لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} وليس وراء ذلك الضلال ضلال. وأما التناقض فهو أنك اعترفت في «كلماتك» (ص 44) بأن في «كل مذهب الفروع الشواذ مما لا يعمل به». فكيف يقال: إن الفقه الحنفي كله من شرعنا وفيه الشواذ التي لا يعمل بها؟ ! فهل ينطق بمثل هذا إلا مغفل لا يدري ما يخرج من فيه، ثم هو لا يكتفي بهذه الحماقة حتى يضم إليها أخرى فينكر على من ينكر أن يكون كل ما في الفقه الحنفي من الشرع الإسلامي!
أقول هذا، وأنا لا أستبعد على مثل هذا الأنوك (1) أن يجمع بين النقيضين في ذهنه، فهو تارة يتكلم بما هو الصواب كمثل اعترافه بوجود فروع شواذ في المذهب الحنفي لا يعمل بها، وتارة يقول بما يذكرنا بالضلالة الكبرى التي تقول: «كل مجتهد مصيب» وأن المذاهب على ما بينها من اختلاف واسع كشرائع متعددة لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء ويدع ما شاء إذ الكل شرع (2) فإنه علق على قول الشيخ القاري في «فتح باب العناية» (1/ 261):
«ويصلى على ثوب بطانته نجسة عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجوز». ثم نقل عن حاشية ابن عابدين أنه قال: وظاهر «البدائع» ترجيح قول محمد، وهو الأشبه ورجح في «الحاشية» قول «أبي يوسف» قال أبو غدة:
«فالقولان مرجحان يسوغ العمل بكل منهما»!
أليس هذا يدل على أن أبا غدة يرى أن الأقوال--------------------------------------------
(1) هو الأحمق.
(2) انظر «صفة الصلاة» ص 44 - 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
المتناقضة -وما أكثرها في مذهبه- كلها شرع يجوز العمل بما شئت منها؟ وقد يقول قائل: لعل هذا خاص بما كان من الاختلاف في المذهب الحنفي فقط! فأقول: كلا، فقد رأيته رجح مذهب الإمام مالك في جواز قراءة القرآن ومس المصحف للحائض والنفساء للتعلم والتعليم وجواز قراءة الجنب ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي وسورة الإخلاص وسورتي المعوذتين عند خوف أو نوم … إلخ ما صرح بتجويزه خلافًا لمذهبه الحنفي الذي لا يجيز ذلك. وختم كلامه بقوله:
«وفي هذا من سماحة الإسلام ورحابته بتيسير المحافظة على أداء الأوراد المطلوبة من المؤمن قراءتها عند نومه ولو كان جنبًا أو حائضًا أو نفساء» (1).
فأقول: ولكن في مذهبك الحنفي -الذي تدين الله به- خلاف ما ذكرت من السماحة والتيسير وهو باعترافك (ص 40) ليس شيئًا غير الشريعة الإسلامية التي هي الكتاب والسنة فهل الإسلام عندك دينان، أحدهما يسر، والآخر عسر؟ ! فاعتبروا يا أولي الأبصار.
والآن وبعد هذا البيان وقبل الانتقال إلى الرد عليه في--------------------------------------------
(1) من تعليقه على «فتح باب العناية» (1/ 218) وأقول: لو أن أحدًا من السلفيين اختار مثل هذا القول المخالف لمذهبه لصاح أبو غدة وانتفخت أوداجه حمية لمذهبه وطعنًا في أنصار السنة لاجتهادهم ومخالفتهم لمذهبهم، وقد ذكرنا فيما سبق طعنه في خطبة الجمعة فيهم لمثل هذه المخالفة، وأما هو إذا اجتهد فخالف فيجوز. إذن يجوز له ما لا يجوز لغيره! أليس هذا مما يؤكد وصفنا السابق إياه بأنه يزن بميزانين ويكيل بكيلين؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
آخر ما تلفظ به من الزور والجهل أريد أن أسأل المتعصب الجائر عن رأيه فيما يأتي:
1 - نحن نعتقد أن عيسى حين ينزل يحكم بالكتاب والسنة، وليس بمذهب من المذاهب الأربعة، فهل تعتقد أنت ذلك معنا، أم تعتقد العكس الذي رددنا عليه في تعليقنا الموجز؟
2 - نحن نعتقد أن في كل مذهب من المذاهب صوابًا وخطأ، وليس هناك مذهب معصوم عن الخطأ، فهل تعتقد أنت هذا معنا، أم تقول:
مذهبك الحنفي صواب كله، ومذهب غيرك خطأ كله، فإن قلت في كل من السؤالين بما يوافق ما عندنا، فقد ظهر للقراء أن ردك علينا إنما هو مجادلة بالباطل واصطياد في الماء العكر حقدًا وحسدًا وتقربًا إلى العامة الذين يظنون بسبب أمثالك أن المذهبي هو الأحق بالاتباع، وأن الحق* يتعدد وفي كل ذلك يقولون: «وكلهم من رسول الله ملتمس». وإن كان جوابك على خلاف اعتقادنا، فأنت حينئذ مع ضلالك متناقض كما سبق بيانه. فنسأل الله الهداية إلى الحق والخلق الكريم!
