فأما ما روي عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب من ذكر اليمن، فلذلك أسوة بالأحاديث الكثيرة التي غلِط فيها أحمدُ هذا الغلطَ الفاحش، حتى اضطُرَّ أخيرًا إلى الرجوع عنها. ومع ذلك فقد تكلف بعضهم تأويل روايته المذكورة بما لا حاجة إلى ذكره.
وأما أنهم لم يذكروا ترجمةً لوالدي الشافعي، فلم يُعرف أبوه بالعلم وما كلُّ قرشي حُفظت له [1/ 399] ترجمة، ولعل الذين حُفظت تراجمهم لا يبلغون عُشْرَ مِعشار الذين كانوا موجودين. وأما تاريخ الوفاة فالمحدِّثون إنما عُنوا بتقييد وفيات الرواة لمعرفة اتصال الرواية عنهم وانقطاعها، وما أكثر الرواة المشاهير الذين لم تقيَّد وفياتهم، والذين ذكرت وفياتهم منهم وقع في كثير منها الاختلاف المتباين. فأما والدا الشافعي فلم يتعانيا الرواية أصلًا. والأستاذ نفسه يتحقق هذا كلَّه، ولكنه يأبى إلا الشعبذة على الجهال! وقد عرف الناس تاريخ ولادة الشافعي، وأن أباه توفي عقب ذلك بسنة أو نحوها. فأما أمه فعاشت إلى أن بلغ ابنها مبلغ العلماء، وجهَّزتْه حيث خرج إلى اليمن، فولي فيها ما ولي.
قال الكوثري: «وعَدُّ شافعٍ صحابيًّا أول من ذكره هو أبو الطيب الطبري».
أقول: لم أر في المنقول ما يصرح بصحبته، فهو على الاحتمال. فإنْ كان وُلد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو صحابي، وإلا كفتنا صحبة أبيه.
قال: «أول من عد السائب صحابيًّا من مسلمة بدر، هو الخطيب في «تاريخه» بدون سند».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 669)
أقول: في «الإصابة»(1): «قال الزبير في كتاب «النسب»: ولد عبيد بن عبد يزيد السائب، وكان يشبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأُسِرَ يوم بدر. وذكر ابن الكلبي أنه كان يشبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق أبي محمد أحمد بن [محمد بن] عبد الله بن [محمد بن] العباس بن عثمان بن شافع(2) بن السائب قال: سمعت أبي يقول: اشتكى السائب بن عبيد، فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب بن عبيد فإنه من مُصَاصَةِ قريش. قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أُتي به وبعمِّه العباس: هذا أخي».
وذكر في ترجمة شافع(3) ما رواه الحاكم من طريق إياس بن معاوية، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم في فُسْطاط إذ جاء السائب بن عبيد ومعه ابنه، فقال: من سعادة المرء أن يشبه أباه.
وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب كما تقدم، فالسائب صحابي حتمًا، ولا يهمُّنا أتقدم إسلامه أم تأخر. وقد عدُّوا في الصحابة عبيدًا والد السائب وعبد يزيد جده. وعلى كل حال ففي أجداد الشافعي صحابي حتمًا، وقيل: اثنان في نَسَق، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة. وقد قال الأستاذ ص 165: «على أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي عمن يزيد عددهم على مائة ألف من الصحابة، ولم--------------------------------------------
(1) (3/ 23 - 24) وما بين المعكوفات منه.
(2) (ط): «نافع» تحريف.
(3) كذا في (ط) وفي العبارة تحريف أو سقط؛ لأن ترجمة شافع من «الإصابة»: (3/ 310) لم يرد فيها هذا النص، وإنما جاء في «الإصابة»: (3/ 23) في ترجمة السائب بن عبيد وأولها: «وروى الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق إياس … » إلخ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 670)
تحتوِ الكتب المؤلفة في الصحابة عُشْرَ معشار ذلك». فإذا لم ينص [1/ 400] المتقدّمُ على صحبة رجل، فاستدركه مَنْ بعده، لم يكن في ذلك ما يريب في صحبته.
