أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه وليجر على طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى به من غيرهم" (1) ، فهو يرى أن من أراد دخول طريقة التصوف كوشف مع شيوخه، ومن لم يرد دخول طريقة التصوف فعليه بتقليدهم في القعائد لأنهم أولى من غيرهم.
ودعوى القشير أن هذه عقائد شيوخ الصوفية ليست مسلمة، وليس هذا موضع مناقشة ذلك، ولكن الذي حدث هو تبني أعلام الأشاعرة للتصوف وتمثل ذلك بشكل واضح في الغزالي ومن جاء بعده.
على أنه يجب أن لا يغيب عن البال هنا أن هناك من الأشاعرة من سبق القشيري إلى نوع ممن الارتباط بالتصوف، فالمحاسبي الكلابي تصوفه مشهور، وكذلك كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الأشعري بندار خادمه، وعبد الله ابن خفيف وكانا من المتصوفه المشهورين، وعبد القاهر البغدادي ذكر أنه: " قد اشتمل كتاب تاريخ الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية ما فيهم واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنة سوى ثلاثة" (2) ، والبغدادي يقصد بأهل السنة الأشاعرة، ولكن الذي تميز به القشيري أنه ذكر قواعد التصوف وأصوله، وأحوال المريدين، وآداب الصوفية، ودعا إلى سلوك طريقتهم، وفي أثناء ذلك نسب إليهم العقائد الأشعرية، وأنهم يخالفون المعتزلة والمشبهة.
وقد يظن البعض أن تصوف القشيري كان تصوفاً سنياً، بعيداً عن شطحات وبدع الصوفية، ولكن المتمعن في كتبه يجد غير ذلك، وقد كتبت دراسات عن القشيري وتصوفه (3) ، ويمكن الإشارة باختصار إلى القضايا التالية في تصوفه:--------------------------------------------
(1) الرسالة (2/734) .
(2) أصول الدين (ص: 315) .
(3) منها: الإمام القشيري: سيرته، آثاره، مذهبه في التصوف، لإبراهيم بسيوني، ومقدمة تحقيق نحو القلوب لأحمد الجندي - وله ميل إلى التصوف -.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 596)
أ - صلته بطائفة الملامتية (1) ، التي انتشرت في بلده نيسابور، وقد ترجم لبعض أعلامها (2) ، ويربط بعض الدراسين بين ما عند هذه الطائفة من كتمان لأحوالهم وما عند الرافضة من التقية، ويشير إلى أمر مستغرب وهو أن القشيري لم يرد على طائفة الذين عظم شأنهم في زمنه (3) .
ب - إيمانه بوجود القطب (4) ، والأوتاد (5) ، والأبدال (6) ،والغوث (7) ، وتفسير القرآن بما يوافق ذلك، فمثلاً يقول في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} (الكهف:47) ، " كما تقتلع الأرض يوم القيامة بأوتادها، تسير اليوم بموت الأبدال الذين هم والقطب كجبال الأرض، إذ هم في الحقيقة أوتاد--------------------------------------------
(1) سبق في (ص: 167) ، التعريف بطائفة من الطوائف المنتسبة إليهم وهم اليونسية، وهنا نعرف بهم تعريفاً عاماً بأنهم الذين لم يظهر على ظواهرهم فما في بطونهم أثر، لأنهم يجتهدون في الإخلاص، والملامتي لا يظهر حيراً ولا يضمر شراً، ولذلك فهم يسترون صلاحهم بأمور تتداولها العوام ليست بمخالفات ولا معاص مبالغة في الخفاء، وينسب انتشار هذا المذهب في نيسابور إلى أبي صالح حمدون بن أحمد القصار المتوفى سنة 271هـ، انظر: الرسالة القشيرية (1/114) ، وعوارف العوارف (ص: 71) ، ومعجم مصطلحات الصوفية (ص: 249) ، وانظر: عن نشأتهم: القشيري لإبراهيم بسيوني (ص:17) ، وما بعدها.
(2) انظر: الرسالة القشيرية (1/114) .
(3) انظر: القشيري لإبراهيم بسيوني (ص: 25) .
(4) القطب عند الصوفية: عبارة عن رجل واحد هو موضوع نظر الله تعالى من العالم في كل زمان وهو على قلب إسرافيل عليه السلام، وحين يلتجأ إليه يسمى الغوث، انظر: اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص: 45) ، ومعجم اصطلاحات الصوفية (ص: 217) .
(5) الأوتاد عند الصوفية: الرجال الأربعة على منازل الجهات الأربع من العالم، بهم يحفظ الله تلك الجهات لكونهم محال نظره تعالى، اصطلاحات الصوفية (ص: 33) ، ومعجم مصطلحات الصوفية (ص: 264) .
(6) ويقال البدلاء: وهم مجموعة - اختلف الصوفية في عددهم - على قلب إبراهيم عليه السلام، إذا سافر أحد منهم عن موضع ترك فيه جسداًعلى صورته بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، انظر: اصطلاحات الصوفية (ص: 36) ، والتعريفات للجرجاني (ص: 24) ، والصلة بين التصوف والتشيع (ص: 458) .
(7) الغوث - عن الصوفية - هو القطب حين يلتجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثاً، اصطلاحات الصوفية (ص: 167) ، والتعريفات (ص:87) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 597)
العالم" (1) ، ويقول في قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} (النحل:15) ، " في الظاهر الجبال، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخلق، وبهم يرحم ربهم عباده، ومنهم إبدال ومنهم أوتاد، ومنهم القطب" (2) .
جـ - إقراره لما يقع للمتصوفة في حال فنائهم بربهم إلى حد أن يقول أحدهم: أنا الحق أو سبحاني، يبرر ذلك (3) .
