Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
" وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه " - ثم يوضح أكثر فيقول: " ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه.." (1) ، ما نوع تصوف الغزالي الذي يقول فيه هذا الكلام - خاصة المقطع الأخير منه -؟.
لقد كان التصوف قبله متمثلاً بتصوف المحاسبي، ثم القشيري، وقد سبق حقيقة تصوفهما، وما يحمله من بدع مخالفة للسنة، فهل كان تصوف الغزالي من هذا النوع، أم كان تصوفاً من نوع آخر.
إن هناك من يدافع عن الغزالي، ويرى أن تصوفه تصوف سني، وأنه هاجم الفلاسفة والمتكلمين لنصرة طريق الصوفية (2) ، ولكن المطلع على كتبه - وما ألفه منها للخاصة - كمشكاة الأنوار، والمعارف العقلية، وميزان العمل، ومعارج القدس، وروضة الطالبين، والمقصد الأسني، وجواهر القرآن، والمضنون به على غير أهله، يرى شيئاً آخر غير التصوف المعروف.--------------------------------------------
(1) المنقذ من الضلال (ص: 139-140) .
(2) مثل عبد الحليم محمود وتلامذته، انظر: مقدمات تحقيق المنقذ من الضلال، عبد الحليم محمود (ص: 17) ، وما بعدها، (ص: 58) ، وما بعدها، وانظر: التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، عبد الحليلم محمود (ص: 174-179) ، وانظر: الفلسفة الإسلامية بين التقليد والابتكار: عبد الرحمن عميرة (ص: 48) ، وما بعدها، والإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالشك (ص: 177) ، وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 636)

إن مفتاح معرفة شخصية الغزالي أمران:
أولهما: ما سبق نقله عنه من أن لكل رجل كامل ثلاث عقائد، إحداها ما يتظاهر به أمام العوام ويتعصب، والثانية: ما يسار به في التعليم والإرشاد - وهو يختلف بحسب حال المسترشد الطالب -،والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه ولا يطلع عليه إلا من هو شريكه في المعرفة، إذن الغزالي -حتماً - يخفي جوانب خاصة وسرية من عقيدته.
والثاني: جمع أقواله ولمحاته - التي يشير دائماً إلى سريتها والضن بها - ثم مقارنتها بأقوال من سبقه من الفلاسفة - المائلين إلى الإشراق والتصوف - كابن سينا وغيره، وقد تنبه إلى هذا المنهج بعض الباحثين (1) ، ونحن هنا نذكر نماذج فقط من أقواله التي تدل على أن تصوفه كان تصوفاً فلسفياً إشراقياً، وإن هجومه على الفلاسفة في التهافت لم يكن إلا بمنهج النوع الأول من العقيدة -لكل إنسان - وهي العقيدة التي يتعصب لها ويذب عنها:
1- يقول الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين عن علم المكاشفة: " هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذلك، حتى تحصل المعرفة الحقيقة بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض..الخ" ثم يقول عن هذه الكشوفات التي تحصل: " وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها--------------------------------------------
(1) من هؤلاء سليمان دنيا في كتابه: الحقيقة في نظر الغزالي (ص:149) ، وما بعدها، وحسام الألوسي في كتابه عن الغزالي، انظر: دراسات (ص: 237) ، وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 637)

من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، علي سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي … " (1) ، إن هذا الكلام الخطير يقوله الغزالي في أهم وأشهر كتاب من كتبه، وقد ألفه في أواخر عمره بعد عزلته ورجوعه إلى بغداد، ومما يلاحظ أن لفتات كثيرة تشبه هذا الكلام جاءت متفرقة في هذا الكتاب الكبير (2) .
2- ويقول في كتابه مشكاة الأنوار وهو من كتبه التي ألفها للمخاصة ولذلك يقول في مقدمته: " أما بعد فقد سألتني أيها الأخ الكريم.. أن أثبت إليك أسرار الأنوار الإلهية، مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية "، ثم يقول: " ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعباً تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين، وقرعت باباً مغلقاً لا يفتح إلا للعلماء الراسخين، ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار، ولقد قال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر … " (3) ، وبعد أن يذكر تأويلات باطنية وفلسفية عجيبة يقسم الناس - في آخر الكتاب - إلى أصناف، ومنهم المحجوبون بمحض الأنوار، وهؤلاء أيضاً أصناف وبعد أن يذكر الصنف الأول والثاني يقول: " والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا: إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين، وعبادة له وطاعة من عبد من عباده يسمى: ملكاً، نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك، ويكون الرب تعالى محركاً للكل بطريق الأمر، لا بطريق المباشرة، ثم في تقسيم ذلك الأمر وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الأفهام ولا يحتمله هذا الكتاب"، ثم يقول: " فهؤلاء الأصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة، وإنما الواصلون صنف رابع تجلى لهم أن هذا " المطاع " موصوف بصفة--------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين (1/20-21) .
(2) انظر على سبيل المثال: (1/100،104، 4/241) .
(3) مشكاة الأنوار (ص:39) ، - ت أبو العلا عفيفي-.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 638)

تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ لسر لا يحتمل هذا الكتاب كشفه، وإن نسبة هذا المطاع نسبة الشمس في الأنوار … " (1) ، وهذا المطاع هو العقل الأول عند الفلاسفة (2) .
3- وفي معارج القدس - وهو من كتبه الفلسفية الخاصة - ينهج فيه نهج الفلاسفة في بحوثهم عن النفس الإنسانية، ويذكر خصائص النبوة، وأنها ثلاث: قوة التخيل وقوة العقل، وقوة النفس (3) - وهذا نفسه هو كلام الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة -، ويفسر الغزالي آية النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} (النور:35) ، بقوله: " فالمشكاة مثل العقل الهيولاني، فكما أن المشكاة مستعدة لأن يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل … ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور، نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري، ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة إليه كالسرج بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض، فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية " (4) ، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، ومنها يتضح ما يقصده الغزالي بالأسرار، والتي يقول فيها في كتابه المعارف العقلية: " وهذا القدر الذي كتبنا وذكرنا في هذه الأوراق نخبة أسرار غير مكتوبة، وإشارات مكنونة ورموز مستورة.. ولا يحل أن يوضع الورد بين الحمير، ويطرح الدر في فم الخنزير" (5) ، وقد صرح في كتابه هذا بأمور غريبة وعجيبة حقاً (6) .
4- ويقول الغزالي في كتابه - جواهر القرآن - " وهذه العلوم الأربعة أعني علم الذات والصفات والأفعال وعلم المعاد أودعنا من أوائله ومجامعه القدر--------------------------------------------
(1) مشكاة الأنوار (ص: 91) ، وانظر: رسائل الغزالي (ص:54-55) .
(2) انظر: دراسات في الفكر الفلسفي، الألوسي (ص: 248) .
(3) انظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس (ص: 151) ، -ط مكتبة الجندي -.
(4) معارج القدس في مدارج معرفة النفس (ص: 164-165) .
(5) المعارف العقلية (ص: 108-109) ،- ت عبد الكريم العثمان -.
(6) انظر: المصدر السابق (ص: 27-34، 66، 70) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 639)

الذي رزقنا منه مع قصر العمر وكثرة الشواغل والآفات وقلة الأعوان والرفقاء بعض التصانيف، لكنا لم نظهره، فإنه يكل عنه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، وهم أكثر المترسمين بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من اتقن علم الظاهر، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة حتى ارتضت نفسه واستقامت على سواء السبيل "، ثم يقول محذراً: " وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات " (1) .
وفي إلجام العوام عن علم الكلام، مع أنه كتاب في المنع من علم الكلام أن يدرس للعامة إشارات عديدة إلى مثل هذه العلوم المستورة (2) .
5- وفي روضة الطالبين: يشرح بشكل واضح كيف تتم الكشوف، والعقبات التي تحول دونها، وهي ست عقبات، وماذا يحصل لكل من تجاوز عقبة من عقبات وكيف يصل إلى السكر والفناء (3) ، وفي كلامه عن الروح ولماذا منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إفشاء سر الروح، قسم الناس إلى أعوام وخواص، ثم ذكر من ترقى عن العامية قليلاً من المعتزلة والأشعرية ثم قال: " فإن قيل لمَ لا يجوز كشف السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص " (4) ، والغزالي في " المقصد الأسني " وإن رد على الاتحادية أو أصحاب وحدة الوجود (5) ، إلا أنه ذكر أموراً فلسفية وأشار إلى سريتها، فصرح بأن الله معشوق - كما يقوله الفلاسفة (6) - ولما أشار إلى أبدية الإنسان وأنه لا سبيل عليه للعدم قال: " وكشف ذلك بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب " (7) .--------------------------------------------
(1) جواهر القرآن (ص: 25) - ط دار الآفاق الجديدة -.
(2) انظر: إلجام العوام عن علم الكلام (ص: 60، 70) - ط دار الكتاب العربي -.
(3) انظر: روضة الطالبين (ص: 8-13) .
(4) روضة: الطالبين (ص: 69) .
(5) انظر: المقصد الأسني (ص: 128-152-156) - عناية بسام الجابي -.
(6) انظر: المصدر السابق (ص: 116) .
(7) انظر: المصدر نفسه (ص: 124) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 640)

6- وهذا الذي ذكره الغزالي في كتبه هو ما يؤكده تلاميذه ومنهم ابن العربي الذي يقول عنه -بعد أن لقيه وتتلمذ عليه - " ولا ينكر أحد من الإسلاميين، لا من الفقهاء، ولا من المتكلمين، أن صفاء القلب وطهارته مقصود شرعي، إنما المستنكر أن صفاءه يوجب تجلي العلوم فيه بذته " (1) ، ثم يقول - بعد ذكر الطائفة الثانية من المتصوفة كالمحاسبي والقشيري -: " ونجمت في آثارهما أمم انتسبت إلى الصوفية، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرف، وقالوا - كما تقدم - لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علماً دائماً مستمراً حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء ويسمع كلامهم، ووراء هذا علو ينتهي بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات إذ كان من المجوزات "، ثم قال: " ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخر سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين … فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه، مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته؛ فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو: أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه، عند مقابلتها عرياً عن الحجب، كالمرآة في ترائي المحسوسات عند زوال الحجب "، ثم يقول ابن العربي: " قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية--------------------------------------------
(1) العواصم من القواصم (ص: 22-23) - ت عمار الطالبي -.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 641)

