Arabic source text

📘 কাওসারুল মাআনিল দারারি ফী কাশফি খাবায়া সহীহুল বুখারী (মুহাম্মদ আল-খিদর আল-শিনকিতী - মৃত্যু 1354 হিজরী)

📘 كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (محمد الخضر الشنقيطي - ت 1354 هـ)

📘 কাওসারুল মাআনিল দারারি ফী কাশফি খাবায়া সহীহুল বুখারী (মুহাম্মদ আল-খিদর আল-শিনকিতী - মৃত্যু 1354 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
قال في "الفتح": وفي استفهامه له صلى الله عليه وسلم عن ذلك دلالة على أنه لا يختص بالتزويج، لكن وقع في بعض طرقه: "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى علي بشاشة العرس، فقال: أتزوجت؟ فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار" فقد يتمسك بهذا السياق للمدَّعَى، ولكن القصة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه قال له: "مهيم؟ " أو: "ما هذا؟ " فهو المعتمد. وبشاشة العرس: أثره وحسنه، أو فرحه وسروره، يقال: بشَّ بفلان، أي: أقبل عليه فرحًا به، ملطفًا به.
وقوله: "حتى تنبعث به راحلته" أي: تستوي قائمة إلى طريقه، والمراد ابتداء الشروع في أفعال النُّسك، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يُحرم عقب الصلاة جالسًا، وهو قول عند لشافعية أيضًا، لحديث الترمذيّ: "أنه صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه" وقال: حسن. وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أول يوم من ذي الحجة. وقد كان ابن عمرُ يُنكر على رواية ابن عباس الآتية في الحج بلفظ: "ركب راحلته حتى استوى على البَيْداء أهلَّ" ويقول: والله ما أهل إلا من عند المسجد مسجد ذي الحُلَيْفة.
وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم عن سعيد بن جُبير قال: قلت لابن عبّاس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله فذكر الحديث، وفيه: "فلما صلى في مسجد ذي الحُلَيْفة ركعتين، أوجب من مجلسه، فأهلَّ الحج حين فرغ منها، فسمع منه قوم، فحفظوه، ثم ركب، فلما استقلت به راحلته أهلَّ، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى، فسمعوه حين ذلك، فقالوا: إنما أهلَّ حين استقلّت به راحلته، ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنقل كل واحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه وأيم الله، ثم أهل ثانيًا وثالثًا". فعلى هذا كان إنكار ابن عمر على من يخصُّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل.
واستنبط بعض العلماء من مشروعية تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي أو غيره، فأما تقبيل يد الآدمي فقد تكلمنا عليه بما

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 371)

يكفي في كتاب "متشابه الصفات"، وأما غيره فقد نُقل عن الإِمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، ونُقل عن ابن أبي الصَّيْف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقُبور الصالحين، قاله في "الفتح".
قلت: البعض الذي ذكره هو ابن تيمية، لأنه هو صاحب هذا الأمر، وقد استوفينا الكلام على هذا البحث غاية الاستيفاء في كتابنا "الفتوحات الربانية"، ويؤخذ منه أيضًا حفظ المراتب، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل كل أحد منزلته.

‌‌رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني. مالك وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف سعيد المَقْبرُي في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان. ومر عبد الله بن عمر في أول كتابه قبل ذكر حديث منه.
والرابع: عُبيد بن جُريج التَّيمْي مولاهم المدني.
روى عن: ابن عمر، وابن عباس، وأبي هُريرة، والحارث بن مالِك بن البَرْصاء.
وروى عنه: زيد بن أبي عتّاب، وسُليمان بن موسى، وعمر بن عطاء، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن قُسَيْط.
وثقه النَّسائي، وأبو زُرعة. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال العِجْلي: مكي تابعي ثقة له هذا الحديث وحده عن ابن عمر.
والجُرَيْج وعاء يُشبه الخُرْج.
وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجْ نسب، وقد يظُن أن هذا عمه، وليس كذلك.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 372)

‌‌لطائف إسناده:
منها أن كلهم مدنيون. وفيه رواية الأقران، لأن عُبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة. وفيه التحديث والإخبار والعنعنة.
أخرجه البخاري هنا، وفي اللباس أيضًا عن القَعْنَبي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود في الحج، والترمذي في "شمائله"، والنّسائي عن كُريب في الطهارة، وابن ماجه في اللباس عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.

