الحياة انتفى الضدان، وهذا كما ترى ظاهر في تكفير القائلين بالجهة، لكن مشى الغزالي في كتابه: التفرقة بين الإسلام والزندقة، والعز بن عبد السلام في فتاويه الموصلية وغيرهما على عدم كفرهم.
قال ابن عبد السلام: لأن علماء الإسلام لم يخرجوهم عن الإسلام، بل حكموا لهم بالإرث من المسلمين وبالدفن في مقابرهم وتحريم دمهم وأموالهم.
قال الزركشي: وهذا بناه الشيخ على تفسير المتكلمين بالإيمان بما علم من دين محمد صلى الله عليه وسلم بالضرورة وعلى هذا العلم بكونه عالماً بالعلم أو عالماً بذاته أو كونه مرئياً أو غير مرئي ليس بداخل في مسمى الإيمان، وكذلك كونه في جهة أو ليس في جهة انتهى.
وبه يتأيد ما قدمته في وجه عدم تكفير المعتزلة ونحوهم.
قال الشيخ: ومن زعم أن الإله سبحانه وتعالى يحل في شيء من آحاد الناس أو غيرهم فهو كافر، لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسيم على الناس، وأنهم لا يفقهون موجوداً إلى غير جهة بخلاف الحلول، فإنه لا يعم الابتلاء به، ولا يخطر على قلب عاقل فلا يعفى عنه أ. هـ. وكالحلول الاتحاد كما يأتي: والحاصل، أن في كفر سائر الفرق خلافاً بين أئمة السلف والخلف، حرره القاضي عياض آخر الشفاء، ومذهبنا أنه لا يكفر إلا نافي العلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
بالجزئيات أو بالمقدور، وزاعم قدم العالم أو بقائه أو الشاك في ذلك، ومنكر البعث أو شيء من متعلقاته كما يعلم مما يأتي عن الروضة عن القاضي عياض، وزاعم الحلول أو الاتحاد ونحوهم كالقائلين بالتناسخ وغيرهم من الطوائف المذكورة في الشفاء وغيرهم، وإنما تركت ذكرهم لأن كفرهم معلوم مما قررته في هذا الكتاب.
ومن ذلك جحد جواز بعثة الرسل أو إنكار نبوة نبي من الأنبياء المتفق على نبوتهم صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين لا كالخضر وخالد بن سنان ولقمان وغيرهم، وكإنكار ذلك الشك فيه، قال الخوارزمي في "كافيه": أو إنكار رسالة واحد من الأنبياء المعروفين. انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
وينبغي حمل قوله: المعروفين، على من أجمع المسلمون على رسالتهم، وأراد نفي الرسالة على سائر الأقوال، فإنه قد وقع خلاف في تعريف الرسول.
ومن ذلك أيضاً تكذيب نبي أو نسبة تعمد كذب إليه أو محاربته أو سبه أو الاستخفاف به، ومثل ذلك كما قاله الحليمي ما لو تمنى في وقت نبي من الأنبياء أنه هو النبي دون ذلك النبي، أو في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده أن لو كان نبياً أو أنه صلى الله عليه وسلم لم تكن النبوة به فيكفر في جميع ذلك، والظاهر أنه لا فرق بين تمني ذلك باللسان أو القلب.
تنبيه:
قضية قولهم: "أو تكذيب نبي" أنه لا فرق بين تكذيبه في أمر ديني أو غيره، وهو ما يصرح به كلام العراقي شارح المهذب، لكن كلام غيره ينازع فيه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
وأصل ذلك أنهم صرّحوا بأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بلا شهود، لأن اعتبارهم لأمن الجحد وهو مأمون في حقه صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: والمرأة لو كذبته لم يلتفت إليها. وقال العراقي المذكور: بل تكفر بتكذيبه. فقضية كلام غيره عدم كفرها لكن كلامه أوجه؛ لأن تكذيبه ولو في الأمر الدنيوي صريح في عدم عصمته عن الكذب وفي إلحاق النقص به وكلاهما كفر، ولا ينافي ذلك ما وقع من بعض جفاة الأعراب مما يقرب من ذلك، لأنهم كانوا معذورين لقرب إسلامهم، وصريح كلامهم هنا أن كون الاستخفاف بالنبي كفراً لا يختص بنبينا صلى الله عليه وسلم.
