وعامتهم» (1) فإن حصل اختلاف بين الراعي والرعية وجب عليهما الرجوع إلى الكتاب والسنة عملاً بقوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (2) حيث إن سلطة التشريع الإسلامي لها قوة فوق قوة الحاكم والمحكوم، فلو كان ولاة الأمر، وحكام البلاد تجب طاعتهم طاعة مطلقة، أو كانوا معصومين من الخطأ كما يدعي غلاة الشيعة لما كان لقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) معنى بل كان يقول فردوه إلى الحاكم أو إلى الإمام، ومن ذلك يتبين ضعف هذا القول وصحة قول الجمهور من أنه لا طاعة في المعصية (3). لأن ذلك هو الموافق للأدلة، فقد روى مسلم من حديث أم الحصين: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا» (4) فجعل القيادة بكتاب الله سببًا للسمع والطاعة (5).
وقد وضع النووي في شرحه لصحيح مسلم عنوانًا «باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية» (6) فدل بذلك على أن هذا هو ما يراه صوابًا. وفي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (7).
وقد اختلف العلماء في درجة الانحراف التي تسقط بها بيعة الحاكم وتنحل ولايته ويجوز عندها الخروج عليه على قولين:
القول الأول: قول من يقول بوجوب الصبر على الإمام أو الحاكم وإن أخذ المال وضرب الظهر وأظهر المعاصي، ما دام يقيم الصلاة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم (8): «ما أقاموا فيكم الصلاة»، واستدلوا أيضًا بقوله--------------------------------------------
(1) رواه مسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص72 - 73.
(2) سورة النساء آية (59).
(3) انظر تفسير القرطبي ج5 ص260 - 261.
(4) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج3 ص1468 (باب الإمارة).
(5) انظر في ظلال القرآن سيد قطب ج5 ص417.
(6) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج12 ص222.
(7) انظر مشكاة المصابيح ج2 ص1092 ح3696.
(8) انظر ص468 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 515)
تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (1). وللحديث المروي عن خالد بن عُرفطة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل» (2).
القول الثاني: قول الجمهور وهو أن الله عز وجل قد حرم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض إلا بحق شرعي يبيح ذلك، فقد حرم قتل النفس بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (3). وقال تعالى في حق الأموال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (4).
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (5). وروى مسلم في صحيحه أن من خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (6).
وقد علمنا أن كلام الله ورسوله لا يخالف بعضه بعضًا ولا يناقضه وقد امتدح الله هذا التنزيل بتلك الصفة فقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (7).--------------------------------------------
(1) سورة المائدة آية (29).
(2) انظر مسند الإمام أحمد ج5 ص292.
(3) سورة الإسراء آية (33).
(4) سورة النساء آية (29).
(5) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج2 ص1080.
(6) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج2 ص889.
(7) سورة النساء آية (82).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 516)
فالذي يسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب بغير حق وعرضه للانتهاك يكون آثمًا بنص الكتاب والسنة حيث إن الآيات والأحاديث متواترة على عدم الطاعة في المعصية والتعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (1).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال «هو في النار» (2). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد» (3).
فإذا كان هذا في شأن المال فالدفاع عن الدين والنفس والعرض أولى من ذلك.
والرد على الذين يرون وجوب الطاعة في المعصية، فيما دون ترك الصلاة. أن يقال لهم، ما رأيكم في إسلام من جعل اليهود خاصته وأصحابه، والنصارى جنده وبطانته، وحمل السلاح على كل من وحَّد الله من المسلمين، وحارب المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهو مع ذلك يتظاهر بالإسلام وبالصلاة في بعض المناسبات لتلتقط له الصور التي يضحك بها على السذج والبسطاء، أترون أنه يجوز الخروج عليه أم لا؟
فإن منعوا الخروج على مثل هذا فقد منعوا الخروج على كل كافر، وقد حارب الصحابة رضي الله عنهم المرتدين واعتبروهم كفارًا بمخالفتهم--------------------------------------------
(1) سورة المائدة آية (2).