‌‌باب التيمن في الوضوء والغسل
أي: الابتداء فيهما باليمين.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 373)

‌‌الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا".
قوله: "في غَسْل ابنته" أي: في صفه غسل ابنته، ويأتي قريبًا آية بناته هي، وأورد المصنف من الحديث طرفًا ليبيّن به المراد بقول عائشة: "يعجبه التيمن"، إذ هو لفظ مشترك بين الابتداء باليمين، وتعاطي الشيء باليمين، والترك، وقصد اليمين، فبان بحديث أم عطية أن المراد بالطهور الأول.

‌‌رجاله خمسة:
الأول: مُسدَّد بن مُسَرْهَد وقد مر في الحديث السادس من كتاب الإيمان.
الثاني: إسماعيل بن عُلَيّة وقد مر في الحديث الثامن منه أيضًا.
الثالث: خالد الحذّاء وقد مر في الحديث السابع عشر من كتاب العلم.
الرابع: حفصة بنت سِيرين أم الهُذَيْل الأنصارية البَصْرية أم الهُذَيْل أخت محمد بن سِيرين.
روت عن: أخيها يحيى، وأم عَطِية، وأنس بن مالك، والرَّباب أم الرائح، وأبي العالية، وخَيْرة أم الحسن البصري.
وروى عنها: أخوها محمد، وقتادة، وعاصم الأحول، وخالد الحذّاء، وابن عَوْن، وغيرهم.
قال ابن مَعين: ثقة حجة. وقال العجلي: بصرية تابعية. وقال إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضِّله على حفصة. وقال ابن أبي داود: قرأت القرآن

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 374)

وهي ابنة اثنتي عشرة مشة، وماتت وهي ابنة تسعين أو سبعين، سنة إحدى ومئة. وذكرها ابن حِبان في "الثقات".
الخامس: أم عطية الأنصارية، واسمها نُسَيْبة -بنون وسين مهملة مصغر- وقيل: بفتح النون، وهي بنت الحارث، وقيل: بنت كعب. وأنكره ابن عبد البر، وقال: إن نُسيبة بنت كعب هي أم عُمارة.
كانت من كبار نساء الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت تغزو كثيرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، وشهدت غُسل ابنته صلى الله عليه وسلم، وحكت ذلك فأتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون غسل الميت عنها.
لها أربعون حديثًا، اتفقا على سبعة أو ستة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بآخر.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر.
وروى عنها: أنس، ومحمد وحفصة ولدا سيرين، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعبد الملك بن عُمير، وغيرهم.
وحديثها في "الصحيحين": "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العوائق وذوات الخُدور"، ومن حديثها: "كنا لا نَعُدُّ الكُدْرة والصُّفرة شيئًا"، وحديثها: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا"، وحديث: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، فقال: هل عندكم من شيء؟ قالت: لا إلاّ شيء بعثت به إلينا نُسيبة من الشاة التي بُعثت إليها من الصدقة. قال: إنها قد بلغت محلَّها" وفي "صحيح" مسلم عنها: "غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، كنت أخلُفُهم في رحالهم".
ورُوي عن أم شَراحيل مولاة أبي عطية، قالت: كان علي بن أبي طالب يقيل عند أم عطية، وكنت أنتف إبطه بوَرْسة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 375)

