مرة مرة أو مرتين مرتين، ويقال: معنى "أساء" في الأدب بتركه السنة، والتأدب بآداب الشريعة، ومعنى "ظلم" أي: ظلم نفسه بما نقصها من الثواب، وفي تركه الفضيلة والكمال.
الخامس: أنه يكون ظالمًا إذا اعتقد خلاف السنة في الثلاث.
ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسْفَرايينيّ عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص من الثلاث، وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع.
وأما قول مالك في "المدونة": لا أحب الواحدة إلا من العالم. فليس فيه إيجاب زيادة عليها، واختلف في معنى "أساء" و"ظلم"، فقيل: أساء في النقص وظلم في الزيادة، فإن الظلم مجاوزة الحدود، ووضع الشيء في غير محله. وقيل عكسه، لأن الظلم يستعمل بمعنى النقص، لقوله تعالى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] وقيل: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصلاح، لأنه ظاهر الكلام.
وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله: "وكره أهل العلم الإسراف فيه" أهل العلم المجتهدون، والإسراف هو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي.
والكراهة للتنزيه على ما هو المعتمد من قولين مشهورين عند المالكية بالمنع والكراهة، وعلى ما هو الأصح أيضًا من مذهب الشافعية، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.
وأشار المصنف بما ذكر إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن هِلال بن يسافٍ أحد التابعين، قال: كان يُقال: من الوضوء إسراف ولو كنت على شاطىء نهر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 191)
وأُخرج نحوه عن أبي الدَّرداء وابن مسعود، ورُوي في معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد ليّن عن عبد الله بن عمرو، وحكى الدّارمي من الشافعية عن قوم: إن الزيادة على الثلاث تُبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة، وهو قياس فاسد.
ولو شك في أثناء الوضوء في غرفة هل هي ثالثة أو رابعة؟ ففي ذلك عند المالكية قولان بالكراهة والندب، علة الأول خوف الوقوع في المنهي عنه، وعلة الثاني الاعتبار بالأصل كالشك في الركعات، وكذلك عند الشافعية قولان هل يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعة، أو يأخذ بالأقل كالركعات وهو الأصح. ونصت الشافعية على أن الشك بعد الفراغ لا عبرة به على الأصح، لئلا يؤديه الأمر إلى الوسوسة المذمومة.
وقوله: "وأن يجاوِزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" وهذا عطف تفسير على ما قبله، إذ ليس المراد بالإِسراف إلا المجاوزة عن فعله صلى الله تعالى عليه وسلم الثلاث، فقد أخرج ابن أبي شَيْبة، عن ابن مسعود، قال: ليس بعد الثلاث شيء.
قال في "الفتح": ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يُندب تجديد الوضوء على الإطلاق، واختُلف عند الشافعية في القيد الذي يزول به حكم الزيادة على الثلاث، فالأصح إن صلّى به فرضًا أو نفلًا، وقيل: فرضًا فقط. وقيل: مثله حتى سجدة التلاوة والشكر ومسّ المصحف. وقيل: ما يُقصد له الوضوء وهو أعم. وقيل: إذا وقع الفصل بزمن يُحتمل في مثله نقض الوضوء عادة. وعند المالكية يُندب تجديده إن صلّى به أو فعل به ما يتوقَّف على طهارة، كطوافٍ، ومس مصحفٍ على الراجح، ولو لم يفعل به ما يتوقف على الطهارة لم يجز التجديد، أي: يكره أو يمنع على الخلاف السابق في الرابعة، ولابد من كون المجدد له الوضوء صلاة ولو نافلة، أو طوافًا لا غيرهما كمس مصحف، فلا يجدد له الوضوء.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 192)
والصحيح عند الحنفية في الزيادة على الثلاث أن ذلك راجع إلى الاعتقاد، فإن اعتقد أن الزيادة على الثلاث سنة أخطأ ودخل في الوعيد، وإلا فلا يشترط للتحديد شيء، بل لو زاد الرابعة وغيرها لا لوم عليه، ولاسيما إذا قصد به القربة، لحديث: "الوضوء على الوضوء نور". لكن هذا الحديث ضعيف، ويستثنى من ذلك ما لو علم أنه بقي من العضو شيء لم يصبه الماء في المرات أو بعضها، فإنه يغسل موضعه فقط.
