أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة، ثنا(1)
مالك … ». كما نقله الأستاذ فيما علَّقه على--------------------------------------------
(1) كذا هو في تعليق الكوثري على «الانتقاء» (ص 13)، ولعله خطأ غير ــ[كذا ولعل الصواب حذف «غير» بدلالة سياق الكلام]ــ مقصود من الكوثري لغرض في نفسه، فإن الذي في الجزء المذكور من النسخة التي أشار إليها الكوثري نفسه (ق 204/ 2): « … عن مالك … ». ليس فيها تصريح حماد بالتحديث. وكذلك هو في نسخة أخرى محفوظة أيضًا في ظاهرية دمشق، وعليها سماعات كثيرة (ق 38/ 2)، وإسناد الرواية فيهما هكذا: «ثنا أبو محمد القاسم بن هارون بن جمهور بن منصور الأصبهاني ــ وكتبه لي بخطه ــ قال: ثنا أبو سعيد عمران بن عبد الرحيم الباهلي الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن الأصبهاني، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن مالك بن أنس … ». فتأمل كيف تعمَّد الكوثري أن يسقط من السند نسبَ عمران «بن عبد الرحيم الباهلي» مع ثبوت ذلك في النسختين من الجزء! وما ذلك ــ والله أعلم ــ إلا تعميةً لحاله، وتمشيةً لحال إسناد روايته، ليتم له الاستدلال بها على ما رمى إليه من إثبات رواية حماد بن أبي حنيفة عن مالك، التي حاول أن يستنبط منها أن ميلاده كان قبل ميلاد مالك! وأن ميلاد أبي حنيفة كان قبل سنة 80! وهيهات هيهات، فإنها ظلمات بعضها فوق بعض، فقد كشف المؤلف رحمه الله تعالى أن عمران هذا هو ابن عبد الرحيم كما جاء في السند، وأنه متهم بالوضع، وأن ما استلزمه الكوثري من روايته ــ على فرض ثبوتها ــ غير لازم.
وأزيد عليه فأقول: إن حماد بن أبي حنيفة نفسه ليس بحجة في الرواية، فقد ضعَّفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه، ولهذا أورده الذهبي في كتاب «الضعفاء» وقال (ق 35/ 1): «مقل ضعيف الحديث».
ثم إن ما استظهره المصنف رحمه الله تعالى من أن أصل الجزء المذكور إنما هو «حماد بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة … » وأن الناسخ زاغ نظره من «أبي حنيفة … » لا يساعد عليه أن النسخة الأخرى متفقة مع الأولى في عدم ذكر أبي حنيفة، زد على ذلك أنه قد كتب ناسخ الأولى على الوجه الأول منها وتحت اسم الكتاب أكثر أسماء الرواة عن مالك، وفيهم حماد بن أبي حنيفة دون أبي حنيفة. فهذا وذاك يرجح أن لا زوغ من الناسخ، وأن الرواية هكذا وقعت لابن مخلد. والله أعلم. [ن].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 309)
«الانتقاء»(1)، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في «غرائب مالك»، وابن شاهين عن «محمد بن مخزوم، عن جده محمد بن الضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك … ». فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من «الميزان» عن السليماني: «هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك».
[1/ 187] فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة، وإنما اكتفى بما قد رُوي، فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة، لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى؛ فإنه لا بد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتّبَعَ ما يصلح أن يُذكر فيه، ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة وهي أدلُّ على مقصوده. وقد ذكر الأستاذ أنه ليس في ذلك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره: «حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، ثنا مالك»، فزاغ نظر ناسخ ذاك الجزء من (حنيفة) الأولى إلى الثانية. ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عِدَّة من الأصول القديمة عليها كثير من التسميعات والتصحيحات، وبقي فيها مثل هذا الخلل أو أشدُّ منه. راجع «التاريخ الكبير» للبخاري (ج 1 قسم 1 ص 70، 79، 80، 101، 105، 154، 157).--------------------------------------------
(1) (ص 42).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 310)
ومن غرائب الأستاذ أن يحاول تثبيت ما وقع في الجزء المذكور مع احتماله كما رأيت، ثم يحاول في «التأنيب»(1) أن يخفي اصطلاح ابن مخلد في «الأكابر» ويثبت أنه إنما يعني بهم الذين ولدوا قبل مالك، ثم يبالغ في الثناء على ابن مخلد ليخدش بصنيعه المزعوم في نصوص المتقدمين الصريحة= كلُّ ذلك لِيثبتَ أن أبا حنيفة أدرك جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، ويحتمل أن يكون سمع منهم، مع علمه أنه لا تثبت عن أبي حنيفة رواية واحدة عن واحد منهم، ويغفل عن النتيجة التي سلفت الإشارة إليها!
