يُعرف ابن أبي خيثمة بالتوقِّي عن الرواية عن الضعفاء، فضلًا عن الكتابة عنهم. بل عامة المحدِّثين يكتبون عن كل أحد، إلا أن منهم أفرادًا كانوا يتقون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة، كما مر في ترجمة الإمام أحمد(1) مِن نَظَرِه في كتب الواقدي. وأحمد بن أبي خيثمة وابنه محمد، لو اتجه ظنُّ ابن حجر، كانا مشتغِلَين بجمع «التاريخ»، والتاريخ يحتاج إلى موادَّ وتسامحٍ في الرواية عن الضعفاء، فلو صحت القضية لما كان فيها إلا شهادة ابن أبي خيثمة لابن الصلت أنه كان يكتب معهم من زمان طويل. وبذلك علَّل أمرَ ابنِه بالكتابة عنه، على ما جرت عادتهم من الحرص على الكتابة عن المعمَّر، ولو كان ضعيفًا، رغبةً في العلوِّ. وعلى كل حال فليس فيها توثيق.
قول الأستاذ: «وفي شيوخه كثرة».
أقول: سيأتي كلام الأئمة فيه، وبه تَعرف أن من كان في مثل حاله، فالناس كلهم شيوخه!
قوله: «وقد أخذ عنه أناس لا يحصون».
أقول: أما المذكورون في ترجمته فقليل، ومع ذلك فليس فيهم من عُرِف بأنه لا يروي عن الساقطين. وهذا الكلبي أشهر الرواة بالكذب، روى عنه السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة، فلم ينفعه ذلك.
[1/ 174] قوله: «وتحامل عليه ابنُ عدي كتحامله على البغوي».--------------------------------------------
(1) (ص 276).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 289)
أقول: لا سواء، البغوي ــ وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تأتي ترجمته(1) ــ تحامل عليه ابن عدي بما ليس بجرح، ثم عاد فأثنى عليه، ووثَّقه الناس. وابن الصلت جَرَحه ابنُ عدي جرحًا صريحًا مفسّرًا، وجرحه الناس كما يأتي، ولم يثن عليه أحد. ومع ذلك فقد رجع الأستاذ حين احتاج إلى الكلام في البغوي، فلم يعدَّ كلام ابن عدي فيه تحاملًا، بل بنى على ذاك التحامل، وهوَّل، ورمى البغوي بالكذب!
قوله: «ولعل ذنبه كونه ألَّف في مناقب النعمان».
أقول: لم يخب رجاء الأستاذ، فإن من ذنب ابن الصلت عندهم أنه خلط في المناقب، كما يأتي. وذلك واضح لكل متدبر، وسيأتي أن أعلى الجارحين لابن الصلت حافظ حنفي!
قوله: «وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته». وزاد في «التأنيب» (ص 166): «بل أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (ج 1 ص 45) بسند ليس فيه ابن الصلت».
أقول: في الموضع المذكور من كتاب «العلم»(2): «وأُخبِرنا أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العُقَيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: حججتُ مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة .. ». ذكر--------------------------------------------
(1) (رقم 133).
(2) (1/ 203 - 204). وسلمت الطبعة المحققة من الأخطاء التي سيذكرها المؤلف.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 290)
القصة. فيُنظر في المخبِر لابن عبد البر مَن هو؟ وفي الصيدلاني، فإني لم أجد من وثَّقه.
ومع هذا، ففي بقية السند تحريف لم يشر إليه الأستاذ رجاء أن يغترَّ به من لا معرفة له! فإن الصيدلاني لم يدرك ابن سماعة، والعقيلي لم يدرك أبا يوسف ولا ابن سماعة، وعبد الله بن جعفر هذا قد جاء ــ كما يأتي ــ هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة. فصواب هذه العبارة كما يعلم من «الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية» للقرشي (1/ 273)(1): « … العقيلي ثنا أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ثنا (أو: عن) محمد بن سماعة .. ».
