قولهم: ما خالف العامة - أي أهل السنة - فيه الرشاد، لو كان هذا من عند الأئمة كما تزعم هذه الزمة لكان الأئمة أسبق الناس إلى تطبيقه على أنفسهم، والواقع الذي يوافقنا شيوخ الشيعة عليه أن علياً رضي الله عنه لم يشذ عن الصحابة، بل إنه كما يقول شيخهم الشريف المرتضى: "دخل في آرائهم، وصلى مقتدياً بهم، وأخذ عطيتهم، ونكح سبيهم، وأنكحهم، ودخل في الشورى" (3) . وغير ذلك. ولم يذهب إلى مخالفتهم في شيء مما أجمعوا عليه، وكان رضي الله عنه يكره الاختلاف، كما روى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: "اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة" (4) .
قال ابن حجر: قوله: "فإني أكره الاختلاف" أي: الذي يؤدي إلى النزاع.--------------------------------------------
(1) الألوسي/ كشف غياهب الجاهلات/ الورقة (6)
(2) النساء، آية: 115
(3) المرتضى/ تنزيه الأنبياء: ص 132
(4) صحيح البخاري (مع فتح الباري) : 7/71
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك "حتى يكون الناس جماعة" (1) .
وكل ما ينفرد به الشيعة وتشذ به ليس من "هدي" علي رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه مع الأمة في إجماعها، لأن فيه الرشاد، لا في مخالفتهم كما تدعيه هذه الزمرة الحاقدة على الأمة، والتي تبغي فيها الفرقة والشتات، ولهذا لم نجد إجابة عن موافقة علي رضي الله عنه للأمة إلا بدعوى التقية، أي نفاق عليّ للصحابة - برأه الله مما يفترون - وهي دعوى تتناقض مع العقل والتاريخ، فضلاً عن الشرع والدين.
فلم يستطع شيوخ الشيعة - كما ترى - أن يثبتوا على علي تطبيقه لهذا الأصل المفترى، بل أقروا بموافقته للأمة على لسان شيخهم الشريف المترضى، وحتى إبّان خلافته، وامتلاكه لزمام الأمور والتي تنتفي معها "التقية" لم يقدروا على إنكار موافقته للأمة.
يقول شيخهم نعمة الله الجزائري: "ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا؛ لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتعتين متعة الحج ومتعة النساء.. وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء، ومعاوية عن الإمارة" (2) .
فثبت بنقل الفريقين أن أمير المؤمنين لم يفارق إجماع الأمة، وأن الإمامية قد خالفت سريته حينما وضعت لنفسها مبدأ مخالفة الأمة، فليست له بشيعة، وليس لها بإمام.--------------------------------------------
(1) فتح الباري: 7/73
(2) الأنوار النعمانية: 2/362
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد - (ناصر القفاري)القسم: العقيدة
الكتاب: أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -
المؤلف: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري
دار النشر: بدون
الطبعة: الأولى، 1414 هـ
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراة من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - وقد أجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات)
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
الباب الثاني: عقيدتهم في أصول الدين
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: عقيدتهم في توحيد الألوهية.
الفصل الثاني: عقيدتهم في توحيد الربوبية.
الفصل الثالث: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته.
الفصل الرابع: عقيدتهم في الإيمان وأركانه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)
الفصل الأول: عقيدتهم في توحيد الألوهية
والمقصود بتوحيد الألوهيّة: إفراد الله تعالى بالعبادة؛ لأنّه سبحانه المستحقّ أن يُعبد وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره (1) .
وهذا التوحيد هو الذي دعت الرسل إليه؛ لأن إقرار أقوامهم بتوحيد الربوبية معلوم، كما أخبر الله عز وجل عن أنبيائه نوح، وهود، وصالح، وشعيب أنهم قالوا لقومهم: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (2) ، وأخبر سبحانه أن هذه دعوة الرسل عامة، فقال جل شأنه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (3) . وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (4) .
وهو أصل النّجاة، وأساس قبول العبادات: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} (5) .
