غير رواية ابن عساكر والأصيلي، فإنها أي: الواو، ساقطة، والعطف على لفظٍ عن عبد الله بن عمر عطفا من جهة المعنى، كأنه قال: قال نافع قال عبد الله بن عمر ما مر. وقال "ويزعمون" وهو عطف على مقدر، أي: وقال: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كذا. ويزعمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ويهل أهل اليمن من يلمْلَم" وهذا التقدير لابد منه؛ لأن هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله، ويلملم بفتح المثناة التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا ويقال "ألملم" بالهمزة بدل الياء، وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكي فيه "يَرَمْرَم" براءين بدل اللامين، وفي عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عباس "ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قَرْن"، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسَل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يصلون إلى قَرْن أو يحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم.
وقول ابن عمر "ويزعمون" إلى آخره، يفسر بمن روى الحديث تامًا، كابن عباس وغيره، وقوله "وقال ابن عمر: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" أي: لم أفهم هذه الأخيرة، أي يلملم لأهل اليمن، وهذا من شدة تحرّيه وورعه.
وفيه دليل على إطلاق الزعم على القول المحقق، لأن ابن عمر سمع ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لكنه لم يفهمه، لقوله: لم أفقه هذه، أي الجملة الأخيرة، فصار يرويها من غيره، وأيضًا فإن ابن عمر لا يريد بهؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة، والعلم بالسنة، ومحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم، لأن هذا ليس مما يقال بالرأي.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 171)
رجاله أربعة: الأول قتيبة بن سعد، مر في الحديث الثاني والعشرين من كتاب الإيمان، ومر تعريف أبي معاوية محمد بن حازم في الحديث الثالث منه أيضًا، ومر تعريف عبد الله بن عمر في أول كتابه أيضًا قبل ذكر حديث منه.
الثالث: نافع بن سَرْجِس، بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم في آخره سين أخرى، أبو عبد الله المدني مولى عبد الله بن عمر، أصله من المغرب، وقيل من نَيْسابور، وقيل من سَبْي كابُل، وقيل من جبال الطَّالقان، أصاب عبد الله بن عمر في بعض غزواته، روى عن مولاه وأبي هريرة وأبي لبُابة بن عبد المنذر وأبي سعيد الخُدْريّ ورافع بن خديج، وعائشة وأم سلَمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وخلق كثير.
روى عنه أولاده أبو عمر وعمر وعبد الله وعبد الله بن دينار وصالح بن كَيْسان وأبو إسحاق السَّبيعيّ ومالك بن أنس والأوزاعي وابن إسحاق وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال البخاريّ: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، وقال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن عبد الله بن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد غيره. وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذَّهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. ومعظم حديث ابن عمر دائر عليه، وقال عبد الله بن عمر: لقد منّ الله علينا بنافع، قال أحمد بن صالح المصريّ: كان نافع حافظًا ثبتًا له شأن، وهو أكبر من عِكرمة عند أهل المدينة.
