النقائص، احترامًا لهم، واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه في سره وعلانيته، وهو المحرك لجوارحه حين العلم.
زاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع قول السائل: "صدقت" عقب كل جواب من الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فَرْوة في روايته عند أبي داود والنسائي: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت، أنكرناه" وفي رواية كَهْمَس عند مسلم "فعجبنا له، يسأله ويصدقه" وفي رواية مَطَر الورّاق عند أبي عَوانة في "صحيحه": "انظُروا إليه كيف يسألُه، وانظُروا إليه كيف يصدقه" وفي حديث أنس عن البزار والبخاري في "خلق أفعال العباد": "انظروا وهو يسأله ويصدقه، كأنه أعلم منه" وفي رواية سُليمان بن بُريدة عن أحمد: "قال القوم: ما رأينا رجلًا مثلَ هذا، كأنه يعلِّم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول له: صدقت صدقت".
قال القُرطبي: إنما عجبوا من ذلك، لأن ما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يُعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عرف بلقائه عليه الصلاة والسلام، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه، لأنه يخبره بأنه صادق فيه، فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك.
وقد دل سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وقد صرح بذلك أبو أُمامة فيما رواه مسلم عنه، من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "اعلموا أنكم لن تَرَوْا ربَّكم حتى تموتوا" وأما رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له فذلك لدليل آخر، وقد يقال: رؤيته عليه الصلاة والسلام له تعالى لم تكن في دار الدنيا، بل كانت في الملكوت الأعلى، والدنيا لا تطلق عليه.
وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن أي: فإن لم تصر شيئًا، وفنيت عن نفسك، حتى كأنك لست بموجود، فإنك حينئذ تراه،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)
وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم، لكان قوله: "تراه" محذوف الألف، لأنه يصير مجزومًا، لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث حذف الألف، ولا ضرورة هنا تدعو إلى إثباته في الفعل المجزوم، وأيضًا لو كان ما ادعاه صحيحًا لكان قوله: "فإنه يراك" ضائعًا، لأنه لا ارتباط له بما قبله، ومما يفسد تأويله رواية كهمس عند مسلم، فإن لفظها: "فإنّك إنْ لا تراهُ، فإنه يراكَ" وكذلك رواية سليمان التيمي عند ابن خُزيمة، وفي رواية أبي فَروة المشار لها سابقًا: "فإن لم تره فإنه يراك"، ونحوه في حديث أنس وابن عباس المشار إليهما، فسلط النفي على الرؤية في كل هذه الروايات، لا على الكون الذي حُمل على ارتكاب التأويل المذكور.
قال العَيْني: هذه الروايات هي القاطعة لشغبهم، وأما الجواب المتقدم من جهة الصناعة فلا يقطعه، لأن لهم أن يقولوا: الجواب جملة حذف صدرها، تقديره: فأنت تراه، والجزم في الجملة لا يظهر، والمقدر كالملفوظ.
وقوله: "ما المسؤول عنها" ما نافية، وزاد في رواية أبي فَرْوة: "فنكس، فلم يجبه، ثم أعاد، قلم يُجِبْه ثلاثًا، ثم رفع رأسه، فقال: ما المسؤول".
وقوله: "بأعلم" الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها، لقوله بعد: "خمس لا يعلمهن إلا الله" وهذا نظير التركيب في رواية أبي فَرْوة: "والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت لأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل".
قال القُرطبي: مقصود هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} فلما
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)
حصل الجواب بما ذكر، حصل اليأس من معرفتها، فانكفوا بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها. ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما تمكن معرفته مما لا تمكن.
وقوله: "من السائل" عدل به عن قوله: لست بأعلم بها منك إلى لفظ يشعر بالتعميم، تعريضًا للسامعين، أي: إن كل مسؤول وكل سائل فهو كذلك، ووقع هذا السؤال والجواب بين عيسى بن مريم وجبريل، لكن كان عيسى سائلًا وجبريل مسؤولًا كما في نوادر الحُمَيْدي بسنده عن الشعبي، قال: "سأل عيسى بن مريم جبريل عن الساعة، قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنه باعلم من السائل".