قال الأستاذ: «ومنها أن العُقيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن إبراهيم بن يزيد النخعي لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا نحو أربعين ألف درهم، ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم. وكانت وفاة إبراهيم النخعي سنة 95، ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين لكان سِنُّه عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن يكون في مثل هذا السنِّ لا يتصوَّر أن يهتمَّ هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي … ».
أقول: قال الأستاذ نفسُه فيما علَّقه على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص 7): «قال العُقَيلي في «الضعفاء»: حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا [1/ 188] إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا أربعين ألف درهم، وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في--------------------------------------------
(1) (ص 20 القديمة و 38 الجديدة).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 311)
الإرجاء، فأبى عليهما الحكم. فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا له، فأجابهم، وأخذ الأربعين ألف درهم»!
لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية. فالهروي والبلخي لم أجدهما(1). وإسماعيل لم يتضح لي من هو؟ وابن الأصبهاني متكلَّم فيه، قال أبو حاتم: «لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به»(2). وأخرج له النسائي حديثًا(3) ثم قال: «هذا خطأ، ابن الأصبهاني ضعيف». وقال ابن عدي(4): «مضطرب الحديث، قليل الحديث، مقدارُ ما له قد أخطأ في غير شيء [منه]». وكانت وفاته سنة 181. ويظهر من وفَيَات شيوخه أنه لم يدرك موت إبراهيم. فإن صحّ سندُ الحكاية إليه، فممن سمع القصة؟ وما عسى أن يكون أخطأ في سياقها؟
ثم أيُّ شيء فيها؟ ! كان إبراهيم شديدًا على المرجئة، وفي ترجمته من «طبقات ابن سعد»(5) عدة حكايات في ذلك. منها عن الحارث العُكْلي عن إبراهيم قال: «إياكم وهذا الرأي المحدَث ــ يعني المرجئة». وعن مُحِلِّ بن مُحرِز عن إبراهيم قال: «كان رجل يجالس إبراهيم يقال له: محمد، فبلغ--------------------------------------------
(1) أما الهروي أحمد بن محمد فيحتمل أنه ابن ياسين صاحب «تاريخ هراة» (ت 334) ترجمته في «سير النبلاء»: (15/ 340). قال الخليلي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك.
(2) «الجرح والتعديل»: (7/ 267 - 268).
(3) رقم (1811).
(4) في «الكامل»: (6/ 229) وما بين المعكوفين منه.
(5) (8/ 391 - 392).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 312)
إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء، فقال له إبراهيم: لا تجالسنا». وعن مُحِلِّ أيضًا: «قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم ــ يعني المرجئة». وعن حكيم بن جبير عن إبراهيم قال: «لأنا على هذه الأمة من المرجئة أخوَفُ عليهم من عِدَّتهم من الأزارقة». وعن غالب أبي الهذيل(1) أنه كان عند إبراهيم، فدخل عليه قوم من المرجئة قال: فكلَّموه، فغضب وقال: «إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علَيَّ».
وفي «تهذيب التهذيب»(2) في ترجمة ذرِّ بن عبد الله المُرْهِبي: «قال أبو داود: كان مرجئًا، وهَجَره إبراهيمُ النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء». وفيه(3) في ترجمة محمد بن السائب الكلبي: «وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما دمتَ على هذا الرأي لا تقرَبْنا. وكان مرجئًا». [1/ 189] فكأنهم كانوا مقموعين في حياته، فلما مات خلا لهم الجوّ واستعانوا بالمال.
وفي ترجمة إبراهيم من «تهذيب التهذيب»(4): «روى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن أبي سليمان ومغيرة بن مِقسَم الضبِّي، وخلق». وهؤلاء سوى حماد منكرين(5) للإرجاء، ولما دخل فيه--------------------------------------------
(1) (ط): «بن أبي الهذيل»، والتصحيح من «الطبقات» ومن ترجمته في «التاريخ الكبير»: (7/ 99)، و «الجرح والتعديل»: (7/ 47).
(2) (3/ 218).
(3) (9/ 179).
(4) (1/ 177).