وقال الخليليّ: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية" منهم من يقدمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن، وقيل لابن مَعين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 172)
فلم يفضل. فقيل له: نافع أو عبد الله بن دينار؟ فقال: ثقات، ولم يفضل. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وقال ابن خراش: ثقة نبيل. وقال النَّسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك ثم أيوب، فذكر جماعة. وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجل من نافع، وحديث الثلاثة أولى بالصواب. وقال سفيان: فأي حديث أوثق من حديث نافع؟ وروي عنه أنه قال: كنت أسير مع عبد الله ابن عمر، رضي الله عنهما، فسمع زُمَّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يانافع، أتسمع؟ حتى قلت: لا، فأخرج أصبعيه عن أذنيه، ثم رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الأثر إشكال تسأل عنه الفقهاء، وهو أن ابن عمر كيف سد أذنيه عن استماع صوت الزمارة، ولم يأمر مولاه نافعًا حينئذ بفعل ذلك؟ بل مكنه منه، وكان يسأله كل وقت: هل انقطع الصوت أم لا؟ وقد أجابوا عن الإشكال بأن نافعًا حينئذ كان صبيًا، فلم يكن مكلفًا حتى يمنعه عن الاستماع، ويرد على هذا الجواب سؤال، وهو أن الصحيح أن إخبار الصبي غير مقبول، فكيف ركن ابن عمر إلى إخباره في انقطاع الصوت؟ ولكن الصحيح غير ما ذكر من عدم قبول رواية الصبي، بل الصحيح عند المحدثين قبول روايته، كما هو مذكور في أصول الحديث. وفي متن البخاريّ وغيره. وأخبار نافع كثيرة، مات رضي الله عنه سنة سبع عشرة ومئة، وقيل سنة عشرين ومئة.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه "حدثني قتيبة" وفي بعض النسخ "حدثنا قتيبة". أخرجه البخاريّ هنا وفي الحج، والنَّسائي في العلم، وثبت من رواية ابن عباس. أخرجه البخاريّ ومسلم وأبو داود، وأخرجه مسلم عن جابر، وأكمل الأحاديث حديث ابن عباس؛ لأنه ذكر المواقيت الأربعة فيه، وحديث ابن عمر لم يحفظ فيه ميقات أهل اليمن،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 173)
وحديث جابر، رضي الله عنه، لم يجزم برفعه، ثم قال المصنف:
باب من أجاب السائل بكثر مما سأله
موقع هذه الترجمة التنبيه على أن مطابقة الجواب للسؤال غير لازمة، بل إذا كان السبب خاصا والجواب عاما جاز، وحمل الحكم على عموم اللفظ على خصوص السبب لأنه جواب وزيادة فائدة وأما ما وقع في كلام كثير من الاصوليين أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة بل المراد أن الجواب يكون مفيدًا للحكم المسؤول عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 174)
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ".
قوله ابن أبي ذئب عن الزُهريُّ هو بالضم عطفًا على قول آدم: حدثنا ابن أبي ذئب والمراد أن آدم سمعه من ابن أبي ذيب بإسنادين، وفي رواية غير أبي ذر وعن الزُّهريّ بالعطف على نافع، ولم يعد ذكر ابن أبي ذيب، وقوله "إن رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، وقد سأله ما يلبس المُحْرِم، بفتح المثناة التحتية والموحدة، مضارع لبس بكسر الموحدة، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قِران. وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقية الإحرام على مذهب الشافعيّ، ويرد على من يقول إنه النية؛ لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول إنه التلبية، بأنها ليست ركنًا، وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء، والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة، من تجرد وتلبية ونحو ذلك.
وعند النَّسائِيّ عن ابن عمر "ما تلبس من الثياب إذا أحرمنا" وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام، وقد حكى الدارقطنيّ أن في رواية
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 175)
ابن جُرَيج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال في "الفتح": ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، لكن أخرج البيهقيّ عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مُقَدم المسجد، فذكر الحديث" وظهر أن ذلك كان بالمدينة.
ووقع في حديث ابن عباس في آخر الحج عند المصنف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خطب بذلك في عرفات، فيحُمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة. وقوله "لا يُلْبَسُ القميص" هو بالرفع على الخبر، وهو في معنى النهي، وروى بالجزم على أنه نهي، وأجمعوا على أن المراد بالمُحْرِم هنا الرجلُ، ولا تلتحق به المرأة في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الوَرْس، ويؤيده ما في حديث اللّيث الآتي في آخر الحج، ولا تَنْتَقبُ المرأة وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مَخِيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به، مخيطًا أو غيره، وبالخِفاف على كل ما يستر الرجل.
وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس، وهو واضح، والمراد بتحريم المخِيط ما يُلْبس على الموضع الذي جعل له، ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلًا فلا بأس وقال الخَطَّابيّ: ذكر العِمامة والبُرْنُس معًا ليدل على أنه لا تجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر، المِكْتَل يحمله على رأسه فإن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القُبعُ صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 176)
هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه، ومما لا يضر أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا سَتْر الرأس باليد.