باب لا تُقبلُ صلاة بغير طُهور
" باب" بالتنوين، "تُقبل" بالبناء لما لم يسم فاعله، و"الطُهور" بضم الطاء وهو المصدر، أي: التطهير، وبالفتح الماء الذي يُتَطهَّر به، والمراد بالطهور هنا ما هو أعم من الوضوء والغسل، وهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر، ورواه أبو داود وغيره عن أبي المَلِيح بن أسامة، عن أبيه، وله طرق كثيرة، لكن ليس فيها شيء على شرط البخاري، فلهذا اقتصر على ذكره في الترجمة، وأورد في الباب حديث أبي هريرة القائم مقامه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 193)
الحديث الأول
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ". قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
قوله: "لا تُقبل صلاةٌ" بالضم على البناء لما لم يسم فاعله، وأخرجه المصنف في ترك الحيل، أبو داود بلفظ: "لا يقبل الله"، والمراد بالقَبول هنا ما يرادِف الصحة، وهي موافقة الأمر ذي الوجهين الشرع، والإِجزاء أخص منها لاختصاصه بالعبادات. وحقيقة القَبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئةً رافعةً لما في الذمة، والثمرة هي حصول الثواب الذي لا يعلمه إلا الله، ولما كان الإِتيانُ بشروطها مظِنّة الإِجزاء الذي القبول ثمرته، عبر عنه بالقبول مجازًا.
وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "مَنْ أتى عرّافًا لم تُقبل له صلاةٌ" فهو الحقيقي، لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر، قال: لأن الله تعالى قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
وقوله: "مَنْ أحدثَ" أي: وُجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين مطلقًا، لما مر أنه أحد إطلاقاته، وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمسِّ الذكر، ولمس المرأة، والقيء ملءِ الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 194)
منها. وعليه مشى المصنف فيما يأتي في باب مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين. وقيل: إن أبا هُريرة إنما اقتصر في الجواب على ما ذُكر لعلمه أن السائل كان يعلمُ ما عدا ذلك.
واستُدلَّ بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًّا أم اضطراريًّا، لعدم التفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.
ويُردُّ على مَنْ يقول إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته، وهو قول أبي حنيفة. وأجاب العيني عنه قائلًا: إنه ليس فيه ردٌّ أصلًا ، لأن مَنْ سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلّى بالوضوء.
قلت: هذا الجواب ظاهر البطلان، لأن الباني لا يمكنه البناء إلا على شيء صحيح، فإذا بنى على ما قبل الحدث من صلائه كان الحدث غير مبطل لصلاته، وكانت صلاته ملفقة من وضوءين، وهذا عجيب في القياس.
واستُدِلَّ به أيضًا على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء وما بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا.
وقولُه: "حتّى يتوضأَ" أي: بالماء، أو ما يقوم مقامه من الصعيد الطاهر، وقد روى النسائي بإسنادٍ قوي عن أبي ذرٍّ مرفوعًا: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" فأطلق الشارع على التيمم أنه وُضوء، لكونه قام مقامه، وإنما اقتصر على ذكر الوضوء نظرًا إلى كونه الأصلي.
ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة مَنْ كان محدثًا فتوضأ، أي: مع باقي شروط الصلاة.
وقوله: "قال رجل من حَضْرَمَوْت" بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء والميم، ويقال: بضم الميم. اسم بلد باليمن وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، قال الزّمخشري: فيه لغتان: التركيب ومنع الصرف، والإضافة، وإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 195)
وقوله: "ما الحدث؟ " في رواية: "فما الحدث؟ ".