قال النووي: يستنبط منه أن العالم إذا سُئِل عما لا يعلم يصرح بأنه
لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص في مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد ورعه، ولله در القائل:
ومَنْ كانَ يهوى أن يُرى متصدِّرًا … ويكرهُ لا أدري أُصيبت مقاتِلُهْ
وقد سئل مالك رحمه الله تعالى كما في "التمهيد" لابن عبد البر عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى في ثمان لا أدري ما الدهر، ومحل أطفال المسلمين، ووقت الختان، وإذا بال الخُنثى من الفرجين، والملائكة أفضل أم الأنبياء، ومتى يصير الكلب معلمًا، وسؤر الحمار، ومتى يطيب لحم الجلالة.
وسئل الشافعي رحمه الله تعالى عن المتعة أفيها طلاق أم ميراث أم نفقة تجب، فقال: والله ما أدري.
وكان أحمد رحمه الله تعالى يكثر من لا أدري.
وهذا لا ينافي ما هو مشهور في كتب الأصول، من حد الفقه بأنه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)
العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، واللام في الأحكام للاستغراق، فيكون الفقيه هو العالم بجميع الأحكام، لأن العلم فيه بمعنى الصلاحية، والتهيء لذلك بأن تكون له ملكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام، وإطلاق العلم على هذه الملكة مشتهر.
وقوله: "وساخبركَ عن أشراطها" وفي رواية أبي فَرْوة: "ولكن لها علاماتٌ تُعْرَفُ بها" وفي رواية كَهْمس قال: "فأخبرني عن أماراتها، فأخبره بها، فترددنا هل ابتدأه بذكر الإمارات، أو السائل سأله عن الإمارات" ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله: "سأخبرك"، فقال له السائل: "فأخبرني"، ويدل على ذلك رواية سليمان التَّيمي، ولفظها: "ولكن إن شئتَ نبأتُك عن أشراطها" قال: نعم.
والأشراط جمع شرط، كقلم وأقلام، وهي العلامات، ولم يذكر المؤلف هنا إلا علامتين، وقد عبر بالجمع، وأقله على الصحيح ثلاثة، وقد أجيب عن هذا بأنه جار على أن أقل الجمع اثنان كما هو مذهب مالك، مستدلًا بقوله تعالى: {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} وليس له إلا طرفان. أو يجاب بأن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها، لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، وفي التفسير ذكر الولادة وتراؤس الحفاة.
وأخرج ابن خُزيمة والِإسماعيلي في "مستخرجه" وسليمان التيمي ذكر الثلاثة، والمراد هنا العلامات السابقة على مضايقة الساعة، لأن علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، وهو المذكور هنا، وما يكون من غير المعتاد، كطلوع الشمس من مغربها، وهو المضايق للساعة قريب منها، وهي عشر كما أخرجه مسلم عن حُذيفة بن أسِيْد -بفتح أوله- قال: اطَّلَعَ علينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نتذاكر، فقال: "ما تتذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترَوْا قبلَها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)
الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، فتطرد الناس إلى محشرهم" وهذا بظاهره يعارض حديث أنس المخرج عند البخاري، فإن فيه أن أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وفي هذا أنها آخر الأشراط، ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا.
قال في "الفتح" في كتاب الرقاق: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في مطلق الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة.
وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رفعه: "أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب".
قال في "الفتح": ولعل الحكمة في تقارنهما أن عند طلوع الشمس من مغربها يغلق باب التوبة كما في حديث أبي هُريرة عند البخاري وغيره مرفوعًا: "لا تقومُ الساعةُ حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك {حِيْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} الآية، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو قريب منه، فتميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة".
وروى الطبراني عن عبد الله بن عَمرو رفعه: "إذا طلع الشمس من مغربها خرَّ إبليسُ ساجدًا ينادي إلهي مُرني أن أسجد لمن شئت".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)
ووردت أحاديث في تتابع هذه العلامات، منها ما أخرجه أحمد ونُعيم بن حَمَّاد عن عبد الله بن عمرو رفعه: "الأياتُ خرَزَاتٌ منْظوماتٌ في سلك، فإذا انقطع السلك تبع بعضها بعضًا" وعن ابن عساكر من حديث حذيفة بن أَسيد الغِفاري رفعه: "بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت". وعن أبي العالية: "بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر يتتابعن كتتابع الخرزات في النظام" وما ورد عن عبد الله ابن عمرو موقوفًا على الصحيح أنه قال: "تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة" يمكن الجمع بينه وبين ما ذكر من الأحاديث بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومئة سنة، لكنها تمر مرورًا سريعًا، كمقدار مرور عشرين ومئة شهر من قبل ذلك، أو دون ذلك كما ثبت في "صحيح" مسلم عن أبي هريرة رفعه:"لا تقومُ الساعة حتى تكون السنة كالشهر .. الحديث" وفيه: "واليوم كاحتراق السَّعَفَة".