ترجم القرشيُّ عبدَ الله بن جعفر هذا أخذًا من هذا الموضع في «كتاب العلم» فقط، كما يتضح من مراجعة كلامه. ولما شعر أن عبد الله بن جعفر هذا لا يُدرى مَن هو، رأى حقًّا عليه أن يموِّه، فخلع عليه لقب «الإمام»!
وفي «مناقب أبي حنيفة» للموفق (1/ 25) عن الجعابي: [1/ 175] «حدثني أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة، حدثنا أبي، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: «حججت مع أبي سنة ست وتسعين ولي ست عشرة سنة … » وذكر القصة. زاد في السند كما مرَّ، وقال: «سنة ست وتسعين» وفي كتاب «العلم» و «الجواهر المضيئة» عنه: «سنة ثلاث وتسعين». تارةً حاول أن يقرِّب التاريخ من وفاة عبد الله بن الحارث، وتارةً راعى المعروف من مولد أبي حنيفة.--------------------------------------------
(1) (2/ 300 - 301).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 291)
وفي «لسان الميزان»(1)، و «ذيل اللآلئ»(2) للسيوطي من طريق أبي علي الحسن بن علي الدمشقي، عن عبد العزيز بن حسن الطبري، عن مكرم بن أحمد، عن محمد بن أحمد بن سماعة، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، فذكر القصة. قال في «اللسان»: وهو باطل أيضًا. وللحسن بن علي الدمشقي ترجمة في «لسان الميزان» (2/ 236)(3). وفي «شرح مسند أبي حنيفة»(4) لعلي قاري: «الأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء عنه أنه قال: حملني أبي على عاتقه، وذهب إلى عبد الله بن الحارث … ».
ولا أدري ما ذاك السند؟ ومَن بلال بن أبي العلاء؟ وربما كان عند القوم غير هذا!
قال الأستاذ: «فثبت أنه لم ينفرد بروايته، فيجب أن تزول نقمة الذهبي عليه بزوال سببها».
أقول: هذا إذا كان سند المتابعة مقبولًا. أما إذا كان ساقطًا، فلا يدفع التهمة، بل يقال: بعضهم وضع، وبعضهم سرق أو وهِم أو لُقِّن أو أُدخل عليه، على أنه إذا كان مقبولًا والمروي منكرًا، فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه. ومع ذلك، فلا ينفع ابنَ الصلت زوالُ تَبِعَة ذلك الحديث عنه إلى--------------------------------------------
(1) (1/ 613).
(2) (ص 110). وقال: وأخرجه ابن الجوزي في الواهيات وقال: الحماني كان يضع الحديث.
(3) (3/ 91).
(4) (ص 586).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 292)
[مَن](1) فوقه، لأن له بلايا أُخر لا تحصى.
قال الأستاذ: «ولكن لا يمكنهم أن يسامحوه، لأنه بروايته الحديث المذكور بطريق أبي حنيفة يثبت أن أبا حنيفة من التابعين حتى عند من لا يكتفي بالمعاصرة أو الرؤية في ذلك، وهذا مما لايمكن مسامحته والصفح عنه … ».
أقول: لخصمك أن يقول: أنت أحقُّ بالتهمة وأهلُها، بل الأمر أوضح من أن يسمى تهمة. ومع ذلك لو جئت بحجة صحيحة لوجب قبولها، فكيف ترجو أن تُردَّ حججُ الأئمة باتهامك لهم؟
وفي «التأنيب» (ص 165) بعد الإشارة إلى قول الذهبي في هذا الحديث: «هذا كذب، [1/ 176] فابن جزء مات بمصر، ولأبي حنيفة ستُّ سنين»، قال الأستاذ: «تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا لتقدُّمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة، فلا يُبَتُّ في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة. وها هو أُبيّ بن كعب رضي الله عنه من أشهر الصحابة، اختلفوا في وفاته من سنة 18 إلى سنة 32، والذهبي يُصرُّ على أن وفاته سنة 22 في كتبه جميعًا، مع أنه عاش إلى سنة 32، وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد. وأين منزلة ابن جزء من منزلة أُبيّ حتى يُبَتَّ بوفاةٍ تُروى له عن ابن يونس وحده؟ وقد قال الحسن بن علي الغزنوي: إن وفاته سنة 99، كما في «شرح المسند» لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته».