(2) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج1 ص124 (كتاب الإيمان).
(3) المصدر السابق ج1 ص125.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 517)
بالشهادتين وقد أجمع الفقهاء في مختلف العصور على كفر من يقف من أحكام الإسلام مثل هذا الموقف، فلو كان مجرد الاعتصام باسم الإسلام مع عدم العمل به يكفي في الانتماء إلى هذه الأمة، لكفى المنافقين والمرتدين من طائلة العذاب (1). فالواجب إذًا أنه إذا وقع الحاكم في شيء من الجور أو الظلم -وإن قل- أن ينصح ويكلم في ذلك، فإن اقتنع ورجع إلى الحق، وأذعن لاستيفاء الحق منه، وجبت طاعته، ولا سبيل إلى خلعه، فإن لم يمتنع عن جوره وظلمه، ولم يكن لأصحاب الحق أن يستوفوا حقهم منه، وجب خلعه وإقامة غير مقامه، ممن يقوم بالحق لأنه لا يجوز تضييع شيء من واجبات الدين مراعاة لأهواء الظلمة من الحكام والولاة (2).
فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب خلعه، وانحلت بيعته وحرمت طاعته لأنه في مثل هذه الحال يستحق وصف الكفر (3) بخروجه على شرع الله عن عمد وإصرار، واستباحة واستصغار قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (4).
فالكافر تحرم طاعته، وتجب معصيته ومقاطعته، وأما الحاكم المسلم العدل تجب طاعته وتحرم منازعته، أما الحاكم الفاسق أو العاصي فهو الذي يدور فيه الخلاف، وللعلماء في عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه ثلاثة آراء هي:
أولاً: وجوب العزل إذا ظهر الفسق بالقول أو الفعل.
ثانيًا: منع العزل إذا كان العزل يفضي إلى فتنة متوقعة أشد من المصلحة المتوقعة من العزل.--------------------------------------------
(1) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج4 ص171 - 175 وانظر الدرر السنية ج9 ص264 - 265.
(2) انظر المصدر السابق الفصل ج4 ص175 - 176.
(3) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص507.
(4) سورة المائدة آية (44).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 518)
ثالثًا: منع العزل مطلقًا.
وبما أن الاستطراد في توضيح هذه الأقسام الثلاثة قد يخرج بنا عن نطاق الموالاة والمعاداة إلى صلب النظرية السياسية في الإسلام، فإننا نكتفي بالإشارة إلى ما نراه راجحًا في هذه المسألة حيث إنه بإمكان القارئ أن يرجع إلى هذه الأقوال في مصادرها التي سنشير إليها في هامش هذه الرسالة تلافيًا لإطالة الموضوع بلا سبب قوي يوجب ذلك.
والرأي الذي أرجحه من هذه الآراء الثلاثة أن الحاكم إذا عصى وارتكب أمرًا يوجب فسقه القولي أو الفعلي نُظِرَ إليه، فإن كان العزل يمكن أن يتم بطرق سلمية كما هو الأصل في الشريعة الإسلامية، وجب عزله عند حصول المعصية نظرًا إلى أن الأصل من شروط الولاية العدل في الخليفة وتحقق العدالة فيه، فإذا نقض هذا الشرط بنفسه وجب خلعه، كما يحصل في بعض الدول الكافرة التي أخذت ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله، فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك، أو أن يلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة. وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام. فإذا كان عزل الحاكم لا يتم بالطرق السلمية كما ذكرنا، فإني أرى الرأي القائل بكراهية الخروج على الحاكم وعزله ونقض بيعته إذا كان الغالب على الظن حصول فتنة بذلك كما هو رأي جمع من العلماء (1).
فالعزل الذي يترتب عليه سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وتعطيل الحدود الشرعية، لا شك أنه يجلب على الأمة ودينها أكثر--------------------------------------------
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص116 - 130.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 519)
مما ينشده المصلحون من دفع المفاسد الحاصلة بسبب فسق الحاكم وحكومته.