قلت: حديث عبد الله بن عَمرو وإن كان موقوفًا كما أخرجه عَبْد بن حُمَيد في "تفسيره" عنه بسند جيد، فله حكم الرفع، إذ لا مجال فيه للرأي، وعليه بني القُرطبي ما قال في "التذكرة" من قوله: فتوبة من شاهد ذلك، أو كان كالمشاهد له مردودة، لأن هذا من الإيمان بالمعاينة، لا من الإيمان بالغيب، كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن يُنسى هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذٍ أو تاب قُبِل منه.
وأيد ذلك بأنه روي أن الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك، ويطلعان من المشرق، ويغربان من المغرب كما كانا قبل ذلك.
وأما ما ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عِمْران بن حُصَيْن أنه قال: إنما لا يُقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذٍ صيحة، فيهلك بها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته، فقد قال في "الفتح": لا أصل له، وقد وردت آثار كثيرة يشد بعضها بعضًا متفقة على أن الشمس إذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)
طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة.
وما مر من كون الأشراط عشرة إنما هو باعتبار ذكرها مسرودة في حديث واحد، وإلا فقد وردت علامات كثيرة في أحاديث كثيرة متفرقة:
منها ما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود: "لا تقومُ الساعة حتى يكون الولد غيظًا، والمطرُ قيظًا، وتفيض الأيام فيضًا". وأخرج عن أم الغراب مثله، وزاد: "ويجترىء الصغير على الكبير، واللئيم على الكريم، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها".
ومنها ما أخرجه أحمد، وأبو يَعْلى، والبزّار بسند جيد عن أنس: "إن أمام الدجال سنون خداعات، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرُّوَيْبِضَة". ومثله لابن ماجه عن أبي هُريرة، وفيه: "قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه رتكلم في أمر العامة".
ومنها ما أخرجه أحمد والطَّبَراني في حديث طويل عن سَمُرة: "لا تقومُ الساعة حتى تروا أمورًا عظامًا لم تحدثوا بها أنفسكم" وفي لفظ: "يتفاقَم شأنُها في أنفسكم، وتسألون: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا .. الحديث" وفيه: "وحتى تَرَوْا الجبال تزول عن أماكنها".
ومنها ما أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حِبّان والحاكم عن عبد الله بن عمرو: "لا تقومُ الساعة حتى يُتسافدَ في الطريق تسافد الحمر". ولأبي يَعْلى عن أبي هُريرة: "لا تَفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريناها وراء هذا الحائط". وللطبراني في "الأوسط" عن أبي هُريرة نحوه. وفيه: "يقول أمثلُهم: لو اعتزلتم الطريق". وفي حديث أبي أُمامة عند الطبراني: "وحتى تمر المرأة بالقوم، فيقوم إليها أحدهم، فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 356)
النعجة، فيقول بعضهم: ألا واريتها وراء الحائط، فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم".
ومنها ما أخرجه ابن ماجه عن حُذيفة بن اليمان: "يَدْرُسُ الإِسلامُ كما يدْرسُ وشيُ الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها".
ومنها ما أخرجه أحمد بسند قوي عن أنس: "لا تقوم الساعة حتى لا يقالَ في الأرض: لا إله إلا الله"، وهو عند مسلم بلفظ: "الله الله"، وله من حديث ابن مسعود: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
ومنها ما أخرجه أحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر: "لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاج لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا".
ومنها ما أخرجه الطّيالِسِيّ عن أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الأوثان، يعبدونها من دون الله". ولمسلم من حديث ثَوْبان: "لا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائلُ من أمتي الأوثان". ولمسلم أيضًا عن عائشة: "لا تذهب الأيام والليالي حتى تُعْبَدَ اللاتُ والعزى من دون الله .. " الحديث، وفيه: "يبعث الله ريحًا طيبة، فيتوفى بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبَّة من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وفي حديث حُذيفة بن أَسيد أن ذلك بعد موت عيسى بن مَرْيم.