أقول: الجواب من وجوه:
الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في--------------------------------------------
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 293)
أدلَّة الأحكام، لا يبيح إلغاء الجميع جملة؛ بل يؤخذ بما لا مخالف له، وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحهما، فإن لم يظهر الرجحان أُخِذ بما اتفقا عليه. مثال ذلك: ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة 51، 54، 55، 56، 57، 58. فإن لم يترجَّح أحدها أُخِذ بما دلَّ عليه مجموعُها أنه لم يعش بعد سنة 58. فإن جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعدًا بمكة سنة 65 مثلًا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند، فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته حملوا عليه. فابن جَزء قيل في وفاته سنة 85، 86، 87، 88، وأرجحها الثاني؛ لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر، وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة 88. فلما جاءت تلك الرواية أنه لقي بمكة سنة 96 أو 98 استنكرها أهل العلم، ووجدوا أحقَّ مَن يُحمل عليه ابن الصلت.
فأما قول الغزنوي المتأخر: إن ابن جزء توفي سنة 99، فهو من نمط ما في «المناقب» للموفق (ج 1 ص 26) روى من طريق الجِعابي القصة، وفيها أن اللقاء كان سنة 96، ثم حكى عن الجِعابي أن ابن جزء مات سنة 97= فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة. رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم، وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها «سَفْط القُدور» كما جاء عن الطحاوي، وأن من شَهِد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية [1/ 177] = فبنيا على ذلك، ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحُش المخالفة لما نُقِل عن المؤرخين جدًّا.
الوجه الثاني: ابن جَزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أُبي بن كعب، ففي «فهرست ابن النديم» (ص 281) أن لليث بن سعد تاريخًا،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 294)
وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات، والليث ولد سنة 94، ومات سنة 175، ومن أشهر شيوخه يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة 128، وهو أشهر الرواة عن ابن جَزء. وفي «تدريب الراوي»(1) في شرح النوع الستين: «وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذبَ استعملنا لهم التاريخ» والثوري ولد سنة 97، ومات سنة 161. فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شُرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء، وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته، فلم يكن بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد، يسأله، فيُخبره عما أدركه؛ بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أُبيّ بن كعب متوافرين، فلم يكن لطلبة العلم كبير حرص على لقائه؛ لأنهم يجدون غيره من الصحابة، ويرون أنه إن مات لم يَفُتهم شيء لبقاء كثير من الصحابة. وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه، حتى نُسِب إلى شراسة الخلق، فلعله لم يكن يتجشم لقاءَه إلا ذوو الأسنان. فإذا نظرنا في الرواة عنه، فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر؛ لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر.
فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر، فطلبةُ العلم بغاية الحرص على السماع منه؛ لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًّا آخر، ونزلوا طبقة عظيمة. وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا، كما كان سهل بن سعد يقول: «لو متُّ لم تسمعوا أحدًا يقول:--------------------------------------------
(1) (2/ 866). أخرجه عنه ابن عدي في «الكامل»: (1/ 84).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 295)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» كما في ترجمته من «الاستيعاب»(1)، يحرِّضهم بذلك ــ والله أعلم ــ على السماع منه. ولما مات أنس قال مورِّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالَفَنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم(2). فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سنَّ الطلب في حياة ابن جزء كان أهمَّ شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه. فلو عاش ابن جزء إلى سنة 97 أو 99 لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سنَّ الطلب إلا قبل ذلك بقليل. ولو كان فيهم من هو كذلك لاشتهر أمره لعلو [1/ 178] سنده، ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء.