فقد تكون مصلحة الأمة في بقائها وصبرها على المعاصي ومحاولة إصلاحها بالتي هي أحسن أعظم من وقوعها في دوامة الصراع والتناحر مع شخص الحاكم وحكومته، إذ لا يعلم نهاية الصراع وآثاره المدمرة وما يقع فيه إلا الله تعالى.
كما أنه لا يجوز القول بوجوب العزل في كل مسألة فسق مهما صغرت، لأن ذلك يؤدي إلى عدم وجود دولة تحكم بالكلية، نظرًا إلى أن الإنسان غير معصوم من الخطأ وارتكاب بعض صغائر الذنوب، فلو أخذ أحد برأي المعتزلة الذين يرون وجوب العزل في كل معصية مهما صغرت، لتوالى أمر العزل والتولية بشكل مستمر، مما يفقد هذا المنصب أهميته واستقراره، وهيبة أهله التي يجب أن يكون لها في نفوس الناس وقع واحترام (1). وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في المصابرة ووجوب الطاعة للولاة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا.
أما إذا كان الغالب على الظن عند ظهور فسق الحاكم ومعصيته أن عزله لا يترتب عليه حصول فتنة، وأن التغيير له يمكن أن يمر بسلام فيستحب عزله وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: أن احترام وطاعة رئيس الدولة ومحبته واجب شرعي بشرط أن يحترم نفسه، ومنصبه، ويحترم حق الأمة في هذا المنصب وأن يتبوأه بحقه أما إذا انحرف عن ذلك فإن للأمة الحق في تتبع المنحرف عن دستورها السماوي، ومجازاته على انحرافه لئلا يظن أن له حصانة تحميه من المحاسبة على أقواله وأفعاله فيشجعه هذا الظن السيئ على الفسق--------------------------------------------
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص 131 - 132.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 520)
والفجور، وديننا أسمى وأكمل من الأنظمة الوضعية التي تعزل الحاكم وتنزل به أشد العقوبات عند الخروج على نظامها. فكيف من يخرج على نظام شرعه الله من فوق سبع سموات؟!!
ثانيًا: إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد، حيث يفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق، وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو تمييز، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» (1).
ولكن للأسف الشديد إن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى، ومهما أباح وحرم، ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول -بحمد الله- لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم، أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق، فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضى الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه.
لقد وجد الطغاة جمهورًا من علماء النفاق ووعاظ المسكنة الذين زينوا للطغاة انحرافهم، وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤنة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية (2) وهؤلاء الذين يتزيون بزي العلماء وهم كمثل--------------------------------------------
(1) رواه الإمام أحمد بسند صحيح - انظر المسند بشرح أحمد شاكر ج1 ص168 (ط 4 - دار المعارف بمصر).
(2) انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب/ يوسف العظم ص25 - 50.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 521)
الحمار يحمل أسفارًا، قد جروا على البلاد الإسلامية مفاسد كثيرة لا تعد ولا تحصى وفيهم يقول ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدين إلا الملو
ك وأحبار سوء ورهبانها (1)
ويقول الشاعر سليمان بن سحمان في وصف دار الكفر وحكم الكافرين ما يلي:
إذا ما تولى كافر متغلب
على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجري بها أحكام كفر علانيا
وأظهرها فيها جهارا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد
ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق
كما قاله أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره
فرب امرئ فيهم على صالح العمل
ولم تجر للكفار أحكام دينهم
على أهلها لكن بها الكفر قد حصل
وما كان فيها الجانبان على السوى
فقال تقي الدين في ذلك المحل
يعامل فيها المسلمون بحقهم
وذا الكفر ما قد يستحق من العمل
فلا تعط حكم الكفر من كل جانب--------------------------------------------
(1) انظر الدرر السنية ج1 ص191.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 522)
ولا الحكم بالإسلام في قول من عدل
ومن يتول الكافرين فمثلهم
ولا شك في تكفيره عند من عقل
ومن قد يواليهم ويركن نحوهم
فلا شك في تفسيقه وهو في وجل
وكل محب أو معين وناصر
ويظهر جهرًا للوفاق على العمل
فهم مثلهم في الكفر من غير ريبة
وذا قول من يدري الصواب من الزلل
فوالي الذي والي لدين محمد
وعادى الذين عاداه من كل من جهل
وأبغضهم في الله جل جلاله
كما قد أحب المهتدين وما غفل (1)
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الدولة إذا كانت كافرة كحال معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه حيث تحرم ما أحل الله وتبيح ما حرم الله، وتجري بها أحكام الكفر علانية، فإن موقف المسلم منها أن يعاديها ويبغضها، ولا يناصرها بقول أو فعل عملاً بقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (2).
