وذكر ياقوت في «معجم الأدباء» (ج 4 ص 34)(1) عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه: « … كان يختلف إليه صبيّ مليح الوجه ــ قد سمّاه مكيٌّ، وأنا نكَبتُ عن ذكره ــ».
أقول: قد عرفتَ ابن طاهر. فأما مكّي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه، فحافظ فاضل شافعي كالخطيب، ومن تلامذة الخطيب المعظِّمين له. ترجمته في «تذكرة الحفاظ» (ج 4 ص 22)(2)، و «الطبقات الشافعية» (ج 4 ص 20)(3). وذكروا أنه سمع من الخطيب بصُور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من «ترجمة الخطيب»، وكان مبجِّلًا للخطيب. روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب «تاريخه» ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب لقراءة التاريخ على العادة، فرأى رجلًا لم يعرفه، فسأل عنه، فقيل له: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليسمع «التاريخ». انظر الرؤيا مبسوطة في «طبقات الشافعية» (ج 3 ص 15)(4) وذكرها الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج 3 ص 321)(5) قال: «قال غيث الأَرْمَنازي: قال مكي الرُّميلي: كنت ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة «تاريخه» على العادة … ».--------------------------------------------
(1) (1/ 393).
(2) (4/ 1229).
(3) (5/ 332).
(4) (4/ 36).
(5) (3/ 1145).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 229)
ويؤخذ مما تقدَّم أن الرُّميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق، فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج، فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟
قد عرفنا الخطيب، وعرفنا الرميلي، وعرفنا ابن طاهر؛ فما الذي يُتوقّع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجَّل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟
أما السؤال الأول: فالعادةُ قاضيةٌ أن العالم الفاضل المستغرق في العلم، الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة، يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان.
وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفُّظَه، علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شَينًا مُزرِيًا.
[1/ 135] وأما الثالث: فيبعد جدًّا أن يحكي الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجِّله ذاك التبجيل.
وأما الرابع: فقد طهَّر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكايةً لها علاقةٌ ما بالجمال الذي كان مولعًا به متسمِّحًا في شأنه، فتصطبغ في نفسه صبغةً تناسب هواه، فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي ــ على ما تقدَّم عن ابن عساكر ــ توقَّف؛ لأن أكثر أهل الشام أهل سنة، ويخشى أن يعلموا أنه تعرَّض للخطيب لأجل
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 230)
المذهب، ففكَّر أولئك السُّعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا، فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة، وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس، ثم قالوا للأمير: تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدَّث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة، فقد يقع مثلها لأفضل الناس، ويُخبر بوقوعها له أعقلُ الناس وأحزمُهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرَّصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبرُّ الناس وأوفاهم، لكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألَّف فيه. ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمَّى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضةً عليه، فلما حكاها ابن طاهر لم يسمِّه، بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكَبتُ عن ذكره»؛ لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي. ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه، كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم استمِعْ لسبط ابن الجوزي وتصرُّفه! قال الذهبي في «الميزان»(1): «يوسف بن قِزُغْلي(2) الواعظ المؤرّخ شمس الدين--------------------------------------------
(1) (6/ 145).
(2) (ط): «فرغلي» تصحيف، انظر في ضبطه «الأعلام»: (8/ 246) للزركلي، وحاشية الجواهر المضية (2/ 441)، وترجمته فيها: «4/ 633 - 635). وقِزُغْلي لفظ تركي معناه «ابن البنت».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 231)
أبو المظفر سبط ابن الجوزي. روى عن جده وطائفة، وألَّف «مرآة الزمان» فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يَجْنِفُ ويجازف. ثم إنه ترفَّض وله في ذلك مؤلف … قال الشيخ محيي الدين .... : لما بلغ جدِّي موتُ سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه الله! كان رافضيًّا. قلت: كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية».
[1/ 136] أقول: قد تقدم أنه كان حنبليًّا، ثم تحنَّف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيِّلُ «مرآته»(1)؛ لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب، الذي يلقبه الكوثري: «عالم الملوك الملك المعظَّم». فإن هذا الملك كان أهله شافعية، فتحنَّفَ وتعصَّبَ. قال فيه المُلَّا عليّ القاري الحنفي ــ كما في «الفوائد البهية في مناقب الحنفية» (ص 152) ــ: «كان متغاليًا في التعصّب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترتَ مذهب أبي حنيفة، وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم! ».