‌‌لطائف إسناده:
منها أن رواته كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية التابعية عن الصحابية.
أخرجه البخاري هنا وفي الجنائز أيضًا عن محمد بن عبد الوهاب الثَّقَفي، ومسلم والنّسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيبة.
وبنت النبي صلى الله عليه وسلم التي حضرت غسلها، قيل: إنها زينب. وقيل: أم كلثوم. ولابد من تعريف كل منهما هنا، فنبدأ بتعريف الأولى.
وهي زينب أكبر بناته، وأول من تزوج منهنَّ، وُلدت قبل البعثة بمدة، قيل: إنها عشر سنين، واختلف هل القاسم قبلها أو بعدها. وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الرَّبيع العبشمي، وأمه هالة بنت خُوَيْلد.
قيل: إنها هاجرت مع أبيها، وأبى زوجها أن يسلم، فلم يفرِّق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.
وروي عن عائشة أن أبا العاص شهد بدرًا مع المشركين، فأُسر، فقدم أخوه عمرو في فدائه، وأرسلت معه زينب قلادة من جَزْع كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفها، ورقَّ لها، وذكر خديجة، وترحم عليها، وكلّم الناس فأطلقوه، ورد عليها القِلادة، وأخذ على أبي العاص أن يُخلي سبيلها ففعل.
وذكر الواقدي أن أبا العاص خرج في عير لقريش، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سبعين ومئة راكب، فلقوا العير في ناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست، فأخذوا ما فيها، وأسروا ناسًا منهم أبو العاص، فدخل على زينب فأجارته، ونادت إني أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال بعد أن انصرفت: "هل سمعتم ما سمعت؟ " قالوا: نعم. قال: "والذي نفس محمد بيده ما علمتُ شيئًا مما كان حتى سمعتُ، وإنه يُجير على المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 376)

أجارت"، فسألته زينب أن يردَّ عليه ما أُخذ منه ففعل، وأمرها أن لا يقربَها، ومضى أبو العاص إلى مكة، فأدى الحقوق لأهلها، ورجع فأسلم في المحرم سنة سبع، فرد عليه زينب بالنكاح الأول، وقيل: بعقد جديد. ووَلَدَتْ من أبي العاص عليًّا مات وقد ناهز الاحتلام، وأُمامة وعاشت وتزوجها علي بعد فاطمة عليها السلام.
توفيت زينب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثمان من الهجرة، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدلها هبّار بن الأسود ورجل آخر، فدفعها أحدهما، فسقطت وأهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها حتى ماتت سنة ثمان من الهجرة، وكان زوجها محبًّا لها، وأنشد في بعض أسفاره بالشام
ذكرتُ زينبَ بالأجزاع من إرما … فقُلت سُقيا لشخص يسكن الحَرَمَا
بنتُ الرسولِ جزاها الله صالحةً … وكلُّ بعلٍ سيثني بالذي علما
وكانت وفاته بعدها بقليل.
وأما أم كلثوم، فقد اختلف فيها هل هي أصغر أو فاطمة، تزوجها عُتبة بن أبي لهب قبل البعثة، فلم يدخل عليها حتى بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أبوه بفراقها، ثم تزوجها عُثمان بن عفان بعد موت أختها سنة ثلاث من الهجرة، وتوفيت عنده أيضًا سنة تسع، ولم تلد له.
وقيل: كان عُتبة وعُتَيْبة ابنا أبي لهب تزوجّا رُقية وأم كلثوم ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] قال أبو لهب: رأسي بين رؤوسكما حرام إن لم تطلّقا ابنتي محمد. وقالت لهما أمهما حمالة الحطب: إن رقية وأم كلثوم صَبتا فطلِّقاهما، فطلقاهما قبل الدخول.
قال ابن حجر: هذا أولى مما ذكر أوّلًا من كون ولدي أبي لهب تزوجا رُقية وأم كلثوم قبل البعثة، لأن ابن عبد البر نقل الاتفاق على أن زينب أكبر البنات، ومر في ترجمتها أنها وُلدت قبل البعثة بعشر سنين، فإذا كانت كبرهن بهذا السنن، فكيف تزَوّج من هو أصغر منها؟ نعم، إن ثبت ذلك يكون عقدًا لنكاح إلى حين يحصل التأهل، فوقع الفراق قبله.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 377)