موجدة..
" (1) ، وهذه الأقوال موجودة في كتبه (2) ، وقد نقلنا ما يشبهها سابقاً.
7- ومن الأمور الخطيرة في مذهب الغزالي ميله إلى تأويل عذاب القبر، وعذاب النار ونعيم الجنة، بتأويلات قرمطية باطنية، حتى ذكر في المضنون به على غير أهله: أن نصوص النعيم " مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة " (3) ، ويقول: " والرحمة الإليهة ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملته أفهامهم " (4) ، ولا يقول قائل: إن هذا في كتاب المضنون - وهو مشكوك في صحة نسبته إلى الغزالي - لأن الغزالي صرح بشيء من ذلك في كتابه الأربعين - الذي لا يشك أحد في نسبته إليه - فقال: " أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهوكذلك، ولكني أراك عاجزاً عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقاً لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون " (5) ، ثم يضرب مثالاً، ويؤوله ثم يقول: " لعلك تقول: قد أبدعت قولاً مخالفاً للمشهور، منكراً عند الجمهور، إن زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكاً مجاوزاً حد تقليد الشرائع، فهل يمكنك -إن كان كذلك - حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور، فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم، ومحل--------------------------------------------
(1) العواصم من القواصم (ص: 30-32) .
(2) انظر مثلاً: مقاصد الفلاسفة (ص: 377) ، والعجيب أن ابن العربي - المالكي - تأثر بالغزالي في كتابه قانون التأويل، (ص: 470-479) ، وإن كان قد رد على الغزالي في ما يشبه هذه المسائل، انظر: قانون التأويل (ص: 498) ، وما بعدها (ص: 552) ، وانظر: الدراسة التي في أول الكتاب - للمحقق - (ص: 340-349) .
(3) المضنون به على غير أهله (ص: 117) .
(4) المصدر السابق (ص: 121) .
(5) الأربعين (ص: 112) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 642)

ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم وإنما يسافر منهم الآحاد "، ثم يذكر كيف يترقى الإنسان حتى " يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال، وهذا العالم لا نهاية له " (1) ،
ولا شك أن مذهب الغزالي الفلسفي الصوفي قادة إلى مثل هذه التأويلات الخطيرة (2) - نعوذ بالله من الخذلان -.
* … ... * … *
هذا هو أبو حامد الغزالي - من خلال لمحات سريعة عن منهجه وعقيدته - الذي تأثر به من جاء بعده، ويمكن تلخيص هذا التأثير بما يلي:
1- التأكيد على إنكار السببية، فقد تأثر به من جاء بعده، دون الانتباه إلى تحفظاته التي أوردها.
2- تكريس قانون التأويل الكلامي في المذهب الأشعري، وقد جاءت صياغة هذا القانون بشكل مركز على يد الرازي.
3- تحويل المعركة من معركة مع المعتزلة - والفلاسفة من باب أولى - إلى معركة مع الفلاسفة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من الأشاعرة لكنه هجوم من منطلق صوفي.
4- إنه لا مانع أن يحمل الإنسان أكثر من عقيدة - حسب الأحوال - وهذا ما نشاهد نموذجاً له عند الرازي، الذي ظهر في بعض كتبه فيلسوفاً وبعضها أشعرياً.--------------------------------------------
(1) الأربعين (ص: 215-216) ..
(2) وأخطر منها ما ذكره في المضنون من الشركيات في " التقرب لمشاهدة الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، فإن المقصود منه: الزيارة والاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أرواح الأنبياء والأئمة " (ص: 121) ، وانظر ما بعدها: وفي رسائل الغزالي (ص:85) ، ذكر أنه نذر عند تربة الخليل.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 643)

5- نقله التصوف من التصوف المعروف قبله - على ما فيه من بدع تصغر أو تكبر -إلى تصوف فلسفي إشراقي، وإذا كان هذا المذهب جاء عند الغزالي على شكل عقيدة مخفية لا يصرح بها للعوام، فإن الأشاعرة من بعده صرحوا بتبنيهم للفلسفة- أحياناً - أو لبعض آراء الفلاسفة.
6- كما أن المنطق الأرسطي - بقي بعد الغزالي - على ما صرح به الغزالي من أنه آلة، وأنه لا علاقة له بالعقيدة.
7- وأخيراً بقي الغزالي - في كتابه الإحياء خاصة - مرجعاً يرجع إليه فئات كثيرة من الناس على مختلف مشاربهم وعقائدهم، لأن كلاً منهم يجد في هذا الكتاب ما يوافق هواه (1) .--------------------------------------------
(1) ومع ذلك فهناك جمهرة من العلماء المائلين إلى المذهب الأشعري ردوا على الغزالي في كتبه، خاصة الإحياء، كما ردوا عليه بسبب ميله إلى الفلاسفة، ومن هؤلاء: محمد بن علي بن حمدين المتوفى سنة 508 هـ، الذي اطلع على كتاب الإحياء فسعي إلى الأمير علي بن يوسف تاشفين فأمر بإحراقه، فتم ذلك في سنة 503هـ، بل وأصدر أمراً إلى سائر البلاد بالأمر وإحراقه، وقد ألف ابن حمدين كتاباً في الرد على الغزالي، انظر في ترجمته: (الصلة لابن بشكوال 2/570، وسير أعلام النبلاء 19/422) ، وفي مسألة الإحراق الحال الموشية ص: 104، (وسيأتي مصادر أخرى لقصة= =الإحراق في ترجمة ابن تومرت) ، ومن العلماء الذين ردوا على الغزالي: أبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة 520هـ، حيث كتب رسالة حط فيها من الغزالي وبرر قصة إحراق كتابه، (انظر: هذه الرسالة في المعيار المعرب 12/186-187، وانظر سير أعلام النبلاء 19/490) ، ترجمة الطرطوشي، وفي (ص: 495) ، ذكر الذهبي عنه أنه قال عن إحياء علوم الدين: " وهو لعمرو الله أشبه شيء بإماتة علوم الدين"، ومن العلماء أيضاً: الإمام المازري المتوفى سنة 536هـ، الذي رد على الغزالي وألف كتاباً سماه: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وقال عن الغزالي: إنه: " قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين، فكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني، وتسهيلاً للهجوم على الحقائق "، ثم إن له عكوفاً على رسائل إخوان الصفا، وإنه يعول على كتب ابن سينا (انظر: طبقات السبكي 6/241، وانظر: كتاب: المازري، الفقيه والمتكلم وكتابه المعلم، لمحمد الشاذلي النيفر ص: 67 وما بعدها) ، ومنهم ابن صلاح كما في سير أعلام النبلاء 19/329، ومنهم القاضي عياض كما في السير أيضاً (19/327) ، ومنهم أبو بكر بن العربي كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 644)