وقوله: "فُساء أو ضُراط" الأول بضم الفاء والمد، والثاني بضمِّ الضاد، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبر، لكن الثاني مع صوت، وقد مرَّ قريبًا وجه تخصيص أبي هريرة لهذين النوعين.
وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحديث، فلا يعني بالحدث الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج، لأن الواقع لا يرتفع، فلم يبق أن يعني إلا المنع المرتب على الأعضاء كلاًّ كالأكبر، أو بعضًا كالأصغر، أو الوصف الذي هو الصفة الحكيمة إلى آخر ما مرَّ أول الكتاب.
وقد قال عياض: إن الحديث نصٌ في وجوب الطهارة. وتعقبه الأُلِّيُّ بأن الحديث إنما فيه أنها شرط في القبول، والقبول أخص من الصحة، وشرط الأخص لا يكون شرطًا في الأعم، وإنما كان القبول أخص لأنه حصول الثواب على الفعل، والصحة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكل مُتَقَبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشرط الذي هو الطهارة القبول لا الصحة، وإذا لم تنتف الصحة لم يتم الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجون به وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرت الصحة بأنها وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فالقواعد تُدل على أن الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثواب. قلت: غرضنا إبطال التمسك بالحديث من قبل الشرطية، وقد اتضح، ثم نمنع أنها سبب في حصول الثواب، لأن الأعم ليس سببًا في حصول أخصه المعين.
ويجاب بما مر من أن المراد بالقبول هنا ما يُرادف الصحة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزِئَةً رافعةً لما في الذمة، فعبر بالقبول عن الصحة مجازًا، لأن الغرض من الصحة مطابقة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتب عليه القَبول، وإذا انتفى القبول انتفت الصحة لما قام من الأدلة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 196)
قلت: قوله: "ثم نمنع أنها سبب في حصول الثواب، غير صحيح، لأن الثواب على العمل إذا لم تكن الصحة سببًا له فأي سبب له، وكون الأعم لا يكون سببًا في الأخص غير مسلم، فإن الحيوانية أعمُّ من النطق، وهي سببٌ له، فتأمل. وكذا قوله: "فإذا انتفى القبول انتفت الصحة" غير صحيح، لما مرَّ من أنَّ القبول قد يتخلف عن الصحة.
وفي "المصابيح": قال بعض العلماء: يلزم من حديث أبي هريرة أن الصلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء تصح. فقلت له: الإجماع يدفعه. فقال: يمكن أن يُدفع من لفظ الشارع، وهو أولى من التمسك بدليل خارج، وذلك بأن تُجعل الغاية للصلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ لا تقبل. قلت: هذا يصح في جعل هذا الكلام مستقلاًّ غير مطابق للفظ، وأما مطابقته للفظ فغير ممكنة، لأن الغاية في الحديث إنما جُعلت لعدم القبول لا للصلاة.
رجاله خمسة:
الأول إسحاق بن راهَوَيه مرَّ في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف عبد الرزاق بن همّام، وهمّام بن مُنبِّه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف مَعْمر بن راشد في المتابعة بعد الحديث الرابع من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كلهم يمانيّون إلا إسحاق وأبا هُريرة. وكلهم أئمة أجلاّء أصحاب مسانيد.
أخرجه البخاري هنا، وفي ترك الحيل، ومسلم في الطهارة، والترمذي فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 197)
باب فضل الوضوء والغرُّ المحجّلون من آثار الوضوء
" الغرُّ" بالرفع في أكثر الروايات، وهو على سبيل الحكاية لما ورد في بعض طرق الحديث عند مسلم: "أنتم الغُرُّ المُحَجَّلونَ" أو: الواو استئنافية، والغرُّ المحجلونَ مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: لهم فضلٌ، أو الخبر من آثار الوضوء. وفي رواية المستملي: "والغرِّ المحجلينَ بالعطف على الوضوء، أي: وفضل الغرِّ المحجلين كما صرح به الأصيليُّ في روايته.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 198)
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ".
قوله: "رَقِيتُ" بفتح الراء وكسر القاف أي: صعدت.