وقد استشكلوا على ما ورد في هذا الحديث حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حتى يأتي أمر الله" فإن ظاهر هذا الأول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلاً عن القائم بالحق. وظاهر الثاني البقاء، ويمكن أن يكون المراد بقوله: أمر الله هبوب تلك الريح، فيكون الظهور
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 357)
قبل هبويها، فبهذا الجمع يزول الإشكال، وأما بعد هبويها فلا يبقى إلا الشرار، وليس فيهم مؤمن، وعليهم تقوم الساعة، وتكون الساعة حينئذٍ كالحامل المتمِّ، لا يدري أهلها متى تضع من ليل أو نهار كما رُوي عن عيسى عليه السلام، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود، ولفظه: قال: "لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لقي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى، فلم يكن عنده منها علم، فرد الحديث إلى عيسى فقال: قد عهد إلى فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله، فذكر خروج الدجال، قال: فأنزل إليه فأقتله، ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج، ثم دعاءه بموتهم، ثم بإرسال المطر، فيُلْقي جيفَهم في البحر، ثم تُنسف الجبال، وتُمدُّ الأرض مد الأديم، فعُهِدَ إليَّ إذا كان ذلك، كانت الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلًا كان أو نهارًا.
هذا ما أردت إيراده هنا، وإذا أحياني الله تعالى إلى وصول الرقاق أو الفتن، كملت الكلام على بعض ما أجمل هنا، ولنرجع إلى تفسير الحديث، فأقول:
قوله: "إذا وَلَدَتِ الأمة ربها" عبر بإذا لإشعاره بتحقق الوقوع، لدلالة إذا على الجزم، ولم يعبر بإن لدلالتها على الشك، فلا يصح أن يقال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محذورًا لأنه يشعر بالشك فيه، وقد ألغز الزَّمَخْشرِيّ في هذا المعنى فقال:
سَلِّمْ على شيخ النُّحاةِ وقُلْ لهُ … عندي سؤالٌ من يُجِبْهُ يعظَّمِ
أنا إنْ شكَكْتُ وَجَدْتني به جازمًا … وإذا جَزَمْتُ فإنّني لم أجْزِمِ
ولم أطّلع على من أجابه، وأجبته مبينًا علة الجزم وعدمه مني فقلت:
إنْ كنتَ في المعنى المؤدَّى حائرًا … بـ"إنِ" الّتي للشكِّ صرِّخْ واجزِمِ
وإذا تكونُ بما يؤدّى جازمًا … بـ"إذا" تؤدّيه وما إن تجزمِ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 358)
فالشكُّ يجبرُ وصمُهُ إعمالَها … وإذا بذاكَ الوصمِ لم تَتَثلَّمِ
ووقعت هذه الجملة بيانًا للاشتراط، نظرًا إلى المعنى والتقدير: ولادة الأمة، وتطاول الرعاة. وفي التفسير: "ربتها" بتاء التأنيث على معنى النسمة، فيشمل الذكر والأنثى. وفي رواية عثمان بن غِياث: "الإماء أربابَهُنَّ" بلفظ الجمع، والمراد بالرب المالك أو السيد، وقد اختلف العلماء في معنى هذه الكلمة اختلافًا كثيرًا، ملخصه أربعة أقوال:
الأول: وهو قول الأكثرين: إن معناه اتساع الإِسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم فهذا ملك الرجل الجارية واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها، وهذا يرد عليه أن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة، ووجه هذا القول بأن الإماء تلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وقرب هذا التوجيه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكسر الأمر، ولاسيما في أثناء دولة بني العباس، ورواية: "ربتها" لتأويلها بالنسمة لا تنافي ذلك، وقال البعض: إن إطلاق ربها على ولدها مجاز، لأنه لما كان سببًا في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وفسره بعضهم بأن النبي إذا كثر، فقد يُسبى الولد أولًا وهو صغير، ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسًا بل ملكًا، ثم تُسبى أمه فيما بعد، فيشتريها وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها موطوءة، أو يعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات عند مسلم: "أن تلد الأمة بعلَها" فتحمل على هذه الصورة إن فسر البعل بالزوج، وقد يفسر بالرب كما عليه ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا} أي: ربًّا، وقيل علم على صنم معين، وتفسيره بالرب أولى ليوافق الروايات.