‌‌أعلام الأشاعرة في الفترة بين الغزالي والرازي:
-‌‌ ابن تومرت ت 524هـ.
- أبو بكر بن العربي ت 534هـ.
- الشهرستاني ت 548هـ.
- ابن عساكر ت 571هـ.
ليس المقصود استيفاء أعلام الأشاعرة في كل زمن، وإنما الغرض من هذا الفصل الإشارة إلى أشهر رجالهم الذي كان لهم أثر في المذهب الأشعري وتطوره، لذلك سنختصر الحديث عن هؤلاء، وإن كان كل واحد منهم قد يفرد ببحث مستقل.
أما ابن تومرت (1) فشهرته جاءت كمؤسس لدولة الموحدين، التي قامت على أنقاض دولة المرابطين - التي كانت دولة سنية -، وحادثة إحراق كتب الغزالي، وعلى رأسها الإحياء - مشهورة (2) ، وسبب إحراقها ما حوته من تأويل وأقوال مخالفة لمذهب السلف، فلما جاء ابن تومرت- الذي ذكر أنه لقي بعض الأشاعرة في رحلته إلى المشرق ومنهم الغزالي (3) - وبدأ ثورته--------------------------------------------
(1) سبقت ترجمته (ص: 171) .
(2) انظر في سنية دولة المرابطين: المعجب للمراكشي (ص: 255) ، وشذرات الذهب (4/71-72) ، وتاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية (1/201-208) ، وعقيدة المرشدة: عبد الله كنون ضمن نصوص فلسفية (ص: 103-104) ، أما في مسألة حرق كتب الغزالي فانظر: المعجب (ص: 255) ، والبيان المغرب لابن عذاري (4/59-60) ، والحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس: عصر المرابطين والموحدين: حسن علي حسن (ص: 450-451) .
(3) ممن ذكر لقاءه بالغزالي: ابن الأثير في الكامل (10/569) ، والمراكشي في المعجب (ص: 263) ، وابن خلدون في تاريخه (11/466) ، دار الكتاب اللبناني، والصفدي في الوافي (3/323) ، وصاحب الحلل الموشية (ص: 104-105) ، وممن أنكر لقاءه به عنان في تراجم إسلامية (ص: 242) ، والفرد بل في الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي (ص: 251) ، ويحيى هويدي في تاريخ فلسفة الإسلام (ص: 226) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 645)

ضد المرابطين أخذ يستخدم في حربهم أساليب متعددة منها رميهم بالتجسيم، وألف عقيدته المسماة المرشدة، ونجح في تأسيس دولة الموحدين فاشتهر على أنه أحد أعلام الأشاعرة، والظاهر أن تصنيفه كأحد الأعلام الذين نشروا المذهب الأشعري جاء لسببين:
أحدهما: حربه للمرابطين السنة، وكان من الأشياء التي حاربهم بها اتهامه لهم بالتجسيم والتشبيه، فهو بهذا فتح الباب لدخول التأويل الكلامي لبلاد المغرب، ولم يقتصر الأمر على هذا بل تبنى - بصفته إماماً مطاعاً - هذا الجانب، فكان لسلطته الدور الأكبر في انحسار مذهب السلف، وفشو مذاهب المتكلمين.
الثاني: تأليفه للمرشدة (1) ، وهي عقيدة - مختصرة - مستقاة من مذهب الأشاعرة، ولم يقتصر الأمر على هذا بل كان يفرض هذه العقيدة على الناس، بحيث تدرس للعوام، مما جعلها تشتهر بسرعة.
وفيما عدا ذلك فابن تومرت يبدو أقرب ما يكون إلى مذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة (2) ، وقد كان أحد أتباعه لما كتب تاريخ ابن تومرت لا يسميه إلا الإمام المعصوم (3) وليس قربه من هؤلاء بأقل من قربه من الأشاعرة.--------------------------------------------
(1) هذه العقيدة مختصرة - صفحة واحدة - قيل سميت بذلك لقوله في أولها: اعلم أرشدنا الله وإياك" انظر نصها في الحلل الموشية (ص: 117-118) ، وطبقات السبكي (8/185-186) ، وقد حققها مع دراسة واسعة عبد الله كنون - نشرت ضمن: نصوص فلسفية - الدراسة تبدأ (ص: 99) ، ونص المرشدة (ص: 114-115) ، وقد عدها السبكي في معيد النعم (ص: 75) ، من أصول العقائد الموافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وسلكها مع عقيدة الطحاوي والقشيري، وذكر في الطبقات (8/185) ، أن فخر الدين ابن عساكر كان يدرس المرشدة في القدس في المدرسة الصلاحية.
(2) انظر: وفيات الأعيان (3/238) ، علاقة المهدي بكتاب الجفر الباطني - وانظر: عقيدة المرشدة - كنون - (ص: 106-107) ، وانظر الأمير الشاعر أبو ربيع الموحدي: عباس الجراري (ص: 46-47) ، وانظر كتاب: المهدي ابن تومرت، عبد المجيد النجار (ص: 356) ، وما بعدها.
(3) انظر: أخبار المهدي بن تومرت لأبي بكر الصنهاجي، المكنى بالبيدق (ص:11) وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 646)