وقوله: "فتوضأ" بالفاء التعقيبية، وفي نسخة بالواو، ولأبي ذرِّ: "توضأ" بدونهما، وللإسماعيليّ وغيره: "ثم توضَّأ" وللكُشْمِيْهَنِيِّ: "يومًا" بدل توضأ، وهو تصحيف. وزاد مسلم: "إن أبا هُريرة قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ"، فأفاد رفعه. وفيه ردُّ على مَنْ زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه.
وقوله: "فقال" وفي رواية الأربعة: "قال" بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثم ماذا؟ فقال: قال: إني سمعت إلخ.
وقوله: "يقول" حال، وهو بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها.
وقوله: "إنَّ أمتي" أي: أمة الإجابة، وقد تُطلق أمة محمد ويُراد بها أمة الدعوة، وليست مرادة هنا.
وقوله: "يُدعَوْن يومَ القيامة" -بضم أوله وفتح ثالثه- أي: ينادَوْن على رؤوس الأشهاد بذلك، أو يسمَّوْنَ بذلك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 199)
وقوله: "غُرًّا" -بضم المعجمة وتشديد الراء- جمع أغرَّ أي: ذو غرة، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استُعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. و"غرَّا" منصوب على المفعولية ليُدعون، أو على الحال، أي: إنهم إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد نُودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
وقوله: "محجَّلين" -بالمهملة والجيم- من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، وأصله من الحِجْل -بكسر المهملة- وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضًا النور.
فإن قيل: الغرة والتحجيل في الآخرة صفات لازمة غير منتقلة، فكيف يكونان حالين؟ أجيب: بان الحال تكون منتقلة أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مؤكدًا، كقوله تعالى: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة: 91]، ومنه: "خلق الله الزرافة يديها أطولَ من رجليها" فأطول حال لازمة غير منتقلة، لكنّها في حكم المنتقلة، لأن المعلوم من سائر الحيوانات استواء القوائم الأربع، فلا يخبر بهذا الأمر إلا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم، صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى.
وأخصر من هذا أن كون الحال منتقلة وصف غالب لا لازم كما قال ابن مالك.
ويُحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة، فتكون منتقلة بهذا المعنى.
وقوله "من آثار الوضوء" أي: لأجل، أو: من سببية، أي: بسبب آثار الوضوء ومثله قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25]، أي: بسبب خطاياهم أُغرِقوا، وحرف الجر متعلق بمحَجَّلينَ، أو بيدعوَن على الخلاف في التنازع بين البصريين والكوفيين. و"الوُضوء" بضم الواو ويجوز فتحها، فإن الغرة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 200)
والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسب إلى كل منهما.
واستدل الحُلَيْميُّ بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر لما أخرجه المصنف في قصة سارة رضي الله تعالى عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة "لما همَّ الملِكُ بالدنوِّ منها قامت تتوضّأُ وتصلّي"، وفي قصة جُرَيْج الراهب أيضًا أنه "قام فتوضأ وصلّى ثم كلَّم الغلام"، فالظاهر أن الذي اختُصَّت به هذه الأمة هو الغُرة والتحجيل لا أصل الوضوء. وقد صُرِّح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: "سِيْما ليست لأحدٍ غيرِكم" وله من حديث حذيفة نحوه، وسِيْما -بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة- أي: علامة. واعترض بعضهم على الحُلَيْمي بحديث: "هذا وُضوئي ووضوءُ الأنبياءِ قبلي" وهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة.
وقوله: "فمن استطاعَ منكم أن يطيلَ غرَّتَهُ فلْيفعلْ" أي: فليُطِلِ الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، أي والبرد، واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنئة دون التحجيل وهو مذكر، لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم ذكر الأمرين، ولفظه: "فلْيطلْ غرتَه وتحجيلَه". ونقل الرافعي عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل. وقال ابن بطّال: كنّى أبو هريرة بالغُرة عن التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله. وفيما قاله نظر، لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوعٌ؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسِلَ إلى صفحة العنق مثلًا، قاله في "الفتح".