أما إن كانت الدولة فاسقة عاصية ظالمة، فإن مودتها غير جائزة، ومناصرتها غير مشروعة إلا ضد من هو أشد منها فسقًا وظلمًا، بناء على القاعدة الفقهية في درء أعظم المفسدتين بأدناهما (3).--------------------------------------------
(1) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص126 - 131.
(2) سورة المجادلة آية (22).
(3) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج1 ص575.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 523)
ولو صبر على فسقها وظلمها في حالة عدم وجود من هو أصلح منها لكان ذلك أمرًا مباحًا، وإذا كان إحلال غيرها محلها يترتب عليه من المفاسد أعظم مما ينشده المصلحون من المصالح فإن الأولى الصبر عليها وعدم الخروج عن طاعتها، أما لو أخذ المسلمون بمبدأ نظام الحكم في الإسلام أخذ صحيحًا لوجب عزل الحاكم بالطرق السلمية عند فسقه وعصيانه (1).
أما إذا وُجِدَ الحاكم المسلم العدل والحكومة الإسلامية الحقة فإن طاعتها واجبة ومناصرتها فريضة والخروج عليها معصية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (2). وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم» (3).
فحق الولاة على المسلمين طاعتهم في غير معصية الله ورسوله، ومناصرتهم وتأييدهم بما ليس فيه ضرر على المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وإذا فليطمئن الحاكم المسلم على نفسه ما دام يحكم بالإسلام حيث قد ضمن الإسلام وجوب طاعته وحرم الخروج عليه، وإذا انحرف الحاكم عن حكم الله وعطل شرع الله فالخطأ خطؤه والجريمة جريمته، وما يلقاه من عنت ومشقة حينئذ إنما سببه تعديه على حدود الله، كحال أي مجرم يتعدى على الحدود الشرعية، فيكون جزاءه الردع والتأديب، ولذا فإن دار الإسلام هي التي يحكم فيها الإسلام وحينئذ يجب أن يتولى المسلمون فيها بعضهم بعضًا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بأهلها إما القتال،--------------------------------------------
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي فهيد السرباتي ص131 - 132.
(2) سورة النساء آية (59).
(3) رواه البخاري - انظر فتح الباري - ج13 ص5.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 524)
وإما المهادنة على عهد أمان، ولكن ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين (1).
سواء كان حكامها من الكفار الأصلاء أم العملاء فهما وجهان لعملة واحدة هي الكفر.
يقول الشاعر:
سيان من جاء باسم الشعب يظلمه
أو جاء من "لندن" بالبغي يبغيه (2)--------------------------------------------
(1) انظر معالم في الطريق/ سيد قطب ص184 - 185.
(2) انظر شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ج1 ص45.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 525)
الفصل الثاني: الموالاة والمعاداة للفرق التي تنتسب إلى الإسلام
1 - تقديم لهذا الفصل حول افتراق هذه الأمة.
2 - المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية.
3 - المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية.
4 - المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية.