أما أبو بكر بن العربي المعافري الأشبيلي (1) ، فقد تتلمذ على الغزالي بلا شك وتأثر به وإن كان قد نقده في بعض المواضع، بل ونقد بعض شيوخ الأشاعرة كالأشعري والباقلاني والجويني (2) ، لكنه مع ذلك بقي ملتزماً بمذهب الأشاعرة في الصفات وغيرها (3) ، بل ودافع عن منهجهم فقال: " فإن قيل فما عذر علمائكم في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك؟ قلنا: لم يكن هذا لأنه خفي عليهم أن كتاب الله مفتاح المعارف ومعدن الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما أرادوا وجهين: أحدهما: أن الأدلة العقلية وقعت في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشاراً إليها بالبلاغة مذكوراً في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من الفروع، فكمل العلماء ذلك الاختصار، وعبروا عن تلك الإشارة بتتمة البيان، واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإيراد … الثاني: أنهم أرادوا أيبصروا الملاحدة ويعرفوا المبتدعة أن مجرد العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم لاحظ لهم فيها.." (4) ،
وهذا الكلام - بما فيه من لمز خفي بكتاب الله وكمال بيانه - استقاه ابن العربي من شيوخه الذين أمر بالاقتداء بهم في التأويل حين قال حول صفات اليد، والقدم، والأصابع، والنزول: " اسرد الأقوال في ذلك بقدر حفظك، وأبطل المستحيل عقلاً بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعاً بأدلة الشرع، وأبقَ الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورجح بين--------------------------------------------
(1) سبقت ترجمته (ص:252) .
(2) انظر: عارضة الأحوذي (10/68) ، وقانون التأويل (ص: 462،507، 559) والعواصم (ص:106، 127،134) .
(3) لابن العربي كتاب اسمه " المتوسط في الاعتقاد " اعتمد فيه على أقوال الأشاعرة، كما أن له كتاباً اسمه: الأمد الأقصى شرح أسماء الله الحسنى، تابع فيه الغزالي في كتابه: المقصد الأسني وتأثر به: وإن كان قد رد عليه بعض ما حوم عليه في هذا الكتاب من التصوف المغرق، انظر: قانون التأويل - الدراسة - (ص:112-113، 117) .
(4) قانون التأويل لابن العربي (ص:501-502) ..

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 647)

الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأت أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبداً " (1) ، وما منهجه في كتابه " قانون التأويل " وغيره (2) إلا أكبر دليل على أشعريته.
وابن العربي - مع أشعريته - تميز بأمور:
1- منها حياته الخاصة وجهوده الكبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جرى له لما تولى القضاء أمور كثيرة سببت عداء كثير من الناس له (3) .
2- تحقيقات أصولية وحديثية وفقهية أودعها كتبه المختلفة في الحديث والتفسير والأصول.
3- دوره العظيم في الدفاع عن الصحابة وما جرى بينهم، والرد على مختلف الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف في هذا الباب، وقد جاء ذلك في قسم من كتابه العواصم من القواصم (4) .
أما الشهرستاني (5) فقد اشتهر بكتابيه الملل والنحل ونهاية الإقدام، كما كانت له ردود على الفلاسفة في كتابه " مصارعة الفلاسفة " وأكثر ما يميز مذهبه ومنهجه:--------------------------------------------
(1) قانون التأويل (ص: 576) ، ويقول أيضاً في عارضة الأحوذي (11/49) - عن المحكم والمتشابه في القرآن -: " خذوا معنى اللفظ عربية واعرضوه على أدلة العقول إن كان توحيداً فما جاز ظاهره عليه نفذ وما امتنع عدل به عنه إلى أقرب وجوهه إليه ".
(2) انظر حول قانون التأويل الذي اعتمده العواصم (ص: 152-311) ، وانظر: حول أشعريته وموقفه من الصفات (العواصم ص: 281) وما بعدها.
(3) انظر: العواصم (ص: 400) ، والبيان المغرب لابن عذاري (4/92-94) ، والصلة (2/591) ، وأزهار الرياض (3/63) وقانون التأويل - الدراسة - (ص: 91-95) ، ومع القاضي أبو بكر بن العربي، سعيد إعراب (ص: 81-88) .
(4) العواصم - ط عمار طالبي - (ص: 373) ، وما بعدها، وقد حقق هذا القسم وعلق عليه وطبعه مستقلاً محب الدين الخطيب.
(5) هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني، تتلمذ على أبي نصر القشيري وأبي القاسم الأنصاري، ولد الشهرستاني سنة 469هـ، وتوفي سنة 548هـ، وقد اتهم بالإلحاد والتشيع، ذكر ذلك السمعاني في التحبير (2/161) ، وصاحب معجم البلدان - نقلاً عن ابن أرسلان الخوارزمي (3/377) ، ودافع عنه السبكي.
وشهرستان التي ينسب إليها هي في خراسان بين نيسابور وخوارزم، انظر: وفيات الأعيان (4/274) ومعجم البلدان، وانظر في ترجمته أيضاً: لسان الميزان (5/263) ، وطبقات السبكي (6/128) ، وسير أعلام النبلاء (20/286) ، ومقدمة مصارعة الفلاسفة (ص: 9) ، وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 648)