وقال النَووِيّ: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام، وجزله، لأن مالا يلبس منحصرٌ، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه، وقال البَيْضاويّ: سُئِل عما يُلْبَس، فأجاب بما لا يلبس ، ليدل بالالتزام من طريق المفهوم علي ما يجوز، وإنما عَدَل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، ونكتة العدول أيضًا هي أن السائل سأل عما يلبس، فأجيب بما لا يلبس، إذا الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يلبس لطال به، بل كان يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه، فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضاً المقصود ما يحرم لبسه، لا يحل له لبسه، لأنه لا يجب له لباس مخصوص، بل عليه أن يجتنب شيئًا مخصوصًا.
قال البيضاوي وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس، لأنه الحكم العارض بالإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأَليق السؤال عما لا يلبس، وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215] الآية: فعدل عن جنس المنفَق. وهو المسؤول عنه، إلى ذكر المنفق عليه، لأنه الأهم.
وقال بعضهم: يؤخذ منه أن المفتي إذا سئل عن واقعة، واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابه إلى أن يعديه إلى غير محل السؤال، تعين عليه أن يفصل الجواب، ولهذا قال: فإن لم يجد نعلين، فكأنه سأل عن حالة الاختيار، فأجابه عنها، وزاده حالة الاضطرار، وليست أجنبيته عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب، ما يحصل منه المقصود، كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة. وطعن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 177)
بعضهم في قول من قال: إن هذا من أسلوب الحكيم، بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يُلْبَس، كأن يقال: ما ليس بمخيط، ولا على قدر البدن، كالقميص، أو بعضه كالسراويل، أو الخف، ولا يستر الرأس أصلًا، ولا يلبس ما مسه طيب، كالورس والزعفران. وفي هذا الاعتراض نظر؛ لأن إمكان الحصر لا يمنع من أسلوب الحكيم، فإن أسلوب الحكيم إنما هو لكون المعدول إليه أهم من المسؤول عنه. وفي هذا الجواب العدول إلى ما هو الأهم، وهو ما يحرم لبسه، ويوجب الفدية، وهذا كله بناء على الرواية المشهورة عن نافع وسالم.
وقد رواه أبو عُوانة عن ابن جُريج عن نافع بلفظ "ما يترك المُحْرم" وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جُرَيج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ "إن رجلًا قال ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عُوانة في صحيحيهما عن معمر عن الزُّهْريّ عنه وأخرجه أحمد عن ابن عُيينة عن الزُّهري. قال مرة ما يترك؟ ومرة ما يلبس؟ وأخرجه المؤلف في أواخر الحج عن الزُّهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهري يُشْعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم.
وقوله "ولا ثوبًا مسه الورس أو الزعفران" الورس، بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة، نبت أصفر طيِّب الريح يصيبغ به، قال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمته الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم. والزعفران، بفتح الزاي والفاء، اسم أعجمي، وقد صرفته العرب، فقالوا: ثوب مُزَعْفر، وقد زَعْفَر ثوبه. قال أبو حنيفة الدِّيْنَوريّ: لا أعمله ينبت بشيء من أرض العرب، وفي كتاب المفضل بن سلمة أن الكُرْكُمَ عروق الزَّعفران. وقال مُؤرّج يقال لورق الزعفران الفَيْد، ومنه يسمى مورج أبا فَيد. واستدل بقوله "مسه" على تحريم ما صبغ كله، أو بعضه، ولو خفيت رائحته.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 178)
قال مالك في الموطأ: إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنغض، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة، لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس عند المصنف في آخر الحج "ولم ينه عن شيء من الثياب إلَاّ المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلد" وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك، واستدلوا بما رواه أبو معاوية عن عُبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث "إلا أن يكون غسيلًا". وهذه الزيادة شاذة، لأنها عن أبي معاوية والحَمَّانيّ، وأبو معاوية مضطرب الحديث في عُبيد الله، ولم يجيء بهذه الزيادة غيره، والحَمَّانيّ ضعيف، واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منه أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف. وقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن المراد اللُّبس والتَّطَيُّب، والأكل لا يسمى متطيبًا.
وقوله: "فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين" وفي حديث ابن عباس "ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم"، زاد معمر في روايته عن الزهريّ زيادة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين. فإن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين" واستدل بقوله: "فإن لم يجد" على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور. وعن بعض الشافعية جوازه. وكذا عند الحنفية. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرِّجل شيئًا، لم يجز إلا للفاقد. والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه، أو الأجرة. ولو بيع بغُبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله، إلا إن أُعير له.