ثم قال الأستاذ: «وربما يعذرنا إخواننا الشافعية … ».
أقول: لا ريب أنهم إذا عرفوا الأستاذ وما يقاسيه من ذات نفسه يعذُرونه في أنفسهم ويرحَمونه، وإن كان ذلك لا ينفعه عند الله عز وجل!
وقد ضجَّ الأستاذ (ص 18) مما روي عن يزيد بن زُرَيع: «كان أبو حنيفة نبطيًّا». فقال الأستاذ: «ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبه، فهو لم يزل على خلال الجاهلية» مع أن الأستاذ يعرف من مذهبه أن العجم أكفاء بعضهم لبعض من جهة النسب، وليسوا أكفاء للعرب، وأن سائر العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولعل النبط أقرب إلى الشرف الديني من الفرس!
وقال الكوثري (ص 4) من «التأنيب»: «ومن تابع الشافعيَّ قائلًا: إنه قرشي، فله ذلك؛ لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم. وفي «صحيح مسلم»(1): «من أبطأ به عملُه لم يسرع به نسبُه». على أن هناك من العلماء من هو قرشي باتفاق، فيفضَّل على مَن في قرشيته خلاف، لو كان هذا الأمر بالنسب».
أقول: قد علمتَ الإجماع على نسب الشافعي مع الحجج الأخرى. فأما أن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، فإن أراد أنه لا يجب أن يكون كلُّ قرشي أعلم من كلِّ أعجمي مثلًا، فهذا حق لا يشتبه على أحد.--------------------------------------------
(1) (2699) ولفظه: «من بطّأ».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 671)
وكذلك لا يجب أن يكون كلُّ تابعيّ أعلمَ من كلِّ مَنْ يأتي بعده، ولا كلُّ من كثر أتباعه أعلمَ من كلِّ من كان أقلَّ منه أتباعًا. وكذلك كلُّ من أبطأ به عملُه لا تسرع به تابعيتُه ولا كثرةُ أتباعه، بل ذلك أضرُّ عليه. وقد وضع الحديثَ في غير موضعه، فإن الشافعي لم يبطئ به علمُه ولا عملُه، وإنما ينبغي أن يُذكر هنا حديث «الصحيحين»(1) وغيرهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «أفعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم، قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهوا».
ومن ذكر من أهل العلم في مزايا الشافعي أنه عربي قرشي مطَّلبي فلم يحتجَّ بفضيلة النسب من حيث هو نسب، ولكن من حيث ما هو مظنة. فإن ذلك يقتضي فضلَ معرفةٍ بالدين الذي أنزله الله تعالى على النبي العربي بلسان عربي، روعي فيه عقول العرب وأفهامهم وطباعهم، [1/ 401] ويقتضي فضل محبةٍ للدين وغيرة عليه وحرصٍ على عدم الشذوذ عنه. فإن من اجتمع له الحق والهوى أشدّ لزومًا للحق ممن جاء الحق على خلاف هواه.
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127 - 129].--------------------------------------------
(1) البخاري (3374)، ومسلم (2378) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظه «فعن».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 672)
وقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2 - 4].
فالأميون الذين بُعث فيهم الرسول فتلا عليهم آيات الله، وزكَّاهم، وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وكانوا من قبل في ضلال مبين هم العرب الذين أدركوا نبوته، علَّمهم مباشرة أو قريبًا منها بأن أرسل إليهم رسولًا وهو صلى الله عليه وسلم حيٌّ ينزل عليه الوحي. والآخرون الذين لم يلحقوا بهم قد نصَّ القرآن أنهم «منهم»، فهم ذريتهم.
فأما ما روي أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الآخرين، فسكت عنه ثلاثًا، ثم وضع يده على سلمان الفارسي وقال: «لو كان الإسلام بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء»(1)، فهذا لا يخالف الدلالة الواضحة من القرآن. وإنما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن جواب السؤال لأن القرآن واضح بنفسه لمن تدبره. ثم وضع يده على سلمان، وقال ما قال على سبيل أسلوب الحكيم، كأنه قال: الأولى أن يسأل السائل: هل يختص الدين بالأميين الذين بُعِث فيهم الرسول مباشرة ومن يلحق بهم منهم؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال المقدَّر.