1- العناية بنقل أقوال الناس، وقد تمثل هذا بوضوح في كتابه " الملل والنحل " حيث اشتهر كأحد مؤرخي الفرق في ملية وغيرها، كما تمثل هذا أيضاً في بقية كتبه، فهو في مصارعة الفلاسفة ينقل أقوال الفلاسفة - وعلى رأسهم ابن سينا - بحروفها ثم يعقبها بالنقض والمناقشة، وكذلك فعل في كتابه نهاية الإقدام فإنه نقل أقوال أئمة الأشاعرة والمعتزلة.
2- عرض المذهب الأشعري - بأقوال أئمته - وقد كان عنوان كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام، يحمل دلالة معينة، فيها الانتصار للأشاعرة ومذهبهم الكلامي، ولم يكن الشهرستاني صاحب منهج محدد، بل كان ناقلاً لأقوال من سبقه، حاكماً بينها في بعض الأحيان (1) ، وفي الكتاب ردود على من يسميهم أهل التشبيه من الكرامية وغيرهم مع قسوته عليهم (2) ، كما أن فيه ردوداً على المعتزلة وسماهم مرة بالخناثي لأنهم ليسوا مع الفلاسفة ولا الأشاعرة (3) .
3- الإقرار بالحيرة حتى وهو يؤلف كتابه في علم الكلام، ولذلك قال في أول صفحة من نهاية الإقدام، مستشهداً.

لقد طفت في تلك المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ واضعاً كف حائر … على ذقن أو قارعاً سن نادم (4)--------------------------------------------
(1) انظر: نهاية الإقدام (ص: 143-237) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 103-122) .
(3) انظر: المصدر نفسه (ص: 159) .
(4) استشهد بهما الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص:3) ، دون أن ينسبهما لا له ولا لغيره، وفي وفيات الأعيان (4/274) ، وذكر أنه قيل: إنهما لأبي بكر بن باجه، المعروف بابن الصائغ، وفي الوافي للصفدي (12/408) ، ذكر أنهما نسباً إلى ابن سينا.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 649)

ولم يخل الكتاب من عبارات الحيرة (1) .
4- رد على الفلاسفة ردوداً قوية، لكنه مع ذلك تأثر بأقوالهم، ومن أبشع الأمور التي تأثر فيها بهم قوله بجواز وجود الجواهر العقلية والنفوس الفلكية المجردة (2) .
* * *
وابن عساكر (3) اشتهر كمدافع عن المذهب الأشعري في كتابه المشهور شهرة واسعة: " تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري " (4) ، وقد كان لخليفته الحديثية والتاريخية أثر في منهج الكتاب وقدرته على الدفاع عن أبي الحسن الأشعري، كما أن هذا الكتاب يصح أن يسمى: طبقات الأشاعرة، لأنه ترجم لأعلامهم منذ الأشعري وإلى عصره.--------------------------------------------
(1) انظر: نهاية الإقدام (ص: 109، 237، 340) .
(2) انظر: مصارعة الفلاسفة (ص: 36،63،100) ، وانظر: درء التعارض لابن تيمية (1/377،4/163) .
(3) هو: الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، بن عساكر، ولد سنة 499هـ وتوفي سنة 571هـ، له مؤلفات كثيرة جداً أشهرها كتابه العظيم تاريخ دمشق، ومما يلاحظ أنه لما مات صلى عليه القطب النيسابوري، وحضره السلطان صلاح الدين الأيوبي - وكان ممن نشر المذهب الأشعري كما سبق - انظر في ترجمة ابن عساكر: سير أعلام النبلاء (20/554) ، ووفيات الأعيان (3/309) ، وغيرهما كثير.
(4) وقد طبع الكتاب مع مقدمة وتعليقات لزاهد الكوثري ملأها - كعادته - بالسباب لأعلام السلف، والرفع من شأن انحرافات المتكلمين.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 650)