وروى ابن شِهاب عن أنس انه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب حرير سيراء.
وروي عن أم عيّاش مولاة رُقية أنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما زوَّجتُ عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء". وعن أبي هُريرة رفعه: "أتاني جبريلُ فقال: إن الله يأمرك أن تزوِّج عثمان أمَّ كلثوم على مثل صَداق رُقية، وعلى مثل صُحبتها".
وكان رضي الله عنه لما تُوفيت رقية عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوّجها. فسكت عثمان عنه، لأنه كان قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلُّ عثمان على من هو خيرٌ له منها، وأدُلُّها على من هو خير لها من عثمان؟ " فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، وزوّج عثمان أم كلثوم، وكان نكاحه لها في ربيع الأول، وبنى عليها في جُمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة.
وروي عن أسماء بنت عُمَيْس قالت: أنا غسلت أمَّ كُلثوم وصَفِيّة بنت عبد المطلب. ومن طريق عَمْرة: غسلتها نسوة، منهن أم عطية. وفي البُخاري عن أنس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرها فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "فيكم أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا. فقال: أنزل في قبرها. وقال الواقِدي بسند له: نزل في حفرتها علي، والفضل، وأسامة بن زيد. وصلّى عليها أبوها صلى الله عليه وسلم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 378)

‌‌الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِسُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِى شَأْنِهِ كُلِّهِ.
قوله: "يعجبه التيمُّن" قيل: لأنه كان يحب الفأل الحسن إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. وزاد المصنف في الصلاة عن شُعبة: "ما استطاع" فنبّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع.
وقوله: "في تنعُّله وترجُّله" أي: لبس نعله، وترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه. قال في "المشارق": رجَّل شعره إذا مشطه بماء أو دهن ليَلين، ويُرسل الثائر، ويُمد المنقبض. زاد أبو داود عن شعبة: "وسواكه".
وقوله: "وطُهوره" بضم الطاء لأن المراد تطهره، وتفتح. أي: البداءة بالشِقِّ الأيمن في الغُسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى. وفي "سنن" أبي داود عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا توضأ ثُم فابدؤوا بميامِنكم" فإن قدَّم اليسرى كُره، ووضوءه صحيح. وأما الكفان والخدّان والأذنان فيطهَّران دفعة واحدة.
وقوله: "في شأنه كله" بغير واو لأكثر الرواة، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة". قال الشيخ تقي الدين: هو عام مخصوص، لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوها يبدأ فيهما باليسار.
وتأكيد الشأن بقوله: "كله" يدل على التعميم، لأن التأكيد يرفع المجاز، فيمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلًا مقصودًا، وما يستحب فيه التياسر

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 379)

ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما غير مقصودة، وعلى رواية الواو فهو من عطف العام على الخاص.
ويدخل في قوله: "كله" نحو لبس الثوب، والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام، وميمنة المسجد، والأكل، والشرب والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب ونتف الإبط، وحلق الرأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك مما في معناه، إلا ما خُص بدليل كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، ونحو ذلك.
وإنما استحب فيها التياسر لأنها من باب الإزالة، والقاعدة الشرعية كما قال النووي: البداءة باليمين استحبابًا في كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان بضدهما استُحبَّ فيها التياسر.
ولا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر. لأنّا نقول: هو من باب العبادة والتزيين، وقد ثبت الابتداء بالشِّق الأيمن في الحلق كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
قال في "الفتح": وهذا كله على تقدير إثبات الواو، وأما على إسقاطها فقدله: "في شأنه كله" متعلق بيعجبه لا بالتيمن، أي: يعجبه في شأنه كله، أي: جميع أحواله، التيمن في تنعله … إلى آخره، أي: لا يترك سفرًا ولا حضرًا ولا في فراغه وشغله.
ووقع في رواية مسلم تقديم قوله: "في شأنه كله" على قوله: "في تنعله … إلى آخره"، وعليها شرح الطّيبي، فقال في شرحه لذلك: قوله: "في طهوره وترجله وتنعله" بدلٌ من قوله: "في شأنه كله" بإعادة العامل، فكأنه ذكر التنعل لتعلقه بالرجل، والترجل لتعلقه بالرأس، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبّه على جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل.
وجميع ما مر مبني على ظاهر السياق الوارد هنا، لكن بين المصنف في

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 380)