القول الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 359)
الملاك المستولدة، حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحزيم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا إنما يحصل إذا حُمِلَ البيع على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع، وأما بيعها في غير هذه الصورة فلا يحصل فيه ما ذكر، لأنه مختلف فيه، والفاعل له معتقدًا الجواز لا يُنسب للجهل ولا الاستهانة بالشرع.
الثالث: وهو من نمط الذي قبله، أن شراء الولد أمه لا يختص بامهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرًّا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو زنى، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو بنتها، ولا يرد على هذا تفسير محمد بن بِشْر بأن المراد بالإماء السراري، لأنه تخصيص بغير دليل.
الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة، وأورد على هذا أنه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأمة إلا أن يُقال: إنه أقرب إلى العقوق.
قال في "الفتح": وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربَّى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الحفاة العراة ملوك الأرض".
قال النووي: ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد ولا على جوازه، وقد غلط من استدل به لكل من الأمرين، لأن الشيء إذا جعل علامة على شيء آخر لا يدل على حظر ولا إباحة، وقد استدل به إمامان كبيران، أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، وذلك عجيب منهما، وقد أُنكر ذلك عليهما، وهو موضع الإنكار.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 360)
اعلم أنه جاء في هذا الحديث إطلاق الرب على السيد المالك في قوله: "ربها" وهو معارض لما أخرجه الشيخان من قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يقُل أحدُكم: أطعم ربَّك، وضِّىء ربَّك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي" والجواب عن هذا أن الذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه، كما في قوله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} وقوله: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} وقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: "ربها" فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز، وقيل: هو مخصوص بغير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإِكثار من ذلك، واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة.
قلت: الأحسن من الأجوية هو الأخير، وفي حديث النهي دلالة على ذلك؛ لأن قوله: "أطعم ربك، اسق ربك، وضىء ربك" يدل على أنه أراد النهي عن استعمال ذلك في كل الخطاب، ولو لم يرد هذا المعنى لكان يكفي أن يقول: لا يقل ربك أو ربي، والجواب يحمل النهي على التنزيه لا بأس به أيضًا، وأما الأول فغير صحيح لتصريح الحديث بالنهي عما فيه الإضافة، فكيف يجعل هو محل الجواز قطعًا.
وقوله: "وإذا تطاول" أي: تفاخروا في تطويل البنيان، وتكاثروا فيه.
وقوله: "رعاة الإبل البُهْم في البنيان" الرعاة -بضم الراء- جمع راع كقضاة وقاض، والبُهْم -بضم الموحدة وسكون الهاء- جمع أبْهم، يجوز فيه الرفع نعتًا للرعاة، والكسر نعتًا للإبل. وعلى الأول: وصف الرعاة بذلك إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه: أُبْهِمَ الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته، أو لأنهم سود الألوان، لأن الأدمة غالب ألوانهم، وقيل: معناه لا شيء لهم، كقوله عليه الصلاة والسلام: "يحشرُ الناس حفاةً عراةً بهمًا"
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 361)
ولا يرد على هذا إضافة الإبل لهم، لأنها إضافة اختصاص لا ملك على هذا، والغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقَلَّ أن يباشر الرعي بنفسه. وعلى الثاني: فوصف الِإبل بالبهم، أي: السود، لأنها شر الألوان عندهم، وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل، فقيل: خير من حمر النعم.
وفي رواية مسلم: "رعاء البَهْم" -بفتح الباء- وهي صغار الغنم من الضَّأْن والمعز، وفي رواية للأصيلي كذلك، لكنها لا تتجه مع ذكر الإِبل، وإنما تتجه مع ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة كما في مسلم. وقوله في التفسير: "وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس" زاد الإسماعيلي: "الصم البكم"، وقيل لهم ذلك مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة.
وقوله: "رؤوس الناس" أي: ملوك الأرض، كما صرح به الإسماعيلي، والمراد بهم البادية، كما صرح به سليمان التَّيْمي، قال: ما الحفاة العراة؟ قال: العُرَيْب: وهو بالعين المهملة على التصغير. وفي الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "من انغلاب الدين تفصُّحُ النَّبَط، واتخاذهم القصور في الأمصار".
قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به. قال: وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان.