(5) كذا في (ط) والوجه «منكرون» خبر هؤلاء.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 313)
حماد أنكروا ذلك عليه. وفي «تهذيب التهذيب»(1) في ترجمة حماد: «قال أبو حذيفة: ثنا الثوري قال: كان الأعمش يلقى حمادًا حين تكلَّم في الإرجاء، فلم يكن يسلِّم عليه، … وقال شعبة: كنت مع زبيد فمررنا بحماد، فقال: تنحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث». وفيه(2) في ترجمة عَمْرو بن مرة: «قال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه».
وعلى فرض صحة سند الحكاية إلى ابن الأصبهاني وأنه سمعها من ثقة، فالظاهر أنها تأخرت عن موت إبراهيم مدة. وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج 2 قسم 2 ص 146): «نا أحمد بن سنان الواسطي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا ورقاء، عن المغيرة قال: لما مات إبراهيم جلس الحكم وأصحابه إلى حماد، حتى أحدث ما أحدث. قال المقرئ: يعني الإرجاء». ورجاله ثقات.
وعلى صحة تلك الحكاية وأنها على ظاهرها في أن القضية وقعت عقب موت إبراهيم، فقد يكون ذكر أبي حنيفة مدرَجًا أوقع فيه اشتهارُه بالإرجاء مقرونًا بعمر بن قيس الماصر، كما قُرنا في البيتين اللَّذين في «تاريخ بغداد» (13/ 380 [388])، و «التأنيب» (ص 59).
وبعد اللَّتيَّا والَّتي، فإبراهيم توفي في أوائل سنة 96(3)؛ وذلك أن--------------------------------------------
(1) (3/ 17).
(2) (8/ 103).
(3) (ط): «97» خطأ لعله من الطباعة، وما بعده يدل على صواب ما أثبت.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 314)
أبا نعيم الفضل بن دكين قال: سنة 96، وقال ابن حبان: «مات بعد الحجاج بأربعة أشهر». والحجاج هلك في شوال سنة 95، وقيل: في رمضان منها، فإذا كان أبو حنيفة ولد أول سنة ثمانين، فإنه يتم له عند وفاة إبراهيم ست عشرة سنة، ومن كان في هذا السن وهو جَلْد ذكيّ لا يمتنع أن يستعين به أصدقاء أبيه في جمع المال ونحوه، ولاسيما إذا كان أبوه مرجئًا فإنه ينشأ متحمسًا لرأي أبيه جاهدًا فيه.
قال الأستاذ: «ومنها: أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه كان جدليًّا يشتغل بعلم الكلام، حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر القدرية وغيرهم. ثم [1/ 190] انصرف إلى الفقه، ومن تكون سِنه عند وفاة النخعي كما ذكرناه، لا يمكن له الاشتغال الطويل بالجدل قبل انصرافه إلى الفقه».
أقول: ما تضافرت الروايات، بل تنافرت. ففي «تاريخ بغداد» (13/ 331) من طريق «محمد بن شجاع الثلجي، ثنا الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ طلبَ العلم جعلت أتخيَّر العلوم، وأسأل عن عواقبها … قلت: فإن نظرتُ في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلَم مَن نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام، فيرُمى بالزندقة … قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل وتفتي الناس، وتُطلب للقضاء وإن كنت شابًّا. قلت: ليس في العلوم شيء أنفعُ من هذا. فلزمت الفقة وتعلَّمته». والروايات المخالفة لهذه والموافقة لها يُعلم ما فيها بالنظر في أسانيدها.
وهَبْ أنه صحَّ أن أبا حنيفة كان جدليًّا ثم انصرف إلى الفقه، فمتى انصرف؟ إن قيل: قد جاء عنه أنه لازم حمَّادًا ثماني عشرة سنة. قلت: إن
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 315)
صح ذلك فلعله لازمَه أولًا للإرجاء، فإن حمادًا كان يقول به في الجملة كما مرَّ، ثم أكمل المدة للفقه. فإن صح هبوطه البصرةَ نحو عشرين مرة لمخاصمة القدرية، فليس مِن لازمِ انصرافه إلى الفقه هجرُه الكلامَ في القدر البتة، ولا مِن لازمِ ملازمته حمادًا أن لا يغيب عنه في السنة الأسبوع والأسبوعين، والشهر والشهرين للحج(1) والحاجة. على أن حمادًا توفي سنة 120 كما قاله أبو بكر ابن أبي شيبة، وحكى ابن سعد(2) إجماعَهم عليه. وقول البخاري ــ وتبعه ابن حبان ــ سنة 119 متأخر عن هذا الإجماع. وملازمة أبي حنيفة حمادًا ثماني عشرة سنة معناه إذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة 80(3) أنه ابتدأ في الملازمة وسِنُّه نحو ثلاث وعشرين سنة، فلا مانع أن يكون قد مَهَر في مسائل الكلام المعروفة حينئذ كالإرجاء والقدر. وهذا ابن سينا يزعم أنه أحكم المنطقَ وأقليدس والمِجَسْطي والطبيعي والإلهي والطبَّ، وألَّف فيها أو في أكثرها، وكان مع ذلك يتلقى الفقه ويناظر فيه، وأخذ الأدب= كلُّ ذلك وعمره إحدى وعشرون سنة! ولذلك نظائر.