قلت: وفيه عجب، لأنه نقل عن الرافعي الذي هو على مذهبه أن الغرة تطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل ولم يعترض عليه، ولما قال ابن بطّال ما قاله الرافعي، قال: إن فيه قلب اللغة. ومراد ابن بطّال أن الزيادة في غير الوجه من أعضاء الوضوء زيادة في العضو الذي أمر الشارع بغسله لإطلاق اليد إلى الإبط،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 201)
والرجل إلى أصل الفخذ، والزيادة في الوجه لا يمكن أن تكون في العضو المطلوب غسله، بل هي في عضوآخر، إما الرأس، وإما العنق، وهذا مخالف لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إذ لا يطلق على واحد من الرأس والعنق أنه من الوجه.
واختلف القائلون بالزيادة على الفرض في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً وعملًا، وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شَيْبة وأبو عُبيد بإسنادٍ حسن. وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف الساق والعضد. وقيل: إلى فوق ذلك. وأما الغرة فتحصُلُ بأن يغسل شيئًا من مقدَّم رأسه، وما يجاوز وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه.
وحمل ابن عرفة من المالكية فيما نقله الأُبِّيُّ عنه الغرة والتحجيل على أنهما كناية عن إنارة كل الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء واستدل بما أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الله بن بُسر: "أمَّتي يومَ القيامةِ غرٌّ من السجود، محجلةٌ من الوضوء".
قلت: هذا الحديث مفسر لكون المراد من حديث الباب الإنارة لا اعتبار فيه بلفظ الإِطالة، وتفسر الإطالة المذكورة في الحديث بأن المراد بها المداومة على الوضوء، لأن الطول والدوام معناهما واحد، ويمواظبة على الوضوء لكل صلاة تطول غرته بتقوية نور أعضائه.
وما قاله في "المصابيح" من أن حديث الترمذي معارَض بظاهر ما في البخاري غير ظاهر، إذ لا معارضة بينهما، بل الظاهر ما قلناه من كونه تفسيرًا له.
وكذلك قول صاحب "الفتح": "إن تفسير الإطالة بالدوام معتَرَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى، وكيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله تعالى عليه وسلم". فيه أن مذهب الراوي أو تفسيره ليس حجة على مجتهد آخر على ما هو المعروف. وقوله: "وقد صرح برفعه إلى الشارع" إنما صرح إذا كان
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 202)
صرح باللفظ لا بالتفسير، والخلاف بيننا إنما هو في تفسير اللفظ لا في اللفظ، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما في اللفظ.
وادّعى ابن بطّال وعِياض وابن التّين اتِّفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة على المرفق والكعب، واستدلّوا بحديث "مَنْ زاد على هذا فقد أساء وظلم".
ورد عليهم في "الفتح" منتصرًا لمذهبه بأن ما قالوه معتَرضٌ من وجوه: فرواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال. وبأن دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك مردودة بما مر عن ابن عُمر، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية، والحديث إنما هو في الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب.