الأطعمة عن شعبة أن شيخه أشعث كان يحدث به تارة مقتصرًا على قوله: "في شأنه كله"، وتارة على قوله: "في تنعله … إلخ". وزاد الإسماعيلي عن شعبة أن عائشة أيضًا كانت تُجْمِلُهُ تارةً وتبيِّنه أخرى، وعلى هذا يكون أصل الحديث ما ذكر من التَّنَعُّل وغيره، ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأَحْوص، وابن ماجه عن عمرو بن عُبيد، كلاهما عن أشعث بدون قوله: "في شأنه كله"، وكان الرواية المقتصرة على: "في شأنه كله" من الرواية بالمعنى.
قال النَّوَويّ: أجمع علماء السنة على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فاته الفضل، وتم وضوؤه، ومذهب الشيعة الوجوب، وغلط المُرتضى منهم فنسبه الشافعي، وكأنه ظن أن ذلك لازم من قوله بوجوب الترتيب، لكنه لم يقل بذلك في اليدين والرجلين، لأنهما بمنزلة العضو الواحد، ولأنهما جُمعا في القرآن. لكن يُشكل على أصحابه حكمهم على الماء بالاستعمال إذا انتقل من يد إلى يد أخرى، مع قولهم بان الماء ما دام مترددًا على العضو لا يُسمّى مستعملًا. وفي استدلالهم على وجوب الترتيب بأنه لم يَنْقُل أحد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ منكسًا، وكذلك لم ينقل أحد أنه قدم اليُسرى على اليمنى، ووقع في "البيان" للعُمراني، و"التجريد" للبَنْدَنيجِيّ نسبة القول بالوجوب للفقهاء السبعة، وهو تصحيف من الشيعة. وفي كلام الرافعي ما يُوهم أن أحمد قال بوجويه، ولا يُعرف ذلك عنه، بل قال الشيخ الموفق في "المفتي": لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا.

‌‌رجاله ستة:
الأول: حَفْص بن عُمر بن الحارث بن سَخْبَرة -بفتح السين وسكون الخاء -الأزْدِي النَّمري بالتحريك أبو عمر الحَوْضي بن النَّمِر بن عميان، ويقال: مولى بني عدي.
والحوضِيّ: نسبة إلى الحوض المعروف، وقال الرّشاطي: نسبة إلى حوض مدينة باليمن.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 381)

روى عن: شُعبة، وإبراهيم بن سعد، وهشام بن عبد الله، وهمّام، وحمّاد بن زيد، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري وأبو داود. وروى النسائي عنه بواسطة أبي الحسن المَيْموني. وعنه: أبو حاتم الرّازي، وصاعِقة ويوسُف بن موسى القطّان، وخلق آخرهم أبو خليفة.
وثقه ابن مَعين، وابن قانِع، وابن وضّاح، ومَسْلَمة، والدارقطني. وقال أحمد: ثبت متقن لا يُؤخذ عليه حرف واحد. وقال ابن المديني: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحَوضي وعبد الله بن رجاء. وقال صاعقة: هذا أثبت من ابن رجاء. وقال عُبيد الله بن جرير بن جَبَلة: أبو عمر صاحب كتاب متقن. وقال يعقوب بن شَيبة: كان أثبت من المثبتين. وقال أبو حاتم: صدوق متقن أعرابي فصيح. وقيل له: الحوضي أحب إليك أم علي بن الجَعْد أو عمرو بن مَرْزوق؟ قال: الحوضي، وكان يأخذ الدراهم. وسُئل العباس الدُّوري عن أبي حُذيفة والحَوْضي، فقال: الحوضي أوثق وأحسن حديثًا وأشهر. والحوضي كان يعدُّ مع وَهْب بن جرير، وعبد الصمد، حدث عن شعبة أحاديث صحاحًا.
مات سنة خمس وعشرين ومئتين في البصرة.
وليس في البخاري حفص بن عمر غيره. وفي "السنن" مفرقًا جماعات.
الثاني: شُعبة بن الحجّاج، وقد مر في الحديث الثالث من كتاب الإيمان. ومر تعريف مَسْروق بن الأجْدَع في الحديث الثامن والعشرين منه، وتعريف أم المؤمنين عائشة في الحديث الثاني من بَدْء الوحي.
الثالث من السند أشعث بن سُلَيْم أبي الشَّعثاء بن أسود المحاربي الكُوفي.
روى عن: أبيه، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جُبير، وأبي وائل، وعمرو بن ميمون، وجماعة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 382)