-‌‌ فخر الدين الرازي: ت 606هـ.
هو محمد بن عمر بن الحسن بن علي، فخر الدين أبو عبد الله، القرشي البكري، الطبرستاني، الرازي (1) ، ولد سنة 544هـ، تتلمذ على والده ضياء الدين (2) المعروف بخطيب الري، ولذلك اشتهر ولده الفخر بابن خطيب الري، ولما توفي والده تتلمذ علي الكمال السمناني (3) ، ومجد الدين الجيلي (4) الذي لازمه الفخر حتى في أسفاره وقد أخذ عنه الفلسفة كما أخذ عن أبيه ضياء الدين الفقه وعلم الكلام.
وحياة الرازي (5) برز فيها جانبان:
الأول: رحلاته المتكررة، إلى كل من خوارزم، وطوس، وبلاد ما وراء النهر، وهراة التي استقر ومات بها، وقد جرت له في رحلاته مناظرات عديدة--------------------------------------------
(1) الرازي نسبة إلى الري على غير قياس، انظر: الروض المعطار (ص: 279) ، وانظر: قولاً آخر في النسبة في حاشية المحصول (1/32) ، والري مدينة مشهورة تقع بين جرجان وطبرستان في منطقة الجبل -شمال إيران وجنوب بحر قزوين - انظر: معجم البلدان (3/116) ، والروض المعطار (ص: 278) .
(2) سبقت ترجمته (ص: 439) .
(3) اسمه أحمد بن زر بن كم بن عقيل - كذا في طبقات السبكي (6/16-17) ، وفي طبقات الأسنوي (2/57) ، أحمد بن زيد، تفقه السمناني علي محمد بن يحيى وكان رئيس أصحابه، وتوفي سنة 575هـ، انظر في ترجمته المصدرين السابقين، والطبقات الوسطي للسبكي كما في حاشية الكبرى (6/17) .
(4) لم أجد من ترجمة سوى ابن أبي أصيبعه في عيون الأبناء (ص: 462) ، - ت نزار رضا - حيث أشار إليه بقوله: " كان مجد الدين هذا من الأفاضل العظماء في زمانه، وله تصانيف جليلة".
(5) انظر: في ترجمة الرازي: الكامل لابن الأثير (12/288) ، وإخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي (ص: 190) ، والتكملة للمنذري (2/186) ، وآثار العباد للقزويني (ص:377) ، ونزهة الأرواح للشهرزوري (2/144) ، ومختصر تاريخ الدول (ص: 240) ، ووفيات الأعيان (4/248) ، والوافي (4/248) ، وسير أعلام النبلاء (20/500) ، وتاريخ الإسلام للذهبي (18/232) ، مطبوع، وميزان الاعتدال (3/340) ، ولسان الميزان (4/426) ، وطبقات السبكي (8/18) ، والأسنوي (2/260) ، وابن قاضي شهبة (2/81) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 651)

مع المعتزلة والكرامية وغيرهم، وكثيراً ما تشتد الخصومة بينه وبين معارضيه فيضطر إلى مغادرة المكان الذي هو فيه.
الثاني: اتصاله بالملوك والسلاطين، وتأليفه أغلب كتبه لهم، وقد استفاد من صلته بهم - خاصة خوارزم شاه وولده محمداً - مالاً وجاهاً عريضاً، وقد توفي الرازي سنة 606 هـ.
أما تلاميذ الرازي فهم كثيرون - بخلاف شيوخهـ ومن أبرزهم: أفضل الدين الخونجي (1) - صاحب المنطق - وأثير الدين الأبهري (2) ، وتاج الدين الأرموي (3) وغيرهم (4) .
أما مؤلفاته فكثيرة جداً شملت فنون التفسير، والفقه، وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة، والبلاغة، وغيرها، وقد استقصى الحديث عنها - مع بيان مخطوطاتها وما طبع منها - محمد صالح الزركان في كتابه " فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية " (5) ، وأهم كتبه المطبوعة:
1- التفسير.
2- المحصول في أصول الفقه.
3- المباحث المشرقية.--------------------------------------------
(1) تقدمت ترجمته (ص: 322) .
(2) هو: المفضل بن الأبهري السمرقندي، له مؤلفات في الفلسفة والفلك والمنطق، ومنها: هداية الحكمة: مطبوع، توفي سنة 663هـ، انظر: تاريخ آداب اللغة، جرجي زيدان (3/114) ، ومعجم المؤلفين (12/315) ، والأعلام (7/279) .
(3) هو: محمد بن الحسين بن عبد الله الأرموي، فقيه أصولي له كتاب حاصل المحصول في أصول الفقه، توفي سنة 556هـ، انظر: الوافي (2/353) ، وطبقات الأسنوي (1/451) ، ومعجم المؤلفين (9/244) .
(4) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (18/1/337) ، ومختصر تاريخ الدول لابن العبري (ص: 254) ، وفخر الدين الرازي للزركان (ص: 32-36) ، ومقدمة تحقيق نهاية الإيجاز (ص: 12-13) .
(5) (ص: 56-164) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 652)

4- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين.
5- أساس التقديس.
6- معالم أصول الدين.
7- لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات.
8 - شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا.
9- الأربعين في أصول الدين.
10- عصمة الأنبياء.
11- مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر.
12- نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز.
13- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين.
14- مناقب الإمام الشافعي.
15- الخمسين في أصول الدين.
16- لباب الإشارات.
أما المخطوطة فمنها.
17- المطالب العالية، طبع منه جزء يتعلق بالنبوات، ولم يتمه وهو من أواخر كتبه.
18- أقسام اللذات، آخر كتبه.
19- الملخص في الحكة والمنطق.
20- شرح عيون الحكمة لابن سينا.
21- نهاية العقول.
وغيرها كثير.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)