وما قاله فيه اعتراض، لأن رواية مسلم التي قال صريحة في الاستحباب، ليس فيها تصريح بتفسير الغرة والتحجيل واستحبابهما، فهي كرواية البخاري في قبول التأويل. ومرادهم بالعلماء المتفِّقين على خلاف أبي هُريرة الصحابة، يعنون أنهم لم يرفعوا هذه الزيادة، وابن عمر لم يرفعها، وإنما رُويت عنه من فعله، وفعله لا يجب على مجتهد اتِّباعه كما هو معلوم، واستدلالهم بالحديث في غاية الإيضاح؛ لأنه إذا كانت الزيادة على ما حدَّه الشارع من المستحبّات مكروهة، فأحرى أن تكون في المحدودات الواجبة أشد كراهة، وهذا بديهي، فالله تعالى قال: {إِلَى الْمَرَافِقِ}، و {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}، وقال: {وُجُوهَكُمْ}. وكون الزيادة لم ترو عن أحد من الصحابة إلا عن أبي هُريرة في رواية نُعيم عنه خاصة صرح به في "فتح الباري" فقال: ظاهره أن قوله: "مَنْ استطاع منكم .. إلى آخر" بقية الحديث، لكن رواه أحمد عن نُعيم، وفي آخره: قال نُعيم: لا أدري قوله: "مَنْ استطاع منكم … إلخ" من قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو من قول أبي هُريرة، قال: ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هُريرة غير رواية نعيم هذه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 203)
قلت: انظر كيف صرح بأن هذه الزيادة لم تُروَ عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن نُعيم، وأنه لا يدري أهي من قول النبي عليه الصلاة والسلام أو من قول أبي هُريرة، ومع ذلك يتمسك بها، ويرد على كل من خالفها، وهي في الحقيقة الثابتُ لها الإدراجُ من قول أبي هريرة، وقول الصحابي ليس بحجة على مجتهد آخر، ولاسيما مع قبوله للتأويل.
وفي الحديث ما ترجم له من فضل الوضوء الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب، قاله في "الفتح" جريًا على مذهبه، وأنا أقول: الحاصل من آثار الوضوء لا من الزيادة، وقد وردت في فضله أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره، وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد، لكن إذا لم يحصل منه أذى للمسجد أو لمن فيه.
رجاله ستة:
الأول: يحيى بن بُكَيْر، مرَّ في الحديث الثالث من بدء الوحي، وكذلك اللَّيْث بن سَعْد.
ومرَّ تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني من الإيمان.
الثالث: خالد بن يزيد -من الزيادة- الإسْكَنْدرانيّ البَرْبريّ الأصل، أبو عبد الرحمن المِصْري الفقيه المفتي التابعيّ الثقة، أحد الفقهاء الثّقات، وروايته عن سَعيد بن أبي هِلال من رواية الأقران.
مات سنة تسع وثلاثين ومئة.
والإسْكَنْدَرانيّ في نسبه نسبة إلى الإسكندرية الثغر العظيم المعروف ببلاد مصر على غير قياس.
الرابع: سعيد بن أبي هِلال اللِّيْثِيّ مولاهم أبو العلاء المِصْري، ولد بمصر، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، وتوفي بها سنة خمس وثلاثين ومئة.
روى عن: جابر وأنس مرسلًا، وزيد بن أسهم، وربيعة، وأبي الزِّناد،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 204)
وقتادة، وغيرهم.
وروى عنه: سعيد المَقْبُري وهو أكبر منه، وخالد بن يزيد المِصْري، واللَّيث، وعَمْرو بن الحارث، وخلق.
وثقه ابن سعد، والعِجْلي، وأبو حاتم، وابن خُزيمة، والدّارَقُطني، وابن حِبّان، وآخرون.
وشذَّ السَّاجيّ فذكره في الضعفاء. ونُقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أدري أيُّ شيء حديثه، يخلط في الأحاديث؟ وتبعه محمد بن حَزْم السَّاجيّ. فضعف سعيد بن أبي هلال مطلقًا، ولم يُصب في ذلك، والله أعلم.
احتج به الجماعة.
واللَّيْثيُّ في نسبه مر في الثامن من كتاب العلم.
الخامس: نعيم بن عبد الله المُجَمِّر أبو عبد اللُه المدني مولى آل عمر بن الخطاب.
وروى عن أبي هُريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن كعب الأسْلَميّ، وجماعة.
وروى عنه ابنه محمد، ومحمد بن عَجْلان، والعَلاء بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي هِلال، وبُكيْر بن عبد اللُه الأَشَجُّ، ومالك بن أنس.
قال ابن مَعين، وأبو حاتم، وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
وذُكِرَ أنَّ المُجَمِّر لقب أبيه عبد الله، لأنه كان يأخذ المِجْمَرة أمام عمر، أو كان يُجَمِّر مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإطلاقه على ابنه نُعيم مجاز.