وعنه: شعبة، والثَّوري، وشَريك، وأبو الأحوص، وشَيْبان النَّحوي، وأبو عَوانه، وأبو إسحاق الشَّيباني -وهو من أقرانه-.
ذكره ابن حِبان وابن شاهين في "الثقات". وقال ابن مَعين وأبو داود والبزار وأبو حاتم والنّسائي: ثقة. وقال حَرْب: سمعت أحمد يقدمه على سِماك بن حَرْب. وقال العِجْلي: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلا أنه شيخ غال.
مات في إمارة يوسف بن عمر بالكوفة سنة خمس وعشرين ومئة.
الرابع: سُليم بن أسود بن حَنْظَلة أبو الشَّعثاء المحاربي الكوفي وهو بكنيته أشهر منه باسمه.
روى عن: عمر، وأبي ذَر، وحذيفة، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، والعبادلة ما عدا ابن الزبير، وخلق.
وروى عنه: ابنه الأشعث، وإبراهيم النَخَّعي، وعبد الرحمن بن الأسود، وجامع بن شدّاد، وأبو إسحاق السَّبيعي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: ابن عبد البَرّ أجمعوا على أنه ثقة. ووثقه ابن مَعين، والعِجلي، والنَّسائي، وابن خِراش. وقال الميموني عن أحمد: بخٍ ثقة. وقال أبو حاتم: لا يُسأل عن مثله، شهد مع علي رضي الله عنه مشاهده كلها، ومات في خلافة عبد الملك أو الوليد بعد الجماجم سنة خمس وثمانين، وأما قول ابن حزم في "المحلى" سليم بن أسود مجهول، فكأنه لا يعرف أن أبا الشعثاء اسمه هذا.

‌‌لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية كبيرَيْن من أتباع التابعين، وهما: أشعث وشعبة. ورواية كبيرَين قرينين من كبار التابعين، وهما: سُليم ومَسروق.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 383)

أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة عن سُليمان بن حَرْب، وفي اللِّباس عن أبي الوليد، وفي الأطعمة عن عَبْدان، ومسلم في الطهارة عن عُبيد الله بن معاذ، وأبو داود في اللباس عن حفص، والتِّرمذي في آخر الصلاة عن هنّاد بن السَّري، وقال: حسن صحيح. والنّسائي في الطهارة والزينة عن محمد بن عبد الأعلى، وابن ماجه في الطهارة عن هنّاد.

‌‌باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة
الوَضوء -بفتح الواو -أي: الماء الذي يُتوضأ به للوُضوء -بضم الواو- الذي هو الفعل.
و"حانت" بالمهملة، أي: قربت. والمراد وقتها الذي توقع فيه. وقالت عائشة: حضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزل التيمم.
قوله: "حضرت الصبح" أتته باعتبار صلاة الصبح.
وقوله: "فالُتمِس" مبنيًّا للمفعول، أي: طلب. وقوله: " الماء" بالرفع نائب عن الفاعل.
وقوله: "فلم يُوجد" في رواية الكُشميهني: "فالتمسوا الماء" بالجمع والنصب على المفعوليه، "فلم يجدوه" بالجمع.
وقوله: "فنزل التيمم" أي آيته. وإسناد النزول إلى التيمم مجازٌ عقليٌّ.
قال ابن المنير: أراد الاستدلال على أنه لا يجب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز.
وعائشة مر تعريفها في الحديث الثاني من بدء الوحي.
وهذا التعليق صحيح، أخرجه في كتابه مسندًا في مواضع شتى، وهوقطعة من حديثها في قصة نزول آية التيمم، واللفظ المذكور هنا لفظ عَمرو بن الحارث، أخرجه موصولًا عنها في تفسير المائدة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 384)