-‌‌ منهج الرازي وأثره في تطور المذهب الأشعري.
أولاً: يمثل الرازي مرحلة خطيرة في مسيرة المذهب الأشعري، فهذا الإمام الشافعي الأشعري (1) ترك مؤلفات عديدة دافع فيها عن المذهب الأشعري بكل ما يملكه من حجج عقلية، كما أنه أفاض في بعضها في دراسة الفلسفة فوافق أصحابها حيناً وخالفهم حيناً آخر، بل وصل الأمر به إلى أن يؤلف في السحر والشرك ومخاطبة النجوم. وقد اختلفت آراء الناس فيه بين مادح وقادح، ومدافع عنه منافح، وناقد له جارح، وقد انتهى في آخر عمره إلى أن الحق في الرجوع إلى مذهب أهل الحديث وهو الاستدلال بالكتاب والسنة، ولكن بقيت المشكلة في مؤلفاته الكلامية والفلسفية التي انتشرت وتلقفها المهتمون بهذه الأمور، لذلك اختلفت أقوال الناس فيه وفي مؤلفاته:
فالسبكي - على عادته في أمثاله - كال له المدح كيلاً بلا حساب، حتى وصل الأمر إلى أن يقول فيه " وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، وعتزال المعتزلي علماً أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (2) ، وفي معيد النعم لما هاجم الفلسفة وأعلامها كابن سينا والفاراي ونصير الدين الطوسي وهاجم الذين حاولوا مزج الفلسفة بكلام علماء الإسلام أورد على نفسه هذا الاعتراض قائلاً: " فإن قلت: فقد خاض حجة الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي في علوم الفلسفة ودونوها، وخلطوها بكلام المتكلمين فهلا تنكر عليهما؟ " - ثم أجاب قائلاً -:" قلت: إن هذين إمامان جليلان، ولم يخض واحد منهما في هذه العلوم حتى صار قدوة في الدين، وضربت الأمثال باسمهما في معرفة على الكلام على طريقة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فإياك أن تسمع شيئاً غير ذلك، فتضل ضلالاً مبيناً، فهذان إمامان عظيمان وكان حقاً عليهما نصر المؤمنين وإعزاز هذا الدين بدفع ترهات أولئك المبطلين، فمن وصل إلى مقامهما لا ملام عليه بالنظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور " (3) ، وليس هذا موضع مناقشة هذه الفكرة التي يطرحها--------------------------------------------
(1) انظر: سلسلة شيوخه في الفقه إلى الشافعي وفي العقيدة إلى الأشعري في وفيات الأعيان (4/252) .
(2) طبقات السبكي (8/82) .
(3) معيد النعم (ص: 78-79) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)

السبكي مدافعاً فيها عن شيوخه من الأشاعرة، وإنما القصد الاستشهاد بأقوال الذين دافعوا عن الرازي وفلسفته، وكان منهم ابن خلكان الذي قال عنه بعد تعداده لمؤلفاته: " وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة، فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه: وأتى فيه بما لم يسبق إليه " (1) ،
كما دافع عنه أبو حيان والصفدي وأبو شامة (2) .
أما الذين انتقدوه فكثيرون جداً، منهم ابن جبير الذي قال عنه في رحلته - كما نقل الصفدي -: " دخلت الري فوجدت ابن خطيبها قد التفت عن السنة وشغلهم بكتب ابن سينا وأرسطو " (3) ، ونقل أبو شامة أن الشناعات عليه قائمة بأشياء منها " أنه كان يقول: قال محمد التازي (4) يعني العربي: يريد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال محمد الرازي، يعني نفسه، ومنها أنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة " (5) ، ثم مدحه ودافع عنه، وقال في بعض المغاربة: " يورد الشبه نقداً، ويحلها نسيئة " (6) ، وقال الطوفي الصرصري المتوفى سنة 716هـ: " وأجمع ما رأيته من التفاسير لغالب علم التفسير كتاب القرطبي، وكتاب مفاتيح الغيب، ولعمري كم فيه من زلة وعيب، وحكى لي الشيخ شرف الدين--------------------------------------------
(1) وفيات الأعيان (4/249) ، ونقله عنه الذهبي تاريخ الإسلام (1/1/235) ، مطبوع..
(2) انظر: كلام أبي حيان والصفدي في الوافي (4/248-252) ، أما كلام أبي شامة فهو في ذيل الروضتين - قاله بعد ذكر ما وجه إلى الرازي من نقد - وذكر أنه التقى ببعض تلاميذه انظر: الذبل (ص: 68) .
(3) الوافي (4/251) ، ولم أجد هذا الكلام في رحلة ابن جبير المطبوعة - دار صادر - ولابن جبير ثلاث رحلات، انظر: تاريخ الأدب الجغرافي العربي تأليف يوكرا تشكوفسكي (ص: 299) .
(4) التازي: كان العجم يطلقونها على العرب، أي العربي، انظر: حاشية ذيل الروضتين (ص:68) .
(5) ذيل الروضتين (ص:68) .
(6) لسان الميزان (4/427) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)