وهذا الملك قد أثنى عليه خليلُه السِّبْط في «المرآة»، ومع ذلك ذكَرَه في مواضع متفرقة بفظائع. وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون(2)، وذكرتُ المانع من تتبّع هفواته.
فأما السِّبْط، فقد مرَّ عن الذهبي ما علمتَ، ومَن طالع «المرآة» علم--------------------------------------------
(1) يعني اليافعي في «ذيل مرآة الزمان»: (1/ 39 - 43).
(2) رقم (15).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 232)
صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة، والمجازفات ولاسيما فيما فيه مدح لنفسه. ويظهر من «المرآة» ما يوافق قول صاحب «الذيل عليها» أنه إنما تحنَّف في الصورة الظاهرة. وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي، فكأنه إنما ألَّف كتابه في الترفُّض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى، وقد عرفتَ بعضَ حاله في التعصّب، فتحنَّف السِّبطُ إرضاءً له، وألَّف كلّ منهما ردًّا على الخطيب، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون. وحاول السِّبْط التقرّبَ إلى عيسى بذمِّ الخطيب، وذكر حكاية ابن طاهر، فزاد فيها.
قال الأستاذ (ص 12): «قال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»: قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشقَ، فصحبه حَدَثٌ صبيحُ الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا، حتى بلغ واليَ المدينة ــ وكان من قبل المصريين شيعيًّا ــ فأمر صاحبَ الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله، وكان صاحب الشرطة سُنِّيًّا فهجم عليه، فرأى الصبي عنده، وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد رحمتُك … فأخرجوه فمضى إلى صُور، واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال فيه الأشعار فمن شعره … ».
فيقال لهذا الجانف المجازف: توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدُّك، فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر، حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات [1/ 137] الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي، فلم يذكروا فيها ما ذكرت. بل نقلها خليلُك الملك عيسى في «رده على الخطيب» (ص 277) من خط ابن طاهر ــ كما قال ــ ولم يذكر هذه
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 233)
الزيادة ولا ما يشير إليها. استفدتُ هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العُش(1).
وكانت القصة وابن طاهر في سنِّ تسع سنين، ولم يكن بدمشق، فممَّن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكّي الرميلي، فإنه حكى ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكيّ بما يُعْلَم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيًّا لم يشهد القصة، فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها. ولو كان السبط ثقة لاتجه الحملُ على ابن طاهر وتثبيت مجازفته، لكن حال السِّبْط كما علمت، وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يُغتفر في الجملة، فالحملُ على السِّبط.
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب، فلا أدري ما يصح منها. وما وُجد منها بخطه قد يكون لغيره، وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظٍّ من الأدب؛ يقول أحدهم الأبياتَ على طراز ما عُرِف من شعراء زمانه، كما ينقل عن ابن سُريج وغيره.
وما في «معجم الأدباء»(2) عن أبي العز ابن كادش لا يُعبأ به. ترجمة ابن كادش في «لسان الميزان» (ج 1 ص 218)(3) وفيها عن ابن النجار: «كان مخلِّطًا كذَّابًا لا يُحتجُّ بمثله». وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في «الأعلام»: (8/ 230 - 231)، وقال: إن الفصيح في (العش) ضمّ العين لكن الدارج كسرها.
(2) (1/ 394) وهي أبيات من الشعر نقلها عن الخطيب.
(3) (1/ 532).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 234)
عساكر أن ابن كادِش أخبره أنه وضع حديثًا في فضل أبي بكر وتبجَّح بذلك قائلا: «بالله أليس فعلت جيدًا؟».
فقد اتضح بحمد الله عز وجل سلامةُ الخطيب في عقيدته، ونزاهته في سيرته، وأنَّ ما ظُنَّ غمزًا في سيرته ــ مع وضوحِ أنه ليس مما يُعتدُّ به شرعًا ــ ليس مما يسوغ احتماله تخرُّصًا، بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.
ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول (ص 10) في الخطيب: «على سوء سلوكٍ يُنسب إليه، ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هُجر القول وسوء الفعل». ويقول (ص 51): «إذًا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق»، ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجًّا بها. وفي مقابل ذلك يرى كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذَّبه [1/ 138] ابن معين وابن نُمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة: «ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم، يُتهم بداء سوء، وليس في الحديث بشيء». وفي «لسان الميزان» (ج 2 ص 209)(1): «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحُلْواني: رأيت اللؤلؤي قبَّل غلامًا وهو ساجد، … وقال أحمد بن سليمان الرُّهاوي: «رأيته يومًا في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصف، فلما سجد مدَّ يده إلى خدِّ الغلام فقرَصَه». وصالح والحُلواني والرُّهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات= فيضِجُّ الأستاذ من هذا ويعِجُّ،--------------------------------------------
(1) (3/ 49).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 235)
ويقول (ص 188): «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القَذَفة؛ ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل».
يقول هذا، ثم يرمي الخطيب بما رماه، ويصرِّح أو يكاد، مع أن القصة ــ ولو كما حكاها سبط ابن الجوزي ــ ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل، فضلًا عن غيره، ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر، وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه، وأن ابن طاهر لم يدرك القصة، ولا ذكر في رواية السبط مَن أخبره بها، وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في «تذكرة الحفاظ» لم يشهد القصة، ولم يذكر عمن أخذها، ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذ قال (ص 121): «تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه .... ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين»!
فليتدبر القارئ: أيهما أولى بأن يكون قذفًا شرعيًّا، أكلمات الأستاذ بانيًا على ما ليس بشيء، أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء»، وإخبار الحافظَين الآخرَين بما شاهداه من اللؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد! وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يُتصور قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القَذَفة! وأيّهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل»!
وكذلك الرُّميلي الحافظ الفاضل ليس يترتب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة [1/ 139] شرعية على أن «تاريخ الخطيب» كلّه حق، فأيّ حجة
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 236)
أو شبهة تُبعد أن يكون صادقًا فيما حكى؟ فمَن الأولى برقَّة الدين والنفاق الكمين!
فصل
قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 8 ص 266) بعد أن عدَّد جملة من مصنفات الخطيب: «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته. ومَن نظر فيها عرف قدرَ الرجل وما هُيِّئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره. وقد روي لنا عن أبي الحسين ابن الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصُّوري ابتدأ بها». قال ابن الجوزي: «وقد يضع الإنسان طريقًا فيُسْلَك، وما قصَّر الخطيب على كل حال».
أقول: لم يسمِّ ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري. وابن الطيوري هذا هو المبارك بن عبد الجبار، وثَّقه جماعة، وكذَّبه المؤتمن الساجي الحافظ. والصُّوري هو محمد بن عبد الله الساحلي، ترجمته في «التذكرة» (ج 3 ص 293)(1)، وفيها: أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة، ووفاته سنة 441، فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة. ومع حفظه ففي «التذكرة» (ج 3 ص 298)(2) في ترجمة أبي نصر السِّجْزي المتوفى سنة 444: «قال ابن طاهر: سألت الحافظ أبا إسحاق الحبَّال عن أبي نصر السِّجزي والصُّوري: أيهما أحفظ؟ فقال: كان السِّجزي--------------------------------------------
(1) (3/ 1114).
(2) (3/ 1119).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 237)
أحفظ من خمسين مثل الصُّوري». وفي «التذكرة» (ج 3 ص 314)(1): «قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفنّنًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفَرْده ومنكره ومطروحه. ثم قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصُّوري عن الخطيب وأبي نصر السِّجْزي، ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا». وقد علمتَ أن الصُّوري توفي سنة 441 أي: قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاةُ السِّجزي سنة 444، وابنُ طاهر لقي الحبَّال سنة 470 كما في «التذكرة» (ج 3 ص 363)(2). فتفضيلُ الحبَّال بين السِّجزي والصُّوري كان بعد موتهما، فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما. وأما تفضيل الصوري [1/ 140] بين الخطيب والسِّجزي ففي حياتهما، لكن أحدهما وهو السِّجزي كان في أواخر عمره، والآخر وهو الخطيب في وسط عمره؛ لأن الصوري مات سنة 441 كما مرَّ، فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك. فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلًا، حيث كان سنُّ السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده 422، كان قبل وفاة السّجزي بنحو ثلاث سنين، وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنتين وعشرين سنة.
فيخرج مما تقدم أن الخطيب ــ باعتراف الصوري ــ كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضَّل تفضيلًا بيّنًا على مَنْ هو بحكم الحبَّال--------------------------------------------
(1) (3/ 1137). ووقع في (ط): (ج 1) خطأ.