‌‌الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
قوله: "وحانت صلاة العصر" الواو للحال بتقدير قد.
وقوله: "الوَضوء" بفتح الواو، أي: الماء الذي يُتَوَضّأ به.
وقوله: "فلم يجدوا"، وللكُشميهني: "فلم يجدوه" بزيادة الضمير.
وقوله: "فأُتِي" بالضم على البناء للمفعول، وبين المصنف في رواية قتادة في علامات النبوة أن ذلك كان بالزَّوراء، وهو سوق بالمدينة.
وقوله: "بوَضوء" بالفتح، أي: بإناء فيه ماء ليُتَوَضّأ به، وفي رواية ابن المبارك: "فجاء رجل بقدح فيه ماء يَسيرٌ، فصَغُر أن يبسطَ صلى الله عليه وسلم فيه كله، فضم أصابعه" ونحوه في رواية حُميد الآتية في باب الوضوء من المخضب. وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد.
وقوله: "يَنبُعُ" بفتح أوله وضم الموحدة، ويجوز كسرها وفتحها.
وقوله: "حتى توضؤوا من عند آخرهم" أي: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، لأن عندها تُجعل لمطلق الظرفية حتى تكون

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 385)

بمعنى في، كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم. وأنس داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المخاطِب -بكسر الطاء- في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور.
وقال النووي: "من" هنا بمعنى إلى، وهي لغة، وإن كانت شاذة، وعليه يمكن أن يقال عند زائدة.
وقد قال ابن بطّال: إن حديث نبع الماء هذا شهده جمع من الصحابة، إلا أنه لم يُرو إلا عن أنس، وذلك لطول عمره، ولطلب الناس علو السند.
وقال القاضي عياص: هذه القصة رواها العدد الكثير من الثقات، عن الجم الغفير، عن الكافة متصلًا، عن جملة من الصحابة، بل لم يُؤثر عن أحد منهم إنكار ذلك، فهو ملتحق بالقطعي من معجزاته، فبين كلاميهما تفاوت كبير.
وأخرج مسلم في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه: "إن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإِناء، وإنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلم وغمز بيده. ثم قال: نادِ بجَفْنَة الركب، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصُبَّ عليَّ وقُل بسم الله، ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى" وهذه القصة أبلغ من جميع الروايات، لاشتمالها على قلة الماء وعلى كثرة من استقى منه.
وفي رواية لقتادة: "قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة أو زُهاء ثلاث مئة وعند الإسماعيلي "ثلاث مئة" بالجزم بدون زهاء.
وفي الحديث دلالة على أن المواساة مشروعة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه. وفيه أن اغتراف المتوضىء من الماء القليل لا يصيّر الماء

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 386)

مستعملًا. وفيه أن الأمر بغسل اليد قبل إدخالها في الإناء أمر ندب لا حتم. وفيه استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة.

‌‌رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني الإمام مالك، وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر أنس بن مالك في الحديث السادس من كتاب الإِيمان. والثالث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وقد مر في الثامن من العلم.

‌‌لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين تِنّيسيّ ومدني وبصري، وهو من رباعيات البخاري.
أخرجه البخاري هنا، وفي علامات النبوة عن القَعْنَبي. ومسلم في الفضائل عن إسحاق بن موسى، والتِّرمذي في المناقب عنه أيضًا، والنّسائي في الطهارة عن قُتيبة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

‌‌باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان
أي: حكم الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان.
أشار المصنف إلى أن حكمه الطهارة، لأن المغتسل قد يقع في ماء غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تجنب ذلك في اغتساله، بل كان يخلل أصول شعره كما يأتي، وذلك يفضي غالبًا إلى تناثر بعضه، فدل على طهارته، وهو قول جمهور العلماء، ونص الشافعي في القديم والجديد، وصححه جماعة من أصحابه، وهو طريقة الخُراسانيين، وصحح جماعة القول بتنجيسه، وهي طريقة العراقيين.
قال في "الفتح": وهذا كله في شعر الآدمي، أما شعر الحيوان غير المأكول المذَكىّ ففيه اختلاف بين العلماء، مبني على أن الشعر هل تُحِلُّه الحياة فيتنجس بالموت، أو لا. والأصح عند الشافعية أنه ينجُس بالموت، وذهب

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 387)