د - قوله أن " هو " اسم موضوع للإشارة، وأنه عند الصوفية إخبار عن نهاية التحقيق، وينقل عن ابن فورك أنه قال: " هو: حرفان، هاء وواو، فالهاء تخرج من أقصى الحلق، وهو آخر المخارج، والواو تخرج من الفم، وهو أول المخارج، فكأنه يشير إلى ابتداء كل حادث منه وانتهاء كل حادث إليه" (4) ، ويقول: إن أهل الإشارة يقولون: " إن الله كاشف الأسرار يقول هو وكاشف القلوب بما عداه من الأسماء " (5) .
هـ - دعوته إلى أدب المريد مع الشيخ، وأنه يجب عليه أن يكون يره بشيخه أكثر من بره بوالديه، ويروي عن أبي عبد الرحمن السلمي يقول: " سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول: " من قال لأستاذ: لم، لا يفلح أبداً " (6) ، ويقول بعد ذكر قصص الصوفية الغريبة: " واعلم أن هذه الألفاظ توهم ظواهرها، وإنما يقف على معانيها ومرمى القول فيها من جمع بين حقائق الأصول وبين شيء من علوم هذه الطائفة، وتحقق ولو بشظية من معانيه، وإلا وقع في الاعتراض على السادة، ونعوذ بالله من تلك العقوبة" (7) ، ويقول بعد ذكر قصة لهم: " وهكذا سنة الله في أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ مرتبتهم " (8) .--------------------------------------------
(1) لطائف الإشارات - عن القشيري - (ص: 27) .
(2) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3) رسالة ترتيب السلوك، ضمن الرسائل القشيرية (ص:72-73) .
(4) شرح أسماء الله الحسنى (ص: 71-72) .
(5) المصدر السابق (ص: 72) .
(6) نفسه (ص:230) ، وانظر: الرسالة (2/735) .
(7) نفسه (ص: 136) .
(8) نفسه (ص: 46) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 598)
و - يذكر القشيري الخلاف في الولي: هل يجوز أن يعلم أنه ولى أم لا فيقول: " كان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول: لا يجوز ذلك، لأنه يسلبه الخوف ويوجب له الأمن، وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول بجوازه"، قال القشيري: " وهو الذي نؤثره ونقول به، وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء " (1) .ز - ينصح المريدين بسلوك طريق الصوفية، ويفضلهم على أهل النقل والأثر وأرباب العقل والفكر، ويرى أن الصوفية أهل الوصال، والناس أهل الاستدلال، ويرى ليس هناك عصر من العصور إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة، وأن علماء الوقت يخضعون له ويتبركون به، ويذكر قصة لأحمد بن حنبل والشافعي مع شيبان أحد الصوفية (2) ، ويرى على المريد إذا لم يجد من يتأدب معه في بلده أن يهاجر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين، ثم يقيم عليه ولا يبرح عن سدته - أي داره - إلى وقت أن يأذن له الشيخ، ثم يعقب القشيري بكلام خطير حين يقول: " إن تقديم معرفة رب البيت - سبحانه - على زيارة البيت واجب، فلولا معرفة رب البيت ما وجبت زيارة البيت" (3) ، وينعى على الشبان الذين يحجون من غير إشارة الشيوخ (4) .
ح - إباحته للسماع، وذكره للأدلة في ذلك، ومناقشته للمخالفين (5) .
* … * … *
هذه مقتطفات من منهج وأصول القشيري أحد أعلام الأشاعرة، وهي تبين مدى صلته بالصوفية وتمكنه فيها حتى صار شيخاً فيها، ومدى ثقته بعقيدة الأشاعرة حتى نسب إلى شيوخ الصوفية أنهم لا يخالفونها، ولا شك أن القشيري يمثل مدرسة كان لها الأثر الكبير في عقائد ومنهج الأشاعرة.--------------------------------------------
(1) الرسالة (2/662) .
(2) انظر: المصدر السابق (2/731-733) .
(3) المصدر السابق (2/743) .
(4) انظر: المصدر نفسه (2/742-743) .
(5) انظر: الرسالة (2/673) ، ورسالة: كتاب السماع ضمن الرسائل القشيرية (ص: 50) وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 599)
الجويني: ت 478هـ.
أحد الأعلام المشهورين، وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية، الجويني، النيسابوري، أبو المعالي، إمام الحرمين، ولد سنة 419هـ، وتتلمذ على يد والده أبي محمد الجويني، وجماعة منهم أبو القاسم الإسفراييني الإسكاف واسمه عبد الجبار بن علي، وأبو عبد الله الخبازي: محمد بن علي بن محمد بن حسن، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني وبو القاسم الفوراني، وابن الزكي أبو حسان محمد بن أحمد، وغيرهم، كما تتلمذ عليه مجموعة منهم أبو حامد الغزالي، وأبو طاهر إبراهيم بن المطهر الجرجاني، وإسماعيل بن أحمد أبو سعد بن أبي صالح المؤذن، وأبو القاسم الأنصاري - شارح الإرشاد - وعبد الرحيم بن عبد الكريم أبو نصر القشيري، وعلي بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراسي، وغيرهم.
اشتهر الجويني - خاصة بعد فتنة الأشاعرة والتي بسببها جاور في الحرمين وسمي إمام الحرمين - كأحد أعلام الشافعية والأشعرية بعد تدريسه في نظامية نيسابور قرابة ثلاثين عاماً إلى أن توفي سنة 478هـ.
وقد عني كثير من العلماء بترجمته (1) ، كما أفردت له عدة تراجم مع دراسات عن حياته ومنهجه (2) ، ولذلك جاءت ترجمته هنا مختصرة.