فهل حافظت الشيعة على هذا الأصل الأصيل، والركن المتين، أو أن اعتقادها في الأئمة قد أثر على عقيدتها في توحيد الله سبحانه؟ هذا ما سنتناوله بالحديث فيما يلي، حيث سأعرض لسبعة مباحث - إن شاء الله -.--------------------------------------------
(1) انظر في تعريف توحيد الألوهيّة: شرح الطّحاويّة: ص 16، لوامع الأنوار: 1/29، تيسير العزيز الحميد: ص 36 وغيرها
(2) الأعراف، آية: 59، 65، 73، 85
(3) النحل، آية: 36
(4) الأنبياء، آية 25
(5) النّساء، آية: 48، 116
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)
أولها: اعتقادهم أن نصوص القرآن الواردة في أعظم أصل من أصول الدين، والذي وقع فيه الضلال في العالمين، وهو توحيد العبادة، اعتقادهم أن الغاية منه تقرير ولاية عليّ والأئمة وعدم إشراك أحد معهم في الإمامة.
والمبحث الثاني: اعتقادهم أن أصل قبول الأعمال هو الإيمان بإمامة الاثني عشر وولايتهم وليس توحيد الله عز وجل.
والمبحث الثالث: اعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله والخلق، حتى صاروا يعبدونهم ويدعونهم رغبًا ورهبًا.
والمبحث الرابع: اعتقادهم أن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم.
والمبحث الخامس: اعتقادهم أن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء، وأمان من كل خوف.
والمبحث السادس: دعاؤهم بالطلاسم والرموز لكشف البلايا ورفع الملمات، واستعانتهم بالمجهول لطلب الهداية.
والمبحث السابع: استخارتهم بما يشبه رقاع الجاهلية (1) .--------------------------------------------
(1) هذه المسائل الأربع الأخيرة يمكن إلحاقها بوجه آخر في توحيد الربوبية، ولا شك أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)
المبحث الأول: نصوص التوحيد جعلوها في ولاية الأئمة
فأول ما نفاجأ به أن نصوص القرآن التي تأمر بعبادة الله وحده، غيروا معناها إلى الإيمان بإمامة علي والأئمة، والنصوص التي تنهى عن الشرك جعلوا المقصود بها الشرك في ولاية الأئمة.
أـ ففي قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (1) .
جاء في الكافي (2) . - أصح كتاب عندهم في الرواية - وفي تفسير القمي (3) . - عمدة تفاسيرهم - وفي غيرهما من مصادرهم المعتمدة (4) . تفسيرها بما يلي: "يعني إن أشركت في الولاية غيره" (5) ، وفي لفظ آخر: "لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك" (6) . وقد ساق صاحب البرهان في تفسير القرآن أربع روايات لهم في تفسير الآية السابقة بالمعنى المذكور (7) .
وقد جاء في سبب نزولها عندهم: " … إن الله عز وجل حيث أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليًا للناس علمًا اندس إليه معاذ بن جبل فقال: أشرك في ولايته الأول والثاني (يعنون أبا بكر وعمر) حتى يسكن الناس إلى قولك--------------------------------------------
(1) الزمر، آية: 65
(2) أصول الكافي: 1/427 رقم (76)
(3) تفسير القمي: 2/251
(4) انظر: البرهان: 4/83، وتفسير الصافي: 4/328
(5) هذا لفظ الكليني في الكافي
(6) هذا لفظ القمي في تفسيره
(7) البرهان: 4/83
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)
ويصدقوك، فلما أنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} (1) . شكا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبرائيل فقال: إن الناس يكذبوني ولا يقبلون مني، فأنزل الله عز وجل: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2) .
وحتى يدرك القارئ مدى تحريفهم لآيات الله، وتآمرهم لتغيير دين الإسلام بتغيير أصله العظيم وهو التوحيد، نسوق الآية وما قبلها وما بعدها، ونتبع ذلك ببيان معناها.
قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} .
فالآية كما هو واضح من سياقها تتعلق بتوحيد الله في عبادته، فهم غيروا الأمر فاعتبروا الآية متعلقة بعلي، مع أنه ليس له ذكر في الآية أصلاً، فكأنهم جعلوه هو المعبر عنه بلفظ الجلالة (الله) وجعلوا "العبادة" هي الولاية. والآية واضحة المعنى بينة الدلالة، ليس بين معناها وتأويلهم المذكور أدنى صلة.