وقد تتبعتُ الرواة عن ابن جزء، فإذا آخرهم وفاةً عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة 131، وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة ووفاة ناعم سنة 80 على ما قيل، ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع: لو حجَّ ابن جَزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، وحدَّث في الموسم، واجتمع الناس حواليه ــ كما تزعمه تلك الرواية ــ لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرصَ الناس على لقائه والسماع منه؛ لأنه لم يبق حينئذ على وجه الأرض صحابيٌّ سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحدَّث عنه إلا هو ــ على فرض صحة--------------------------------------------
(1) (2/ 665). والخبر في «تاريخ ابن أبي خيثمة»: (4/ 59)، و «التعديل والتجريح»: (3/ 1131).
(2) ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»: (2/ 28).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 296)
الرواية ــ ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوِّه، ولاسيَّما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية: «من تفقَّه في دين الله كفاه الله همَّه ورَزَقه من حيث لا يحتسب»؛ فإن فيه بشارةً عظيمةً لهم، وفضيلةً بيِّنةً وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره= فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمَّنته تلك القصة!
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم، لكن لذلك شواهد وعواضد، منها ما روي عن عبد الرحمن بن أَبْزَى أنه قال: «قلت لأُبيّ لما وقع الناس في أمر عثمان: يا أبا المنذر … »(1). ومنها: ما روي عن زِرِّ بن حبيش أنه لقي أُبيًّا في خلافة عثمان(2)، ومنها: ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أُبيًّا مات قبل مقتل عثمان بجمعة(3). فأما الرواية في لُقِيّ ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، فلا شاهد لها ولا عاضد.
فإن قيل: أرأيت لو وُجِد لها شواهد وعواضد قوية، أتقبلونها؟ قلت: إن صحَّ سندها فنعم، وأيُّ شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه البينة العادلة بما يوجب القتل، أيدرأ عنه القتلَ أن يقال: لو وُجِدتْ بينة عادلة بجرح الشهود لَما كان عليه قَتْل؟--------------------------------------------
(1) ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»: (2/ 39 - 40).
(2) انظر «طبقات ابن سعد»: (8/ 150).
(3) انظر «الإصابة»: (1/ 27).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 297)
الوجه السادس: متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم، لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا. فعبد الله بن أبي أوفى سنة 86، 87، 88، وسهل بن سعد الساعدي سنة 88، 91، وأنس سنة 91، 93، 95. وأشدُّ ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة [1/ 179] السائب بن يزيد، وذلك نادر، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وللسائب نحو سبع سنين، وعامة روايته عن الصحابة، وقد يُرسل. أما ابن جزء فروى عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعًا، ولم يذكروا له رواية عن غيره، فالحرص على السماع من ابن جزء محقَّق، بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ: «على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي عمن يزيد [عددهم](1) على مائة ألف من الصحابة، ولم تَحْتوِ الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك، ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب، لاسيّما المقلِّين في الرواية».
أقول: حاصل هذا أنه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبدَ الله بن الحارث بن جَزء الزُّبيدي في الاسم واسم الأب والنسب، فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة 97 أو 98. ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم، مع أنه قد عُلم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال. فإن كان الأستاذ يشير بقوله: «في الاسم واسم الأب والنسب» ــ ولم يذكر اسم الجد ــ إلى عبد الله بن الحارث الزُّبيدي النجراني المُكْتِب، فذاك تابعي معروف.--------------------------------------------
(1) سقطت من (ط) واستدركتها من «التأنيب».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 298)
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر: «نص على أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن جَزء الزبيدي روايةً عن ابن سعد».