وبالجملة فلم يأتِ الأستاذ بعد اللَّتيَّا والَّتي بما يصح أن يُعَدَّ معارضًا لما ثبت من أن مولد أبي [1/ 191] حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضييع وقته ووقت من يتعقَّبه، والسعي فيما لو صحَّ لأنتج نقيضَ مقصوده كما سلف! والله المستعان.--------------------------------------------
(1) (ط): «للحجج» تحريف.
(2) في «الطبقات»: (8/ 452).
(3) (ط): «180» خطأ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 316)
فصل
ولنعطف على ابن الصَّلْت. هَبْ أن أبا حنيفة ولد سنة 61 أو قبلها، وأنه سمع من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فإن هذا لا يدفع إنكار الخطيب ذاك الحديثَ على ابن الصلت، من جهة أنه لم يروه غيرُه عن بِشْر، ولا يُحفظ عن أبي يوسف ولا يَثبت عن أبي حنيفة. وهذا الحديث مما تتوفر الدواعي على كثرة روايته واشتهاره، فلو كان عند أبي حنيفة لَكثُر تحديثُه به لعلوِّ السند، وإثباتِ السماع من الصحابي، والترغيبِ فيما كان يدعو إليه من طلب العلم. ولو حدَّث به لَكثُر تحديثُ تلامذته به وإثباتُه في كتبهم. فلو قال قائل: لو كان عنده لَتواتَرَ عنه، لَما أبعدَ.
وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث، ويتطلَّبون له إسنادًا صحيحًا، فلا يجدونه. ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركَّبة أو مدلَّسة أو نحو ذلك، واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة. ذكره ابن عبد البر في أوائل «كتاب العلم»(1) ثم قال: «هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة كلُّها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد». ثم ذكر(2) عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة 238 «أنه كان يقول: طلب العلم واجب، ولم يصح في الخبر». قال ابن عبد البر: «يريد إسحاق ــ والله أعلم ــ أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم--------------------------------------------
(1) (1/ 23).
(2) (1/ 52).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 317)
بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم … ».
فصل
ثم روى الخطيب(1) من طريق ابن الصَّلْت: «حدثنا محمد بن المثنَّى صاحب بِشر بن الحارث قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة [1/ 192] في زمانه [والثوري في زمانه]». قال الخطيب: «قلتُ: ذِكْر أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادةٌ من الحِمَّاني (ابن الصَّلت)، والمحفوظ ما أخبرناه عليُّ بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذَّاء، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سالم (صوابه: سَلْم) الخُتَّلي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق، حدثنا أبو بكر المروزي (صوابه: المرُّوذي) حدثني محمد بن أبي محمد(2) (صوابه: محمد بن أبي عمر، كما قاله الأستاذ) عن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه.
ثم قال: «فإن قيل: ما أنكرتَ أن تكون رواية الحِمَّاني صحيحة، والرواية الثانية(3) فيها ذِكْر أبي حنيفة، وحَذَفه بعضُ النقَلَة؟ قلتُ: مَنَع من ذلك أمران: أحدهما: أن عبد الرزاق بن هارون(4) يروي عن ابن عيينة مثل--------------------------------------------
(1) (4/ 208) وما بين المعكوفين منه.
(2) ووقع هذا الخطأ أيضًا في الطبعة الجديدة من «تاريخ بغداد»: (5/ 341).
(3) (ط): «الثابتة» تحريف، والعبارة في الطبعة المحققة من التاريخ: «والرواية الثانية نقصَ منها ذِكر … ». والنص واضح بدونها.