قال أهل العلم في تفسيرها:
إن الله سبحانه أمر نبيه أن يقول هذا للمشركين لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك (3) . والمعنى: قل يا محمد لمشركي قومك، أتأمرونني بعبادة غير الله أيها الجاهلون بالله ولا تصلح العبادة لشي سواه سبحانه. ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا من غبي جاهل ناداهم بالوصف المقتضي ذلك فقال: {أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} . ثم بين سبحانه أنه قد أوحى إلى نبيه وإلى الرسل من--------------------------------------------
(1) المائدة، آية: 67
(2) البرهان: 4/83
(3) وقد نقل ابن كثير وغيره عن بعض السلف أن هذا هو سبب نزولها. انظر: تفسير ابن كثير: 4/67، تفسري البغوي: 4/284
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
قبله: لئن أشركت بالله ليبطلن عملك. وهذا في بيان خطر الشرك وشناعته، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه؟
ثم قال سبحانه: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} لا تعبد ما أمرك به المشركون بل اعبد الله وحده دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان (1) .
فالمعنى كما ترى واضح جلي، لا يلتبس إلا على صاح هوى مغرض، قد أعماه هواه عن رؤية الحق، فهذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات كان جل همها، وغاية قصدها البحث عن سند لدعواهم في الإمامة، فكانت تخبط في هذا الأمر خبط عشواء، لا تستند في الاستدلال إلى أصل من لغة أو عقل فضلاً عن الشرع والدين.
وفي ظني أنه لا يبعد أن يكون من بينها من يتعمد سلوك هذه المسالك.. حتى يبعد ناشئة الشيعة، وعقلاءها عن دين الإسلام، لأنهم إذا رأوا أن هذه الأدلة، والمسائل وأمثالها فاسدة في العقل، وظنوا أن هذا هو الإسلام شكوا في الإسلام نفسه، وهذه إحدى الأهداف البعيدة لتلك الزمرة الحاقدة التي رامت الكيد للأمة ودينها، وإبعاد الشيعة عن دين الإسلام، ولا سيما أنك تجد في النص الشيعي السالف الذكر النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام المخالفة بعدم امتثال أمر ربه ابتداء، وهو تنقص لمقام المعصوم (من قوم بالغوا في دعوى عصمة من دون النبي وهم الأئمة) وتنقص الأنبياء كفر (2) .
كذلك يظهر في النص الإساءة للمعصوم عليه الصلاة والسلام بتصويره في موقف الخائف الوجل من قومه، المتردد في تنفيذ أمر ربه، حتى إنه لم يفارق هذا الموقف إلا حينما نزل عليه التهديد بإحباط عمله.
ب ـ وفي قوله سبحانه: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري: 24/24، تفسير القرطبي: 15/276-277، البحر المحيط لأبي حيان: 7/438، فتح القدير للشوكاني: 4/474، روح المعاني للألوسي: 24/23-24
(2) انظر: محمد بن عبد الوهاب/ رسالة في الرد على الرافضة: ص6
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا..} (1) .
وهذه الآية- كما هو واضح - تبين ما عليه أهل الشرك من إعراض عن عبودية الله وحده، وهي جواب المشركين حينما طلبوا الخروج من النار، والرجعة إلى الدنيا فقالوا: {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} فكان جوابهم {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} غيره من الأصنام أو غيرها {تُؤْمِنُوا} بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، فهي مع ما قبله خبر عن جزاء المشركين في الآخرة، وأن مصيرهم إلى النار لا يخرجون منها، وأنهم يطلبون الرجعة إلى الدنيا ولا يجابون بسبب إشراكهم بالله في عبادته (2) .
ولكن الشيعة تروي عن أئمتها في تأويل الآية غير ما فهمه المسلمون منها. تقول: "عن أبي جعفر في قوله عز وجل: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} بأن لعلي ولاية {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} من ليست له ولاية {تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} " (3) .
ومعلوم أن هذا التأويل من جنس تأويلات الباطنية، إذ لا دلالة عليه من لفظ الآية ولا سياقها مطلقًا، ولذلك فإن صاحب مجمع البيان أعرض عن تأويلات طائفته حب رواياتها عن أئمتها وفسر الآية بمقتضى ظاهرها، وما قاله السلف--------------------------------------------
(1) غافر، آية: 12
(2) انظر: تفسير الطبري: 24/48، تفسير البغوي: 4/93-94، تفسير ابن كثير: 4/79-80، فتح القدير: 4/484، تفسير القاسمي: 14/227، ابن سعدي/ تيسير الكريم الرحمن 6/512 وغيرها
(3) البرقي/ كنز جامع الفوايد ص277، بحار الأنوار: 23/364، وانظر: تفسير القمي: 2/256، أصول الكافي: 1/421، البرهان 4/93-94، تفسير الصافي: 4/337
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
في تفسيرها (1) . لكن مثل هذه الأصوات المعتدلة سرعان ما تموت في جو التقية الخانق.