فأما ما وقع في الرواية «رجال أو رجل» فشكٌّ من الراوي، وأكثر--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (7950)، وابن أبي شيبة (33183)، والترمذي (3933)، وابن حبان (7308) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي أسانيده ضعف، وله شواهد.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 673)
الروايات «رجال» بلا شك، لكن جاء حديث آخر: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس ــ أو قال من أبناء فارس ــ حتى يتناوله»، ولم يذكر في هذا الحديث قصة الآية، لكن كلا الحديثين من رواية أبي هريرة. فإن كان أصل الحديثين واحدًا، واللفظ «رجل»، فلا شبهة أنه كناية عن سلمان كما تعيِّنه القرينة. وإن كانا حديثين فالرجل سلمان والرجال هو وآخرون. هذا هو المعنى الواضح [1/ 402] لمن أراد أن يفهم المراد من الكتاب والسنة(1). وأما من يريد أن يجرَّهما إلى هواه، فلا كلام معه.
والمقصود هنا أن الشافعي ممن نالته المزية التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل، وذُكِرَت في الآيات. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33 - 34] وجاء في كتاب الله عز وجل عدة آيات تدل على انقطاع الاصطفاء عن ذرية آل عمران، وبقي في غيرهم من آل إبراهيم.
وفي الإصحاح الثاني من «سفر أرميا» في صدد توبيخه اليهود على ارتدادهم وعبادتهم الأصنام ما يدل على أن بني قيدار كانوا في عهده ثابتين على ملة إبراهيم، قال: «لذلك أخاصمكم ــ يقول الرب ــ وبني بنيكم--------------------------------------------
(1) وقد تكلم المؤلف على معنى الآية في رسالة فرضية الجمعة (ضمن مجموع رسائل الفقه) (ص 316 - 318) وذكر في «الحكم المشروع» (ص 588 - ضمن رسائل الفقه) أن له مقالة في بيان المراد من الآية.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 674)
أخاصم. فاعبروا جزائر كِتِّيم وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهوا جدًّا(1)، وانظروا هل صار مثل هذا؟ هل بدلَّت أمة آلهة وهي ليست آلهة، أما شعبي فقد بدَّل مجده بما لا ينفع». هكذا في النسخة المطبوعة بنيويورك سنة 1867 م.
وبنو قيدار هم بنو إسماعيل، ومنهم عدنان أبو قريش.
وجاء في «الصحيحين»(2) وغيرهما كـ «المستدرك» (ج 4 ص 605) وغيره، كما ترى تفصيل ذلك في «فتح الباري»(3) باب قصة خزاعة، وفي «الإصابة»(4) ترجمة أكثم بن الجون ما يُعلم منه أن عَمرو بن لُحَيّ أول من بدَّل دين إبراهيم أي ــ والله أعلم ــ في مكة ونواحيها. وعمرو هذا من اليمن على الراجح، وليس من ذرية إسماعيل على الراجح، وكان في عصر كنانة.
وفي «صحيح مسلم»(5) وغيره من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فهذا يدل أن--------------------------------------------
(1) كأنه إشارة إلى أن بني قيدار بنو عمكم، ولم يُبعث فيهم نبي بعد إسماعيل، وبُعث فيكم عدد كثير من الأنبياء، وبعضهم بين ظهرانيكم، ومع ذلك هم ثابتون على الدين الحق وأنتم خرجتم منه. [المؤلف]
(2) البخاري (1212)، ومسلم (901) من حديث عائشة، وأخرجاه (3521) (2856) من حديث أبي هريرة.
(3) (6/ 547 وما بعدها).
(4) (1/ 106 - 108).
(5) (2276). وأخرجه الترمذي (3606)، وأحمد (16986).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 675)
عمرو بن لُحَيّ استغوى بعضَ بني إسماعيل، وثبت كنانة. ثم سرى التبديل إلى بعض ذرية كنانة، وثبت قريش، فانفرد بالاحتراز عن التبديل أو عن الإغراق فيه. ثم سرى الفساد في ذرية قريش، وانفرد هاشم بنحو ما انفرد به قريش، فكان بنو هاشم أقرب الناس إلى الحق حتى اصطفى الله تعالى رسولَه [1/ 403] منهم.