(4) كذا في (ط) و «التاريخ» الطبعة القديمة، وصححها في المحققة إلى «همام».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 318)
هذا القول الثاني سواء. والأمر الآخر: أن المحفوظ عن ابن عيينة سوء القول في أبي حنيفة. من ذلك ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحِنَّائي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي، حدثنا أحمد بن محمد المنكدري، حدثنا محمد بن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول (ح)(1) وأخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي عمر ــ يعني العدَني ــ قال: قال سفيان: ما وُلِد في الإسلام مولود أضرُّ على أهل الإسلام من أبي حنيفة. وهكذا روى الحميدي عن ابن عيينة. ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير شبهه في المعنى. ثم(2) ذكرناه في أخبار أبي حنيفة».
أشار الأستاذ (ص 166) إلى رواية ابن الصَّلْت عن محمد بن المثنى صاحب بِشر بن الحارث بقوله: « … وبأنه روى عن محمد بن المثنى عن ابن عيينة … ». وأشار إلى رواية ابن أبي عمر، وقال في الحاشية: «الفرق بين الروايتين عن ابن عيينة: فرقُ ما بين محمد بن المثنى ومحمد بن أبي عمر العدني، نسأل الله المعافاة، فبهذا اطلعت على جليِّة صنيع الخطيب هناك أيضًا».
أقول: لا يكاد الأستاذ يقول: «نسأل الله الصون» أو «السلامة»، أو «المعافاة» إلا حيث يكون قد فعل إحدى الفَعَلات! والفَعْلة هنا أنه لم يسُقْ السند، وفيه: عن ابن الصلت «حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث». واقتصر في أصل «التأنيب» وفي «حاشيته» في [1/ 193] ذكره--------------------------------------------
(1) زيادة من المؤلف.
(2) كذا في (ط) تبعًا للطبعة القديمة، وفي المحققة: «يشبهه في المعنى قد ذكرناه … » وهو أصح.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 319)
شيخ ابن الصلت على قوله: «محمد بن المثنى»، لم يقل: «صاحب بشر بن الحارث». وأشار إلى رجحان محمد بن المثنى على محمد بن يحيى بن أبي عمر، يريد إيهام أنه محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنَزي أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزَّمِن، فإنه هو الذي يُفهَم عند إطلاق «محمد بن المثنى». وليس في كتب أسماء الرجال المتداولة مَن يقال له: «محمد بن مثنى» غيره، وقد سمع من ابن عيينة وأدركه ابن الصَّلت. فعلم الأستاذ أن من يطالع «التأنيب»، ولا يقف على «تاريخ الخطيب»، أو لا يراجعه في ذاك الموضع؛ لا يقع إلا على هذا الحافظ.
والواقع أن الذي في السند: «محمد بن مثنى صاحب بِشر بن الحارث» كما مضى. وهذا رجل آخر، ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج 4 ص 286): «محمد بن المثنى بن زياد أبو جعفر السِّمسار، كان أحد الصالحين، صحِب بِشرَ بن الحارث وحفظ عنه، وحدَّث عن نوح بن يزيد وعفَّان بن مسلم وغيرهم … ». ثم ذكر قول ابن أبي حاتم: «كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق»، وأنه «مات سنة 260». وهذا دون ابن أبي عمر بكثير، ولم يخرِّج له أحد من الستة. وابن أبي عمر روى عنه مسلم في «صحيحه» مائتي حديث وستة عشر حديثًا على ما في «التهذيب»(1) عن كتاب «الزهرة». وستأتي ترجمته(2)، والنظر في كلام الأستاذ فيه.--------------------------------------------
(1) (9/ 520).
(2) لم أجد ترجمته في «التنكيل» فلعله كتبها في المسوّدة ثم ضرب عليها، أو ذهل عن كتابتها.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 320)
وفوق ذلك، فالسِّمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأن ابن الصلت افتُضح في روايته عنه أنه قال: «سمعت ابن عيينة»؛ فإن ابن عيينة مات سنة 198، والمسمَّون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان. فبشر بن الحارث سنة 227، وعفان 220، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته، لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة 198 ــ كما في «تاريخ بغداد» (ج 4 ص 181) ــ وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخرَّاز المقرئ المتوفى سنة 286 كما في «تاريخ بغداد» (ج 4 ص 303) = فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين، أو بعد ذلك. أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلَّهم، فلو عرفوا للسِّمسار سماعًا من ابن عيينة، أو أحد أقرانه، أو مَن قَرُب منهم؛ لكان أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفَّان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب، فما الذي منعه أن يسمِّي شيخًا أشهرَ من السمسار وأثبتَ، لا يُشَكُّ في سماعه من ابن [1/ 194] عيينة؟
قلت: منعه علمُه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يُفتضح، لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهلُ العلم في استقصاء ما رووه.