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا. ولم أر في «الطبقات» المطبوع لا ذا ولا ذاك، فلا أدري أفي كتاب آخر لابن سعد، أم حكاية مفردة رويت بسند(1)؟ فإن كان الثاني، فلا أدري ما حال ذاك السند؟ وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة: «وعبد الله بن جَزء الزبيدي»؟ مع أني لم أعرف سيف بن جابر(2)، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة. مع أن صنيع ابن عبد البر في «الاستيعاب» يقتضي أنه لم يعتدَّ بما حكاه في «كتاب العلم» من رؤية أبي حنيفة لابن جَزء، فإنه قال في ترجمة أنس(3) بعد أن ذكر أنه توفي سنة 91 و 92 و 93: «ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبا الطفيل». وقال في ترجمة ابن جزء(4): «كانت وفاته بعد الثمانين، وقد قيل: سنة ثمان أو سبع وثمانين، وقيل: سنة خمس وثمانين».--------------------------------------------
(1) هذا الاحتمال هو ما وجدته، فقد ذكره أبو أحمد الحاكم في «الأسامي والكنى»: (4/ 176) بإسناده إلى محمد بن سعد صاحب الواقدي حدثنا أبو الموفق سيف بن جابر … به.
(2) له ترجمة في «المقتنى»: (2/ 106) للذهبي قال: «أبو الموفق سيف بن جابر قاضي واسط» وذكر روايته عن أبي حنيفة ورواية ابن سعد عنه.
(3) (1/ 111).
(4) (3/ 883).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 299)
[1/ 180] فصل
في «تاريخ بغداد» (4/ 207) من طريق ابن الصلت: «حدثنا بِشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، حدثنا أبو حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». ثم قال الخطيب: لم يروه عن بِشر غيرُ أحمد بن الصلت، وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي حنيفة سماع من أنس بن مالك. والله أعلم. حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني ــ وأنا أسمع ــ عن سماع أبي حنيفة من أنس يصح؟ قال: لا، ولا رؤيته. لم يلحق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة».
أشار الأستاذ إلى هذا، ثم قال: «مع أن أبا حنيفة كان أكبر سنًّا من أقلِّ سنِّ التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس، مع ثبوت قدومه إلى الكوفة قبل وفاته اتفاقًا».
أقول: أما أنا فلم أعرف أن أنسًا قدم الكوفة في أواخر عمره. فإن بنى هذا على ما اشتهر من تحديثه للحَجَّاج بحديث العُرَنيين وإيذاء الحَجَّاج له وكتابة أنسٍ إلى عبد الملك يشكوه، فهذا كان بالبصرة سنة 75. على أن الحجاج انتقل من الكوفة إلى واسط سنة 86، وفيها مات عبد الملك كما هو معروف في التاريخ. وإن بنى على ما حكى عن ابن سعد في رؤية أبي حنيفة لأنس فقد مر ما فيه(1).--------------------------------------------
(1) (ص 199).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 300)
وإن بنى على أن الدارقطني ــ على ما في «تبييض الصحيفة» عن حمزة السهمي ــ قال: «لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه»، كما نقله الأستاذ (ص 15)؛ وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره (ص 15) أيضًا= فلا أرى في هذا حجة.
أما ما حكاه السيوطي عن حمزة، فقد عارضه ما مر عن الخطيب. والخطيب يروي في مواضع كثيرة من «تاريخه» عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره، كما ترى شواهد ذلك في المقدمة لِـ «تاريخ جرجان»(1). فيعلم مما ذُكر مع النظر إلى عادة الخطيب وعادة أهل عصره التي أشرتُ إليها في «الطليعة» (ص 110)(2) أنه كان عنده نسخة من كتاب حمزة، وسمعها من علي بن محمد بن نصر، فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة.
وأما حكاية [1/ 181] السيوطي، فإن كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخةُ الخطيب أثبتُ لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة، ولِما عُرِف من تثبُّت الخطيب. وإن كان أخذها من مأْخَذ آخر فلا ندري ما حاله؟
وزعم الأستاذ أن ما وقع في «التاريخ»: «مما غيَّرته يدٌ أثيمة، وكم لمصحِّح--------------------------------------------
(1) (ص 18 - 19).
(2) (ص 88).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 301)
الطبع من إجرام في الكتاب! وكان أصل الكلام « … إلا رؤيته»، فغيَّرته اليد الأثيمة إلى: ولا رؤيته».