أما أهم مؤلفاته فهي:
1 - البرهان في أصول الفقه، مطبوع بتحقيق عبد العظيم الديب.--------------------------------------------
(1) انظر في ترجمته: دمية القصر (2/1000) ، والأنساب (3/386) ، - ط لبنان - وتبيين كذب المفتري (278) ، والمنتظم (9/18) ، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار (1/85) ، والمستفاد (ص: 312) ، - ط مؤسسة الرسالة - وطبقات السبكي (5/165) ، والعقد الثمين (5/507) ، وسير أعلام النبلاء (18/468) وغيرها كثير.
(2) منها: الجويني إمام الحرمين: فوقية حسين محمود، سلسلة أعلام العرب، وإمام الحرمين حياته وعصره: عبد العظيم الديب، الإمام الجويني: محمد الزحيلي. وغيرها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 600)
2- الورقات في أصول الفقه، مطبوعة ولها شروح عديدة.
3- مغيث الخلق في اتباع الأحق، في ترجيح مذهب الشافعي طبع في مصر سنة 1934م، ورد عليه الكوثري.
4- الغياثي أبو غياث الأمم بالتياث الظلم، في الخلافة والإمامة، وخلو الزمان عن الإمام أو عن المفتين نشره مصطفى حلمي، وفؤاد عبد المنعم أحمد ثم طبع مع تحقيق جيد للدكتور عبد العظيم الديب.
5- الشامل في أصول الدين: من كتب الجويني الكلامية المطولة، لم يعثر عليه كاملاً، طبع جزء منه بتحقيق المستشرق كلوبفر، ثم طبع جزء أكبر بتحقيق النشار وفيصل بدير عون، وسهير مختار.
6- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد - وهو مختصر للشامل - طبع بتحقيق محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد.
7- لمع الأدلة في قواعد وعقائد أهل السنة والجماعة - مختصر جداً - طبع مع مقدمة طويلة عن حياته بتحقيق فوقيه محمود.
8 - الكافية في الجدل، طبع بتحقيق: فوقيه محمود.
9- العقيدة النظامية: طبع بتحقيق: الكوثري، ثم بتحقيق السقا مع إبقائه على حواشي الكوثري.
وله مناظرات (1) ،وكتب أخرى بعضها لا يزال مخطوطاً، ومن أهمها: مختصر الإرشاد للباقلاني، في علم الكلام (2) .--------------------------------------------
(1) ذكر بعضها السبكي في الطبقات (5/209-218) .
(2) انظر: مقدمة تحقيق " الجدل " (ص: 16) ، وانظر في مؤلفاته: طبقات السبكي (5/171) ، وسير أعلام النبلاء (18/475) ، وإمام الحرمين: عبد العظيم الديب (ص: 49) ، وما بعدها، ومقدمة تحقيق الجدل (ص: 12) وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 601)
منهج الجويني وأثره في تطور المذهب الأشعري:
يعتبر الجويني إمام الحرمين من أعظم أعلام الأشاعرة، ولا يكاد يذكر المذهب الأشعري إلا ويسبق إلى الذهن هذا الإمام المشهور كأحد من يتمثل هذا المذهب في أقواله وكتبه، ولذلك فاستعراض عقيدته وأقواله تدل على أشعريته وموافقته لشيوخه الأشاعرة مما لا داعي لبسطه هنا، وإنما المقصود الإشارة إلى عموم منهجه الذي طور فيه هذا المذهب، ويمكن عرض ذلك من خلال ما يلي:
أ - تجديده في داخل المذهب الأشعري، فالجويني وإن تبني أقوال شيوخه السابقين ونقلها إلا أنه رد أو ناقش منها ما يرى أنه يستحق الرد والمناقشة بل إمام الأشاعرة أبو الحسن الأشعري الذي يذكره الجويني غالباً بقوله: قال شيخنا أو ذهب شيخنا (1) ، ودافع عن كتابه " اللمع" فيما وجه إليه من المطاعن من قبل المعتزلة وغيرهم (2) ؛ لم يسلم من تضعيف أقواله، ومن الأشاعرة - بعد الأشعري - الذين نقل أقوالهم الجويني وناقش بعضها: الباقلاني (3) ، وأبو إسحاق الإسفراييني (4) ، وان فورك (5) ، ومن ثم فيلاحظ في منهج الجويني بهذا الخصوص ما يلي:
1 - إن الجويني ضعف التأويل المشهور - والمنسوب للأشعري - لبعض الصفات الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء من أنه فعل فعله الله في العرش--------------------------------------------
(1) انظر: - على سبيل المثال - الإرشاد (ص: 14) ، وغيرها، والشامل (ص: 149) ، والبرهان (1/135-274) .
(2) ذكر الجويني فصولاً في كتابه الشامل ذكر فيها المطاعن التي وجهت إلى اللمع للأشعري وأجاب عنها، انظر (ص: 245-287-338-342) .
(3) انظر: البرهان (1/89،101، 148-149، 218، 280، 287) ، والإرشاد (ص:407) ، والشامل (ص: 198، 211،221، 233،247، 274،294، 570) .وغيرها.
(4) انظر: البرهان (1/95، 100، 111، 170) ، والإرشاد (ص: 33، 333) ، والشامل (ص: 212، 267، 350، 433، 533، 624) ، والكافية في الجدل (ص: 307، 409) .
(5) انظر: البرهان (1/116) ، والشامل (ص: 212، 346، 543، 562) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 602)
سماه استواء، أو فعل يفعله كل ليلة، أو يوم القيامة سماه نزولاً أو مجيئاً (1) ، وترجيحه التأويل بالملك والغلبة بالنسبة للاستواء، وبنزول أو مجيء أمره أو بعض ملائكته.