وقوله "فليلبس" ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شرع للتسهيل، لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة.
وقوله "وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين" المراد كشف الكعبين في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 179)
الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن عُروة قال "إذا اضطر المحرم إلى الخُفين خَرَق ظُهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه". وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنَفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفية تجب، وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لَبيَّنها النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه وقتُ الحاجة.
واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع، لإِطلاق حديث ابن عباس، حيث قال فيه: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين" وتُعُقِّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا، فيحمل المطلق على المقيَّد، ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم.
وقال ابن قُدامة: الأَوْلى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف، وأجاب غيره من الحنابلة بأشياء منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطني عن عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه، وقال: انظروا أي الحديثين قَبْل،. ثم حكى عن أبي بكر النَّيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قَبْل؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب الشافعيّ في الأم عن هذا فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس، لاحتمال أن تكون عُزِبت عنه، أوشك، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته.
وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجَوْزيّ: حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، وهو تعليل مردود، بل لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 180)
رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدِّثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحد من الحفّاظ، منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخ بَصري لا يعرف. كذا قال وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة. واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحب الفساد. وأجيب بأن الإِفساد إنما يكون فيما نهى الشارع عنه، لا فيما أَذِن فيه.
وقال ابن الجَوزيّ: يُحمل الأمر بالقطع على الإباحة، لا على الاشتراط عملًا بالحديثين، ولا يخفى تكلُّفه. واستدل بعضهم بالقياس على السراويل، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، والحكم في السراويل المشار إليها، هو أنه قد مر في حديث ابن عباس "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم" أي: هذا الحكم للمحرم لا الحلال، فلا يتوقف جواز لُبسه السراويل على فقد الإزار.
قال القرطبيّ: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمدُ، فأجاز لُبْس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإِزار علي حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف، وفتق السراويل، فلو لبس شيئاً منهما على حاله، لزمته الفدية. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" يعني: وَقِيْسَ السراويلُ على الخفِ في التغيير عن حاله الأصْلَّي. وقال في "الفتح": الأصح عند الشافعية والأكثر، جوازُ لبس السراويل بغير فتق، كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمامُ الحرمين وطائفة.
وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك، وكأن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 181)
حديث ابن عباس لم يبلغه، ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال: لم أسمع بهذا الحديث، فمنع السراويل عن مالك محلُّه إذا لم يفتق، كما مر عن القرطبيّ. وقال الرّازيّ من الحنَفية: يجوز لُبْسه وعليه الفدية، كما قاله أصحابهم في الخفين. ومن أجاز لبس السراويل على حاله، قيّده بأن لا يكون في حالة لو فتقة لكان إزارًا، لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار.
والحكمة في منع المُحْرم من اللباس والطيب البعدُ عن التَّرفِه والاتّصافُ بصفة الخاشع، وليتذكر بالتجرد القدومَ على ربه، فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات.