ومنه يؤخذ إشكال في عد أصحابنا كون الاستخفاف به كفراً من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وقد يجاب أخذاً من استقراء كلامهم بأنهم كثيراً ما يعدون شيئا من خصائصه ويكون المراد به ما اختص به عما عدا الأنبياء من بقية الأمم، وقد عدوا من خصائصه أيضاً أن من زنى بحضرته صلى الله عليه وسلم كفر، ونظر فيه في "الروضة"، ويجاب بأن هذا ظاهر في الاستخفاف فكان كفراً، ومنه يؤخذ أن غيره من الأنبياء كذلك، ويعود الإشكال والجواب المذكوران.
ومن ذلك أيضاً جحد آية أو حرف من القرآن مجمع عليه كالمعوذتين بخلاف البسملة، أو زيادة حرف فيه مع اعتقاد أنه منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
فإن قلت: قد أنكر ابن مسعود كون المعوذتين قرآناً فكيف تكفرنا فيهما؟
قلت: قال النووي في المجموع: إن نسبة ذلك لابن مسعود كذب عليه.
فإن قلت: فهل فيه جواب على تقدير الصحة؟
قلت: الجواب عنه أنه لم يستقر الإجماع عند إنكاره على كونهما قرآناً، وأما الآن فقد استقر وصارت قرآنيتهما معلومة من الدين بالضرورة فكفرنا فيهما، عالماً كان أو عامياً مخالطاً للمسلمين أم لا، على أن ما روي من إنكاره إنما هو إنكار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
لرسمهما في مصحفه لا لكونهما قرآنا كما قاله الشيخ أبو علي بن أبي هريرة، والقاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت في المصحف إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته أو كتبه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به.
وفي وجه حكاه القاضي حسين في تعليقه أنه يلحق بسبّ النبي صلى الله عليه وسلم سبّ الشيخين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وعثمان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال: من سب الصحابة فسق، ومن سب الشيخين أو الحسنين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
يكفر أو يفسق وجهان كذا في النسخة وصوابهما الختنين بمعجمة ففوقية فنون يعني عثمان وعلياً رضي الله تعالى عنهما، وعبارة البغوي: من أنكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
خلافة أبي بكر يبدع ولا يكفر، ومن سب أحداً من الصحابة ولم يستحل يفسق.
واختلفوا في كفر من سب الشيخين: قال الزركشي، كالسبكي: وينبغي أن يكون الخلاف إذا سبهما لأمر خاص به، أما لو سبهما لكونهما صحابيين فينبغي القطع بتكفيره، لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة وفيه تعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الترمذي: أنه صلى الله عليه وسلم رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: (هَذَانِ السَّمْعُ وَالبَصَرُ). وهكذا القول في شأن غيرهما من الصحابة، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يقول اللَّهَ تعالى: مَنْ آذى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالمحاربة أو بِالحَرْبِ) وفي رواية: (فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
ولا شك أنا نتحقق ولاية العشرة، فمن آذى واحداً منهم فقد بارز الله تعالى بالمحاربة، فلو قيل: يجب عليه ما يجب على المحارب لم يبعد، ولا يلزم هذا في غيرهم إلا من تحققت ولايته بإخبار الصادق انتهى.
وما بحثه من القطع بالتكفير ظاهر نقلاً ومعنى، ومن الإلحاق بالمحارب ظاهر دليلاً لا نقلاً، وسيأتي لذلك بسط آخر. ومن ذلك أن يستحل محرماً بالإجماع كالخمر واللواط ولو في مملوكه، وإن كان أبو حنيفة لا يرى الحدَّ به؛ لأن مأخذ الحرمة عنده غير مأخذ الحد، أو يحرّم حلالاً بالإجماع كالنكاح، أو ينفي وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس، أو يعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كصلاة سادسة بأن يعتقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
فرضيتها كفريضة الخمس ليخرج معتقد وجوب الوتر ونحوه، وكصوم شوال.
هذا ما ذكره الرافعي، زاد النووي في الروضة أن الصواب تقييده بما إذا جحد مجمعاً عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة، سواء أكان فيه نص أم لا، بخلاف ما لم يعلم ذلك بأن لم يعرفه كل المسلمين، فإن جحده لا يكون كفراً انتهى.