ومع ما تقدَّم، فلا معنى للموازنة بين شيخ ابن الصَّلْت وبين ابن أبي عمر، ما دام ابن الصَّلْت فيه ما فيه. ومع ذلك فقد عضد الخطيب رواية ابن
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 321)
أبي عمر برواية عبد الرزاق بن هارون(1)، وهي عنده في ترجمة سفيان من «التاريخ» (ج 9 ص 154) من وجهين بنحو رواية ابن أبي عمر. وقريب منها رواية العباس بن يزيد البحراني في «تاريخ بغداد» (ج 3 ص 227).
فقد اتضح جدًّا صحة قول الخطيب: إن المحفوظ عنده اقتصار ابن عيينة على الثلاثة، لم يذكر أبا حنيفة؛ فإنَّ المحفوظ عندهم هو الطرف الراجح، كما مرَّ في ترجمة الخطيب(2). ولا يخفى على عارف اطلع على ترجمة ابن الصلت أنَّ روايتَه بالنسبة إلى ما قال الخطيب إنه المحفوظ عنده: نسبةُ الوهمِ إلى الظن!
وأما قول الخطيب: «الأمر الآخر أن المحفوظ عن ابن عيينة … » فالحكاية التي ذكرها ساقها بسندين في أحدهما المنكدريّ، وفي الآخر ابن درستويه، وستأتي ترجمتاهما(3).
وحاصل الكلام فيهما: أن المنكدريّ ليس بعمدة، ولكنه أحسنُ حالًا من ابن الصلت بكثير؛ وأن ابن درستويه موثَّق لا يضرُّه ما قيل فيه. مع أن رواية الخطيب من طريقه عن يعقوب بن سفيان إنما يأخذها الخطيب من «تاريخ يعقوب بن سفيان»، فرجحانُ هذه الرواية وحدها على رواية ابن الصلت واضح جدًّا. فقول الأستاذ: «أفبمثل هذين الإسنادين يكون الخبر محفوظًا؟ » لا وجه له، على أن الخطيب ضمَّ إلى ذلك رواية الحميدي، وهي--------------------------------------------
(1) كذا وقد تقدم (ص 318) أن صوابه: «همام».
(2) (رقم 26).
(3) (برقم 36 و 119).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 322)
عنده في «التاريخ» (ج 13 ص 399 [419 - 420]) من وجهين رجالُ كلٍّ منهما ثقات، وإن تكلم الأستاذ في بعضهم بما بيَّنتُ حاله في تراجمهم. والحميدي إمام، وإن كره الأستاذ. ثم أشار الخطيب إلى الكلمات الأخرى وهي معروفة.
ومن تأمل ما تقدَّم، وعرف ابنَ الصلت معرفة جيدة، ولم يُعمِه الهوى= لم يَرْتَبْ في صحة حكم الخطيب على ابن الصلت بأنه زاد تلك الزيادة من عنده. على أن المدار في هذه الأمور على غلبة الظن، فلا يُلتفت إلى الاحتمالات البعيدة؛ بل من تدبر ما يرويه ابن الصلت في [1/ 195] المناقب، وقارَنَ ذلك بما رواه الثقات فيها وفي غيرها= عرف تزيُّدَه في غير موضع. والله المستعان.
ثم قال الأستاذ: «فكأنَّ ابن الصلت كَفَر في نظر الخطيب بذكره أبا حنيفة في عداد(1) هؤلاء الثلاثة … وهذا هو محض الإجحاف. أبو حنيفة الذي ملأ ما بين الخافقين علمًا … إذا ذُكِر في صفِّ هؤلاء الثلاثة يكون ذلك من أبرز الحجج على كذب ابن الصلت كذبًا بيِّنًا. هذا ما لا يقوله إلا من اعتلَّ قلبه اعتلالًا لا دواء له … ».
أقول: هذا ديدن الأستاذ: إذا أعْوَزته الحجة لجأ إلى التهويل على العامة! قد ذكر الخطيب حجَّتَه كما تقدم شرحه، وأئمة الحديث كثيرًا ما يطعنون مثل ذاك الطعن بنحو تلك الحجة، وإن كان المرويُّ فضيلةً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأحد كبار أصحابه، كما تراه في كتب الموضوعات وكتب الضعفاء، فهل يُرَدُّ كلامُهم بمثل هذا التهويل! فلينظر--------------------------------------------
(1) (ط): «عدد».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 323)
الأستاذ، أو غيرُه من العارفين في «دلائل النبوة» لأبي نعيم، أو في «الخصائص الكبرى» للسيوطي، وليراجع نفسَه فيما يستنكره، وعمَّ نشأ استنكاره؟ أعن اعتقاده نقصًا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بغضٍ له، أو حرصٍ على غمط فضله؟ فالخطيب لم يجعل زيادةَ ابن الصلت من أبرز الحجج على كذبه من جهة أنها منقبةٌ لأبي حنيفة، بل من الوجهين اللذين نصَّ عليهما، مع ما عُرِف من حال ابن الصلت بغير هذه الحجة. وماذا يغني الضجيج أمام الحجة إلا كما قيل:
أوسعتُهم سبًّا، وأودَوا بالإبلْ(1)!
