ممتاز للتراث اليوناني - أبي بكر الباقلاني - وهو شخصية ضخمة لم تبحث بع، ولم يصل إلينا إنتاجها الأصولي إلا خلال كتب المتأخرين أيضاً".
"
ولكن ما لبث علم الأصول أن اتجه وجهة أخرى على يد إمام الحرمين (478هـ) ، وقد كان المظنون أن إمام الحرمين سار على منهج المدرسة الكلامية الأصولية الأولى، إلا أنه تسنى لي بحث مخطوطة نادرة لكتاب البرهان فتبين لي أنه وإن كان إمام الحرمين خالف المنطق الأرسططاليسي في نقاط كثيرة إلا أنه تأثر به إلى حد ما، بل قد تجد عنده أول محاولة لمزج منطق أرسطو بأصول الفقه، فكما أنه خالف متكلمي أهل السنة في القول بالواسطة أولاً، ثم وافق أبا هاشم الجبائي في أقوال له كثيرة … تراه يخالفهم أيضاً في محاولته مزج المنطق الأرسططاليس في الأصول، ويمهد الطريق بذلك لتلميذه أبي حامد الغزالي (1) ، (2) وقد أدخل الجويني مسائل كلامية كثيرة في أصول الفقه ومنه صيغ الأمر (3) ، والكلام النفسي (4) ، وعلم الله (5) ، وتكليف ما لا يطاق (6) ، والاستطاعة (7) ، والمعجزة (8) ، والتحسين والتقبيح (9) وغيرها.
و حيرة الجويني ورجوعه:
لما كان الجويني ممن خاض في مسائل علم الكلام أكثر ممن سبقه، وما تميزت به شخصيته من استقلال واعتداد، بحيث لا يرى غضاضة في مخالفة--------------------------------------------
(1) للغزالي كتابه المشهور: المستصفي، وله المنخول من تعليقات الأصول نص في آخر على أنه اقتصر " على ما ذكره إمام الحرمين رحمه الله في تعاليقه من غير تبديل وتزييد في المعنى وتعليل " المنخول (ص: 504) .
(2) مناهج البحث (ص: 73) - ط الرابعة -.
(3) البرهان (1/212) .
(4) نفسه (1/199) .
(5) نفسه (1/145) .
(6) نفسه (1/102) .
(7) نفسه (1/276) .
(8) نفسه (1/148) .
(9) نفسه (1/87) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 616)
شيوخه وتزييف أقوالهم أحياناً ولو كانوا أعلاماً كالأشعري، والباقلاني، وابن فورك، وأبي إسحاق الإسفراييني وغيرهم، لهذا ولما يحسب من قصده الحق وتجرده فقد برز في كتبه ما يدل على تراجعه عن بعض أقواله، وانتهاء الأمر عنده إلى الحيرة ويمكن عرض الشواهد التالية من كتبه.
1- في أثناء جواب الجويني عن المطاعن التي وجهت إلى اللمع للأشعري، ومنها استدلاله في إثبات حدث العالم بالنطفة وأنه لم يوضح الدلالة على حدثها القائم على إثبات الأعراض، وبعد مناقشات يقول الجويني: " ثم نقول: لا يتوقف ثبوت حدث العالم على إثبات الأعراض، ولكن من علم تعاقب الأحوال المتناقضةعلى بعض الذوات، علم استحالة عروة منها، فهذا يفضي به إلى العلم بحدث الذات، وإن لم يتعرض لكون الأحوال موجودات، وكونها أغياراً للذات، فلم يتوقف إذاً إثبات حدث الجواهر على إثبات الأعراض، هكذا قال ابن مجاهد والقاضي رضي الله عنهما فاستبان بما قلناه أنه لا يتوقف العلم بحدث العالم على العلم بثبوت الأعراض، فإن المقصد يثبت دون ذلك " (1) ، فالجويني يصرح هنا بأن دليل حدوث العالم--------------------------------------------
(1) الشامل (ص: 247) ، ومن العجيب أن الجويني وهو يدافع عن الأشعري في عدم ذكره لدليل حدوث الأجسام قال: " إنه " أي الأشعري، رأى كثيراً من الناي ينفرون عن طرق الكلام ويأبونها، ولو صدر الكلام بإثبات الأعراض والتعرض للجواهر لن يأمن أن ينفر صدر كتابه مطالعه، فبدأ بإثبات الصانع في معرض لا يأباه أحد ثم ذكر حدث العالم في درج الكلام، الشامل (ص: 279) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 617)
لا يتوقف على دليل حدوث الأعراض، ولكنه لما أخذ يرد على الكرامية في مسألة القول بأن الله جسم قال: " وسبيل الكلام أن يسألوا عن دلالة حدث العالم، فإن ترددوا فيها، ولم يستقلوا بإيرادها بأن عجزهم عن قاعدة الدين، وأصل المعارف، فإن السبيل الذي به تتوصل إلى معرفة المحدث ثبوت الحدث، وإن راموا ذكر الدلالة على حدث الأجسام، لم يطردوا دلالة إلا تقرر عليهم مثلها في الجسم الذي حكموا بقدمه" (1) ، ومن أصول أدلة حدوث العالم عند الجويني أن الجواهر لا تخلو من الأعراض (2) .