جـ وتمضي رواياتهم على ذلك المنهج الضال، والتأويل الفاسد، ففي قوله سبحانه: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (2) . قال أبو عبد الله - كما يفترون -: "أي إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد" (3) .
إن هذه الروايات وأمثالها هي التربة الصالحة لنشوء الاتجاهات الغالية التي تؤله عليًا، والتي لا تزال تظهر في هذه الطائفة بين آونة وأخرى، وإلا فالآية لا صلة لها بإمامهم، بل هي لتقرير وحدانية الله، فالله جل شأنه قال: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} الآيات (4) .
يقول الله في آخر كل آية: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله؟ فاحتج عليهم بذلك، وأن ذلك يستلزم ألا يعبد إلا الله وحده (5) .
د ـ وإذا كان الله جل شأنه يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (6) ، فإن تلك الزمرة التي وضعت روايات الشيعة قالت وكأنها تضاهي معنى هذه الآية أو تعارضه، قالت: "ما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراء من أعدائنا" (7) .--------------------------------------------
(1) انظر: مجمع البيان: 5/186
(2) النمل، آية:61 …
(3) بحار الأنوار: 23/391، كنز جامع الفوايد: ص207
(4) النمل، آية: 59-60
(5) شرح الطحاوية: ص25
(6) الأنبياء، آية: 25
(7) البرهان: 2/367، تفسير العياشي (انظر: المصدر السابق) ، تفسير الصافي: 3/134
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
وفي رواية أخرى: "ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها" (1) ، فجعلوا أمر إمامة أئمة لم يخلقوا هو أصل دعوة الأنبياء (2) .!!
هذا ورواياتهم في تأويل نصوص التوحيد والنهي عن الشرك بالمعنى المبتدع عندهم لا تكاد تخلو منها آية من آيات القرآن المتعلقة بالتوحيد، والنهي عن الشرك (3) ، ولهذا جعل أحد شيوخهم هذا التأويل قاعدة مطردة في القرآن فقال: "كل ما ورد ظاهره في الذين أشركوا مع الله سبحانه ربًا غيره من الأصنام التي صنعوها بأيديهم ثم عظموها وأحبوها والتزموا عبادتها وجعلوهم شركاء ربهم، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله بغير أمر من الله بل بآرائهم وأهوائهم، فبطنه وارد--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/437 رقم (3)
(2) ونسبوا هذه الروايات وأمثالها لجعفر الصادق وأبيه - برأهما الله مما يفترون -، وذلك إمعانًا في التغرير بأولئك الأتباع الأغرار ممن حجبوا عقولهم عن رؤية الحق، وعطلوا ملكة التفكير عندهم، بإيحاءات متنوعة عبر مراحل العمر الممتدة في موضوع محن آل البيت، وحب آل البيت، والصراع بين الآل والأصحاب، ليخرج من ذلك الناشئ وقد شحنت عاطفته ونفسيته بالحقد والكراهية للصحابة، ولكل مسلم من غير طائفته.. وإن دراسة الآثار النفسية والتربوية لهذه الروايات على أولئك الأتباع ومقارنة ذلك بالحركات التاريخية لهم لهو موضوع حقيق بالدراسة ليتبين ضخامة الخطر لهذه الأساطير.. ورصد مكامن الضرر، التعرف على توجهات أولئك الباطنيين ضد الأمة ودينها
(3) ومن أمثلة هذه التأويلات: تحريفهم لمعنى قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} … البقرة، آية: 165 … بقولهم: "هم أولياء فلان وفلان اتخذوهم أئمة دون الإمام الذي جعله الله للناس إمامًا" (الغيبة للنعماني ص83، بحار الأنوار: 23/359، البرهان: 1/172) ، وقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} … الروم، آية:30 … بقولهم: "هي الولاية" (تفسير القمي: 2/154، أصول الكافي: 1/418، 419، كنز جامع الفوايد: ص 224، بحار الأنوار: 23/365، البرهان: 3/261) ، وقوله سبحانه: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} … فصلت، آية: 6، 7 … قالوا: "وويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول، وهم بالأئمة الآخرين كافرون … " (تفسير القمي: 2/262، بحار الأنوار: 23/ 83-84، البرهان: 4/106، تفسير الصافي: 4/353) . وأمثال ذلك من التأويلات الخطرة لأعظم ركن من أكان الدين
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)