5 - المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 527)
تقديم: حول افتراق هذه الأمة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، وفي رواية «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (1)، والحديث بسنده ومعناه صحيح في الجملة، وقد اختلف العلماء في كون هذه الفرق في النار، فقال قوم هو أن هذه الفرق تدخل النار لبدعتها، وإن كانت، لا تخلد فيها، لأنه لا يخلد فيها منهم إلا من وصل ببدعته إلى حد الكفر، مثل الغلاة من الفرق الباطنية، الذي يؤلهون عليا، أو ينكرون تمام الرسالة أو القرآن أو يئولون أركان الإسلام تأويلاً فاسدًا مثل تأويلات الدروز والنصيرية لأحكام الإسلام.--------------------------------------------
(1) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج1 ص12 - 23، رقم الحديث (203، 204).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 529)
يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة» فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة عن الإسلام، إذ قد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من أمته، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله (1). اهـ.
واختلف العلماء في أهل البدع:
القول الأول: من كفرهم جميعًا وهذا القول قال به بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو إلى المتكلمين (2).
القول الثاني: من كفر الجهمية دون الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. وقد قال بهذا القول: يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك وتبعهم على ذلك طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم (3).
القول الثالث: من لا يكفر أحدًا من أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قول الرسول صلى الله عليه وسلم «في النار» مثل ما جاء في سائر الذنوب من أكل مال اليتيم ونحو ذلك (4).
ويقول: ابن تيمية رحمه الله «وفصل الخطاب في هذا الباب يذكر أصلين:
الأصل الأول: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، وإذا كان الأمر كذلك، فأهل البدع فيهم الزنديق حيث كان--------------------------------------------
(1) انظر تهذيب سنن أبي داود لابن قيم الجوزية ج7 ص154. وانظر إجابة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. مجلة الدعوة السعودية عدد (821) الاثنين 27/ 1/1402هـ. ص26.
(2) انظر فيما تقدم مذكرة في الملل والنحل أملاها الدكتور/ محمد رشاد سالم على طلاب قسم العقيدة في كلية أصول الدين للعام الدراسي 96/ 1397هـ. من ص6 - 7.
(3) المصدر السابق المكان نفسه.
(4) المصدر السابق المكان نفسه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 530)
رؤساء أهل البدع منافقين زنادقة وهذا كفر ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطن وظاهر، ولكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ومن أهل البدع من يكون فيه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، لا يرقى به إلى درجة الكفر. ومن أهل البدع من يكون مخطئًا ومتأولاً مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى، ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه» (1).
الأصل الثاني: إن المقالة الواحدة يختلف حكمها بحكم قائليها فمن جحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أباح الزنا والخمر والربا ونكاح ذوات المحارم، فهذه المقالة كفر بواح لا غبار عليها.
وقد يقول بذلك إنسان لم يبلغه الخطاب، ولم تبلغه الشرائع (2) الإسلامية فلا يكفر بذلك، لأنه لا يحكم بكفر من جحد شيئًا مما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم أنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). اهـ.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الغلاة من الفرق الباطنية.
فأجاب: أن كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة التشيع، أو من المرجئة والقدرية وغيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ص7.
(2) روى عبد الله بن بسر أن أعرابيًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». انظر سنن ابن ماجه ج4 ص418 رقم (3855) وانظر مسند أحمد ج4 ص188 - 190.
(3) انظر فيما تقدم مذكرة في الملل والنحل أملاها الدكتور/ محمد رشاد سالم على طلاب قسم العقدية في كلية أصول الدين للعام الدراسي 96/ 1397هـ ص7.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 531)
للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالفًا له، لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم (1).