(2) (3/ 1194).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 238)
أحفظ من خمسين مثل الصُّوري، فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟
وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه، فما معنى ما حكي عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تُنسب إلى الخطيب ولم يُتمَّ شيئًا منها؟ يقول ابن السمعاني: إن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا. فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفًا أو نحوها ولم يتمّ شيئًا منها؟ فإن كان أتمَّ شيئًا منها أو قارب، أو على الأقل كتب منه كراسة مثلًا، فقد كان ابن الطيوري من أخصِّ الناس بالصوري ــ كما يؤخذ من «لسان الميزان» (ج 5 ص 10)(1) ــ أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري، فيُبرزه للناس تصديقًا لقوله؟
ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من «معجم الأدباء»(2): أن الكتب التي كانت في ملك الصُّوري صار جملةٌ منها بعد موته إلى الخطيب، فاستفاد منها الخطيب. لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئًا إلا بأسانيده المعروفة، ومَن تدبَّر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها(3).
هذا، وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصُّوري كان ترك كتبه عند أختٍ له بصُور، وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني: عند--------------------------------------------
(1) (6/ 453).
(2) (1/ 387 - 388).
(3) وعلق الذهبي على الخبر بقوله: «ما الخطيبُ بمفتقرٍ إلى الصوري، هو أحفظ وأوسع رحلة وحديثًا ومعرفة». «السير»: (16/ 228).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 239)
دخوله صور، وذلك بعد إقامته بدمشق).
واحتج الدكتور(1) بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله، لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام ــ وذكر دليل ذلك ــ، وبأن الصُّوري أقام(2) ببغداد نيفًا وعشرين سنة وبها مات، فكيف يُعقل أن لا يطلب كتبًا تركها عند أخته!
[1/ 141] فصل
قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 8 ص 267) بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه: «وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمِّهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه. فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين»، وفي ترجمة الشافعي: «تاج الفقهاء»، فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أيَّ شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة. وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة. وله دسائس في ذمهم، من ذلك: أنه ذكر مهنأ بن يحيى … ومال الخطيب على أبي الحسن [عبد العزيز بن الحارث] التميمي … ومال الخطيب على أبي [عبد الله] عبيدالله بن [محمد بن] بطة … ومال الخطيب على أبي علي [الحسن بن علي] ابن المُذْهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما: الجري على عادة عوامِّ المحدثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس بجرح؛ وذلك لقلة فهمهم. والثاني:--------------------------------------------
(1) يعني يوسف العش في كتابه عن الخطيب، وسبقت إشارة المؤلف إليه.
(2) (ط): «إمام» تحريف.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 240)
التعصب على مذهب أحمد وأصحابه … ».
أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري، أجاوزتَ الحدَّ في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها ــ كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه ــ فدعتك نفسُك إلى التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم يُرَ مثلُه غمٌّ عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدّثين من قلة الفهم؟
أما ما قاله الخطيب في ترجمتَي أحمد والشافعي، فلفظه في المطبوع (ج 4 ص 412) في ترجمة أحمد: « … إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة … ». وفي آخر الترجمة (ج 4 ص 423): «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها، فلذلك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردناه منها». وعبارته في ترجمة الشافعي (ج 2 ص 56): « … زين الفقهاء، وتاج العلماء … ».
فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث، فإن كنت لا تراه مُحدِّثًا فقد سلبتَه أعظم الفضائل، ولزم [1/ 142] من ذلك سلبُه الفقهَ والعلمَ الذي يعتدّ به، وإن كنت تراه محدِّثًا فقد جعلتَ أحمد إمامًا له أو سيِّدًا للمحدثين مطلقًا، فشمل ذلك الفقهاء منهم، فلزم أن يكون إمامَ الفقهاء أو سيِّدَهم مطلقًا. ومع ذلك لم تذكر الشافعيَّ بنصرة الدين، ولا النضال عن السنة، فأما قولك: «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم، لأن المتزين أفضل من الزينة، ولابس التاج أفضل من التاج.
والصواب: أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصِّلين، وإنما
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 241)
الحاصل أن المترجِم يتحرَّى في صدر الترجمة أشهر الصفات. فأحمدُ لِتبحُّره في معرفة الحديث وتجرُّده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لِتجرُّده للفقه كان أشهر به.