أو كما قال الآخر:
فلا تُكْثِروا فيها الضِّجاجَ فإنه … محا السَّيفُ ما قال ابنُ دارةَ أجمعا(2)
فصل
ثم ختم الأستاذ كلامه بقوله (ص 168): «ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من الرواة يركضون وراءه، يردِّدون صدى الطاعن أيًّا كانت قيمة طعنه، ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يُغبَطون عليه».--------------------------------------------
(1) مثل مشهور قاله كعب بن زهير في قصة له، انظر «الأمثال» (ص 321) لأبي عبيد، و «مجمع الأمثال»: (3/ 426).
(2) نسبه أبو عبيدة وابن الأعرابي والآمدي إلى الكميت بن ثعلبة. انظر: «المغتالين ــ نوادر المخطوطات» (2/ 157)، و «اللسان» (دور). وقال المرزباني في «معجم الشعراء» (238): «وغيرُ أبي عبيدة يروي هذه الأبيات للكميت بن معروف، وهو أولى بالصواب»، وله في «الوحشيات» (116) و «البيان والتبين» (1/ 389).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 324)
[1/ 196] أقول: مات ابن الصلت سنة 308. ولم يذكروا مولده، لكن قال ابن عدي: «رأيته سنة 297، فقدّرت أن له سبعين سنة، أو أكثر». فلنجعل الزيادة المحتملة سبعًا، فيكون مولده سنة 220. لكنه يروي عمن مات سنة 228 كمسدَّد ويحيى الحِمَّاني، وسنة 227 كبشر بن الحارث وسعيد بن منصور وأحمد بن يونس، وسنة 226 كإسماعيل بن أبي أويس ومحمد بن مقاتل، وسنة 224 كأبي عبيد، وسنة 222 كمسلم بن إبراهيم، وسنة 221 كالقعنبي وعاصم بن علي، وسنة 220 كعفَّان، وسنة 219 كأبي نعيم وأبي غسان، وسنة 215 كثابت بن محمد الزاهد. ومِن هؤلاء مَن لم يكن بالكوفة منشأِ ابن الصلت، فلو كان أدركهم وطبقتَهم وسمع منهم لكان مولده تقريبًا على رأس المائتين، فيكون بلغ من العمر مائة سنة وثماني سنين. ولو صحَّ ذلك أو احتمل الصحة عند محدِّثي عصره لَفُتِنوا به، كعادتهم في الحرص على علوِّ الإسناد، ولو كان في الشيخ لِين. وقد تشبَّث الأستاذ بذلك في كلامه في عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي كما يأتي في ترجمته(1). فزُهْدُهم في ابن الصلت واضحُ الدلالة على أنهم كانوا يرون أنه لم يدرك أولئك القدماء الذين يحدِّث عنهم، وقد صرَّحوا بذلك كما يأتي. وليس بيد الأستاذ إلا تلك الحكاية عن ابن أبي خيثمة، وقد علمتَ حالها.
فأما الطاعنون، فوقفتُ على جماعة منهم:
الأول: حافظ الحنفية عبد الباقي بن قانع البغدادي (ولد سنة 265 أو في التي تليها، ومات سنة 351). وكان مع ابن الصلت في بغداد، ولما بلغ--------------------------------------------
(1) (رقم 133).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 325)
أوانَ الطلب كان ابن الصلت على فرض صحة سماعه من أولئك القدماء في نحو ثمانين سنة من عمره، فلا بدّ أن يكون ابن قانع قد قَصَده وجالسه، وسمع منه؛ طلبًا للسماع مع علوّ السند والموافقة في المذهب. ولكنه بعد اختباره لابن الصلت قال فيه: «ليس بثقة». فهل كان ذنبُ ابن الصلت عند ابن قانع الحنفي ما قاله الأستاذ (ص 167): «لكن ذنبُ الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة»!
