وفي الغاشية: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22].
وفي الكافرون: {لَكُمْ دِينُكُمْ} [الكافرون: 6].
نَسَخ ذلك كله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 216] (1).
عقد المؤلف باباً للناسخ والمنسوخ، وهو من علوم القرآن، لكن إذا كان المعنى يتغير، فإن المسألة في النسخ تكون من التفسير، وسواء أكان النسخ في رفعٍ جزئيٍّ أم في رفعٍ كليٍّ.
والنسخ هنا على اصطلاح المتأخرين، وهو المتعلق بالأحكام، أما النسخ الجزئي الذي كان عند السلف فهو الذي عدّه بعضهم تخصيصاً أو تقييداً أو بياناً أو استثناءً، والمؤلف قد انتقد عدَّ التخصيصِ والتقييدِ والاستثناءِ نسخاً.
ونقول: إذا كان هذا اصطلاحهم فلا يُثرب عليهم فيه، بل إذا فهمنا مرادهم فلا مشكلة في عبارتهم ما داموا لم يقصدوا النسخ الذي ارتضاه المؤلف.
وإذا ورد النسخ عند السلف في الأحكام فإن كانت عبارتهم تحتمل أنهم يريدون التقييد والتخصيص والاستثناء حمل النسخ عندهم على هذا المعنى، لكن إن دلت العبارة على أنه النسخ الكلي فإنها تحمل عليه.
وإذا ورد النسخ عند السلف في الأخبار المحضة (2) فهم يريدون النسخ الجزئي؛ لأن الأخبار لا تنسخ نسخاً كليّاً، أما النسخ الجزئي--------------------------------------------
(1) إذا كان الخبر يتضمن حكماً، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فإنه يلحق بالأحكام، ويجوز أن يدخله النسخ الكلي.
(2) التسهيل 1/ 82 - 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
الذي هو التخصيص والتقييد والاستثناء وبيان المجمل، فهذا يدخل في الأخبار كما يدخل في الأحكام.
أنواع النسخ التي ذكرها المؤلف ثلاثة:
1 - نسخ اللفظ والمعنى.
2 - نسخ اللفظ دون المعنى.
3 - نسخ المعنى دون اللفظ.
وأصل مبحث النسخ في النوعين الأولين أنه من مباحث الرواية، وليس الدراية، لذا فإن البحث فيه يتطلب ثبوت الرواية بالنسخ، ثمَّ يُصار إلى الدراية، أما ما وقع من نقد لوقوع النسخ في هذين النوعين من جهة الدراية، فإن هذا ليس بصواب، ولا شكَّ أن الآثار تدلُّ على وقوع هذه الأنواع الثلاثة.
وأما النسخ في الأحكام ـ وهو النوع الثالث ـ فإنه لا يقع إلا عند التعارض التام بين النصوص بحيث لا يمكن إعمال النصَّين معاً، فيجتهد الفقيه هاهنا بالقول بالنسخ.
فإن قال قائل: هل المجتهد هو الذي ينسخ؟
نقول: الناسخ هو الشارع، فالذي أنزل المنسوخ هو الذي أنزل الناسخ، فالأمر إلى الله سبحانه وتعالى في ذلك.
وعمل المجتهد عند حصول التعارض في النصوص هو الحمل على النسخ، ثم مناقشة صحة النسبة من عدمها، أما الذي ينسخ آية بآية فهو الشارع سبحانه.
فإن قال قائل: هل ورد قرآن ونسخ بالكلية؟
نقول: هذا بحث نقلي، فإذا ثبت النقل، فإنه يُحكم به، والمطلوب من العقل تفهُّم وجه النسخ، وليس الاعتراض عليه، والمؤلف قد أورد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
رواية في آية منسوخة، وهي: «لا ترغبوا عن آبائكم»، فالطريق الذي عرفنا به هذه الآية أنها منسوخة هو طريق النقل عن الصحابة، فالصحابي عندما يخبر بعبارات تدل على أنها كانت قرآناً فيقول: كان مما يتلى، أو كان مما أنزل الله، أو كان مما نقرأ، هذه العبارات تدل على أن آية نزلت وكانت تقرأ ثم نسخت، وهذا النوع لا مجال لإنكاره؛ لأن إثباته إنما هو من جهة الخبر ولا شك أن هذه الأخبار التي ارتبطت بها هذه الآثار أخبار آحاد، وخبر الواحد يوجب العلم خصوصاً إذا عَمِلَت به الأمة، أو إذا كثرت أخبار آحاد في قضية معينة فتدل على ثبوت هذه القضية.