فالجويني في رده على الكرامية سد طرق إثبات حدث العالم إلا بطريق حدوث العالم إلا بطريق حدوث الأجسام والأعراض، وهو هناك في رده على خصوم الأشعري يصرح بأنه لا يتوقف إثبات حدوث الجواهر على حدوث الأعراض؟.
وقد رجح الجويني في إثبات الصانع إدعاء الضرورة في أن هذا العالم لابد له من خالق دون الدخول في طرائق الاستدلال، يقول الجويني بعد كلام ومناقشات حول ما ذكره الأشعري من أدلة إثبات الصانع وأن هذا الكون لابد له من خالق كما أن البناء لا بد له من بانٍ والكتابة لا بد لها من كاتب: " قال عبد الملك بن عبد الله: أسد الطرق اعندي في المسألة ادعاء الضرورة، ومن لم يسلك هذا المسلك أولاً اضطرته الحاجة إلى سلوكه أخرا " (3) ، وهذا الذي يدعي فيه الجويني الضرورة كتب حول الاستدلال له كلاماً طويلاً (4) .
2- حيرته في مسألة هل المعدوم مأمور؟ وقد تقدم كلامه في ذلك حين قال: وهذا مما نستخبر الله تعالى فيه.
3- في مسألة قدرة العبد ذكر في الشامل والإرشاد ولمع الأدلة (5) ، أنه لا تأثير لها كما هو مذهب جمهور الأشاعرة ثم رجع في النظامية إلى أن لها تأثير (6) .
4- ومن الأمور المهمة رجوعه في نظرته إلى السلف، فإنه قال في كتابه - الكافية في الجدل - في الجواب عن الاعتراض الذي يقول: إن السلف لم يستخدموا بعض أنواع القياس في الرد على الخصم - فقال بعد ذكر عدة أجوبة: " وأيضاً فإنهم [أي السلف] لما علموا أنه قد يكون بعدهم من لعل الله سبحانه يخصه بجودة قريحة، وزيادة فهم، وفطنة وذكاء … لم يطولوا واقتصروا على النبذة والإشارة" (7) ،فهذه عبارات توحي بتجهيل وسلبية للسلف، لكنه يقول عنهم في الغياثي - الذي ألفه بعد النظامية - فهو في آخر كتبه (8) ، موصياً مغيث الدولة الذي هو نظام الملك - قائلاً: " والذي أذكره لائقاً بمقصود--------------------------------------------
(1) انظر: الشامل (ص: 411) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 204، 209، 220) .
(3) المصدر السابق (ص: 282-283) .
(4) انظر: الشامل (ص: 123-342) .
(5) انظر: الشامل (ص: 182) ، والإرشاد (ص: 208) ، ولمع الأدلة (ص: 107) .
(6) انظر: النظامية (ص: 43-51) .
(7) الكافية في الجدل (ص: 346-347) .
(8) أحال الجويني في الغياثي (ص: 190) على النظامي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 618)
هذا الكتاب أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلد في القرائح، هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً، وأرجحهم بياناً … " (1) .
5- حيرته في مسألة العلو - وقصته مع الهمذاني مشهورة (2) - وقد صرح بالحيرة في هذه المسألة في النظامية بعد كلام طويل (3) .
6- رجوعه عن علم الكلام، وهو من الأمور المشهورة التي لا ينازع فيها إلا من يحمل في قلبه تعصباً أعمى للأشاعرة وعلومهم الكلامية، ومن أقواله في رجوعه:
أ - ما رواه الفقيه غانم الموشيلي: سمعت الإمام أبا المعالى يقول: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام " (4) .
ب - ما حكاه أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور " (5) .--------------------------------------------
(1) الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم (ص: 190-191) ، وفي هذا الكتاب (ص: 193-194) ، هاجم المأمون بسبب تساهله مع المعطلة، وترجمته لكتب الأوائل، وحملة المسؤولية أمام الله.
(2) انظرها: في العلو الذهبي (ص: 188) ، وقال الألباني في مختصر العلو (ص: 277) " إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ " وانظر: سير أعلام النبلاء (18/474، 175، 477) وطبقات السبكي (5/190) ، وحاول ردها بما لا طائل من ورائه.
(3) انظر: النظامية (ص: 23) .
(4) سير أعلام النبلاء (18/463) .
(5) المصدر السابق (18/474) ، وطبقات السبكي (5/191) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 619)
جـ - وروى عنه أنه قال: " قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني " (1) .
د - وقال أبو الحسن الشقيرواني الأديب -وهو من تلاميذ الجويني -: سمعت أبا المعالى يقول: " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به " (2) .
وقد حاول السبكي رد هذه الأقوال المروية عن الجويني بأساليب معهودة عند السبكي حين يتعلق الأمر بالطعن على الأشاعرة.
7 - رجوع الجويني في النظامية.
اشتهر عن الجويني أنه رجع في النظامية وأبرز ما رجع فيه مسألتان:
أ - مسألة القدرة الحادثة وقوله: إنه مؤثرة بعد أن كان يرى أنها غير مؤثرة - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك -.
ب - مسألة الصفات الخبرية، فإنه قال: " اختلفت مسالك العلماء في الظواهرالتي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في أي الكتاب وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقلاً أتباع سلف الأمة، فالأولى الأتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي--------------------------------------------
(1) السير (18/474) ، والمنتظم (9/19) ، والسبكي (5/185) .