ويقول عبد القاهر بن طاهر البغدادي (2) إن وصف «أمة الإسلام» لا يشمل إلا من كان مقرًا بحدوث العالم، وتوحيد صانعه، وقدمه وصفاته، وعدله، وحكمته، ونفى التشبيه عنه، وآمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعموم رسالته إلى الكافة، وقام بتأييد شريعته، واعتقد أن كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق وبأن القرآن الكريم خال من الزيادة أو النقص، وأنه مع السنة متبع أحكام الشريعة، وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها، فكل من أقر بذلك، ولم يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو من أهل السنة الموحدين الداخلين في مسمى أمة الإسلام (3).
ثم يقول: «إن فرقة الزيدية والإمامية معدودتان في فرق الأمة الإسلامية، ما عدا الغلاة منهما فخارجون عن الإسلام».
أما الفرق الباطنية كالدروز والنصيرية والقرامطة ونحوهم فهي ليست من فرق الإسلام بل هي فرق خلطت بين المجوسية والنصرانية والإسلام فأخذت من كل بطرف زيادة في التضليل والنفاق (4). اهـ.--------------------------------------------
(1) انظر الفتاوى لابن تيمية ج35 ص201.
(2) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي البغدادي الشافعي (أبو منصور) فقيه، أصولي، متكلم، أديب، مشارك في أنواع من العلوم، ولد ببغداد ونشأ بها وسكن نيسابور ودرس بها سبعة عشر عامًا وتوفي بأسفرايين سنة (429هـ) من مؤلفاته الكثيرة: الكلام في الوعيد الفاخر في الأوائل والآواخر، شرح المفتاح لابن القاص في فروع الفقه الشافعي، الملل والنحل للبغدادي، كتاب التفسير، التكملة في الحساب، وله أشعار كثيرة. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج5 ص309.
(3) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص12 - 13.
(4) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص21.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 532)
وقد عدَّ ابن تيمية رحمه الله فرقة النصيرية التي تدعى العلوية من الفرق الخارجة عن الإسلام (1). اهـ.
وعلى هذا فإن الحكم على الفرق المنتسبة إلى الإسلام يختلف باختلاف نظرتها واعتقادها في أصول الإسلام، فمن يعتقد في أصل من أصول الإسلام ما يوجب الكفر يحكم بكفره ومن يعتقد تأويلاً باطلاً في أصل من الأصول فإنه لا يحكم بكفره ولكنه يوصف بالفسق والعصيان إذا كان هذا التأويل لا يوجب الكفر وذلك مثل اعتقاد بعض الشيعة بأن الصلاة جماعة غير واجبة حتى يخرج المهدي المنتظر في زعمهم فمن حافظ على الصلاة منفردًا منهم فلا يكفر بترك الجماعة لأن مسألة حضور الجماعة ليست أصولية يحكم بكفر من تركها.
فالخلاف في الأصول الشرعية لا يعذر فيه أحد، ولذلك لما كتب أحمد بن علي القاسمي رسالة إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله يقول فيها «ولا يعترض أحد منا على أحد في مذهبه، وكل مجتهد مصيب» فرد عليه عبد العزيز - وهو من العلماء العاملين والحكام العادلين - بقوله «هذا في مسائل الفروع، لا في الأصول، حيث إن المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم يدَّعون أنهم مصيبون (2). قال تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (3)».
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (4). اهـ.
فمن المعلوم أن أهل السنة والجماعة وإن اختلفوا في بعض المسائل--------------------------------------------
(1) انظر الفتاوى لابن تيمية ج32 ص145 - 161 وانظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص252 - 255.
(2) انظر الدرر السنية ج1 ص148 - 150.
(3) سورة الأعراف آية (30).
(4) سورة الكهف آية (103، 104).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 533)
الفقهية الفرعية، فإن اختلافهم ناجم عن اجتهاد محض، ودوافع بريئة من كل شائبة في غالب أحوالهم، وهذا الاختلاف إن كان اختلاف تنوع في بعض المسائل الفرعية فهو أمر لا يعيب المختلفون فيه بعضهم بعضًا.