وقد تقدم(1) قوله صلى الله عليه وسلم: «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». افترق بنو عبد مناف فانضم بنو نوفل إلى بني عبد شمس، وانضم بنو المطلب إلى بني هاشم، فكانوا معه ودخلوا معهم شعب أبي طالب لما قاطعت قريش بني هاشم بسبب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بقوا مع بني هاشم في الإسلام، وبقوا معهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولما افترق بنو هاشم انضم بنو المطلب إلى ألصق الفريقين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهم بنو ابنته. وكان والد الشافعي معهم، فلما أصيبوا فرَّ إلى فلسطين حيث وُلد له الشافعي. فالشافعي من آل إبراهيم ثم من كنانة ثم من قريش، ثم من بني المطلب الذين هم وبنو هاشم شيء واحد، ثم ظهر في الإسلام أنهم ألصق بالنبي صلى الله عليه وسلم من بعض بني هاشم، ثم فَقُه:
وهل يُنبت الخطِّيَّ إلا وشيجُه … وتُغرَس إلا في منابتها النخلُ(2)
بل قد يقال: إن الله تعالى اختص رسولَه صلى الله عليه وسلم وعشيرته بخصائص كثيرة، فلا يكاد يوجد لغيرهم فضيلة إلا ولهم من جنسها ما هو أفضل. وهذه الأمة قد كادت تُطبق على اتباع أربعة علماء، فيهم رجل واحد من عشيرة النبي--------------------------------------------
(1) (ص 663).
(2) البيت لزهير بن أبي سلمى «ديوانه» (ص 95 - صنعة ثعلب».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 676)
صلى الله عليه وآله وسلم، فقضية ما تقدَّم أن يكون أكمل من بقية الأربعة. وقد ذكر بعضهم أن مذهب الشافعي هو مذهب أهل البيت؛ لأنه من بني المطلب الذين كانوا وبني هاشم شيئًا واحدًا، ثم لما افترق بنو هاشم انضموا إلى ألصق الفريقين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان بنو فاطمة في عصر تأسيس المذاهب مضطهَدين مروَّعين لا يكاد أحد يتصل بهم إلا وهو خائف على نفسه، فلم يتمكنوا من نشر علمهم كما ينبغي. وكان من أبناء الأعاجم قوم لهم منازع سياسية ضد الإسلام، كانوا يتذرعون بإظهار التشيع للعلويين إلى أغراضهم، فكذبوا على أئمة العلويين كذبًا كثيرًا، فاشتبه الأمر على كثيرٍ من أهل العلم. أما الشافعي فإنه تلقَّف العلم من أصحاب جعفر بن محمد بن علي الحسين وغيرهم، ثم تجرَّد للعلم وأعرض عن السياسة، فصفا له الجو، فأسس مذهبه، فساغ أن يقال: إن مذهبه هو مذهب أهل البيت. والذي لا ريب فيه أنه إنْ صح أن يسمَّى واحد من المذاهب الأربعة: مذهب أهل البيت، فهو مذهب الشافعي، وأهل البيت أدرى بما فيه.
* * * *
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 677)
[1/ 404] فصل
كما حاول الأستاذ أن يشكّك في عربية الشافعي في نسبه، كذلك حاول أن يتكلم في عربيته في لسانه، فذكر حكايتين عن «كتاب التعليم» وقد عرفتَ حاله، وذكر قضايا أخرى.
الأولى: أن الشافعي فسَّر قوله تعالى: {أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] بقوله: تكثر عيالكم.
أقول: نصَّ الكسائيّ على أن من العرب الفصحاء من يقول: «عال فلان» بمعنى كثر عياله. وكذلك جاء عن الأصمعي وغيره من الأئمة. ومع ذلك فعال يعول يأتي اتفاقًا بمعنى الزيادة والكثرة، كالعَول في الفرائض، والآية تحتمل هذا الوجه، أي أن لا تكثروا، ويكون المراد بدلالة السياق: يكثر عيالكم.