الثاني: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ الشافعي (277 - 365). ينظر تمام كلامه في ابن الصلت في «كامله»(1) والمنقول منه في «لسان الميزان»(2): «رأيته سنة سبع وتسعين ومائتين(3) … ما رأيت في الكذَّابين أقلَّ حياءً منه. كان ينزل إلى(4) الورّاقين، فيحْمِل مِن عندهم [1/ 197] رِزَمَ الكتب،--------------------------------------------
(1) (1/ 199). وتمام كلام ابن عدي: «رأيته في سنة سبع وتسعين ومائتين يحدث عن ثابت الزاهد، وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قومًا قد ماتوا قبل أن يولد بدهر. قال الشيخ: وما رأيت في الكذابين أقلَّ حياء منه. وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحْمِل مِن عندهم رِزَمًا فيحدِّث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد؛ منهم من ذكرت ثابت الزاهد، وعبد الصمد بن النعمان، ونظراؤهما. وكان تقديري في سِنّه لما رأيته سبعين سنة أو نحوه. وأظن ثابت الزاهد قد مات قبل العشرين بيسير أو بعده بيسير. وعبد الصمد قريب منه، وكانوا قد ماتوا قبل أن يولد بدهر» اهـ.
(2) (1/ 612).
(3) (ط): «وثلاثمائة» خطأ.
(4) في (ط) تبعًا للطبعة القديمة: «يترك (؟ )»، والمثبت من الطبعة المحققة. وفي «الكامل»: «ينزل عند».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 326)
ويحدِّث عمّن اسمُه فيها، ولا يبالي متى مات، وهل مات قبل أن يولد أولا». قال ابن حجر: «ثم ذكر له أحاديث» يعني مما يبيِّن كذبه.
الثالث: أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتي الحافظ (قبل 280 - 354). قال في ابن الصلت: «راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءًا لأنتخب فيه، فرأيته قد حدَّث عن يحيى بن سليمان بن نضلة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «ردُّ دانِقٍ من حرام أفضل عند الله من سبعين حَجةً مبرورةً». ورأيته حدَّث عن هنّاد، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «لردُّ دانقٍ من حرام أفضل من مائة ألف يُنفق في سبيل الله»، فعلمتُ أنه يضع الحديث، فلم أذهب إليه. ورأيته يروي عن جماعة ما أحسبه رآهم! »(1).
وابن عدي دخل بغداد سنة 297، وابن حبان دخلها بعد سنة 300، وكان أحمد بن علي الأ بَّار قد توفي سنة 290؛ ولكن الأستاذ يقول: «ذنب الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنَّون أن يصفو الجوُ للأبَّار الذي كانوا حملوه على تدوين مثالب أبي حنيفة إفكًا وزورًا، فتحاملوا على الحِمَّاني هذا؛ ليُسقطوا رواياته»!
الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (306 - 385). قال في ابن الصلت: «يروي عن ثابت الزاهد وإسماعيل ابن أبي أويس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومَن بعدهم، يضع الحديث» هكذا في--------------------------------------------
(1) «المجروحين»: (1/ 153).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 327)
«تاريخ بغداد» (ج 5 ص 104). وفيه (ج 4 ص 209): «حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سُئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ــ وأنا أسمع ــ عن جمع مُكْرَم بن أحمد فضائلَ أبي حنيفة، فقال: موضوع كلُّه كذب، وضعه أحمد بن المغلِّس الحِمَّاني». وراجع «الطليعة» (ص 96 - 97)(1).
الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك» (321 - 403). قال: «روى ابن الصَّلْت عن القعنبي ومسدَّد وابن أبي أويس وبِشر بن الوليد أحاديث وضعها، وقد وضع أيضًا المتون مع كذبه في لُقِيِّ هؤلاء»(2). وبِشر بن الوليد مات سنة 238، فإن صح ما فرَضْناه من مولد ابن الصلت، فقد أدرك بشرًا، وعن بشر روى حديث: «طلب العلم فريضة» كما تقدم.
[1/ 198] السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني الحافظ (333 - 425). عدَّ ابنَ الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين.
السابع: أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (336 - 430). قال في ابن الصلت: «روى عن شيوخ لم يَلْقَهم بالمشاهير والمناكير»(3).
الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (338 - 412). قال في ابن الصلت: «كان يضع». هكذا في «تاريخ بغداد»(4). وفي--------------------------------------------
(1) (ص 74 - 76).
(2) كلام الحاكم في كتاب «المدخل إلى الصحيح»: (1/ 128 - ط العبيكان).
(3) «الضعفاء» (ص 65).
(4) (4/ 209).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 328)