أقول: الكتاب أي «تاريخ بغداد» طبع بمصر، ولعل الأستاذ إن كان شكَّ في تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه، أو روجع له، كما عُرف من عادته في الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه. فلو وَجَد في الأصل «إلا رؤيته» لصرَّح به. فإن عاد فحمَل على الأصل نفسه، فما باله يذكر مصحِّحَ الطبع؟ هل أَذْكَرتْه كلمةُ «الطبع» قولهم: قيل للغراب: لم تسرق الصابون؟ قال: الأذى طبعي(1)!
وعلى كلا الحالين، أليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح «تبييض الصحيفة»، أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معًا بأن يقال: كان الدارقطني استند فيما في «تبييض الصحيفة» من قوله: «إلَّا أنه رأى أنسًا بعينه» إلى رواية ليِّنة أو شهرة بين حنفية عصره تسمح بذلك، لأن ذكر الرؤية وحدها «من باب المناقب الذي يُتساهل فيه»، كما قال الأستاذ (ص 21) في قضية أخرى؛ فلما سُئل في رواية الخطيب عن الصحة نفاها.
وقول الأستاذ (ص 15): «ونفيه لسماعه بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي». يردُّ عليه أن دعوى الرؤية دعوى مجرَّدة أيضًا.--------------------------------------------
(1) وعاد الأستاذ، فعلَّق على ص (167) قوله: «وما نسب إلى الدارقطني في (4/ 208) من نفي رؤيته لأنس من تصرُّف مصحح الطبع، كما سبق تحقيقه في صدر الردود على الخطيب … ». كذا يجازف هذا الرجل هذه المجازفة، ثم يضجُّ ويعجُّ إذا نُسِب إلى بعض ذلك! [المؤلف].
قلت: المثل ذكره في «المستطرف»: (1/ 86).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 302)
فإن قيل: الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا: هذا الظاهر لا يبلغ أن يكون حجة، ولاسيما مع التساهل في المناقب. ومع هذا، فكذلك الظاهر أنه لم ينف السماع إلا عن حجة، قد تكون بنفيٍ خاصٍّ تُقبَل على مثله الشهادة.
[1/ 182] فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني، فبنَوا على اشتهار ذلك بين متأخري الحنفية، وأنه «من باب المناقب الذي يتساهل فيه»، كما نص عليه الأستاذ.
فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده، فلا بأس بالنظر فيها هنا. في «تاريخ بغداد» (13/ 330) من طريق ابن عُقْدة بسنده إلى: «مزاحم بن ذوَّاد بن عُلَيَّة يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين … ». قال الخطيب: «لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا».
قال الأستاذ (ص 19): «ألَّف في رواية أبي حنيفة الأحاديثَ عن جملة من الصحابة مباشرةً جماعةٌ من القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي … وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء، وإلا ما ساغت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عداد مسموعاته … ».
أقول: ابن عُقْدة هو أحمد بن محمد بن سعيد، تقدمت ترجمته(1). ومزاحم وأبوه ضعيفان، على أنه لم يُدْرَ أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألَّفوا في رواية أبي حنيفة عن جملة من الصحابة، فليسوا متقدمين على عصر--------------------------------------------
(1) (رقم 33).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 303)
الخطيب، ولا هم ممن يُعتدُّ به في هذا الشأن. بلغهم شيء، فرووه، ووكلوا النقد إلى أهله.
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قَلَمية من «ضعفاء ابن حبان» تاريخ ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين، وأن بعض المطالعين صحَّح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في «أنساب ابن السمعاني» المطبوع بالزنكوغراف في مادة «الخزاز»: سنة سبعين، وفي موضع آخر من الكتاب: سنة ثمانين، وأن في «ملخصه» لابن الأثير في مادة «الخزاز»: سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السِّمناني عصريَّ الخطيب ذكر قولين: سبعين، ثمانين، وأن صاحب «الجواهر المضيئة» ذكر ثلاث روايات: 61، 63، 80، وأن العيني ذكر في «تاريخه» ثلاثًا أيضًا: 61، 70، 80.