ولو حضر زماننا هذا لرأى ما هو أفظع من ذلك، وهذا كله عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد ورعاة الإبل، وما أحسن قول القائل:
إذا التَحَقَ الأسافلُ بالأعالي … فقَدْ طابَتْ منادمةُ المنايا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 362)
وقال البيضاوي: بلوغ الغاية منذر بالتراجع المؤذن بأن القيامة ستقوم كما قيل:
وعند التّناهي يقصُرُ المتطاولُ
ومن هذا المعنى الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدَ الناس بالدنيا لكعُ ابن لكع" ومنه: "إذا وسِّدَ الأمر -أي أُسند- إلى غير أهله، فانتظر الساعة" وكلاهما في "الصحيح".
وقوله: "في خمس" الجار متعلق بمقدر: وهو داخل، أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، كما في قوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في تسع آيات، فالمحذوف: اذهب، وفي رواية عطاء الخُراساني عند أبي نُعَيم في "الحلية": "قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس لا يعلمها إلا الله".
قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} بهذه الخمس، وهو في "الصحيح" قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه. قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي، وليس ذلك بعلم.
وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك.
وأخرج حَميد بن زَنْجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم.
وفي "شرح المناوي الكبير": خمس لا يعلمهن إلا الله، أي: على
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 363)
وجه الإحاطة والشمول كليًّا وجزئيًّا، فلا ينافيه إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات، حتى من هذه الخمس، لا على وجه الإحاطة والشمول، بل على وجه الإجمال.
وقوله: "ثم تلا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية" أي: تلاها إلى آخر السورة، إلى قوله: {خَبِيرٌ}، وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير، من قوله: "إلى الأرحام" فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها، وقد تضمن هذا الجواب زيادة على السؤال، للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة، لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة. فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث، أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهِم منه الحصر على سبيل الكناية، ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث، فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله سبحانه وتعالى.
وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن المنذر والبَغَوي والواحدي والثَّعْلَبي عن عكرمة، أن رجلًا يقال له: الحارث بن عَمرو، جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد: متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادُنا فمتى تخصُب؟ وقد تركت امرأتي حُبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبتُ اليوم فماذا أكسب غدًا؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية.
والنكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كلل نفس مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعه على علم غير ذلك من باب أولى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 364)
وقد قال القسطلاّني: إن الله عز وجل إِذا أمر بالغيث وسَوْقه إِلى ما شاء من الأماكن، علمته الملائكة الموكلون به، ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل، وكذا إذا أراد تبارك وتعالى خلق شخص في رحم، يعلِّمُ سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري، عن أنس، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إن الله تعالى وكَّلَ بالرحمِ ملكًا، يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق والأجل، فيكتب في بطن أمه، فحينئذ يعلم ذلك الملك، ومن شاء تعالى من خلقه" وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات، لأن المراد بالعلم الذي استأثر به سبحانه العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل كما مر، وما يعلم به الملك، ويطلع عليه بعض الخواص دون ذلك العلم الكامل.
قلت: ومن هذا القبيل ما رُوي عن أبي بكر في مرض موته، من قوله لعائشة رضي الله تعالى عنهما: وإنما هما أخواك وأختاك، ولم تكن عائشة عالمة حينئذ إِلا بأخت واحدة، وهي أسماء، وكانت بنت خارجة زوجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه حاملًا بأم كلثوم، فلما ولدت علمت مراد أبي بكر رضي الله تعالى عنه بقوله: أختاك، ولما قالت له: ما هي إلا أسماء فمن الأخرى؟! قال لها: ذو بطن بنت خارجة، ما أظنها إلا أنثى. فكان كذلك، وبنت خارجة اسمها حبيبة، وهذا الأثر أخرجه في "الموطأ" بقصته في باب ما لا يجوز من النحل في الأقضية.
وقوله: "ثم أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا شيئًا" وفي التفسير: "فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا" ففيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عِمران بن حُصَين أنه كان يسمع كلام الملائكة.
وقوله: "جاء يعلِّمُ الناسَ دينَهم" في التفسير: "ليعلم"،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 365)
وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا"، وفي رواية أبي فَرْوَة فيما مر: "والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل" وفي حديث أبي عامر عند أحمد: "ثم ولى، فلم نر طريقه، قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: سبحان الله، هذا جبريل، جاء يعلم الناس دينهم، والذي نفسُ محمد بيده، ما جاءني قطُّ إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التَّيْمِي: "ثم نهض، فولى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولّى".