جمهور العلماء إلى خلافه.
واستدل ابن المنذر على أنه لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت ولا بالانفصال بأنهم أجمعوا على طهارة ما يُجَزُّ من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والانفصال.
وقال البغوي في "شرح السنة" في قوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة: "إنما حُرِّم أكلها" يُستدل به لمن ذهب إلى أن ما عدا ما يؤكل من أجزاء الميتة لا يحرُمُ الانتفاع به.
وعند المالكية: كل ما أزيل بجزٍّ أو نُورة أو حرق من صوف ووبرٍ وزَغَب ريش وشعر ولو من خنزير يكون طاهرًا، سواء أزيل قبل الموت أو بعده، أو بعد النتف بان أزيل عن الأصل المنتوف معه.
وكان عطاء لا يرى به بأسًا أن يُتَّخذ منها الخيوط والحبال.
عطاء المراد به عطاء بن أبي رَباح، وقد مر تعريفه في الحديث التاسع والثلاثين من كتاب العلم. وهذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكِهِيّ في "أخبار مكة" بسند صحيح. وسؤر الكلاب وممرها في المسجد.
وهو بالجر عطفًا على قوله "الماء"، والتقدير: وباب سؤر الكلاب، أي: ما حكمه؟ والسؤر البقية، والظاهر من تصرف المصنف أنه يقول بطهارته، وفي بعض النسخ بعد قوله: "في المسجد" و"أكلها" وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وقال الزهري إذا ولغ الكلب في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به.
أي: فيه ماء، بأن أدخل لسانه فيه فحركه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي الوقت: "في الإناء".
وقوله: "ليس له وَضوء غيره"، أي: ليس لمريد الوُضوء، وَضوءَ -بفتح الواو- ماء يتوضأ به غير ما ولغ فيه الكلب، ويجوز في غير الرفع والنصب.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 388)

وقوله: "يتوضأ به" أي: بالماء الباقي عن الكلب، وهو جواب إذا الشرطية. وفي رواية أبي ذر: "حتى يتوضأ بها" أي: بالبقية، وفي رواية: "منه".
جمع المصنف في هذا الباب بين مسألتين، وهما: حكم شعر الآدمي، وسؤر الكلب، فذكر الترجمة الأولى وأثرها معها، ثم ثَنّى بالثانية وأثرها معها، ثم رجع إلى دليل الأولى من الحديث المرفوع، ثم ثنى بأدلة الثانية.
وهذا الأثر رواه الوليد بن مُسلم في "مصنفه" عن الأوزاعي وغيره عنه. وأخرجه ابن عبد البَر في "التمهيد" من طريقه بسند صحيح.
والزُّهري مر تعريفه في الحديث الثالث من بدء الوحي.
وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ به ويتيمم.
فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقهًا، وهي التي تضمنها قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6] لكونها نكرة في سياق النفي، فتعم، ولا تُخَصّ إلا بدليل، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم.
وقال: إن في نفسه منه شيئًا لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارض له من القرآن، أو غيره، فيتوضأ به حينئذ، ويتيمم؛ لأن الماء الذي يُشَكُّ فيه لأجل اختلاف العلماء كالعدم، فَيحتاط للعبادة.
وتعقبه الإسماعيلي بأن اشتراطه في جواز التوضُّؤ به إذا لم يجد غيره يدل على تنجيسه عنده، لأن الطاهر يجوز التوضُّؤ به مع وجود غيره.
وأجيب بأن المراد أن استعمال غيره مما لم يُختلف فيه أولى، فأما إذا لم يجد غيره فلا يعدِلُ عنه وهو يعتقد طهارته إلى التيمم.
وقد تُعقِّب أيضًا بأنه يلزم من استعماله أن يكون جسده الطاهر بلا شك مشكوكًا في طهارته باستعماله له.
وقال بعض الأئمة: الأوْلى أن يُراق ذلك الماء ثم يتيمم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 389)

وفي رواية أبي زيد المَرْوَزي عن سفيان: "يقول الله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} " وهو مخالف للتلاوة، والظاهر أن الثوري حكاه بالمعنى، ولعله كان يرى جواز ذلك، ولم يوجدمن قرأ بها في جميع القراءات.
وسفيان هنا المتبادر إلى الذهن أنه ابن عُيينة، لكونه معروفًا بالرواية عن الزُّهري دون الثوري، لكن المراد به هنا الثوري، لأن أبا الوليد بن مسلم لما روى هذا الأثر قال: فذكرت ذلك لسفيان الثوري، وسفيان الثوري مر تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 390)