2- نقده لمذهب الأشعري في مسألة تكليف مالا يطاق (2) ، يقول: " نقل الرواة عن الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أنه كان يجوز تكليف ملا يطاق، ثم نقلوا اختلافاً عنه في وقوع ما جوزه من ذلك، وهذا سوء معرفة بمذهب الرجل، فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة، وهذا يتقرر من وجهين: أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل، والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه، وهو إذ ذاك غير مستطيع … والثاني: أن فعل العبد عنده واقع بقدرة الله تعالى، والعبد مطالب بما هو من فعل ربه ولا ينجى من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب، فإنا سنذكر سر ما نعتقده في خلق الأعمال " (3) ، ثم رجح منع تكليف مالا يطاق، ورجح جواز ورود الصيغة به دون الطلب كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (البقرة:65) ، وخلاصة قوله: " إنه يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن، ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه " (4) ، فالجويني بهذا القول يكون قد بعد عن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة، ويزيدها إيضاحاً قوله في مسألة " قدرة العبد " هل تقارن المقدور أو تسبقه.
3- وفي مسألة الاستطاعة، أو القدرة الحادثة للعبد (5) ، ذكر مذهب أبي الحسن الأشعري أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه--------------------------------------------
(1) انظر: الشامل (ص: 549، 555، 556) .
(2) مع أنه في الإشاد (ص: 226) ، رجح مذهب الأشعري والأشاعرة في جوازه.
(3) البرهان في أصول الفقه (1/102-103) .
(4) المصدر نفسه (1/105) .
(5) رجع الجويني في الإرشاد (ص: 218) ، مذهب الأشاعرة المشهور وهو أن القدرة الحادثة تقارن " في المطبوعة الأرشاد: وهو خطأ" حدوث المقدور بها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 603)
ثم قال بعد شرحه: "ومذهب أبي الحسن رحمه الله مختبط عندي في هذه المسألة " (1) ، ثم قال: " ومن أنصف من نفسه علم أنه معنى القدرة التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل وهو غير مستحيل في واقع حادث في حالة الحدوث" (2) .
4- وفي مسألة أزلية كلام الله تعالى والخلاف الواقع بين الكلابية والأشعرية في أزلية الأمر والنهي- وهما من أجزاء الكلام عندهم- قال:" اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري- رضي الله عنه مصبره إلى أن المعدوم وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو مأمور- معدوما- بالأمر الأزلي، وقد تمادي المشغبون عليه، وانتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب هم هذا المذهب، وقد سبق القلانسي (3) رحمه الله من قدماء الأصحاب- إلى هذا، وقال: كلام الباري تعالى في الأزل لايتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لايزال عند وجود المخاطبين" (4) ، ثم رد ثم رد الجويني على القلانسي- الذي يمثل مذهبه مذهب الكلابية (5) ، ثم ذكر مسلكين لأئمة الأشاعرة في إثبات أن المعدوم مأمور، ثم ذكر طريقة أبي الحسن الأشعري في ذلك (6) ،
ثم قال معلقا: " هذا منتهى مذهب الشيخ [الأشعري]رضي الله عنه فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم--------------------------------------------
(1) البرهان (1/277) .
(2) المصدر نفسه (1/279) .
(3) رجح محقق البرهتن هنا (1/270) ، وقبل ذلك (ص: 135) أن المقصود بالقلانسي أحمد بن إبراهيم المعاصر لابن فورك المتوفى سنة 406هـ، وليس هو القلانسي الآخر السابق للأشعري المعاصر للمحاسبي وغيره من الكلابية، وترجيحه هذا مرجوح، والراجح أنه قصد القلانسي الكلابي، ولذلك قال عنه هنا: أنه من قدماء الأصحاب، ثم ذكر قوله في هذه المسألة والذي هو قول ابن كلاب وأصحابه.
(4) البرهان (1/270-271) .
(5) انظر: المصدرنفسه (1/271) .
(6) البرهان (1/272-274) ..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 604)
مأمور فقد خرج عن حد المعقول، وقول القائل: إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس، فإنه إذا وجد، ليس معدوما، ولاشك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا"- ثم قال بعد هذا الكلام مباشرة- معلنا حيرته في هذه المسألة العظيمة المتعلقة بكلام الله تعالى: " وإذا لاح ذلك بقي النظر في أمر بلا مأمور، وهذا معضل الأرب، فإن الأمر من الصفات المتعلقة بالنفس، وفرض متعلق لا متعلق له محال، والذي ذكره (1) في قيام الأمر بنا في غيبة المأمور تمويه، ولا أرى ذلك أمرا حاقا، وإنما هو فرض تقدير- وما أرى الأمر لو كان كيف يكون- إذا حضر المٌخَاطَب قام بنفس الأمر إالحاق المتعلق به، والكلام الأزلي ليس تقديرا، فهذا مما نستخير الله تعالى فيه، وإن ساعف الزمان أملينا مجموعا من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى" (2) ، هذا منتهاه في مسألة من أهم المسائل التي تميز بها المذهب الأشعري0
4- ويري الجويني أن الأشاعرة وضعوا بعض الأصول مثل: نفي التجسيم عن الله ومثل نفي العلو (الجهة) ، ثم ذكر أن المعتزلة عجزوا عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسماً (3) ، كما أن نفى الجهة لا يستقيم على أصولهم أيضاً (4) ، والجويني بهذا الأسلوب يبرز مذهب الأشاعرة على أنه أكثر أصالة وأقوي أدلة في نفي بعض الصفات، ونفى العلو عن الله تعالى- من المعتزلة - الذين هم أهل التجهم والتعطيل، وهذا منهج للجويني في إعلاء المذهب الأشعري يعتمد على أسلوب غريب؛ إذ لو أنه ذكر أن أصول المعتزلة لا تستقيم على نفي الصفات السبع، أو الرؤية أو أن القرآن كلام الله غير مخلوق لكان هذا معتادا غير مستغرب، أما أن
يذكر أن أصولهم لا تستقيم على نفى العلو وإنما تستقيم الأدلة على أصولنا نحن الأشاعرة فهذا هو الذي يلفت الانتباه0--------------------------------------------
(1) أي الأشعري فيما سبق انظر: البرهان (1/273) .