أما الاعتراض بأن أكثر المفسرين فسَّروها بقولهم: أن لا تميلوا، فليس الكلام هنا في رجحان وجه على آخر، وإنما الكلام في قول الشافعي أخَطأٌ هو في العربية أم صواب؟ وقد ثبت بما تقدم أنه ليس بخطأ في العربية، فغاية الأمر أن يقال: هو خطأ في التفسير. وذلك لا يضرُّنا هنا، لأن جماعة من الصحابة قد أخطؤوا في بعض التفسير، ولم يعدّ ذلك قادحًا في فصاحتهم. ومع هذا فقد يرجح تفسير الشافعي بوجهين:
الأول: أن طاوسًا(1) قرأ {ألا تُعيلوا}(2) والمعنى على هذا حتمًا:--------------------------------------------
(1) (ط): «طاوس».
(2) انظر «البحر المحيط»: (3/ 510).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 678)
تكثر عيالكم، واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه.
الوجه الثاني: أن سياق الآية {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]. ومعنى قولهم: ذلك أدنى أن لا تميلوا، هو ذلك أدنى أن تعدلوا، وهذا قد علم من أول الآية فيكون تأكيدًا. فإذا احتملت الآية ما قال الشافعي فهو أولى، لأن التأسيس أولى من التأكيد. وقد صح نحو تفسير الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. رواه ابن جرير(1)، ونسبه بعضهم إلى زيد بن أسلم نفسه(2).
الثانية: قال الأستاذ(3) «قوله: (حارة) في تفسير {مُؤْصَدَةٌ} [الهمزة: 8] … مع أنها بمعنى محيطة بلا خلاف».
أقول: لم أجد هذا التفسير عن الشافعي. وقول الكوثري: «بمعنى محيطة بلا خلاف» [1/ 405] غلط، بل منهم من قال: مطبقة، ومنهم من قال: مغلقة. فإن صح ما نُسِب إلى الشافعي فهو من التفسير باللازم المقصود؛ لأنها إنما تطبق أو تغلق ليشتدّ حرُّها.
الثالثة: قال: «وقوله: (معلِّمي الكلاب) في تفسير {مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4] مع أنه بمعنى مرسلي الكلاب»!
أقول: المعروف في اللغة والتفسير ما قال الشافعي.--------------------------------------------
(1) (6/ 380).
(2) أخرجه عنه ابن أبي حاتم: (3/ 860).
(3) كل هذه المواضع في «التأنيب» (ص 27 - 28 القديمة، 49 - 50 الجديدة).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 679)
الرابعة: قال: «وقوله: (فحل الإبل والبقر) في تفسير الفحل في قول عمر رضي الله عنه: لا شفعة في البئر ولا في الفحل. مع أنه فحل النخل».
أقول: يرد على هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتصحيح النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر مرويّ عن عثمان لا عن عمر.
الثالث: أنه لو صح ذلك عن الشافعي لكان دليلًا على فصاحته؛ لأن لفظ «فحل» يطلق على الإبل والبقر بلا خلاف، فأما في النخل فالمعروف أن يقال «فُحَّال»، بل قال بعضهم: لا يقال فيه إلا فُحَّال، كما في «النهاية»(1).
الخامسة: قال: «وقوله في التصرية إنها من الربط، مع أنها من جمع الماء في الحوض … ».
أقول: عبارة الشافعي كما في «مختصر المزني» بهامش «الأم» (ج 2 ص 184)(2) وغيره: «التصرية: أن تُرْبَط أخلاف الناقة أو الشاة ثم تُترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع بها لبن … ». وهذه العبارة إنما تعطي أن حقيقة التصرية هي ما يحصل من مجموع تلك الأمور: الربط، وترك الحلاب مدة، واجتماع اللبن. فأما اشتقاق الكلمة أمن الصرِّ وهو الربط، أم من الصري وهو الاجتماع؛ فهذا لا علاقة له بكلام الشافعي، أولًا: لأنه في مقام بيان المعنى لا الاشتقاق، ثانيًا: لأنه قد ذكر الاجتماع كما ذكر--------------------------------------------
(1) (3/ 416).