(2) السير (18/474) ، والمنتظم (9/19) ، والسبكي (5/186) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 620)
القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة.." (1) ، ورجوع الجويني في النظامية لم يكن رجوعاً كاملاً إلى مذهب السلف في جميع المسائل العقيدة وعلم الكلام، والدليل على ذلك:
1 - أن رجوعه بالنسبة للصفات كان إلى التفويض، وليس هذا مذهب السلف.
2- أن الجويني أبقى على بعض المسائل وعرضها كما هي في مذهب الأول ومنها مسألة حدوث الأجسام (2) ، وكلام الله (3) ، ومنع حلول الحوادث التي هي مسألة الصفات الاختيارية (4) ، والرؤية بلا مقابلة (5) ، كما أنه أوّل بعض الصفات مثل المحبة أوّلها بالإرادة (6) ، وفي الإيمان ذكر أولاً أنه التصديق (7) ، ثم ذكر عند الكلام على زيادة الإيمان ونقصانه قول السلف: إنه معرفة بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، وقال: " هذا غير بعيد في التسمية " (8) ، لكنه ذكر بعده القول الآخر؛ إنه التصديق، ولم يرجح بينهما.
* … * … *
هذا هو الجويني في أحواله وأقواله، ومما سبق يتبين كيف خطا بالمذهب الأشعري نحو الاعتزال، والتأصيل الكلامي.--------------------------------------------
(1) النظامية (ص: 32-33) .
(2) النظامية (ص: 16) ، وما بعدها.
(3) المصدر السابق (ص: 27-30) .
(4) المصدر نفسه (ص: 27) .
(5) نفسه (ص: 39) .
(6) نفسه (ص: 61) .
(7) نفسه (ص: 85) .
(8) نفسه (ص: 90) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 621)
أبو حامد الغزالي: ت 505هـ
هو الشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، ولد بمدينة طوس سنة 450هـ، توفي والده وهو صغير، وكان قد أوصى إلى صديق له صوفي بكفالة ولده محمد وأخيه أحمد، وأن يعنى بتعليمهما، وبقيا تحت رعاية هذا الرجل - وكان فقيراً- حتى نفد المال الذي تركه والدهما، فطلب منهما أن يذهبا إلى إحدى دور العلم، فبدأ الغزالي بالدراسة على الفقيه علي بن أحمد الراذكاني بطوس، وكان ذلك سنة 465هـ ثم رحل إلى جرجان حيث طلب العلم على الشيخ الإسماعيلي - إسماعيل بن مسعدة - (1) ، فلما كان عام 473هـ، اتجه أبو حامد إلى نيسابور يطلب العلم على أبي المعالي الجويني - رئيس المدرسة النظامية فيها - وأصبح أشهر تلاميذه وأكثرهم نبوغاً، ولما توفي الجويني سنة 478هـ، رحل إلى عسكر نيسابور واتصل بنظام الملك هناك وناظر العلماء وبهرهم واعترفوا بمكانته، فولاه نظام الملك التدريس في نظامية بغداد، فقدم الغزالي بغداد سنة 484هـ وصار يدرس فيها الفقه والأصول وعلم الكلام، فتكونت له بذلك شهرة عالية وجاه عريض ومنزلة رفيعة، وفي أثناء ذلك أخذ يعيش صراعاً باطنياً بينه وبين نفسه مما أدى إلى عزوفه عما هو في وميله إلى العزلة والتصوف، فرحل سنة 488هـ عن بغداد - وترك أخاه أحمد يتولى التدريس مكانه - وتوجه إلى الشام فنزل دمشق، ثم ذهب إلى بيت المقدس، واستمرت عزلته هناك قرابة عشر سنين، حيث رجع إلى بغداد وأقام زمناً يسيراً ثم ارتحل سنة 499هـ إلى نيسابور - بأمر من بعض سلاطينها - ليتولى الإمامة والتدريس في نظاميتها، ثم لم يلبث زمناً قصيراً حتى رجع إلى بلده طوس حيث بنى بجوار بيته مدرسة وخانقاه (2)
للصوفية، وأقبل على علوم الآخرة والحديث حتى توفي سنة 505هـ (3) .--------------------------------------------
(1) توفي سنة 477هـ، انظر: العبر (2/336) ، والشذرات (3/354) .
(2) سبق التعريف بها (ص: 143) ..
(3) ذكر الغزالي جوانب مهمة من حياته في كتابه " المنقذ من الضلال " وهو من أهم المصادر ترجمته، انظره: (ص:77) وما بعدها - ت تحقيق صليبا عياد- وانظر: تبيين كذب المفتري (ص:291) ، المنتظم (9/168) ، وفيات الأعيان (4/216) ، المستفاد (ص:127) ، وسير أعلام النبلاء (19/322) ، وطبقات السبكي (6/191) ، والوافي (1/274) ، واتحاف السادة المتقين (1/6) ، والتاج المكلل (ص: 388) ، والطبقات العلية في مناقب الشافعية للواسطي [ترجمة الغزالي] طبعت ضمن كتاب الأعسم الفيلسوف الغزالي ص: 153-194) وغيرها، أما الكتب المعاصرة فكثيرة جداً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 622)
مؤلفات الغزالي:
تعددت كتب الغزالي ومؤلفاته، وبلغت من الكثرة والشهرة حداً كبيراً، وكل من ترجم له ذكر أسماء مؤلفاته، ومؤلفاته لكثرتها فهي أقسام:
- منها ما هو ثابت أنه من مؤلفاته.