أقول: أما رواية 61، فقد مرَّ ما فيها. وأما رواية 63 فتفرَّد بذكرها في جملة ما قيل صاحب «الجواهر المضيئة»(1) المتوفى سنة 775، ولم يذكر من قالها. وأما رواية 70، فحكاها السِّمناني [1/ 183] عصريُّ الخطيب ولم ينسبها إلى قائل، ووقعت في نسخة من «الضعفاء» لابن حبان، وفي موضع من نسخة من «الأنساب» كما مرَّ عن الأستاذ مع ما فيه= فغاية الأمر أنه قيل بها في القرن الرابع.
وأما سنة ثمانين فثبتت من طرق في «انتقاء ابن عبد البر» (ص 122 - 123)(2) و «تاريخ بغداد» (13/ 330) عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وهو--------------------------------------------
(1) (1/ 53).
(2) (ص 188 - 192).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 304)
إمام جليل كوفي كأبي حنيفة، سمع منه وروى عنه. وكذلك في «تاريخ بغداد» عن زُفَر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضًا (ص 325 - 326) عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: «ولد جدِّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب … ». وفي السند نظر، لكن الأستاذ احتجَّ بتلك الرواية في تعليقه على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص 7) فقال: «صحَّ عن إسماعيل بن حماد … ». وكذلك في «الانتقاء» عن يحيى بن نصر بن حاجب، وهو حنفي توفي سنة 215. وفي «الانتقاء» آخِر (ص 123) من طريق أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي الذي يُكثِر الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه ويعبِّر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال: «سمعت القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين … ». والنيسابوري هذا متقدم على الذين ذكروا سنة سبعين.
ومن العجب أن الأستاذ قال (ص 20): «قول ابن عبد البر: «وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده … » يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق … ». ولا أدري أغلط هذا أم مغالطة! فإن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقيٍّ متقدم كما رأيت.
وعلى كل حال فتاريخ المولد يثبت ببعض ما ذُكِر فضلًا عن جميعه، ولم يعارض ذلك ما يستحق أن يُلتفت إليه. ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى إنما بُنيت على رواية بعض تلك الأحاديث الواهية دفعًا لوضوح البطلان عنها كما تقدم في قول من قال: إن وفاة عبد الله بن الحارث بن جزء سنة 97 أو 99، ثم أخذها بعضُ من لم ينظر فيها!
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 305)
ومن عجيب شأن التعصب أنه يبلغ بصاحبه من العمى أن يسعى جاهدًا في الإضرار بمن يتعصب له، متوهمًا أنه إنما يسعى في نفعه. لو كان مولد أبي حنيفة متقدمًا كما زعموا، بحيث أدرك [1/ 184] جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، كان الذي ينبغي له أن يتحرَّى السماعَ منهم لأحاديث كثيرة يحتج بها في كتبه، ويرويها عنه أصحابه كأبي يوسف ومحمد في كتبهم الثابتة عنهم. فلو ثبت مع ذلك أحاديث عن أولئك لكنها قليلة، وكان معظم روايته عمن سِنُّه قريب من سنِّه كحماد بن أبي سليمان، لكانت شُنْعةً عليه أن يتشاغل عن الاستكثار من أولئك حتى يبلغ عمره ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر، بالمخاصمة في الإرجاء والقدر كما يأتي. وسيأتي(1) في ترجمة أبي العطوف جرَّاح بن مِنهال عن سلمة بن سليمان أحد ثقات أصحاب ابن المبارك قال: «قال رجل لابن المبارك: هل كان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا، ما كان خليقًا لذاك. ترك عطاء، وأقبل على أبي العطوف! ». وقد نازع الأستاذ في صحة هذه الحكاية عن ابن المبارك بما فيه ما فيه، وهَبْ أنها لم تصح عن ابن المبارك، فالشُّنْعةُ بحالها. ولذلك حاول الأستاذ أن يُثبت أن أبا حنيفة استكثر من عطاء، وربما أنظر في ذلك في ترجمة أبي العطوف، وعلى كل حال فهذه الشُّنعة أخفُّ بكثير من عدم الاستكثار من الصحابة وكبار التابعين، فكيف إذا لم تثبت عنه رواية واحدة عن صحابي أو تابعي كبير؟ ! فأولئك المساكين والأستاذ معهم يركبون ــ كما يعبِّر به الأستاذ ــ كلَّ مركب لمحاولة إثبات أن أبا حنيفة أدرك عدة من الصحابة، ويحتمل أن يكون قد سمع منهم، وفي ذلك عبرة!--------------------------------------------
(1) (رقم 62).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 306)
قال الأستاذ: «والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول».