(2) (ص 82).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 680)
الربط. وربط الأخلاف لازم التصرية في عادة العرب، وذلك أنها إذا لم تُربط رضعها ولدها، أو حلبها محتاج. وكان العرب يتسامحون في حلب إبل غيرهم إذا لم تكن مصرَّاة، يعدُّون عدم تصريتها بمنزلة الإذن لمن يحتاج في حلبها. قال الشاعر(1):
[1/ 406] قد غاث ربُّك هذا الخلقَ كلَّهُمُ … بعامِ خصبٍ فعاش الناسُ والنَّعَمُ
وأبهلُوا سَرْحَهم من غير توديةٍ … ولا ذيارٍ ومات الفقرُ والعَدَمُ
يعني أرسلوها غير مصرَّاة لاستغنائهم عن اللبن، فلا يبالون أن ترضعها أولادُها أو يحلبها من شاء.
وفي الحديث: «لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ امرئ بغير إذنه، أيحبُ أحدُكم أن تُؤتَى مَشْرُبتُه فتُكسرَ خزانتُه … »(2). وجاءت أحاديث أخرى بالإذن، منها حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا أتيتَ على راعٍ فنادِه ثلاثًا، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تُفسِد»(3). وجمع بعض أهل العلم بين الأحاديث بأن النهي محمول على المصرّاة؛ لأن تصريتها علامة على عدم الإذن، والإذن في غيرها؛ لأن ترك التصرية دليل على الإذن. وهذا أقوى ما تُحْمَل عليه--------------------------------------------
(1) البيتان في «الصحاح»: (2/ 666)، و «اللسان»: (4/ 313 و 11/ 71) أنشدهما الكسائي من غير عزو.
(2) أخرجه البخاري (2435)، ومسلم (1726) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) أخرجه أحمد (11812)، والطحاوي في «مشكل الآثار»: (2824) والحاكم: (4/ 132) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف، وله شواهد يتقوى بها.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 681)
الأحاديث، وفيها إشارة إليه لقوله في الأول: «فتكسر خزانته»، والكسر إنما يكون إذا كانت مغلقة، وإغلاق ضرع الناقة هو تصريته. فأما غير المصرَّاة فهي شبيهة بالخزانة المفتوحة. ولقوله في الحديث الآخر: «من غير أن تُفسد»، وحلُّ الرباط إفساد.
والمقصود هنا أن الربط كان من لازم التصرية في عادتهم، فكانت حقيقة التصرية إنما تحصل بالربط والترك مدةً واجتماع اللبن، كما قال الشافعي. وذكر بعض أئمة اللغة أنه يجوز أن تكون المصرَّاة أصلها المصرَّرة أي المربوطة، إلى آخر ما قال، ولا حاجة بعبارة الشافعي إلى هذا كما علمت.
السادسة: قال: «وقوله في تفسير الفِهْر في قول عمر: كأنهم اليهود قد خرجوا من فِهْرهم ــ البيت المبني بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم ودرسهم مطلقًا، سواء كان في بنيان أو صحراء».
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتثبيت النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر منسوب إلى عليّ كما في «نهاية ابن الأثير»(1)، لا إلى عمر، ولفظه في «النهاية»: «خرجوا من فهورهم».
الثالث: قوله: «مطلقًا … » لم أجدها في كتب اللغة والغريب. وراجع «مفردات الراغب» ليتبين لك كثرة الكلمات التي يُطلق تفسيرها في كتب--------------------------------------------
(1) (3/ 482).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 682)
اللغة، وحقُّها التقييد.
[1/ 407] الرابع: كلمة «خرجوا من» ظاهرة في التقييد بالبيان.