وقول ابن حِبّان: إن سليمان التيمي تفرد بقوله: "خذوا عنه" فيه أنه إنما تفرد بالتصريح، لأن قوله عليه الصلاة والسلام في الروايات الآخر: "جاء يعلم الناس دينهم" فيه إشارة إلى هذه الزيادة، وفي هذه الروايات أنه عليه الصلاة والسلام ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، غير معروف لديهم، فما وقع في رواية النسائي من قوله: "وإنه لجبريل نزل في صورة دِحْيَة الكَلْبي" وهم وغلط، لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر فيما مر: "ما يعرفُهُ منّا أحد" واتفقت هذه الروايات أيضًا على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، فما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر في رواية كَهْمس: "ثم انطلق، قال عمر: فلبثت مليًّا، ثم قال: يا عمر: أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل" وفي رواية النسائي والترمذي: "فلبثت ثلاثًا" وفي رواية أبي عوانة: "فلبثنا ليالي، فلقيني رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث" ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن مَنْده: "بعد ثلاثة أيام" فقد جمع النووي بين الأحاديث المذكورة، بأن عمر لم يحضر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المجلس، بل كان ممن قام إمّا مع الذين
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 366)
توجهوا في طلب الرجل، أولشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر عليه الصلاة والسلام الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن.
وفي قوله: "يعلمكم دينكم" دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلمًا، وقد اشتهر قولهم: حسنُ السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث، لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معًا.
وقال القُرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه من جمل علم السنة.
وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه "المصابيح" و"شرح السنة" اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وقال القاضي عِياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.
وقوله: "قال أبو عبد الله" جعل ذلك كله من الإيمان، وأبو عبد الله المراد به البخاري نفسه، وقد قال في أول الباب: "فجعل ذلك كله دينًا"، أما جعله دينًا فظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: "جاء يعلم الناس دينهم"، وأما جعله إيمانًا، فكلمة "من" إمّا تَبْعيضيّة، والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى، وعند الناس، فلا شك أن الإِسلام والإحسان داخلان فيه، وإما ابتدائية، ولا يخفى أن مبدأ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 367)
الإحسان والإِسلام هو الإيمان بالله، إذ لولا الإيمان به لم تتصور له العبادة.
وقوله: "فجعل ذلك كله دينًا" لا يدل على اتحاد الإِيمان والإِسلام، بل يدل على أن الدين اسم لمجموع هذه الثلاثة، وقوله الأخير: "جعل ذلك كله من الإيمان" دال على اتحادهما، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها، وقد ذكرت طرفًا من الكلام فيها في أول كتاب الإيمان، وها أنا أذكر هنا حاصل ما ذكره في "الفتح".
فقد نقل أبو عُوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المُزَني صاحب الشافعي الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإِمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة.
وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، يعني: مطلقًا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.
قال في "الفتح": ومقتضاه أن الإِسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معًا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معًا، ويرد عليه قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فإن الإِسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا، لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإِسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإِسلام، بل ذاك تفصيل لجملة اسمها شيء، وجماعها الدين، ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أتاكُم يعلمكم دينكم" وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 368)
والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكِنْ كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإِسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا، أو لم يكن في مقام سؤال، أمكن العمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى ذلك الإِسماعيلي عن أهل السنة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمَّد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر أنهم سوَّوْا بينهما على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالَكائي وابن السَّمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل.
قلت: والحق أنهما متحدان مقصدًا مختلفان مفهومًا، ولأجل ما في هذا الحديث من الفوائد الشرعية أشبعت الكلام فيه، وما ذكرته فيه قليل بالنسبة لما تضمنه.
رجاله خمسة:
الأول مسدّد وقد مر في السادس من كتاب الإيمان هذا.
ومر إسماعيل بن علية في الثامن أيضا.
ومر أبو زُرعة هرِم في التاسع والعشرين منه.
ومر أبو هُريرة في الثاني منه أيضًا.
والثالث: من السند يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان التَّيْمي الكوفي العابد من تَيْم الرَّباب.
قال الخُرَيْبيّ: كان سفيان الثوري يعظمه ويوثقه. وقال محمَّد بن فُضَيْل: حدثنا أبو حيان التيمي، وكان صدوقا. وقال ابن معين: ثقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 369)