وما زاده ظاهر، وخرج بالمجمع عليه الضروري استحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة، فلا يكفر جاحدهما، كما بينته في شرح الإرشاد، مع بيان أنه هل الكلام في جاحدهما جهلاً أو عناداً، ومع بيان ردِّ قول البلقيني أن نكاح المعتدة معلوم من الدين بالضرورة وأنه قيد استحلال الدماء والأموال بما لم ينشأ عن تأويل ظني البطلان كتأويل البغاة.
وللضرورة أمثلة كثيرة استوعبتها في الفتاوى.
ومن ذلك أيضاً ما لو أجمع أهل عصر على حادثة فإنكارها لا يكون كفراً، ومحل هذا كله في غير من قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء وإلا عُرّف الصواب فإن أنكر بعد ذلك كفر فيما يظهر، لأن إنكاره حينئذٍ فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
تضليل للأمة، وسيأتي عن "الروضة" عن القاضي عياض أن كل ما كان فيه تضليل الأمة يكون كفراً، ثم ما ذكره الشيخان كالأصحاب في استحلال الخمر استبعده الإمام بأنا لا نكفر من ردّ أصل الإجماع، ثم أوَّل ما ذكروه بما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فإنه يكون رداً للشرع، قال الرافعي: وهذا إن صح فليجر مثله في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه أو تحريمه فنفاه.
وأجاب عنه أبو القاسم الزنجاني بأن ملحظ التكفير ليس مخالفة الإجماع، بل استباحة ما علم تحريمه من الدين بالضرورة، ولهذا قال ابن دقيق العيد: مسائل الإجماع إن صحبها التواتر كالصلاة كفر منكرها لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، وإن لم يصحبها التواتر فلا يكفر نافيها، وفرّق الزركشي بين تكفير منكر الإجماع أي المجمع عليه وعدم تكفير منكر أصل الإجماع بأن منكر الحكم وافق على كون الإجماع حجة، ثم أنكر أثره المترتب عليه فكفرناه، بخلاف منكر الأصل فإنه لم يوافق على شيء البتة انتهى. وفي فرقه نظر لاقتضائه أن منكر الحكم لا بد أن يسبق منه اعتراف بحجية الإجماع وهو خلاف قضية إطلاقهم، وأن من سبق منه الاعتراف بذلك يكفر وإن لم يكن الحكم ضرورياً أو ليس كذلك، فالذي يتجه هو ما أشار إليه الجواب الأول من أن ملحظ التكفير إنكار الضروري سواء أسبق منه الاعتراف بحجية الإجماع أم لا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
فإن قلت: هل بقي من فرق آخر بين إنكار أصل الإجماع حيث لم يكن كفراً، وإنكار الحكم المجمع عليه الضروري حيث كان كفراً؟
قلت: نعم، وتقدم قبله مقدمة، وهي أن النظام وغيره إنما أنكروا كون الإجماع حجة زعماً منهم أنه لا يستحيل الخطأ على أهل الإجماع وأنه لا دليل على عصمتهم قطعاً، إذ ما أستدل به على ذلك يحتمل التأويل، فالإجماع الذي أنكروه هو تطابق العلماء على تفرقتهم وكثرتهم على رأي نظري، وهذا ليس كإنكار الضروري الذي هو تطابقهم على الإخبار عن محسوس على نقل التواتر وذلك قطعي لحصول العلم الضروري به، والقدح فيه يسري إلى إبطال الشريعة من أصلها فتطابق العلماء على رأي واحد نظري لا يوجب العلم القطعي إلا من جهة الشرع فلم يكن إنكار كونه من أصله حجة، ولا إنكار إفادته القطع مع الاعتراف بحجيته مكفراً على الأصح فإنه بخلاف إنكار الضروري فإنه يجر إلى إنكار الشرع بل الشرائع كلها، فمن ثم كان كفراً كما تقرر، فاتضح الفرق بين إنكار أصل الإجماع أو كونه حجة قطعية وبين إنكار الضروري، وبما قررته يعلم رد تنظير الغزالي في كفر جاحد المجمع عليه، بأن النظام أنكر كون الإجماع حجه فيصير مختلفا فيه، ووجه رده أن النظام لا ينكر الحكم كما مر، وعلى التنزل فهو بهذا الإنكار مبتدع ضال، فلا نظر لإنكاره ولا لخلافه.
فإن قلت: نافي حكم الإجماع أخف حالاً من جاحد المجمع عليه، لأن الأول ليس معه اعتقاد مخالف بخلاف الثاني فإن الجاحد يقتضي سبق الاعتراف والاعتقاد.