وأزيد الآن فأقول: قال أبو غدة في تعليقه على «التصريح بما تواتر في نزول المسيح» (ص 58):
«وقال العلامة الآلوسي في تفسيره:
«ثم إن عيسى عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال، لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره. وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه عليه السلام وحي ولا نصب أحكام، بل يكون--------------------------------------------
* (بسبب أمثالك أن المذهبي هو الأحق بالاتباع، وأن الحق) سقطت من الطبعة الثانية، واستدركتها من الطبعة الأولى للكتاب. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاكمًا من حكام ملته بين أمته بما علم في السماء قبل نزوله من شريعته عليه الصلاة والسلام كما في بعض الآثار».
نقل هذا أبو غدة وأقره ولم يتعقبه بشيء مما يدل بمجموعه على أنه قد ارتضاه لنفسه مذهبًا، وعليه أليس معنى ذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يحكم بالمذهب الحنفي ولا بغيره، وإنما يحكم بالكتاب والسنة، فما الذي تنقمه منا أشل الله يدك وقطع لسانك؟ !
سابعًا وأخيرًا: قال فُض فُوه (ص 43):
«وقد وزعوا سمومهم وطعونهم في الأئمة المتبوعين في كتب متعددة. لتؤدي الغاية التي يبتغون، ودون أن تنكشف خبيئة نفوسهم التي يضمرونها ويتظاهرون معها بالغيرة على الكتاب والسنة، فقد قالوا في كتاب «حجاب المرأة المسلمة» (ص 61) ما يلي:
وقد أغرب الشافعية فقالوا: أما لو ستر اللون -أي العورة في الصلاة- (1) ووصف [حجم] الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالًا ضيقًا».
قالوا: ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها، ولا يتبين حجم أعضائها، ذكره الرافعي في شرحه (4/ 92، 105 بشرح المهذب) انتهى كلامهم. ثم علقوا عليه بقولهم بالحرف الواحد:--------------------------------------------
(1) هذه الزيادة من أبي غدة للبيان والتفسير، والصواب أن يقول: «أي لون العورة في الصلاة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
«قلت: فعلى رأيهم هذا، يجوز للمرأة اليوم أن تخرج لابسة هذه الثياب الضيقة التي تلتصق بالجسم، وتصفه وصفًا دقيقًا، حتى ليخال من كان بعيدًا عنها أنها عارية! كهذه الجوارب اللحمية التي تصف حجم الساقين والفخذين وتزيدهما جمالًا، بل التبان الذي يصف العضو نفسه!
لو أن امرأة لبست مثل هذا اللباس جاز لها ذلك عندهم لأنها سترت اللون به، ولو أعطت المرأة لونًا أجمل من لونها الطبيعي! فهل يقول بجواز هذا اليوم مسلم؟ ! فهذا من الأدلة الكثيرة على وجوب الاجتهاد وترك التقليد، فهل من مدكر؟ ! » انتهى كلامهم بالحرف».
أقول: هكذا استدل هذا المتعصب الجائر الحاقد الأنوك بهذه الكلمات التي نقلها عني على ما زعمه من الطعن في الأئمة المتبوعين … إلخ كلامه الذي قدمه بين يديها (شنشنة نعرفها من أخزم) والمتأمل في صنيعه هذا لا يمكن أن يفهم منه إلا أحد أمرين:
الأول: أنه لا يوافقني على ما ذهب إليه من وجوب كون الثوب الساتر للعورة فضفاضًا واسعًا غير ضيق بحيث يحجم العورة، ويرى تقليدًا منه للشافعية أنه لا بأس من لبس السروال الضيق، وبالتالي يرى ما ألزمتهم به من تجويز هذه الثياب الضيقة التي تلتصق بالجسم، وتصفه .. إلخ لأنها سترت اللون، وهذا ما لا أظنه يذهب إليه إن كان قد بقي لديه ذرة من عقل ودين! فإن كان هذا الذي يعنيه فليفصح به لنرد عليه من مذهبه، إن كان ما يترتب من المفاسد والفتنة من لبس هذه الثياب الضيقة لا يقنعه بخطئه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وصواب ما ذهبت إليه، فقد جاء في «باب الحظر والإباحة» من حاشية ابن عابدين (5/ 242) بعد نقل بعض النقول عن علماء الحنفية حول الثياب الضيقة:
«وعلى هذا لا يحل النظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزق بها يصف حجمها».
ظنه أن التخطئة ظنة في المخطئ والرد عليه بأقوال العلماء
والآخر: أنه يوافقني على ذلك، ولكنه لا يرى من الصواب الصدع بتخطئة الشافعية في قولهم بعدم الوجوب أو يرى أن التخطئة معناها الطعن في المخالفين، فإن كان هذا هو الذي يعنيه -وهو الذي يترجح لدي- فهذا من بالغ جهله، أو من تورعه البارد، فإن التخطئة لا تستلزم الطعن في المخطئ عن اجتهاد إلا عند الجهال، لأن المخطئ له أجر واحد كما صرح الرسول صلى الله عليه وسلم، ولمثل قوله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ}.