أقول: قد مرَّ ما فيه(1)، وهو على كلِّ حال لا يسوِّغ التشكُّك فيما قامت عليه الحجة من ذلك.
قال: «والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة 80 ترجيحًا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد وأقدمها في الوفيات، أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو الانقطاع».
أقول: لا أثر ههنا للاحتياط المذكور، بل القطع بسنة ثمانين أخذًا بالحجة الواضحة التي لم يعارضها ما يستحق أن يُلتفت إليه.
قال الأستاذ: «هنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون».
أقول: فلننظر فيها واحدًا واحدًا.
قال: «منها ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مَخْلَد العطَّار المتوفى سنة 331 في جزئه الذي [1/ 185] سماه: «ما رواه الأكابر عن مالك» حيث عَدَّ حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر، فساق حديثًا بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك. وحماد هذا وإن توفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين لكن عدَّه من الأكابر لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك أيضًا، فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة 80 بمدة لا تقل عن عشر سنين … وابن مخلد من الحفاظ البارعين من شيوخ الدارقطني، فلا يحيد عن التحقيق فيما يكتب. وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع رقم 98، وعليه تسميعات وخطوط كثيرة من حملة الرواية».
أقول: يكفي لحل هذه الشبهة أن الأستاذ نفسه قال في تعليقه على--------------------------------------------
(1) (ص 293 - 298).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 307)
«الانتقاء»(1) لابن عبد البر: «وفي هذا الجزء رواية الزهري … والثوري … وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وورقاء وغيرهم».
ومولد مالك سنة 93، والثوري سنة 97، وحماد بن زيد سنة 98، ولعل في الجزء مَن ولد بعد ذلك(2). وإبراهيم بن طهمان لم يذكروا ميلاده، ويظهر من أسامي شيوخه أنه أصغر من حماد بن زيد، لكنه صار من الأكابر في حياة مالك ومات قبله، فإن مالكًا عُمِّر. فإذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة 80، فإنه يبلغ سنُّه آخر سنة 98 ــ وهي السنة التي ولد فيها حماد بن زيد ــ تسع عشرة سنة، فأيُّ مانع من أن يولد له في هذه السنة أو قبلها؟ والأقرب أن ابن مخلد ــ إن صح ما في ذاك الجزء ــ إنما نظر إلى أن حماد بن أبي حنيفة بلغ مبلغ الأكابر في حياة مالك، ومات قبله، ولم يدقِّق في ميلاده، لأنه غير معروف. وبالنظر إلى سن أبيه يحتمل أن يكون ولد سنة 97 كالثوري، أو سنة 98 كحماد بن زيد، أو قريبًا من ذلك.
فاتضح أنه ليس فيما وقع في ذلك الجزء ما يخدش فيما قامت عليه الحجة الواضحة أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين.
هذا كلُّه إذا بنينا على صحة ما وقع في ذلك الجزء، وإلا فالغالب على الظن خلاف ذلك؛ [1/ 186] فإن ذاك الحديث وقع في ذاك الجزء هكذا: «نا--------------------------------------------
(1) (ص 42).
(2) قلت: صدق ظن المؤلف رحمه الله تعالى، ففي الجزء المذكور رواية عبد الله بن وهب عن مالك في عدة مواضع منه (ق 205/ 2 - 207/ 2 و 208/ 2) ومولد ابن وهب سنة 125، وفيه (ق 206/ 2) رواية أشهب وهو ابن عبد العزيز عنه، ومولده 145. [ن].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 308)