وإن كان اختلاف تضاد في مسائل فرعية فيجوز وصف أحد المخالفين بالخطأ والآخر بالصواب، ولكن المخطئ لا يخرج من ملة الإسلام ما لم يتعمد سلوك الخطأ عن علم ويقين، أما من أخطأ عن اجتهاد منه في مسألة فرعية، فلا ضير عليه (1).
أما الخلاف في أصل من أصول الإسلام فهو أمر لا يجوز قولاً واحدًا، ومن خالف في أصل من أصول الإسلام فحكمه الكفر، ومن يخالف في أصل واحد كمن يخالف في سائر الأصول، ومذهب أهل السنة والجماعة فيمن خالف في أصل من أصول الإسلام أنهم يوجبون البراءة منه ومن قوله وفعله واعتقاده (2).
ولذلك فإن دراستنا لأي فرقة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام يقودنا إلى دراسة أهم الأصول الاعتقادية والشعائر التعبدية لتلك الفرقة من واقع مصادرها الأصلية، وما قاله عنها جهابذة العلماء عبر التاريخ، ثم بعد الاطلاع على الأسس والمنطلقات العقائدية لتلك الفرق نستطيع تصنيفها وترتيبها، ومعرفة درجة الموالاة والمعاداة التي ينبغي لأهل الإسلام الالتزام بها من واقع أقوال وأفعال مؤسسي تلك الفرق وأتباعهم إلى عصرنا الحاضر.
وقد يقول معترض أن البحث في الفرق الإسلامية وخلافها من أهل السنة والجماعة عمل سلبي وتحصيل حاصل لا يترتب عليه فائدة لأطراف--------------------------------------------
(1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص37 - 39.
(2) انظر تبديد الظلام وتنبيه النيام/ إبراهيم سليمان الجيهان ص63.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 534)
النزاع سوى إذكاء روح العداوة بينهما كلما هدأت الفتنة بمرور الزمن وحانت فرصة الوحدة والالتقاء.
ونحن نرد على هذا الاعتراض بأن غرض العلماء من بيان هذا الأمر في كل زمان ومكان، هو بيان بطلان الباطل من تلك العقائد الضالة، لئلا تتخذ مع مرور الزمن، أمور مسلمة عند سلامتها من النقد والمناقشة والاعتراض، فإن رجع أصحابها عنها فقد رجعوا إلى الحق، وإن تمسكوا بها فقد تمسكوا بالباطل، فبيان بطلانها واجب على المسلمين للمسلمين، وللكفار الذين يتخذون من اعتقادات بعض فرق الباطنية وسيلة للطعن في الإسلام وتشويه نظامه المميز الفريد.
ونحن قد نلجأ إلى الغلظة في الكلام بناء على الحقائق المذهلة التي قد يكون إثباتها جارحًا لبعض الفرق، مما قد يجعلهم يصفون هذا الأسلوب بأنه نوع من التطرف والتشنج والانفعال الخالي من الحوار الهادئ، والجدل الموضوعي.
ونحن نرد: بأن المقام مع من يعبثون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتسلون بدماء المسلمين وأعراضهم ليس مجرد الغلظة في الكلام ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 535)
المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية
الزيدية أو المذهب الزيدي ينسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم المتوفي سنة (132هـ - 740م)، ويطلق على هذا المذهب في الأوساط الفقهية المذهب الخامس لأنه يلحق بالمذاهب الفقهية الأربعة نظرًا لاعتداله في بعض المسائل الفقهية (1).
وقد ألحقه كثير من الدارسين لأحوال الفرق الإسلامية بالمذهب الشيعي، لأن أهم رجال هذه الفرقة ممن يروي عن أئمة الشيعة، وموقفهم من الخلافة، أنهم يختلفون عن سائر فرق الشيعة حيث يرى البعض منهم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وموقف المعتدلين منهم عدم جواز سب الصحابة (رضوان الله عليهم) فهم يرون أن عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه أولى بالإمامة هو وأبناؤه بلا تمييز بين الأبناء وأبناء--------------------------------------------
(1) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج11 ص14 - 20.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 536)