فكيف يتصور أن يجتمع في ذهن المسلم اعتقادان متباينان في آن واحد، المخطئ، مأجور ومطعون فيه؟ ! ومن أبواب الحافظ ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»:
«باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب يلزم طلب الحجة عنده، وذكر بعض ما خطأ فيه بعضهم بعضًا، وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم».
وها أنا أنقل للقارئ الكريم بعض النصوص التي ساقها الحافظ في الباب المذكور، مختصرًا للأسانيد لتبين له منزلة هذا الطاعن الجائر من العلم بأقوال العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ومذاهبهم، وإن تظاهر بالتأدب معهم لكنه تأدب بارد لا يرضونه من أحد لأنه خلاف أدب السلف بعضهم مع بعض!
1 - عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل! فقال: كذب!
2 - وردت عائشة قول [ابن] عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وقالت: وهم أبو عبد الرحمن أو أخطأ.
3 - ورفع إلى علي بن أبي طالب أن شريحًا قضى في رجل وجد آبقًا فأخذه ثم أبق منه: أنه يضمن العبد. فقال علي: أخطأ شريح وأساء القضاء، بل يحلف بالله لأبق منه وهو لا يعلم، وليس عليه شيء.
4 - وروى وكيع عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سألت سعيد بن جبير عن ابنة وابن عم أحدهما أخ لأم؟ فقال: للابنة النصف وما بقي فلابن العم الذي ليس بأخ لأم قال: وسألت عطاء؟ فقال: أخطأ سعيد بن جبير للابنة النصف، وما بقي بينهما نصفان.
5 - وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت للشعبي إن ابراهيم قال في الرجل يكون له الدّين على الرجل إلى أجل فيضع له بعضًا ويعجل بعضًا: أنه لا بأس به، وكرهه الحكم؟ فقال الشعبي: أصاب الحكم وأخطأ إبراهيم.
6 - وقيل لسعيد بن جبير إن الشعبي يقول: العمرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
تطوع. فقال: أخطأ الشعبي.
7 - وذكر لسعيد بن المسيب: قول شريح في الكاتب، فقال: أخطأ شريح.
8 - وروى همام عن قتادة أن إياس بن معاوية أجاز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق. قال قتادة: فسئل الحسن عن ذلك فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بقول الحسن وقضاء إياس. فكتب عمر: أصاب الحسن وأخطأ إياس.
قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من الخالفين، وما رد فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلًا عن أن يجمع في باب، وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون شيء وضده صوابًا كله، ولقد أحسن من قال:
إثبات ضدين معًا في حال … أقبح ما يأتي من المحال
وقال أشهب سمعت مالكًا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صوابًا جميعًا، ما الحق والصواب إلا واحد، قال أشهب: وبه يقول الليث*.
قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله.--------------------------------------------
* جاء في الطبعة الثانية: (إلى حتفه بظلفه) بدل (إلا واحد، قال أشهب: وبه يقول الليث)، والمثبت من الطبعة الأولى للكتاب. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
قلت: ومستند تخطئة الصحابة ومن بعدهم بعضهم لبعض، بدون أي تحرج إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي سن لهم ذلك، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق بعد أن عبر رؤيا لرجل:
«أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا».
ولم يكن لمثل هذه التخطئة أي أثر سيء في قلوبهم، لسلامتها أولًا من الضغينة وسوء الظن، ولعلمهم ثانيًا أنها لا تستلزم شيئًا من الطعن الذي لا يليق بحق مسلم بخلاف هؤلاء المتعصبة الذين امتلأت قلوبهم بالبغض والحقد على أهل السنة وسوء الظن بهم فما يكاد السني ينطق بكلمة الحق نصحًا وتذكيرًا وتعليمًا إلا سارع أعداء السنة بحقدهم وسوء ظنهم إلى تفسيرها بنقيضها، وعلى هذا جرى أبو غدة في «كلماته»، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
ومما سبق تعلم أن أبا غدة قد رجع خاسرًا خائبًا بهذا السهم الأخير الذي وجهه إلي، شأنه فيه شأنه في كل السهام والطعون التي سبق الكشف عنها وتسديدها إليه. وهكذا شأن كل باغ معتد أثيم يظن أنه بمكره وكيده إنما يضر غيره وينفث فيه سمه والحقيقة أنه بذلك كمن يسعى إلى حتفه بظلفه.
أسأل الله تعالى أن يؤدبنا بآداب الإسلام، ويخلقنا بأخلاق المؤمنين المخلصين الصادقين، الذين طهر الله قلوبهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
من الحقد والحسد والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق. إنه خير مسؤول.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
دمشق/ 18 ربيع الثاني 1395
وكتبه
محمد ناصر الدين الألباني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)