رجاله ستة: الأول آدم بن أبي إياس، مر في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، ومر تعريف سالم بن عبد الله في الحديث السابع عشر منه، ومر تعريف الزُّهرِيّ في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومر تعريف ابن أبي ذيب في الحديث الستين من كتاب العلم، ومر تعريف نافع في الحديث الذي قبل هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون ماخلا آدم، ومنها ما قيل: أصح الأسانيد الزُّهْري عن سالم عن أبيه، ونُسِب هذا القول لأحمد بن حنبل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما الزُّهْرِيّ وسالم، وفيه حاء التحويل، وتقدم الكلام عليه في الحديث الخامس من بدء الوحي. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس وفي الصلاة، ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنَّسائِيّ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 182)
خاتمة
اشتمل كتاب العلم من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وحديثين، منها في المتابعات بصيغة التعليق وغيرها، ثمانيةَ عَشَر، والتعاليق التي لم يوصلها في مكان آخر أربعة، وهي: كتب لأمير السرية، ورحل جابر إلى عبد الله بن أُنيس، وقصة ضمام في رجوعه إلى قومه، وحديث إنما العلم بالتعلم وباقي ذلك وهو ثمانون حديثًا كلها موصولة، فالمكرر منها ستة عشر حديثًا، وبغير تكرير أربعة وستون حديثًا وقد وافقه مسلم على تخريجها إلى ستة عشر حديثًا، وهي الأربعة المعلقة المذكورة، وحديث أبي هريرة "إذا وسد الأمر إلى غير أهله"، وحديث ابن عباس "اللهم علمه الكتاب" وحديثه في الذبح قبل الرمي، وحديث عقبة بن الحارث في شهادة المُرضعة، وحديث أنس في إعادة الكلمة ثلاثًا، وحديث أبي هريرة "أسعد الناس بشفاعتي"، وحديث الزُّبير "من كذب عليَّ"، وحديث سلمة "من تقوَّل عليَّ"، وحديث علي في الصحيفة، وحديث أبي هريرة في كونه أكثر الصحابة حديثًا، وحديث أم سلمة، "ماذا أُنزل الليلة من الفتن"، وحديث أبي هُريرة "حفظت وعاءَين" والمراد بموافقة مسلم موافقتهُ على تخريج أصل الحديث عن الصحابة، وإن وقعت بعض المخالفة في بعض السياقات، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم إثنان وعشرون أثرًا: أربعة منها موصولة، والبقية معلقة.
قلت: هكذا قال في "فتح الباري" والذي رأيته فيه من الأحاديث الموصولة أربعة وسبعون. وذكر آبن حَجر في مقدمته أن فيه خمسة وسبعين، وفيه من التعاليق عشرين، ومن المتابعات ثلاثة، فانظره مع هذا الذي ذكر هنا، وتقدم الكلام عليه في أول كتاب الإِيمان.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 183)
فائدة في الخاتمة
قال ابن رشد خَتْم البخاري كتاب العلم بباب "من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه" إشارة منه إلى أنه بلغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة، واعتمادًا على النية الصحيحة، وأشار قبل ذلك بقليل، بترجمة "من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فَهْمُ بعضِ الناس عنه" إلى أنه بما صنع ذلك، فاتبع الطيِّب بالطيِّب بأبرع سياق، وأبدع اتساق، رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 184)
كتاب الوضوء
قد مرّ أول كتاب الإيمان أنه افتتح الكتاب أولًا بالمقدمة، وهو باب الوحي، ومرّت النكتة في ذلك، وأنه أتبعه بكتاب الإيمان وكتاب العلم لما مر، ثم شرع بذكر الكتب المتعلقة بالعبادات، وقدمها على غيرها من الكتب المتعلقة بنحو المعاملات والآداب والحدود وغير ذلك، لأن ذكر العبادات عقيب كتاب الإيمان والعلم أنسب، لأن أصل العبادات ومبناها الإيمان، ومعرفتها على ما يجب وينبغي بالعلم، ثم قدم كتاب الصلاة بأنواعها على غيرها من كتب العبادات لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنة، ولأن الاحتياج إلى معرفتها أشد لكثرة دورانها، ثم قدم كتاب الوضوء لكونه شرط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه، ووقع في بعض النسخ كتاب الطهارة، وبعده باب ما جاء في الوضوء وهذه أنسب، لأن الطهارة أعم من الوضوء والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، والكلام على لفظ الكتاب قد مرّ عند كتاب الإيمان.
والطَهارة -بفتح الطاء- مصدر طَهُر -بضم الهاء وفتحها- وهي لغة النظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية، كالمعاصي الظاهرة والباطنة. وشرعًا، قال ابن عرفة: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له. فالأوليان من خَبَث، والأخيرة من حدث. وقوله: "صفة حكمية" أي: تقديرية قدرها الشارع وحكم بها، وليس لها وجود حقيقي. وقوله: "توجب" أي: تستلزم للمتصف بها جواز الصلاة، به إن كان محمولًا للمصلي، وفيه إن كان مكانًا له، وله إن كان نفس المصلي.