قلت: إذا تأملت ما سبق من التقرير علمت أن الملحظ في التكفير إنما هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
إنكار الضروري المستلزم لإنكار الإجماع بخلاف إنكار الإجماع من أصله أو حجيته أو المجمع عليه غير الضروري، فإنه لا يكون كفرا، خلافا لما يوهمه كلام بعض المتأخرين.
ومما يوضح هذا المقام أن من أنكر ما عرف بالتواتر فإن لم يرجع إنكاره إلى إنكار شريعة من الشرائع كإنكاره غزوة تبوك أو وجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي وغير ذلك مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكاره جحد شريعة لا يكون إنكار ذلك كفراً. إذ ليس فيه أكثر من الكذب والعناد كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ومحاربة علي من خالفه.
نعم إن اقترن بذلك اتهامه للناقلين، وهم المسلمون أجمع، كفر كما في "الشفاء" وغيره لسريانه إلى إبطال الشريعة، وليس هذا كمنكري أصل الإجماع، لأنه لا يتهم جميع المسلمين بل ولا بعضهم، وإنما ينكر اجتماعهم وتوافقهم على شيء، وإن رجع إنكاره إلى إنكار قاعدة من قواعد الدين أو حكم من أحكامه، كإنكار الخوارج حديث الرجم فإن كان لإنكارهم الرجم كفروا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
لأنه حكم من أحكام الشريعة مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، وإن أنكروا واقعته واعترفوا بأن الرجم ثابت في هذه الشريعة بدليل آخر لم يكفروا، ما لم يقترن بذلك اتهامهم للناقلين وهم المسلمون أجمع.
وإذا تدبرت هذا الذي قررته واستحضرت قواعدهم ظهر لك أنه أحق بالاعتماد والتصويب مما ذكره بعض المتأخرين وغيرهم في هذا المحل، وسيأتي بهذا المبحث زيادة تحقيق وتنقيح.
وفي تعليق البغوي: من أنكر السنن الراتبة أو صلاة العيدين يكفر، والمراد إنكار مشروعيتها لأنها معلومة من الدين بالضرورة، لو أنكر هيئة الصلاة زعماً منه أنها لم ترد إلا مجملة وهذا الصفات والشروط لم ترد بنص جلي متواتر كفر أيضا إجماعا كما يؤخذ من كلام الشفاء.
قال القمولي: ومن ذلك أي جحد الضروري أن يعتقد في شيء من المكوس أنه حق. قال: ويحرم تسميتها بذلك انتهى.
وقضيته أن مجرد تسمية الباطل حقاً لا يطلق أنه كفر، وهو ظاهر في نحو هذه المسألة مما فيه ضرب من التأويل، وهو أخذ الإمام له على نية الزكاة، أما فيما لا تأويل فيه بوجه فينبغي أن يكون تسميته حقاً كفراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
ومن المكفرات أيضاً أن يرضى بالكفر ولو ضمناً كأن يسأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة الإسلام فلا يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي أو خطبتي لو كان خطيباً، أو كأن يشير عليه بأن لا يسلم وإن لم يكن طالباً للإسلام فيما يظهر، وكلام الحليمي الآتي قريباً قد يدل على أن إشارته عليه بأن لا يسلم إذا كانت لكونه عدوه فيشير عليه بما يكرهه، وهو الكفر، ويمنعه عما يحبه وهو الإسلام لم يكفر، وفيه نظر، والذي يظهر أنه يكفر بذلك، وإن قصد ما ذكر بأنه كان متسبباً في بقائه على الكفر، وليست هذه كمسألة الحليمي الآتية خلافاً لما توهمه؛ لأن تلك فيها مجرد تمنٍ فقط. وهذه فيها تسبب إلى البقاء على الكفر أو يشير على مسلم بأن يرتد، وإن كان مريداً للردة، كما هو ظاهر، أو يكرهه على الكفر على الأصح أو يطلب منه أو من كافر الكفر كما صرح به الإمام حيث قال في يهودي تنصر: ففي قول يطالب بالإسلام، أو العود إلى ما كان عليه، والتعبير عن هذا القول يحتاج إلا تأنق، فلا ينبغي أن يقال هو مطالب بالإسلام أو بالعود إلى التهود فإن طلب الكفر كفر. انتهى.
بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان، فإنه لا يكون كفراً على الأصح، لأنه ليس رضاً بالكفر، وإنما هو دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه.
هذا ما ذكره الشيخان، وأنت خبير من قولهما: لأنه ليس رضاً بالكفر إلى آخره أن محل ذلك ما إذا لم يذكر ذلك رضاً بالكفر وإلا كفر قطعاً، والذي يظهر من فحوى كلامهما أنه لو أطلق، ولم يقله على جهة الرضا بالكفر، ولا على جهة تشديد العقوبة عليه لا يكون كافراً وهو ظاهر.
ولو رضي كافر بالإسلام أو أكره كافراً آخر عليه أو عزم عليه في المستقبل لم يكن بذلك مسلماً، ويفرق بما مر في العزم على الكفر والعزم على فعل كبيرة.
وليس من الرضا بالكفر أن يدخل دار الحرب ويشرب معهم الخمر ويأكل لحم الخنزير؛ إذ ارتكاب كبائر المحرمات ليس كفراً ولا ينسلب بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
اسم الإيمان، بل اسم المدح كتقي أو ديّن وولي ومخلص وموفق على الإطلاق، فإذا مات فاسقاً لم يخلد في النار، خلافاً للخوارج، فأنهم يحكمون بكفره، وللمعتزلة فإنهم يقولون: إنه فاسق ليس بمؤمن ولا كافر، والفسوق عندهم منزلة بين الإيمان والكفر، ومنعا وصفه باسم مدح مما ذكر مطلقاً أو مقيداً.
تنبيه:
ما ذكر في مسألة عدم التلقين، وفي الإشارة هو ما نقله الشيخان في "الروضة" وأصلها عن المتولي وأقره، وهو المعتمد، وبه جزم البغوي.
وأما ما في باب الغسل من المجموع من أن الصواب أنه ارتكاب معصية عظيمة، فضعيف، بل الصواب الأول، كما قاله الزركشي خلافاً لقول الأذرعي، والتصويب ظاهر في ما سوى إشارته بأن لا يسلم، وممن جزم أيضاً بالكفر في ذلك الفخر الرازي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ونقل عن بعض العلماء أنه ينبغي له أن لا يطول المدة في كلمة لا، ليحصل الانتقال من الكفر إلى الإيمان على أسرع الوجوه.
وما ذكر في مسألة: لا رزقه الله الإيمان استشكل بما إذا قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل.
ويجاب بأن الكفر ثم إنما جاء من تسمية الإسلام كفراً كما مر، وهذا ليس فيه ذلك، وبهذا يزيد اتجاه ما قدمته من أنه لو طلب ذلك رضا بالكفر كان كافراً، ويؤديه أيضاً ما دل عليه كلام الحليمي من أنه لو تمنى مسلم كفر مسلم فإن كان ذلك كما يتمنى الصديق لصديقه ما يستحسنه كفر، لأن استحسان الكفر كفر، وإن كان كما يتمنى العدو لعدوه ما يستعظمه لم يكفر، فإذا أسلم عدوه الكافر فحزن المسلم لذلك، وتمنى أنه لم يسلم وود لو عاد إلى الكفر، لا يكفر لأن استقباحه الكفر هو الذي يحمله على أن يتمناه له، واستحسانه الإسلام هو الذي يحمله على أن يكرهه له، وإنما يكون تمني الكفر كفرا على وجه الاستحسان له، وقد تمنى موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام ألا يؤمن فرعون وزاد على التمني فدعا الله بذلك بقوله: (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس/88، فلم يضره ذلك ولا عاتبه الله تعالى عليه ولا زجره عنه انتهى، لكن في الاستدلال نظر، لأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، ولأنه يجوز أن موسى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام على عدم إيمانهم فسأله قصداً، والكلام فيمن انطوت عاقبته.
وقد يجاب: بأنه وإن كان شرعاً لمن قبلنا إلا أنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه فيكون حجة على الخلاف، وبأن الأصل في السؤال طلب حصول ما ليس بحاصل، فلا نظر للاحتمال المذكور، على أنه ورد في القصة ما يخالفه وهو أن الإجابة لم تقع إلا بعد أربعين سنة من السؤال، فقوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) يونس/89 امتنان عليهما بالإجابة، وما كان واقعاً قبل الإجابة في علم السائل لا يمتن عليه بأنه استجيب له فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)