- ومنها ما هو منحول منسوب إليه.
- ومنها ما هو مشكوك في نسبته إليه.
وقد قام محققاً المنقذ من الضلال بتعدادها، مع الإشارة إلى بعض ما هو منحول منها (1) ، كما قام عبد الرحمن بجوي بتأليف كتاب ضخم أفرده لدراسة مؤلفات الثابت منها والمشكوك فيه والمنحول (2) .. أما أشهر مؤلفات الغزالي الأشعرية فهي:
1- الأربعين في أصول الدين، وهذا الكتاب هو الجزء الثاني من كتابه الآخر " جواهر القرآن ".
2- قواعد العقائد - وكتابه العقيدة القدسية جزء منه - وقد ضم الغزالي قواعد العقائد إلى كتابه الآخر " إحياء علوم الدين " وهو ضمن المجلد الأول منه.
3- الاقتصاد في الاعتقاد.
4- تهافت الفلاسفة، نقض فيه أقوال الفلاسفة من منطلق أشعري.--------------------------------------------
(1) انظر: مقدمة تحقيق المنقذ -صليبا عياد - (ص: 52-65) .
(2) كما أنه ذكر في آخر ملاحق تحوي نصوص بعض القدماء في تعداد مؤلفاته: انظر: مؤلفات الغزالي (ص: 469) ، وما بعدها، إضافة إلى نصوص في ترجمته من مصادر مختلفة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 623)
5- فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
وللغزالي كتب أخرى كثيرة في أصول الفقه، والفقه، والفلسفة، والمنطق، والتصوف، وتفصيل الكلام حولها يضيق به هذا المقام، ولكن نشير إلى أهمها بالنسبة لمن يريد الإطلاع على فكر وأقوال الغزالي، فإضافة إلى كتبه الأشعرية السابقة هناك له.
6- المستصفى من علم الأصول، وأشهر ما فيه مقدمته المنطقية، ومباحثه الكلامية في أثنائه، وقد برر الغزالي فعل المتكلمين في كتبهم الأصولية حين خلطوا مع الأصول المباحث الكلامية بقوله: " وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة" (1) ، لكنه قال: " وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأن الفطام عن المألوف شديد … " (2) ، أما المقدمة المنطقية فالعجيب قوله فيها: " وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً " (3) ، وقد ألف كتابين آخرين مشهورين في المنطق هما: محك النظر، ومعيار العلم، وهما مطبوعان.
7 - المعارف العقلية، طبع بتحقيق عبد الكريم العثمان.
8 - مشكاة الأنوار، طبع عدة مرات منها طبعة بتحقيق أبي العلا عفيفي.
9- المقصد الأسني في شرح معاني أسماء الله الحسنى، طبع عدة مرات منها طبعة بعناية بسام الجابي.--------------------------------------------
(1) المستصفى (ص: 17) - ط الجندي-.
(2) المصدر السابق (ص: 18) .
(3) المصدر نفسه (ص:19) ، وفي جواهر القرآن (ص:21) ، حين تحدث عن محك النظر ومعيار العلم - عبارة مشابهة -
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 624)
10- ميزان العمل، طبع عدة مرات، منها طبعة بتحقيق سليمان دنيا، وأخرى بتحقيق سليمان البواب.
11- المضنون به على غير أهله، وهذا الكتاب مثار جدل قديم وحديث حول نسبته إلى الغزالي، والمطلع على كتب الغزالي الأخرى - خاصة التي تجمع بين الفلسفة والتصوف - يترجح لديه صحة نسبته إليه - والله أعلم، وقد طبع الكتاب عدة مرات، آخرها بعناية وضبط رياض العبد الله.
12- المضنون الصغير، المسمى: الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية، طبع ضمن القصور العوالي الجزء الثاني.
13- معارج القدس في مدارج معرفة النفس - ط مكتبة الجندي -.
14- قانون التأويل، طبع مع الكتاب السابق.
15- وهناك كتب في الرد على الباطنية ومنها الكتابان المشهوران: فضائح الباطنية، والقسطاس المستقيم، وهما مطبوعان.
16- إلجام العوام عن علم الكلام: طبع عدة مرات منها طبعة بتعليق وتصحيح محمد المعتصم بالله البغدادي.
17 - روضة الطالبين وعمدة السالكين - طبع بتصحيح محمد بخيت -.
18- الرسالة اللدنية - طبعت ضمن القصور العوالي الجزء الأول-.
19- إحياء علوم الدين، وهو أشهر كتبه وأهمها.
20- المنقذ من الضلال، ورسائل الغزالي (1) ، ولها أهمية كبر في معرفة حياته وأحواله.--------------------------------------------
(1) ترجمت رسائل الغزالي من الفارسية إلى العربية بعنوان: فضائل الأنام من رسائل حجة الإسلام الغزالي، ترجمها الدكتور نور الدين آل علي، ط الدار التونسية 1972م، وهي رسائل متنوعة كتبها للملوك والوزراء والأمراء والفقهاء، وغالبها مما كتبه آخر عمره، ولها أهمية كبرى في معرفة آراء وأحوال الغزالي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 625)
وهناك كتب أخرى للغزال، قد يقع التردد كثيراً في نسبة بعضها إليه ومع ذلك فما سبق ذكره منها يمثل فكر وعقيدة الغزالي، وهي كتب تجمع بين المذهب الأشعري، والتصوف، والفلسفة.