(2) البرهان (1/274-275) .
(3) انظر: الشامل (ص: 414) .
(4) انظر: المصدر نفسه (ص:528) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 605)
5-وفي مسألة أخبار الآحاد- وإفادتها للعلم ثم حجيتها في العقيدة- يسير الجويني في ركب غالب شيوخه في أنها لا تفيد العلم (1) ، وفي أحد المواضع في الشامل ذكر قولين أحدهما قول الباقلاني: إنه لا يقطع بها في القطعيات، الآخر قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الذي ذكره قائلا: " وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن الحديث المدون في الصحاح الذي لم يعترض عليه أحد من أهل الجرح والتعديل، هو (2) مما يقضي به في القطعيات، وليس من أصله أنه يبلغ مبلغ التواتر، إذ لو بلغه لأوجب العلم الضروري، ولكنه مما يتوجب العلم استدلالا ونظراً " (3) ،ثم قال الجويني: "والصحيح في ذلك طريقه القاضي" (4) ،وفي البرهان كانت عبارة قاسية جدا فيمن يقول إن خبر الواحد العدل يفيد العلم، يقول: " ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي (5) لا يخفي مدركه على ذي لب " (6) .
ب- تأويله للاستواء وللصفات الخبرية:
في العرض السابق لأقوال شيوخ الأشاعرة- قبل الجويني- تبين أن تأويل هذه الصفات كان موجودا قبل الجويني، وليس كما اشتهر من أنه أول من تأولها، ومع ذلك فللجويني مذهب متميز فيها، قرب فيه من مذهب المعتزلة0
ويوضح ذلك أن السابقين كابن فورك ومن بعده قالوا بنفي الجهة، ثم قالوا في الاستواء: إنه بمع نى العلو بالقهر والتدبير - كما يقول ابن فورك- أو على معنى الملك - كما يقول البغدادي - لكنهم أبطلوا تأويل المعتزلة استوى باستولى،--------------------------------------------
(1) انظر: الإرشاد (ص: 161) ، والشامل (ص: 100) .
(2) في الشامل (وهو) والواو زائدة.
(3) الشامل (ص: 557) .
(4) نفس المصدر والصفحة.
(5) ذكر المحقق في الحاشية أن في نسخة ت:خرق.
(6) البرهان (1/606) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 606)
فلما جاء الجويني ذكر أن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقال: " لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة، وذلك شائع في اللغة، إذ العرب تقول: استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك، واستعلى على الرقاب، وفائدة تخصيص العرش بالذكر أنه أعظم المخلوقات في ظن البرية، فنص تعالى عليه تنبيهاً بذكره على ما دونه، فإنه قيل: الاستواء بمعنى الغلبة ينبئ عن سبق مطامحة ومحاولة؟ قلنا: هذا باطل، إذ لو أنبأ الاستواء عن ذلك لأنبأ عنه القهر، ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق، والتزام ذلك كفر " (1) ، ثم ذكر أنه لا يبعد تفسير الاستواء بالقصد، ثم ذكر التفويض ورده (2) . أما في الشامل فذكر عدة أقوال فيه: منها التفويض مع القطع بنفي الجهات والمحاذيات، بحيث يكون الاستواء من الأسرار التي لا يطلع علها الخلائق، والله تعالى مستأثر بعلمها (3) ، ثم قال: "ذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستواء: الاقتدار والقهر والغلبة، وذلك سائغ في اللغة، شائع فيها، إذ القائل يقول: استوى المالك على الإقليم، إذا احتوى على مقاليد الملك فيه، ومنه قول القائل:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف أو دم مهراق (4)
وقول آخر:
ولما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر وكاسر (5) " (6)--------------------------------------------
(1) الإرشاد (ص: 40-41) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 41) .
(3) انظر: الشامل (ص: 550) .
(4) هذا البيت منسوب إلى الأخطل النصراني، وقد سبق تخريجه، وفي الشامل " ولا دم ".
(5) لم أقف على قائله.
(6) الشامل (ص:553) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 607)
ثم ذكر الاعتراض الذي أورده في الإرشاد وأجاب عنه بمثل ما أجاب به هناك (1) ، ثم ذكر القول الآخر أنه بمعنى القصد والإرادة، وقول الأشعري أنه فعل في العرش واستبعده (2) ، أما في لمع الأدلة - المختصر في العقائد - فلم يذكر سوى التأويل: حيث قال: " المراد بالاستواء القهر والغلبة والعلو، ومنه قول العرب: استوى فلان على المملكة - أي استعلى عليها واطردت له " ومنه قول الشاعر:
"قد استوى بشر … ." (3) ، وفي النظامية - وهي من آخر مؤلفاته - قطع بتنزيه الله عن الاختصاص ببعض الجهات (4) ، ثم ذكر أن مذهب السلف إجرؤها على ظاهر دون تأويل، وهو ما رجحه (5) .
هذه خلاصة أقوال الجويني في الاستواء، ومنه يتبين أن ما اختاره في لمع الأدلة وقال بجواز القول به في الإرشاد والشامل هو قول المعتزلة (6) ، الذي رده شيوخ الجويني، كابن كلاب والأشعري والباقلاني والبيهقي وغيرهم، وبذلك يصبح الجويني أول من ارتضى هذا التأويل الاعتزالي المشهور.
أما الصفات الخبرية فقسمان: ما عدا صفة الوجه والعين واليدين، فقد تأوّله غالب الأشاعرة ومنهم أبو الحسن الطبري، والبغدادي والبيهقي وغيرهم ومشى على طريقتهم الجويني (7) ، وذلك مثل صفة القدم، والساق، والأصابع--------------------------------------------
(1) انظر: الشامل (ص: 553) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 554-556) .