قال الدكتور مصطفى زيد ـ بعد ذكره لكلام طويل عن الآيات المنسوخة نسخاً كلياً؛ أي: لفظاً وتلاوة ومعنى ـ في كتابه: «النسخ في القرآن» ـ وهو من أنفس كتب النسخ ـ قال: «وفي بعض هذه الروايات جاءت هذه العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا مكانة عائشة»، ثم قال بعد ذلك: «مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمين» (1).
أقول: هذه الطريقة من الحكم غريبة جدّاً، وهي تخالف منهج البحث العلمي، وقد وقع بعض المعاصرين في هذه المشكلة، فإذا أعياه شيء من الآثار قال: إنه من بثِّ الزنادقة، وأقول: إذا دُسَّ شيء على المسلمين هل سيخفى على جهابذة العلماء؟!
لذا يجب التنبه لهذه القضية الفكرية التي توجد عند بعض الباحثين، إذ مع جودة بحوثهم إلا أنهم إذا جاءتهم نصوص لم يعرفوا وجهها اعترضوا عليها بمثل هذا الاعتراض، والواجب الاعتماد على الآثار المنقولة وجعلها أصلاً، ثمَّ تفهُّمها، ومعرفة وجهها، وتخريجها تخريجاً سليماً، وليس ردُّها بهذه الطريقة الغريبة.--------------------------------------------
(1) النسخ في القرآن في فقرة (389).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
الإشكالية الواقعة للدكتور مصطفى رحمه الله ومن شابهه في هذه القضية الفكرية أنه لم يقتنع بهذه الآثار فأراد أن يردها بأي سبيل، فصار يدفعها دفع الصائل؛ أي: يردها بأي شيء كان، فوصل إلى أن هذا من دسِّ الزنادقة!
وهذا الأسلوب في تخريج مثل هذه القضية فيه تهمة لعلمائنا السابقين، وأنهم لم يعرفوا الصحيح من الضعيف، مع ما عُرف عنهم من حرص في التنقيب عن ذلك.
والمنهج الحق: أن الآثار إذا وردت عن الصحابة، فإننا نثبتها، ونجتهد في تفهُّمها، فالصحابة أعلم بكتاب الله، وأعلم بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأعلم بحقوق الأنبياء، فإذا عبر الواحد منهم عن شيء واقع في هذه الأمور، فالواجب معرفة وجهها، وليس تخطئة الصحابي أو الناقل عنه بلا برهان مقبول في ذلك الردِّ.
والأَولى في هذا المقام أن نقول بثبوت قرآنية هذه الآيات، ثمَّ نحكم بنسخها؛ سواء بقي حكمها مثل «الشيخ والشيخة» أو لم يبق حكمها.
فإن قال قائل: هل للآيات المنسوخة لفظاً ما للقرآن المتواتر؟
نقول: إن الآيات الثابتة يتعلق بها حكمان:
1 - التعبد بألفاظها، والصلاة بها.
2 - العمل بالأحكام التي تتضمنها.
وما نسخ لفظاً يزول ما يتعلق به من الفضل والتعبد ويبقى ما يتعلق بالحكم، فنعمل بما فيها من أحكام إن لم يثبت نسخها.
أما ما يتعلق بالإعجاز والبلاغة القرآنية فليس لها حكم القرآن؛ لاحتمال دخول الرواية بالمعنى حيث نقلت كما تنقل الأحاديث، ولكن لا شك أنها تُعتبر من أفصح الكلام.
وبعض المعاصرين اعترض على آية «الشيخ والشيخة إذا زنيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
فارجموهما ألبتة» فقال: إن جملة «الشيخ والشيخة» فيها ركاكة في اللفظ، وفيها ثقل.
وأقول: إن اختيار «الشيخ والشيخة» فيه بلاغة كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وأشيمط زان» (1)، فإذا كان الزنا يقع من الشيخ والشيخة في مثل هذا الوقت فهو شنيع، وإذا كان يعاقبان فمن باب أولى أن يعاقب غيرهما من الشباب، فاختيار هذا اللفظ فيه تشنيع على من يفعل هذا الفعل إذا كان يفعله في الكِبَرِ، فمن باب أولى من يفعله في الصغر.
الآيات التي وقع فيها النسخ كثيرة، وفيها اختلاف بين العلماء منذ بدأت الكتابة في الناسخ والمنسوخ، ولكن الآيات التي نسخت نسخاً كليّاً قليلة جداً، وليست كما يَزعم أنها أكثر من مئتي آية.