منهج الغزالي ودوره في تطور المذهب الأشعري:
هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات مستقلة، وقد كتبت حوله بحوث ودراسات عديدة تشعبت بأصحابها المناهج والنتائج (1) ، ولضيق المقام هنا نشير إلى الملاحظات التالية:
أولاً: يعتبر الغزالي أحد أعلام الأشاعرة والذين دافعوا عن المذهب الأشعري ضد مناوئيه من مختلق الطوائف، ولذلك سمي أحد أشهر كتبه الأشعرية بالاقتصاد في الاعتقاد ليكون مقتصداً ووسطاً كما يقول بين الحشوية من جهة والمعتزلة والفلاسفة من جهة أخرى (2) ، والغزالي لم يأتِ بجديد فيما يتعلق بمذهب الأشاعرة، بل جاءت كتبه واستدلالاته ملخصة عمن سبقه من أعلام الأشاعرة مع صياغة جديدة وأسلوب سهل، والملاحظ في مذهبه تركيزه على:
1- قوله بصحة إيمان المقلد - خلافاً للمشهور من مذهب جمهور الأشاعرة - بل يرى أن فئات من الناس آمنوا بالله وصدقوا برسله واعتقدوا الحق واشتغلوا بالعبادة أو الصناعة " فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه، ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم [أي علم الكلام بأدلته] ، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر--------------------------------------------
(1) منها على سبيل المثال: الأخلاق عند الغزالي، زكي مبارك، والحقيقة في نظر الغزالي، سليمان دنيا، والفيلسوف الغزال، إعادة تقويم لمنحني تطويره الروحي، عبد الأمير الأعسم، والغزالي: البارون كارادوفو، ترجمة عادل زعيتر= =ومنهج البحث عن المعرفة عند الغزال، فكتور سعيد باسيل، ومنهاج البحث عند الغزالي، عادل زعبوب، ومفهوم السببية عند الغزالي، أبو يعرب المرزوقي، وهناك دراسة مهمة عن الغزالي لحسام الألوسي، نشر فصلاً منها في كتابه دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي وعنوانه: الغزالي مشكل وحل، والمنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارات محمود زقزوق، وغيرها كثير جداً.
(2) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 3) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 626)
من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني " (1) ، وفي الأربعين يقول بعد ذكره عشرة أصول على وفق مذهب الأشاعرة: " ووراء هذه العقيدة الظاهرة رتبتان: إحدهما: معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية: معرفة أسرارها، ولباب معانيها، وحقيقة ظواهرها والرتبتان جميعاً ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرى غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما " (2) ، وكتاب الأربعين من كتب الغزالي المتأخرة التي جمعت بين إيضاح المذهب الأشعري مع آرائه الأخيرة في مسائل التصوف والكشف والذوق.
2- تأكيده لإنكار السببية، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها لأمرين:
الأول: إثبات المعجزات، التي هي في الحقيقة خوارق للعادات المعهودة، فحتى تربط هذه المعجزات بالله وقدرته بحيث يقلب العصا حيّة، ويشق القمر وغيرها من الأمور الخارقة لابد من ربط هذا بإنكار التلازم الذي يدعيه الفلاسفة وغيرهم بين السبب والمسبب (3) .
والثاني: إثبات قدرة الله الشاملة، وإبطال التولد الذي قال به المعتزلة، فالفاعل والخالق لكل شيء هو الله تعالى وهذا بناء على مذهبهم في القدر الذي يميل إلى الجبر (4) .
وقد شرح الغزالي هذه النظرية في معرض رده على الفلاسفة، وأطال--------------------------------------------
(1) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 8) .
(2) الأربعين في أصول الدين (ص: 20) .
(3) انظر: تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية (ص: 104) ، وكلامه مبني على كلام الغزالي في التهافت (ص: 236) .