(3) لمع الأدلة (ص: 95) .
(4) انظر: النظامية (ص: 21) .
(5) انظر: المصدر نفسه (ص: 32-34) .
(6) انظر: مثلاً كلامهم حول الاستواء وتأويله، وشواهدهم في ذلك: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار الهمذاني (ص: 226-227) .
(7) انظر: مثلاً تأويل الجويني للقدم الشامل (ص: 562) ، والإرشاد (ص: 162) ، والأصابع الشامل (ص: 564) ، والساق الإرشاد (ص: 159) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 608)
وغيرها، فالجويني ليس في مذهبه جديد في هذا، أما صفة الوجه والعين واليدين فجمهور شيوخ الجويني من الأشاعرة على إثباتها بلا تأويل، والذي أثر عنه تأويلها عبد القاهر البغدادي - كما سبق تفصيل ذلك - ولم يقل يقول البغدادي في تأويلها أحد من تلامذته، ومنهم البيهقي الذي أثبتها بلا تأويل، فلما جاء الجويني قطع بتأويلها، وإن كان قد رجع عن ذلك عن النظامية، يقول الجويني في الإرشاد: " ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى، والسبيل إلى إيباتها السمع دون قضية العقل، والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود" (1) ، ثم شرح ذلك ورد على الذين يعتقدون أنها صفات لله تعالى لورود النصوص الصريحة بذلك (2) ، ثم يسوق الجويني كلاماً في الرد على شيوخه الأشاعرة المثبتين لهذه الصفات نهج فيه منهج المعتزلة الذين يصفون الأشاعرة حين يثبتون بعض الصفات دون بعض بأنهم متناقضون لأن مساق الصفات واحد فإما أن تثبت جميعاً أو تؤول جميعاً، يقول الجويني هنا: " ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات [أي صفات اليدين والعين والوجه] بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء والمجيء والنزول والجنب من الصفات، تمسكاً بالظاهر، فإن ساق تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضاً طريق التأويل فيما ذكرناه " (3) ،
ولاشك أن الجويني معه الحق فيما يقول، لأن تأويل شيوخه لصفات الاستواء والنزول والمجيء ليس بأولى من تأويل الصفات الخبرية، ودلالات النصوص واحدة.
وفي الشامل تأوّل الجويني النصوص الواردة في العين (4) ، أما في النظامية فقد رجع عن التأويل فيها كلها إلى التفويض.--------------------------------------------
(1) الإرشاد (ص: 155) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 155-157) .
(3) المصدر السابق (ص: 157-158) ..
(4) انظر: الشامل (ص:556-557) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 609)
ومما سبق يتبين أن الجويني وإن كان قد سبق إلى تأويل الاستواء والوجه واليدين والعين - إلا أن مذهبه فيها تميز بأمرين:
الأول: اختيار تأويل الاستواء بالاستيلاء والملك - كقول المعتزلة - وهذا التأويل بالذات رده شيوخ الأشاعرة ومنهم عبد القاهر البغدادي الذي قال بعد أن رد تأويل المعتزلة بأن الصحيح تأويل العرش على معنى الملك أي أن الملك ما استوى لأحد غيره (1) ، وهذا القول للبغدادي ليس ببعيد من قول المعتزلة، ومع ذلك فلم يجسر على مخالفة شيوخه الذين ردوا تأويل المعتزلة للاستواء، فلما جاء الجويني أزال هذا الحاجز، ورأى أنه لا فرق بين التأويلين، ولذلك نص على تأويل المعتزلة واختاره.
الثاني: التأويل الصريح لصفة الوجه واليدين والعين، مع إلزام الأشاعرة أن تأويلها لازمهم كتأويل الاستواء والنزول.
جـ - قربه من المعتزلة ومذهبهم:
يجمع الباحثون على تأثر الجويني بالمعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة (2) ، وما تقدم - في الفقرة السابقة - دليل واضح على قربه منهم وتأثره بهم، ومن الأدلة والشواهد على ذلك ما يلي:
1- إن الجويني في مسألة كلام الله والقرآن، لما شرح مذهب الأشاعرة، ورد على المعتزلة قال: " واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن ما أثبتوه وقدّروه كلاماً فهو في--------------------------------------------
(1) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص: 112-113) .
(2) انظر: مقدمة تحقيق الشامل (ص: 77) ، حيث ذكر المحققون: أن الجويني لم يخالف المعتزلة في الأصول؛ لكنه خالفهم في فهمهم لهذه الأصول نفسها، وانظر: في علم الكلام: الأشاعرة، أحمد صبحي (ص:123-132) ، حيث ذكر أن خصومه الأشاعرة للمعتزلة فترت لدى الجويني، وانظر: نشأة الأشعرية (ص: 409) ، وإمام الحرمين: عبد العظيم الديب (ص: 84) ، وغيرها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 610)
نفسه ثابت، إنه كلام الله تعالى إذ [لعل صوابها إذا] رد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والتسميات فإن معنى قولهم: هذه العبارات كلام الله، أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله (1) ، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته، والكلام الذي يقضي أهل الحق بقدمه هو الكلام القائم بالنفس، والمخالفون ينكرون أصله ولا يثبتونه " (2) ،والجويني لم يخالف في هذا بقية الأشاعرة لأنهم يفرقون بين كلام الهل القائم بالنفس، وبين القرآن المتلو، فالأول قائم بالله لا يجوز انفصاله عن الله بحال، كما لا يجوز حدوثه، بل هو أزلي كأزلية الحياة والعلم كما أنه واحد ليس بحروف ولا أصوات أما الكلام المتلو فهم وإن صرحوا أنه كلام الله إلا أنهم عند التحقيق يقولون: إن هذا الكلام - بعباراته - فهمه جبريل أو غيره من الله، ولذلك فهو حكاية لكلام الله أو عبارة عنه، فالقرآن المتلو على هذا القائل به هو جبريل أو غيره - وقد ذكر ما يدل على ذلك من قوله الباقلاني - لكن الجديد في قول الجويني تصريحه بأنه لا ينكر أن تكون العبارات - أي القرآن المتلو - خلق الله، وهذا مذهب المعتزلة، وإن خالفهم في أن الكلام هو الكلام القائم بالنفس، ولتوضيح قول الجويني هذا ننقل ما ذكره الإيجي في الموقف - الذي يعتبر من أهم كتب الأشاعرة التي استقر عليها مذهبهم في القرون المتأخرة، يقول - حول صفة الكلام -: " وقالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره، كاللوح المحفوظ، وجبريل أو النبي، وهو حاديث.