وأما قضية الكرابيسي، فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته (ج 8 ص 64) عن يحيى بن معين أنه: «قيل له: إن حسينًا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل. قال: ما أحوجه أن يُضرَب». وروى عن يحيى أيضًا أنه قال: «ومَنْ حسين الكرابيسي لعنه الله … »، ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة، ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه. ثم ذكر قصةً فيها غضُّ الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن رجلًا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكذِّب الكرابيسي.
فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين: الأولى: تفسير ما تقدَّم إجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ. الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي. فمن توهَّم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غضُّ الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب محاولةٌ من الخطيب لانتقاص علي! وابنُ الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم، وهذه حاله!
وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مُهَنّأ والجماعة الذين سماهم، فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.
وقد وثَّق الخطيبُ جمعًا كثيرًا بل جمعًا غفيرًا من الحنابلة، وأطاب
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 242)
الثناء عليهم. فإن ساغ أن يُرمى بالتعصّب على الحنابلة لذكره القدح في أفرادٍ منهم، فليسُغْ رميُه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسُغْ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم. وقد [1/ 143] مرَّ قريبًا ما ذكره في الكرابيسي، وهكذا حال بقية المذاهب. فهل يسوغ أن يقال: إن الخطيب كان يتعصّب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل: بل ينظر في كلامه. قلت: فستراه في التراجم.
فصل
قال ابن الجوزي(1): «وقد ذكر في «كتاب الجهر» أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي «كتاب القنوت» أيضًا. وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يدري أنه موضوع، فاحتجَّ به ولم يذكر عليه شيئًا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»(2).
وذكر الكوثري في «التأنيب» (ص 10) عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة، فذكر مما أخرجه الخطيب في «كتاب الجهر بالبسملة»: «مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان، وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذابًا. ومثل حديث حفص بن سليمان، قال أحمد: هو متروك--------------------------------------------
(1) في كتاب «المنتظم»: (8/ 268 - 269)، وكذلك في «التحقيق»: (1/ 464، 2/ 77).
(2) تقدم تخريجه (ص 199).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 243)
الحديث». ومما يتعلق بـ «كتاب القنوت»: «ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات. قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثارًا موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه».
أقول: الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قَصَد بجَمْع تلك الرسائل جمعَ ما ورد في الباب فلا احتجاج. وإن كان قصد الاحتجاج، فبمجموع ما أورده، لا بكل حديث على حِدَة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرُّعَه في الحكم بالوضع والبطلان، وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث «الموضوع»(1).
الثالث: أن من جملة ما أورده في «الموضوعات» وحدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها [1/ 144] الإمام أحمد في «مسنده»، ولعله أورد في «الأحاديث الواهية» أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمتَه من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة، فما نراك أحسنتَ الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب أولى أن يخفى عليه. وإن كنت--------------------------------------------
(1) انظر «علوم الحديث» (ص 99) لابن الصلاح، و «النكت»: (2/ 847 - 850) للحافظ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 244)
ترى أن الإمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة، ومع ذلك أثبتها في «مسنده» ولم ينبِّه عليها، فكفى به أسوة للخطيب.
الرابع: لا يلزم مِن زَعْم ابن الجوزي أن الحديث موضوع(1) باطل، أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا، ولم يتنبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا رُوي الحديث بسند ساقط، لكنه قد رُوي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلانه، لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل مَنْ رواه بالإسنادين معًا في حديث: «من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»؛ لأنه لا يرى الحديث نفسه كذبًا. وقد يُتوسع في هذا، فيُلحق به ما إذا كان المتن المرويّ بالسند الساقط، ولم يُرو بسندٍ أقوى، لكن قد رُوي معناه بسند أقوى. ويقِّوي هذا أن المفسدة إنما تعظُم في نسبة الحكم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ، وشاهدُ هذا جواز الرواية بالمعنى.
الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: «أجمعوا على ترك حديثه» فيه نظر، فقد أكثر عنه ابنُ وهب ووثَّقه على ما في «مختصر كتاب العلم لابن عبد البر» (ص 199)(2)، ومجموعُ كلامهم فيه يدل أنه صدوق--------------------------------------------
(1) كذا ولعله سقط «أو» كما سيأتي في «الخامس».
(2) انظر أصله «جامع بيان العلم وفضله»: (2/ 1106).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 245)
في الأصل، فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد(1).
[1/ 145] وأما حفص، فروى عبد الله وحنبل عن أحمد: «متروك الحديث». وروى عبد الله أيضًا عن أبيه: «صالح»، وروى حنبل عن أحمد أيضًا «ما به بأس». فيأتي في حديثه نحوُ ما مرَّ(2).
وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي» وغيرهما. وفي ذلك آثار عن الصحابة منها الصحيح فما دونه.
وحديث أنس النافي للجهر قد أُعِلَّ بعدة علل، كما ترى ذلك في بحث المعلَّل من «تدريب الراوي»(3).
وجمع الشيخُ تقي الدين ابن تيمية(4) بأن الأصل عدم الجهر، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما جهر ليعلِّم أصحابه، وكذلك--------------------------------------------
(1) ترجمته في «التاريخ الكبير»: (5/ 96)، و «الأوسط» (798)، و «الجرح والتعديل»: (5/ 60 - 61)، و «الضعفاء»: (2/ 254) للعقيلي، و «الكامل»: (4/ 125)، و «المجروحين»: (2/ 7)، و «لسان الميزان»: (4/ 496).
(2) ترجمته في «التاريخ الكبير»: (2/ 363)، و «الأوسط» (1268)، و «الجرح والتعديل»: (3/ 173 - 174)، و «الضعفاء»: (1/ 270) للعقيلي، و «الكامل»: (2/ 380).
(3) (1/ 297 - 302)، وانظر «النكت على ابن الصلاح»: (2/ 753 - 756) للجواب عن بعض ما أُعِلّ به.
(4) في «مجموع الفتاوى»: (22/ 410 - 437).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 246)
أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم مَن [1/ 146] يسمعه. وفي «الصحيح»(1) عن أبي قتادة: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورةٍ سورةٍ ويُسْمِعنا الآيةَ أحيانًا». وللنسائي(2) عن البراء: « .. فنسمع منه الآيةَ بعد الآيةِ .. ». ولابن خزيمة(3) عن أنس نحوُه كما في «فتح الباري»(4). فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد، لأنه إذا أسرَّ بها وجهَر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة.
فمن لم يقع له هذا الجمع، أو لم يقوَ عنده، وقوي عنده ما ورد في الجهر، فأخذ به مطلقًا كالشافعي، فلا لوم عليه. ومن احتجَّ من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية، وألحق بها ما يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان، فلا حرج عليه.
[1/ 147] وأما حديث: «ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في الصبح حتى مات»(5)، فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن--------------------------------------------
(1) (759).
(2) (971).
(3) (503).
(4) (3/ 245).
(5) أخرجه عبد الرزاق (3/ 110)، وأحمد (12657)، والدارقطني: (2/ 370)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/ 145)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 201) وغيرهم. قال البيهقي: قال أبو عبد الله [الحاكم]: هذا إسناد صحيح سندُه، ثقة رواتُه، والربيع بن أنس تابعي معروف. وتعقبه ابن التركماني بتضعيف أبي جعفر عيسى بن ماهان الرازي. وانظر «البدر المنير»: (3/ 620 - 627)، و «تنقيح التحقيق»: (2/ 439 - 443)، و «السلسلة الضعيفة» (1238).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 247)
أنس، صحح بعضُ الحفاظ بعضَها. وجاء نحو معناه من وجوه أخرى. راجع «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي». وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت(1).
فإذا أخرج الخطيبُ الحديثَ من تلك الأوجه القوية، ثم ألحق بها رواية دينار؛ لم يلزمه أن يبيِّن في ذاك الموضع حالَ دينار، لما مرَّ في الوجه السادس. على أنه قد بيَّن الخطيب في موضع آخر حال دينار، وبيَّنه غيرُه، واشتهر ذلك. وقد بيَّن الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حالَ الكلبي، ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذبًا ولا يذكرون حاله.
[1/ 148] وأما النهي عن صوم يوم الشك، فلم أعثُر عليه(2)، غير أن الأدلة على ذلك معروفة في «الصحيحين» وغيرهما. وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيمٌ رواية أنه لا يصام، واختارها بعض المحققين من أصحابه. فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة، وبقية الكلام يُعلم مما مرَّ.--------------------------------------------
(1) «زاد المعاد» (1/ 273 - 274).
(2) لعله أراد حديث عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم». ذكره ابن طاهر في «تذكرة الموضوعات» (ص 71) نقلًا عن الفيروزابادي في الخلاصة. قال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص 92): «وهو مجازفة، فإنه أخرجه أهل السنن وأحمد والبخاري تعليقًا، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم». وانظر «البدر المنير»: (5/ 691 - 692).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 248)