(4) انظر: تهافت الفلاسفة (ص: 238-251) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 627)
فيها (1) ، فلما ألف معيار العلم - وهو متأخر عن مقاصد الفلاسفة والتهافت - ذكر دليل المجريات - كجزء من الأدلة اليقينية الصادقة (2) - قال: " فإن قال قائل: كيف تعتقدون هذا يقيناً، والمتكلمون شكوا فيه وقالوا: ليس الجز سبباً للموت، ولا الأكل سبباً للشبع، ولا النار علة للإحراق، ولكن الله تعالى يخلق الاحتارق والموت والشبع عند جريان هذه الأمور؟ قلنا: قد نبهنا على غور هذا الفصل وحقيقته في كتاب " تهافت الفلاسفة " والقدر المحتاج إليه الآن، إن المتكلم إذا أخبره بأن ولده جزت رقبته لم يشك في موته وليس في العقلاء من يشك فيه، وهو معترف بحصول الموت، وباحث عن وجه الاقتران، وأما النظر في أنه هل لزوم ضروري، ليس في الإمكان تغييره؟ أو هو يحكم جريان سنة الله تعالى لنفوذ مشيئته الأزلية التي لا تحتمل التبديل والتغيير، فهو نظر في وجه الاقتران، لا في نفس الاقتران، فليفهم هذا، وليعلم أن التشكك في موت من جزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه " (3) ،وفي التهافت قال في جواب اعتراض " ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة، يجوز أن تقع، ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها، مرة بعد أخرى، يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسيخاً لا تنفك منه " (4) ،
وهذا النصوص تدل على أن فهم الغزالي للسببية ليس كما يتصوره بعض من ينتصر للفلسفة اليونانية (5) ، وليس أيضاً كما فهمه بعض أتباع الأشاعرة الذين أخذوا يشككون في حقائق الأشياء حتى إن بعضهم يقول: هذا ثوب إن شاء الله، ومع ذلك فالغزالي وإن استدرك على نفسه ما يبعد عنها تهمة إنكار السببية (6) ، إلا أن تأصيل هذه النظرية وشرحها كان له ---------------------------------------------
(1) انظر: تهافت الفلاسفة (ص: 235) ، وما بعدها.
(2) انظر: معيار العلم (ص: 186) ، - ت سليمان دنيا -.
(3) معيار العلم (ص: 190-191) .
(4) تهافت الفلاسفة (ص: 245) ..
(5) كابن رشد انظر: تهافت التهافت (ص: 777-788) ، وانظر: مفهوم السببية عند الغزالي للمرزوقي (ص: 51-67) ، وانظر: ابن رشد والغزالي، التهافتان ليو حنا قنبر (ص: 31) .
(6) انظر: المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت (ص: 181-188) ، وتاريخ الفلسفة في الإسلام دي بور (ص: 338-339) ، تعليقات المترجم - ط الخامسة-.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 628)
على ما أظن - تأثير كبير في الفكر الصوفي - بعد الغزالي - حين أصبحت الكرامات والخوارق المزعومة للأولياء مقبولة مهما كان فيها من مخالفة للشرع والعقل.
3- مجيئه بقانون التأويل الكلامي حين يتعارض - وبالأصح حين يتوهم التعارض - بين العقل والنقل، والغزالي وإن كان مسبوقاً إلى هذا القانون (1) ، إلا أنه ألف فيه رسالة مستقلة كانت على إثر أسئلة سألها أحد تلاميذه (2) ، وفي هذه الرسالة ذكر فرق الناس في هذه المسألة، ورجح قول الفرقة الخامسة التي قال عنها " هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول الجاعلة كل واحد منهما أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع، وكونه حقاً، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل، وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً.." (3) ، وبعد أن يذكر صعوبة هذا المسلك أوصى بعدة وصايا منها: " الوصية الثانية أن لا يكذب برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع" (4) ،
وقد تأثر بهذا القانون جمهرة الأشاعرة بعد الغزالي، ومن--------------------------------------------
(1) من الفلاسفة ابن سينا، حيث يقول في الأضحوية في المعاد: " أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة" (الأضحوية ص: 97 ت حسن عاصي) ، ومن المتكلمين الجويني في الإرشاد، انظر: (ص: 358-360) .
(2) وهو أبو بكر بن العربي، وفي المعيار المعرب (11/23-24) ، نقل نص جواب للغزالي على أحد أسئلة ابن العربي وهذا النص أخّر قانون التأويل للغزالي (ص: 345-346) ، وممن نبه إلى أن السائل ابن العربي ابن تيمية في الدرء (1/5) وانظر: الدراسة الواردة في مقدمة تحقيق قانون التأويل لابن العربي (ص: 244) .
(3) قانون التأويل للغزالي (ص: 238-239) ، - ط في ذيل معارج القدس - مكتبة الجندي.
(4) قانون التأويل للغزالي (ص: 240) ..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 629)
أبرزهم تلميذه، أبو بكر بن العربي (1) ، والرازي (2) ، وغيرهم، وهذا القانون أصبح فيما بعد أحد ركائز العقيدة الأشعرية وأخطرها وأعظمها أثراً، ولذلك أفرده شيخ الإسلام ابن تيمية بمؤلفه الكبير " درء تعارض العقل والنقل ".
4- ومن أهم سمات منهج الغزالي أنه حول المعركة - التي كانت تدور فيما سبق بين الأشاعرة والمعتزلة - إلى معركة بين الأشاعرة والفلاسفة، وكتاب تهافت الفلاسفة يعتبره الأشاعرة بدءاً من الغزالي نفسه أحد الكتب المؤيدة لمذهبهم، وقد ألفه الغزالي في المرحلة التي كان فيها أستاذ المدرسة النظامية -الأشعرية- دون منازع (3) ، والذي ينبغي أن يلاحظ أمران:
أحدهما: أن الغزالي ناقش الفلاسفة بمختلف المناهج، ولذلك قال في المقدمة الثالثة في كتابه: " ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية من التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فإلزامهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطوراً مذهب الواقفية، ولا أتنهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل الجميع ألباً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد " (4) ، ومع ذلك فالغزالي غلب منهج الأشاعرة، واستفاد من منهجه السابق في الهروب من تحديد مذهبه الذي يؤمن به في القضايا المطروحة ولذلك قال في جواب أحد الاعتراضات عليه: " نقول: نحن لم نخض في هذا--------------------------------------------
(1) انظر: كتابه قانون التأويل (ص: 452-576-646) ، وانظر: كتاب مع القاضي أبي بكر ابن العربي سعيد اعراب (ص: 43) .