والمجمر رُويت بضم الميم، وفتح الجيم، وتشديد الميم مكسورة من التَّجْمير، أي: التبخير. ورويت بإسكان الجيم، وكسر الميم من أجمر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 205)
رُوي عن مالك قال: سمعت نُعيمًا يقول: جالست أبا هريرة عشرين سنة. وجزم إبراهيم الحربيُّ بان نُعيمًا أيضًا كان يجمَّر المسجد لنفسه، فكلٌّ من نعيم وأبيه عبد الله كان يُبخِّرُ المسجد، فلا مجاز في إطلاق التجمير عليه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن نصف الإسناد مصري ونصفه مدني، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه رواية الأقران، وهي رواية خالد عن سعيد.
ورجاله كلهم من فرسان الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط.
أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مسلم في الطهارة.
باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن
" باب" بالتنوين، و"يَتوضأ" بفتح الياء، وفي رواية: "باب مَنْ لا يتوضأ"، و"من الشك" أي: لأجله، كقوله
وذلك مِن نبإٍ جاءني
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 206)
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "لَا يَنْفَتِلْ أَوْ لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
قوله: "أنه شكا" هو بالألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصرح بذلك بان خُزيمة عن سفيان بلفظ: "سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الرجل"، وفي بعض الروايات: "شُكِي" بالبناء للمفعول، وعلى هذه فالهاء في إنه ضمير الشأن، ووقع في "مسلم": "شُكِي" بالضم كما ضبطه النّووي، وقال: لم يسمَّ الشاكي. قال: وجاء في رواية البخاري أنه الراوي. قال: ولا ينبغي أن يُتوَهَّم من هذا أن "شُكِيَ" في رواية مسلم بالفتح.
وقوله: "الرجلُ" بالضمِّ على الحكاية، وهو وما بعده في موضع نصب. قال في "التنقيح": وعلى هذين الوجهين في شكا يجوز في الرجل الرفع والنصب. قال الدّماميني: إن الوجهين محتملان على الأول فقط، وذلك أن الضمير في أنه يُحتمل أن يكون ضمير الشأن، وشكا الرجل فعل وفاعل مفسر للشأن، ويحتمل أن يعود إلى الراوي، وشكا مسند إلى ضمير يعود إليه أيضًا، والرجل مفعول به.
وقوله: "الذي يُخَيل إليه" بضم المثناة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول، وأصله من الخيال، والمعنى يظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 207)
وقوله: "أنه يجد الشيء" أي: الحدث خارجًا منه، وصرح به الإسماعيلي، ولفظه: "يخيل إليه في صلاته أنه يخرج منهُ شيءٌ"، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة.
وقوله: "في الصلاة" قال في "الفتح": تمسك بعض المالكية بظاهره، فخصوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على مَنْ كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهي عن ابطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك، لأن هذا التخيُّل إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض.
قلت: القائل بهذا التفصيل هو مالك وابن القاسم، قالا: يتمادى في صلاته إذا طرأ له الشك فيها، فإن بان له الطهر بعد ذلك صحت صلاته، وإن بان له الحدث أو استمر على شكه أعاد الصلاة لنقض وضوئه، متمسكين بقوة جانب الصلاة لدخوله فيها جازماً بالطهر، وبحديث: "إن الشيطان يَفْسو بين ألْيَتَيْ أحدكم إذا كان يصلي، فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا" وفي رواية: "فإذا كان يصلي فلا ينصرِفْ … إلخ"، أخرجه أبو داود بلفظ: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا أو حركة في دُبُره فأشكل عليه فلا ينصرفْ … الحديث"، وأخرج أحمد والبزار قريبًا من اللفظ الأول.
وقد قال هو في "تلخيص الحبير": حديث أبي داود حجة لمالك، فالحديث نص في إلغاء الشك العارض في أثناء الصلاة، وأنه لا ينصرف من تلك الصلاة إلا بتحقق الحدث، فأعملا ظاهر الحديث، واحتاطا للصلاة بأنه إذا استمر على الشك ينتقض وضوؤه ويعيد الصلاة.