وهذا لا ننكره، لكننا نثبت أمراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس … ثم نزعم أنه قديم، لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، ولو قالت المعتزلة: إنه هو إرادة فعل يصير سبباً لاعتقاد المخاطب علم المتكلم بما أخبره به، أو إرداته لما أمر به لم يكن بعيداً - لكني لم أجده في كلامهم - إذا عرفت هذا فاعلم أن ما يقوله المعتزلة: وهو--------------------------------------------
(1) ذكر المحققان أن في نسخة م: لا ننكر كونها خلقاً له.
(2) الإرشاد (ص: 116-117) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 611)
خلق الأصوات والحروف، وكونها حادثة قائمة (1) ، فنحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته " (2) .
فالجويني في نصه السابق يخفف من حدة المعركة بين الأشعرية والمعتزلة في مسألة خلق القرآن، ويصرح بأن المذهب الأشعري لا يعارض قول المعتزلة، ومن ثم فالخلاف معهم في أنهم لا يثبتون الكلام النفسي.
2- دفاعه عن المعتزلة فيما نقل من مذاهبهم، فمثلاً في مسألة التحسين والتقبيح العقلي الذي قال به المعتزلة يقول الجويني: " واضطرب النقلة عنهم في قولهم يقبح الشيء لعينه أو يحسن، فنقل عنهم أن القبح والحسن في المعقولات من صفات أنفسها ونقل عنهم أن القبح صفة النفس، وأن الحسن ليس كذلك، ونقل ضد هذا عن الجبائي، وكل ذلك جهل بمذهبهم، فمعنى قولهم يقبح ويحسن الشيء لعينه أنه يدرك ذلك عقلاً من غير إخبار مخبر " (3) ، ثم رد على المعتزلة في قولهم هذا وهذا يدل على إطلاعه على كتبهم، ومعرفته بأقوالهم.
3- وفي مسألة المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر إليه وهو في حالة اتصال الخطاب به هل يعلم أنه مأمور، رجح الأشاعرة أنه يعلم، وقالت المعتزلة: إنه لا يعلم إلا بعد مضي زمان الإمكان الذي يسعه فعل المأمور به، وقد رجح الجويني مذهب المعتزلة وقال: " المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك " (4) .
4- وللجويني صلة خاصة بكتب أبي هاشم الجبائي (5) ، الذي يرد في--------------------------------------------
(1) قال في شرح الموافق (8/95) ، قائمة، بغير ذاته تعالى.
(2) المواقف (ص: 293-294) ، ومع شرحه وحواشيه (8/92-95) .
(3) البرهان (1/88-89) .
(4) البرهان (1/282) ، وانظر ما قبلها (ص: 280-281) .
(5) هو عبد السلام بن أبي علي بن عبد الوهاب - تقدمت ترجمة أبيه عند الحديث عن الأشعري - ولد أبو هاشم سنة 277هـ، وتوفي سنة 321 هـ، وإليه تنسب فرقة البهشمية - إحدى فرق المعتزلة - انظر في ترجمته وآرائه: تاريخ بغداد (11/55) ، والمنتظم (6/261) ، والأنساب (3/176) ، ووفيات الأعيان (3/183) ، " وفي هذين المصدرين أنه ولد سنة 247هـ وهو خطأ"، وسير أعلام النبلاء (15/63) ، والملل والنحل (1/78) والفرق بين الفرق (ص: 184) ، والتبصير بالدين (ص: 80) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 612)
كتبه كثيراً، وأقرب مثال على ذلك قول الجويني بالأحوال، وتأكيده على ذلك بعد أن ذكر تردد الباقلاني في القول بها، ومما يلاحظ أن الباقلاني لما قال بالأحوال لم يوافق أبا هاشم الجبائي في أن الحال لا معدومة ولا موجودة، ولا معلومة ولا مجهولة -كما سبق بيان قوله - لكن الجويني وافق الجبائي في عدم اتصاف الحال بالوجود والعدم (1) ، ولإن قطع بأنها معلومة مقدورة مرادة (2) ، مع تفسير معين لهذه المعاني (3) .
ومن الأدلة على صلة الجويني بأبي هاشم دفاعه عنه فيما نسب إليه في مسألة تعريف العلم، وأن علم المقلد هل يعتبر علماً أم لا، يقول: " نقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل، وبيان ذلك بالمثال: إن من سبق إلى عقده أن زيداً في الدار، ولم يكن فيها، ثم استمر العقد، فدخلها زيد، فحال المعتقد لا يختلف وإن اختلف المعتقد، وعن ذلك نقل النقلة عن عبد السلام بن الجبائي - وهو أبو هاشم - أنه كان يقول: العلم بالشيء والجهل به مثلان، وأطال المحققون ألسنتهم فيه، وهذا عندي غلط عظيم في النقل، فالذي نصن عليه الرجل في كتاب الأبواب: إن العقد الصحيح مماثل للجهل، وعني بالعقد اعتقاد المقلد " (4) .