الخامس: أنه قد اختلف في تفسير الفهر، فقيل: مدراس اليهود يجتمعون إليه في عيدهم. وقيل: يوم يأكلون فيه ويشربون(1). فقول القائل: البيت المبنيّ بالحجارة الكبار، حقُّه أن يُعَدَّ قولًا آخر إنْ كان قائله ممَّن يعتدُّ به كالشافعي. فإنْ بان أن الصواب غيره دلَّ ذلك على أنه لم يعرف معنى الكلمة، وإنما قال باجتهاده، وهذا لا يدل على عدم فصاحته، فإنه ليس من شرط الفصيح أن يعرف معاني جميع الألفاظ العربية. فقد كانت تخفى على بعض الصحابة معاني بعض الكلمات من القرآن، فيجتهدون ويقول كل منهم ما ظنه، فيختلفون ويخطئ بعضهم، وليس ذلك من عدم الفصاحة في شيء. ويتأكد هذا إذا كانت الكلمة أصلها من غير لغة العرب كهذه، فإنها نبطية أو عبرانية. ولا لوم على العربي الفصيح أن يخطئ في معرفة معنى كلمة غير عربية. وقد قال بعض الفصحاء(2):
لم تَدْرِ ما نسجُ اليَرَنْدَجِ بالضُّحَى
فزعم أن اليرندج ثوب يُنسج.--------------------------------------------
(1) انظر «القاموس» (ص 589).
(2) هو عمرو بن أحمر الباهلي. ورواية البيت مع عجزه:
لم تدرِ ما نسجُ اليرندَجِ قبلها … ودراسُ أعوصَ دارسٍ متجددِ
انظر: «الشعر والشعراء»: (1/ 359) و «الجمهرة» (ص 1328).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 683)
وقال آخر(1):
ولم تَذُقْ من البقولِ الفستقا
فزعم أن الفستق بقل. ولذلك نظائر معروفة.
السابعة: قال: «وصف(2) الماء بالمالح، مع أن الماء لا يوصف به، وفي القرآن: {مِلْحٌ أُجَاجٌ} وأما المالح فيوصف به نحو السمك».
أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أنه لا يقال لا في الماء ولا في السمك. وذكر ابن السِّيد في «الاقتضاب» (ص 116)(3) ذلك، ثم نقضه بعدة حجج، ثم قال: «وحكى علي بن حمزة عن بعض اللغويين أنه يقال: ماء مِلْح، فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة. قال: ولا يقال: ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه. وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس؛ لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: مَلُحَ الماءُ وأملَحَ، فأسندوا إليه الفعل كما يسند إلى الفاعل. ولم يقل أحد: مَلُحَ السمكُ. إنما قالوا: ملَحتُ السمكَ إذا جعلت فيها الملح» ثم قال: «وأنشد أبو زياد الأعرابي قال: أنشدني أعرابي فصيح:--------------------------------------------
(1) عجز بيت لأبي نُخَيلة. وصدره: «برّيّة لم تأكل المرققا». انظر: «الشعر والشعراء»: (2/ 602) و «الجمهرة» (ص 1329).
(2) كذا وفي «التأنيب»: «ووصفه».
(3) (2/ 223 - 225 - ط السقا وحامد عبد المجيد).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 684)
صبَّحن قَوًّا والحَمامُ واقعُ … وماءُ قَوٍّ مالحٌ وناقِعُ»(1)
[1/ 408] وفي «لسان العرب»(2) عن ابن الأعرابي: «ماء أجاج … وهو الماء المالح»، وعن الجوهري: «ولا يقال: مالح، وقال أبو الدُّقيش: ماء مالح وملح». ثم قال: «قال ابن بري: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء … وقال عمر بن أبي ربيعة(3):
ولو تفلَتْ في البحر والبحر مالحٌ … لأصبح ماء البحر من ريقها عَذْبا
قال ابن بري: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد(4) ابن أبي صفرة … ».
والحاصل أن قولهم: «ماء مالح» ثابت عن العرب الفصحاء نصًّا، وثابت قياسًا، لكن أكثر ما يقولون: «مِلْح». ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي: «مالح» أتى بها الشافعي في كتبه، لأنه كان يتحرّى التقريب إلى أفهام الناس كما يأتي عن صاحبه الربيع. ومع هذا فقد شهد جماعة للشافعي بأنه من الفصحاء الذين يحتج بقولهم، فيكون قوله حجة على--------------------------------------------
(1) البيت في «مقاييس اللغة»: (5/ 347)، و «اللسان»: (2/ 599).