ويقابل الطهارة بهذا المعنى أمران: النجاسة والحدَث. فالنجاسة صفة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 185)
حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه، والحدث صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة له، وقد يطلق على نفس المنع المذكور سواء تعلق بجميع الأعضاء كالجنابة، أو ببعضها كحدث الوضوء والفرق بين هذين المعنيين كالفرق بين القائم والقيام، ويطلق في مبحث الوضوء على الخارج المعتاد من المخرجين، كقولهم: نقض الوضوء يحدث، وهو الخارج المعتاد في الصحة، وفي مبحث قضاء الحاجة على خروج الخارج، كقولهم: من آداب الحدث تغطية الرأس.
والوُضوء -بالضم- هو الفعل، وبالفتح الماء الذي يُتَوَضَّأ به على المشهور فيهما، وهل هو اسم للماء المطلق مطلقًا، أو بعد كونه معدًّا للوضوء، أو بعد كونه مستعملًا فيه. وحُكي في كل منهما الأمران، وهو مشتق من الوضاءة وهي الحسن، يقال: رجل وضيء وامرأة وضيئة، وسمي بذلك لأن المصلي يتنظف به.
باب ما جاء في قول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
هكذا في رواية الأصيلي، وفي رواية كريمة: "باب في الوضوء وقوله عز وجل: {إذا قمتم … الخ} "، وفي أصل الدمياطيّ: "باب ما جاء في الوضوء وقول الله عز وجل".
وأشار بقوله: "ما جاء" إلى اختلاف السلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقدير: إذا قمتُم إلى الصلاة محدثينَ، أي: إذا أردتم القيام، فعبر عن ارادة الفعل في قوله: {إذا قمتُم} بالفعل المسبب عنها، للإيجاز والتنبيه على أن مَنْ أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الِإرادة. ونقل الشافعي أن التقدير إذا قمتم من النوم. وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حَذْفٍ إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب، وفي
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 186)
حق غيره على الندب. وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثم نسخ فصار مندوبًا، ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حَنْظلة الأنصاري: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمره بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شقَّ عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث. ولمسلم من حديث بُرَيْدة: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنّك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! فقال: "عمدًا فعلته".
واختلف العلماء أيضًا في موجب الوضوء فقيل: يجب بالحدث وجوبًا موسّعًا، وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معًا، ورجحه جماعة من الشافعية. وقيل: بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب "السنن" من حديث ابن عبّاس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إنما أُمِرت بالوضوء إذا قمتُ إلى الصلاة".
واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} إيجاب النية في الوضوء، لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها، ومنه قولهم: إذا رأيت الأمير فقم، أي: لأجله.
وتمسك بهذه الآية مَنْ قال: إن الوضوء أول ما فُرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غُسل الجنابة إنما فُرض علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بمكة كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصلِّ قط إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم. وقال الحاكم في "المستدرك": وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الردِّ على مَنْ زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي تبكي، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتُلوك، فقال: "إيتوني بوضوء، فتوضأ … الحديث"، وهذا يصلح ردًّا على مَنْ أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على مَنْ أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبًا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلَاّ
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 187)
بالمدينة. ورُدَّ عليهما بما أخرجه ابن لَهِيعة عن عُروة أن جبريل علّم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لَهِيعة أيضًا، لكن قال: عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه. وأخرجه ابن ماجه من رواية رِشْدين بن سعد، عن عقيل، عن الزُّهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن اللَّيْث، عن عقيل موصولًا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لَهِيعة.
قلت: الحديث لو صح لم تكن فيه حجة على وجوب الوضوء قبل الهجرة، لأنه ليس فيه إلا أن جبريل عليه السلام علّمه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يذكر له وجوبًا ولا غيره.
وقد افتتح المؤلف رحمه الله الباب بهذه الآية للتبرك، أو لأصالتها في استنباط مسائله، وإن كان حق الدليل أن يؤخَّر عن المدلول، لأن الأصل في الدعوى تقديم المدّعى، والمراد بالوضوء ذكر أحكامه وشرائطه وصفته ومقدماته.
وقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المرافق داخلة في الغسل، دل على دخولها في الإجماع كما قال الشافعي في الأم، وفعله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم أن أبا هريرة توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى حتى أشرع في العضد … الحديث. وفيه: ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ.