وقوله: "لا ينفتِلُ" بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن لا نافية.
وقوله: "أو لا ينصرف" بالشك من الراوي، وكأنه من علي، لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: "لا ينصرف" من غير شك.
وقوله: "يسمعَ صوتًا" أي: من مخرجه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 208)
وقوله: "أو يجدَ ريحًا" أو للتنويع، وعبر بالوجدان دون الشم ليشمل ما لو لمس المحل ثم شمَّ يده.
والمراد تحقق وجودهما، حتى إنه لو كان أخشم لا يشم، أو أصم لا يسمع كان الحكم كذلك.
وذكرهما ليس لقصر الحكم عليهما، فكل حدث كذلك، إلا أنه وقع جوابًا لسؤال، والمعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: "إذا استهل الصبي ورِثَ وصُلِّي عليه" إذ لم يرد تخصيص الاستهلال دون غيره من إمارات الحياة كالحركة والنبض ونحوهما.
قال النووي: هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يتحقق خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارىء عليها، وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء. ورُوي عن مالك النقض مطلقًا، يعني: بالشك في الحدث. وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وقد مرَّ قريبًا ما في ذلك. وروي هذا التفصيل عن الحسن البَصْري، والأول مشهور مذهب مالك، قاله القُرْطبي، وهو رواية ابن القسام عنه.
قلت: التفصيل هو المشهور عند المالكية.
وروى ابن نافع عنه: لا وضوء عليه مطلقًا. كقول الجمهور. وروى ابن وهب عنه: أحب إليَّ أن يتوضأ. ورواية التفصيل لم تثبت عنه، وإنما هي لأصحابه.
قلت: بل هي مروية عنه، وعن ابن القاسم كما مر.
وحمل بعضهم الحديث على مَنْ كان به وسواس، وتمسك بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة، وأجيب بما دل على التعميم، وهو حديث أبي هُريرة عند مسلم، ولفظه: "إذا وجدَ أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخَرَجَ منه شيء أم لا فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". وقوله: "فلا يخرجن من المسجدِ" أي: من الصلاة، وصرح بذلك أبو داود في روايته.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 209)
وقال القرافي: ما ذهب إليه مالك أرجح، لأنه احتاط للصلاة، وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرىء، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل.
قال في "الفتح": وجوابه أن ذلك من حيث النظر قويٌّ، لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق.
قلت: يُجاب عنه بما مرَّ من أنه مشهور مذهب مالك من التفصيل بين الشك العارض في الصلاة والشك في غيرها، فيُخَصُّ عنده النقض بالشك في الحدث في غير الصلاة لما مرَّ من الحديث، وقد قال ابن حجر نفسه في "تلخيص الحبير": حديث أبي داود حجة لمالك كما مرَّ، وعند المالكية لو تيقن الحدث والطهر، وشك في السابق منهما، انتقض طهره. وفيه تفصيل عند الشافعية.
وقال الخطابي: يستدل بالحديث لمن أوجب الحد على مَنْ وُجِدَ منه ريح الخمر، لأنه اعتبر وجدان الريح ورتب عليه الحكم، ويكمن الفرق بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة هنا قائمة، بخلاف الأول، فإنه متحقق، واستدل به بعضهم على أن لمس الدُّبر لاينقُضُ الوضوء، ورُدَّ بأن الصورة تحمل على لمس ما قاربه لا عينه.
رجاله ستة:
الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المدينيّ، وقد مرّ تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم.
الثاني: سفيان بن عُيينة مرَّ في الحديث الأول من بَدْء الوحي.
ومرَّ تعريف الزُّهري في الحديث الثالث منه أيضًا.
ومرَّ تعريف سعيد بن المسيِّب في الحديث التاسع عشر من كتاب الإيمان.
الخامس: عَبّاد -بفتح العين المهملة، وتشديد الباء- ابن تميم بن زيد بن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 210)