(2) انظر: أساس التقديس للرازي (ص: 220-221) ، - ت السقا - و (ص:172-173) ، - ط الحلبي -.
(3) ولذلك قرر في كتابه التهافت مذهب الأشاعرة مثل قضية السببية، ومثل مسألة تأويل الصفات. انظر: (ص: 293) .
(4) تهافت الفلاسفة (ص: 82-83) ، - ت سليمان دنيا -.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 630)
الكتاب خوض الممهدين، بل خوض الهادمين المعترضين، ولذلك سمينا الكتاب " تهافت الفلاسفة " لا تمهيداً لحق، فليس يلزمنا الجواب عن هذا" (1) .
والثاني: أن الغزالي ألف هذا الكتاب بعد دراسته للفلسفة ليستفيد منها ولا شك أنه تأثر بها أيما تأثر، أما رده عليها فبناء على العقيدة التي يظهرها للعوام -كما هو مذهبه في أن للإنسيان ثلاث عقائد - ولذلك قال في مقدمة التهافت بعد ذكره لانتشار أقوال الفلاسفة وإعجابهم بأنفسهم: " فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضاً على هؤلاء الأغبياء انتدبت لتحرير هذا الكتاب، رداً على الفلاسفة القدماء " (2) ، وهذا يشبه موقفه من الباطنية -الذين انتشرت دعوتهم في زمنه انتشاراً عظيماً - يقول عنهم: " وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعن لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطلع على ما في كنانتهم، ثم اتفق أن ورد على أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف حقيقة مذهبهم، فلم يسعني مدافعته " (3) ، ثم بين أن هذا الأمر جاء موافقاً لما في نفسه من معرفة مذهبهم - ليستفيد منه - فقال: " وصار ذلك مستحثاً من خارج ضميمة للباعث الأصلي من الباطن " (4) ، وهذا يوافق قوله في فضائح الباطنية: " فكانت المفاتحة بالاستخدام في هذا المهم في الظاهر نعمة أجابت قبل الدعاء، ولبت قبل النداء، وإن كانت في الحقيقة ضالة كنت أنشدها، وبغية كنت أقصدها" (5) .
فدراسة الغزالي لمذهب الباطنية جاء عن رغبة باطنة في الاستفادة مما قد يكون عندهم من معارف، وهذا يشبه ما فعله مع الفلاسفة، ومما يلاحظ أنه في رده على الباطنية انطلق من منطلق أشعري، وهذا واضح في كتابيه فضائح--------------------------------------------
(1) تهافت الفلاسفة (ص:180) .
(2) المصدر نفسه (ص:75) .
(3) المنقذ من الضلال (ص: 118) ، - ت صليبا وعياد - والكتاب الذي ألفه: فضائح الباطنية انظره: (ص: 2-3) .
(4) المنقذ من الضلال (ص: 118) .
(5) فضائح الباطنية (ص: 3) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 631)
الباطنية (1) ، والقسطاس المستقيم (2) - الذي هو عبارة عن مناقشة ومحاورة بينه وبين أحد دعاة التعليم من الباطنية -، وهو بهذا الكتاب يحيل على كتابيه المنطقيين " محك النظر" و " معيار العلم" (3) .
فالغزالي ينطلق في ذلك من منطلق عقيدة العوام التي هي عقيدة الأشاعرة، ولذلك يقول في جواهر القرآن عن علم محاجة الكفار ومجادلتهم: " ومنه يتشعب علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات، ويتكفل به المتكلمون، وهذا العلم شرحناه على طبقتين: سمينا الطبقة القريبة منهما الرسالة القدسية، والطبقة التي فوقها الاقتصاد في الاعتقاد، ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً (4) بكشف الحقائق، وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفناه في تهافت الفلاسفة، والذي أوردناه في الرد على الباطنية في الكتاب الملقب بالمستظهري وفي كتاب حجة الحق، وقواصم الباطنية، وكتاب مفصل الخلاف في أصول الدين، ولهذا العلم آلة يعرف بها طريق المجادلة، بل طرق المحاجة بالبرهان الحقيقي، وقد أودعناه كتاب " محك النظر "، وكتاب معيار العلم على وجه لا يلفي مثله للفقهاء والمتكلمين ولا يثق بحقيقة الحجة والشبهة من لم يحظ بهما علماً" (5) .
ثانياً: هناك مشكلة تتعلق بحقيقة مذهب الغزالي، هل هو المذهب الأشعري الذي تبناه ظاهراً ودافع عنه كثيراً (6) ، أم له مذهب آخر يذكره--------------------------------------------
(1) انظر: - من هذا الكتاب - (ص: 154) حول تأويل الصفات.
(2) بنى الغزالي كتابه هذا على المنطق، وغير في الألفاظ فقط حيث أتى بألفاظ من القرآن، وقد اعترف بذلك (ص: 67) ، بل وصرح أنه قد قال بهذه الموازين من سبقه من الأمم الخالية، أما منطلقه الأشعري فواضح انظر: (ص: 55-56) حيث أشار إلى دليل حدوث الأجسام وفسر به الأفوال في قصة إبراهيم عليه السلام، (ص: 94-95) ، مسألة الصلاح والأصلح.