فثبت غسله عليه الصلاة والسلام لها، وفعله بيان للوضوء المأمور به، ولم يُنقل تركه ذلك، ودل عليه الآية بجعل اليد إلى الكوع مجازًا إلى المرفق، مع جعل إلى للغاية الداخلة هنا في المغيّا، أو للمعية كما في {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]، أو يجعل اليد باقية على حقيقتها إلى المنكب، مع جعل إلى غاية للغسل أو للترك المقدر كما قال بكل منهما جماعة، فعلى الأول
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 188)
منهما تدخل الغاية لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل كما قيل، لعدم اطّراده كما قال التَّفْتزانيّ وغيره، فإنها قد تدخل كما في: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع والاحتياط للعبادة. قال المتولّي: بناء على أنها حقيقة إلى المنكب، لو اقتصر على قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ} لوجب غسل الجميع، فلما قال: إلى المرافق أخرج البعض عن الوجوب، فما تحققنا خروجه تركنا، وما شككنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة، والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني تخرج الغاية، والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق.
وقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} بجرِّ أرجلكم ونصبها، والكعبان هما العظمان الناتئان .. أي: البارزان بمفصلي الساقين، وهما داخلان في غسل الرجلين، ويُقال فيهما ما قيل في المرفقين.
قال أبو عبد الله: وبيِّن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أن فرضَ الوضوءِ مرةٌ مرةٌ، وتوضَّأ أيضًا مرتينِ مرتينِ وثلاثًا ثلاثًا، ولم يزِدْ على ثلاثٍ.
و"مرة مرة" بالرفع على الخبرية، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق، أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلًا مرة مرة، أو على الحال السادّة مسد الخبر، أي: يفعل مرة، أو على لغة من ينصب الجزأين بأنَّ. وأعاد لفظ مرة لإرادة التفصيل، أي: الوجه مرة، واليد مرة إلخ. والبيان المذكور يحتمل أن يشير به إلى ما رواه بعد عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم توضأ مرة مرة. وهو بيان بالفعل لمجمل الآية، إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة، ولا يتعين بعدد، فبيَّن الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب، وما زاد عليها للاستحباب، وستأتي الأحاديث على ذلك فيما بعد. وأما حديث أُبيّ بن كعْب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَاّ به" ففيه بيان الفعل والقول معًا، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 189)
وقوله: "وتوضأ أيضًا مرتين مرتين" كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: "مرتين" بغير تكرار، وسيأتي هذا التعليق موصولًا في باب مفرد عن عبد الله بن زيد، ويأتي الكلام عليه هناك.
وقوله: "وثلاثًا" أي: وتوضأ ثلاثًا، زاد الأصيليّ ثلاثًا على نسق ما قبله، وسيأتي موصولًا أيضًا عن عثمان بن عفان في باب مفرد، ويأتي الكلام عليه هناك أيضًا.
وقوله: "ولم يزد على ثلاث" أي: لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام أنه زاد على ثلاث، بل ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذمُّ مَنْ زاد عليها، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "مَنْ زاد على هذا أو نقص فقد أساء أو ظلم" إسناده جيد. أي: ظلم بالزيادة بإتلاف المال ووضعه في غير محله، وظاهره الذم بالنقص عن الثلاث، وهو مشكل لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة، ولذا عدَّ مسلم قوله: "أو نقص" مما أُنكر على عمرو بن شُعيب. وأجيب عنه بأجوبة:
منها: أنه أمر سيء، والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة. وفيه نظر، لأن ما فعله عليه الصلاة والسلام لا يوصف بأنه سيء.
الثاني: أن فيه حذفًا تقديره مَنْ نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه نُعَيْم بن حماد عن المطَّلِبْ بن حَنْطَب مرفوعًا: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ" وهو مرسل رجاله ثقات، والمراد من النقص في الواحدة أن لا تستوعب العضو.
الثالث: هو أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصر على قوله: "فمَن زاد" فقط كما رواه ابن خُزَيْمة في "صحيحه" وغيره.
الرابع: أنه يكون ظالمًا لنفسه في ترك الفضيلة والكمال، وإن كان يجوز
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 190)