وفي مسألة الصلاة في الدار المعصوبة ذكر قول أبي هاشم الجبائي: أنها لا تصح، وبعد كلام ذكر معارضة المعترضين لكلامه ثم قال: " وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله، وليس هو (5) ، ممن تزعه التهاويل " (6) ، ويذكر في إحدى المسائل أنه طلع على مصنفاته (7) .--------------------------------------------
(1) انظر: الشامل (ص: 639-341) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 642) .
(3) انظر: تفصيل أقواله في الأحوال في الشامل (ص: 629-645) ، والإرشاد (ص: 80) .
(4) البرهان (1/121) .
(5) في المطبوعة من البرهان لو، ولعله خطأ مطبعي.
(6) البرهان (1/286) ، وفي الحاشية في نسخة ش، ع، ت ترمعه، وتزعه بمعنى: تكفه.
(7) المصدر السابق (1/304) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 613)
د - صلته بالفلسفة وعلوم الأوائل:
لم يكن الجويني فيلسوفاً، أو متبنياً لأفكار الفلاسفة، وإنما اطلع على كتبهم واستفاد منها في تأصيل المذهب الأشعري في بحوثه الكلامية ولذلك جاء تفكيره - كما عبر البعض - متسماً بنزعة فلسفية عميقة (1) ، وتأثر الجويني بِكتب الأوائل من الفلاسفة تمثل فيما يلي:
1- نقوله عنهم، يقول في مسألة إحاطة الإنسان بأحكام الإلهيات وحقائقها: " أقصى إفضاء العقل إلى أمور جميلة منها، والدليل القاطع في ذلك على رأي الإسلاميين: إن ما يتصف به حادث، وموسوم بحكم النهاية، يستحيل أن يدرك حقيقة ملا يتناهى، وعبر الأوائل عن ذلك بأن قالوا: تصرف الإنسان في المعقولات بفيض ما يحتمله من العقل عليه، ويستحيل أن يدرك الجزء الكل، ويحيط جزء طبيعي له حكم عقلي بما وراء عالم الطبائع، وهذه العبارات وإن كانت مستنكرة في الإسلام، فهي محومة على الحقائق" (2) .
2- مسألة علم الله بالجزئيات، التي أثارت جدلاً بالنسبة للجويني، وهل وافق الفلاسفة في قولهم: إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، والحق أن عبارة الجويني موهمة وذلك حين يقول: " وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الآحاد" (3) ، وقد شنع عليه من العلماء الإمام المازري (4) ، وقال: " إنما سهل عليه ركوب هذا المذهب إدمانه النظر في مذهب أولئك " (5) ، والجويني الذي قال العبارة الموهمة السابقة هو الذي يقول في نفس الكتاب " إن الرب تعالى كان--------------------------------------------
(1) انظر: مقدمة تحقيق الشامل (ص: 76) .
(2) البرهان (1/142) .
(3) البرهان (1/145-146) .
(4) كما هجره صديقه القشيري لأجلها بقول الذهبي: " هذه هفوة اعتزال، هجر أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد، وتاب ولله الحمد منها" (السير 18/472) .
(5) طبقات السبكي (5/201) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 614)
عالماً في أزله تفاصيل ما يقع فيما لا يزال " (1) ، وهذا نص في إثبات علم الله بالجزئيات، ولذلك دافع السبكي - بحق - في طبقاته عن الجويني وأطال الكلام حول هذه المسألة وأتى بالنقول من كتب الجويني الأخرى كالشامل والإرشاد، كما نبه إلى النص الذي نقلناه آنفاً من البرهان وهي نقول تدل على إثباته لعلم الله بالجزئيات " (2) .
3- ومن معالم تأثره بالكتب الفلسفية ما هو واضح في منهجه من التحديد الدقيق للمصطلحات في كتبه، فهو قبل أن يبدأ في الكلام في أي باب يبدأ بتعريف المصطلحات والتعريفات (3) ، وتأخذ هذه المقدمات - أحياناً - قسطاً كبيراً من كتبه، وهذا المنهج الذي سلكه الجويني ظهر جلياً في كتب متأخري الأشعرية، حيث يصل الأمر أن تبلغ المقدمات أكثر من ثلثي الكتاب قبل أن يدخل المؤلف في المقصود من الكتاب وهو البحث في الإلهيات، ومن الأمثلة على ذلك كتاب شرح المقاصد، والمواقف وشروحه.
هـ - الفقه وأصوله عند الجويني وعلاقة ذلك بمذهبه الكلامي:
يعتبر الجويني من أئمة الشافعية، وقد سبقت الإشارة إلى أنه كتب كتاباً يفضل فيه مذهب الشافعي ويرى أنه الأحق بالاتباع، وهو ما صرح به أيضاً في البرهان (4) .
ومن الأمور الملفتة والبارزة في منهجه إدخاله مسائل المنطق والكلام في أصول الفقه، ولما كان كتابه من الكتب الأصولية المتقدمة فقد تأثر بمنهجه هذا من جاء بعده من الأشاعرة وغيرهم مثل الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم.
يقول النشار في عرضه لمسألة إدخال المنطق الأرسطي في أصول الفقه: " أما الأشاعرة فقد احترزوا بأصولهم عن منطق أرسطوا، ونجد هذا واضحاً لدى عدو--------------------------------------------
(1) البرهان (2/130) .
(2) انظر: طبقات السبكي (5/192-207) .
(3) انظر: مثلاً لمع الأدلة (ص: 76) من أول الكتاب، وما بعدها، والإرشاد (ص: 5) وما بعدها.
(4) (2/1148-1155) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 615)