(3) انظر: القسطاس المستقيم (ص: 71-75) .
(4) كذا، ومثله في -ط الجندي - (ص: 24) ، ولعل صوابها: مليئاً، أو ملماً.
(5) جواهر القرآن (ص: 21) .
(6) انظر في أسباب تبنيه للمذهب الأشعري، منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي، فكتور سعيد باسل (ص: 237-239) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 632)
لخاصته وأومأ إليه في كثير من كتبه؟ يقول الغزالي في كتابه ميزان العمل الذي ألفه بعد معيار العلم، لأن السعادة عنده إنما تكون بالعلم والعمل (1) - ميزان العمل من كتب الغزالي الصوفية - يقول في آخره: " لعلك تقول: كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقاً فكيف يتصور هذا؟ وإن كان بعضه حقاً فما ذلك الحق؟ فيقال لك: إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذ الناس فيه فريقان:
فريق يقول: المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب:
أحدهما: ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات.
والأخرى: ما يسار به في التعليمات والإرشادات.
والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات".
ثم شرح هذه المراتب بقوله: " ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار: فأما المذهب بالاعتبار الأول: هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب البلد الذي فيه النشوء، وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين، فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية، انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له، والذب دونه، والذم لما سواه … المذهب الثاني: ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على من جاء مستفيداً مسترشداً، وهذا لا يتعين على وجه واحد بل يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه.. المذهب الثالث: ما يعتقد الرجل سراً بينه وبين الله عزوجل لا يطلع عليه غير الله تعالى ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الإطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه " (2) ، ثم ذكر قول الفريق الثاني الذين--------------------------------------------
(1) انظر: معيار العلم (ص: 348) ، آخر الكتاب.
(2) ميزان العمل (ص: 405-408) ، - ت سليمان دنيا -.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 633)
يقولون المذهب واحد، ثم ذكر أن الأولين يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب لم يجز أن يذكروا إلا مذهباً واحداً (1) .
إن هذا الكلام يفيد في معرفة وتحليل ذلك التناقض العجيب في كتبه.
ثالثاً: الشك عند الغزالي.
وقد احتلت هذه المسألة مكاناً بارزاً لدارسي الغزالي، بل وكثرت المقارانات بينه وبين ديكارت (2) ، صاحب الفلسفة المعروفة التي قال فيها: " أنا أفكر، إذن فأنا موجود " (3) ، بل أثبت أحد الباحثين أن ديكارت قد اطلع على كتاب الغزالي "المنقذ من الضلال" وأنه اقتبس منه فكرة الشك (4) ، والكلام حول شك الغزالي وكنهه وإلى أي مدى كان يطول، ولكن الثابت أن منهج الشك عند الغزالي تمثل في أمرين:
أحدهما: عملي، وهو ما عايشه وسطره بوضوح في كتابه المنقذ من الضلال (5) ، ويلاحظ هنا أن الغزالي يشرح ما جرى له، ولذلك سماه داءً ومرضاً.--------------------------------------------
(1) انظر: ميزان العمل (ص: 408-409) .
(2) اسمه رينه ديكارت، فيلسوف فرنسي ولد سنة 1596م، وتوفي سنة 1650، يعرف بأنه أبو الفلسفة الحديثة، من أهم كتبه: مقال عن المنهج، وتأملات في الفلسفة الأولى، وهما مترجمان ومطبوعان، انظر: في فلسفته وترجمته: أعلام الفلسفة الحديثة، رفقي زاهر (ص: 43) ، وقصة الفلسفة الحديثة (1/65) ، وتاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم (ص:58) .
(3) مقال عن المنهج لديكارت (ص: 51) ، ترجمة محمود الخضيري، وانظر أيضاً: كتابه الآخر: التأملات في الفلسفة الأولى (ص: 93) ، وما بعدها ترجمة عثمان أمين، وانظر: ديكارت والعقلانية: جنفياف لويس (ص: 37) ، ترجمة عبده الحلو، ودراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة يحيى هويدي (ص: 5) ، وما بعدها.
(4) انظر: المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت (ص: 17-20) - ط الثالثة -.
(5) انظر: المنقذ (ص: 81-87) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 634)
والثاني: شك منهجي، وهو الذي أشار إليه في بعض كتبه، ومن ذلك قوله: " ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال، نعوذ بالله من ذلك " (1) ، وهذا الشك هو الذي يذكر في أول واجب على المكلف، هل هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، وإذا كان الأول والثاني قد أخذ به بعض الأشاعرة فإن الثالث - وهو الشك- إنما يؤثر القول به عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي (2) .
رابعاً: تصوف الغزالي وفلسفته.
بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءاً منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ - بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته -: " ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به " ثم يشرح ويوضح فيقول:--------------------------------------------
(1) ميزان العمل للغزالي (ص:153) ، - ت البواب -، وانظر: الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل للفيومي (ص: 107) .
(2) انظر: الشامل (ص: 121) ، وأبكار الأفكار (ج- 1 - ل31 أ) ، وشرح المواقف (1/278) ، ودرء التعارض (7/419) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 635)