(2) (2/ 599).
(3) ليس في «ديوانه»، ويُنسب إلى جميل «ديوانه» (ص 36)، وإلى المجنون «ديوانه» (ص 66).
(4) كذا في «اللسان»، والصواب: «أبي عيينة بن محمد» كما في «التنبيه والإيضاح»: (1/ 274). انظر ترجمته في «طبقات الشعراء» لابن المعتز (388). وزاد محقق التنبيه والإيضاح «ابن» قبل أبي عيينة، وهو خطأ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 685)
صحة الكلمة. فإن تنازلنا وسلَّمنا أن الشافعي مختلف في فصاحته قلنا: فالكلمة مختلف في صحتها، فحقُّها إن لم يقم دليل على صحتها أن لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها للاختلاف في الأمرين، فكيف إذا قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقام الدليل على فصاحته!
الثامنة: قال: «وقوله: ثوب نَسوي لفظة عامية».
أقول: هذا أيضًا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي. ثم إن كان نسبة إلى (النساء) فهو الصواب كما قال سيبويه وغيره(1). وإن كان نسبة إلى (نَسا) وهي البلدة المعروفة فهو القياس. وقول ياقوت(2): «والنسبة الصحيحة إليها نَسائي، وقيل: نَسَوي أيضًا، وكان من الواجب كسر النون» فيه ما فيه.
التاسعة: قال: «وقوله: العَفريت ــ بالفتح ــ مما لم يقله أحد».
أقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، ولو قاله لعددناها لغة لبعض العرب.
العاشرة: قال: «وقوله: أشلَيتُ الكلبَ بمعنى زجرته، خطأ، صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره».
[1/ 409] أقول: لم يكفِ هذا الأنوَك(3) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب وغيره! والموجود في كتب الشافعي استعماله بمعنى--------------------------------------------
(1) انظر «تاج العروس»: (20/ 238).
(2) في «معجم البلدان»: (5/ 282).
(3) أي: الأحمق.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 686)
الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته». وصحَّح غيرُه مجيئه في المعنيين.
الحادية عشرة(1): قال: «وقوله في «مختصر المزني»: وليست الأذنان من الوجه فيغسلان. والصواب: فيغسلا».
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوح أو ممتنع. وفي «الهمع» (ج 2 ص 12)(2): «وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا(3)، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدلّ على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه. وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور … ». فإن قيل: فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما».
بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال. قال الرضي في «شرح الكافية» (ج 2 ص 245): «وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا كقوله تعالى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36] وقوله:
ألم تَسألِ الرَّبْعَ القَواءَ فينطقُ(4)--------------------------------------------
(1) (ط): «العاشرة» خطأ.
(2) (2/ 391 - ط عبد الحميد هنداوي).
(3) في «الهمع»: «قادم فتحدّثنا».
(4) مطلع قصيدة لجميل بن معمر «ديوانه» (144). وعجزه:
وهل تُخْبِرَنْكَ اليومَ بيداءُ سَمْلَقُ
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 687)
وقوله:
لم تدرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ(1)
جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب … جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى».
ومع هذا فقد جاء إهمال «أن» مضمرةً وظاهرةً، وعدَّ ابنُ هشام(2) من الأول قول الله عز وجل: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم: 24] ومن الثاني قراءة ابن محيصن: {لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة} برفع الميم.
وفي «الهمع» (ج 2 ص 3)(3): «قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها».
الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول «المختصر»(4): «اختصرتُ هذا الكتاب من عِلْم محمد بن إدريس الشافعي--------------------------------------------
(1) البيت من قصيدة لمويلك المزموم في رثاء امرأته. انظر «حماسة أبي تمام» (1/ 439). وصدره: فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً.
(2) في «مغني اللبيب»: (2/ 839 و 1/ 46).
(3) (2/ 363).
(4) (ص 1).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 688)