ومن الآيات المنسوخة آية الصدقة في سورة المجادلة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 12، 13].
وقد حكى الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الأمين الإجماع على وقوع النسخ في هذه الآية (2).
أما ما يتعلق بالآية التي أوردها المؤلف عندما قال: «ونقدم منها ما جاء من نسخ مسالمة الكفار والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم بالأمر بقتالهم»، فإن الأمر بقتال الكفار لا يلزم أن يكون منازعاً للآيات الأخرى، وإنما هي مرتبطة بالأحوال، وكذلك الكثير من الآيات التي--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير من حديث: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ـ وذكر منهم ـ أشيمط زانٍ» 2/ 20، وأخرجه مسلم بلفظ: «شيخ زان»، في كتاب الإيمان، ورقم الحديث (107).
(2) الآيات المنسوخة في القرآن الكريم ص87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ذكرت هي في قضايا ليس لها علاقة بالقتال أصلاً، وإنما لها علاقة بالمعاملة، أو طريقة المجادلة، أو غير ذلك.
والمقصد من ذلك أن هذه الأمثلة التي ذكرها المؤلف، لكل واحدةٍ تخريجٌ على حال من الأحوال، وليس لها علاقة بقضية الناسخ والمنسوخ.
ولو جمعت الآيات التي قيل إنها نسخت لفظاً ـ سواء بقي معناها أم لم يبق ـ لخرج فيها بحث جيد، ويكون البحث مؤصلاً من جهة المتن ومن جهة الإسناد، فإذا ثبت المتن والإسناد فإنه يشار إليه كما في صحيح البخاري في قوله سبحانه: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (1)، وكما في قول أنس (ت93هـ): «أُنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنٌ قرأناه ثم نسخ بعد: «بلِّغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه» (2)، وكما في كلام أبي موسى الأشعري (ت44هـ) للقراء: «وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (3).
ومن باب الفائدة إذا ورد عن التابعي حكاية قراءة عن الصحابي، كما يقول بعض تلاميذ ابن مسعود: قرأ ابن مسعود كذا كما في: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فلا يقال: هذه قراءة تفسيرية، فلفظ: «متتابعات» ليست آية، وإنما هي تفسير على هذا القول.
وهذا تخريج عقلي دعت إليه حماية القرآن من أن تكون هذه الألفاظ من الآيات، ثمَّ إنها نُسخت، والصحيح أن هذه قراءة؛ لأمور:
الأول: أن التابعي ينص على أن الصحابي قرأ، ولم يقل: فسَّر،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، في كتاب التفسير، ورقم الحديث (4944).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، ورقم الحديث (2801).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، ورقم الحديث (1050).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
والتابعي يروي التفسير والقراءة عن الصحابي، وهو يعرف الفرق بين التفسير والقراءة، ويمايز بينهما، ولو كانا من باب واحد، لما كان هناك فائدة في قوله: «قرأ فلان …».
الثاني: أن قوله: بأنها قراءة تفسيرية فيه اتهام للتابعي بالعيّ في إيصال المعلومة واتهام له بعدم فهم شيخه.
الثالثة: أنه قد ثبت عنهم قراءات ليس فيها زيادة، ولم يُحكم عليها بأنها تفسيرية، وأسلوب روايتها لا يختلف عن هذه القراءات التي فيها زيادات؛ لذا لا يستقيم أن نقول إنها تفسير مع أن التابعي قال إنها قراءة.
ومما ورد من الآثار مما يجمع بين منسوخ التلاوة والحكم، ومنسوخ التلاوة دون الحكم، ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرِّمن، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يُقرأ من القرآن» (1).
ومعنى الخبر:
1 - أنه نزل عشر رضعات، وكانت تُقرأ.
2 - ثم نزل خمس رضعات، وكانت تقرأ.
3 - ثم وقع للخمس رضعات نسخٌ في التلاوة، وبقي حكمها معمولاً به.
4 - صارت العشر رضعات مما نُسخ تلاوة وحكماً.--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، ورقم الحديث (1452).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
الباب الثامن
القراءات
قال: الباب الثامن في جوامع القراءات، وهي على نوعين: مشهورة، وشاذة.
المشهورة: القراءات السبع، وهو حرف نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم، وحمزة والكسائي، الكوفيَيْن، ويجري مجراهم في الصحة والشهرة: يعقوب الحضرمي، وابن محيصن، ويزيد بن القعقاع.
والشاذة ما سوى ذلك، وإنما سميت شاذة؛ لعدم استفاضتها في النقل، وقد تكون فصيحة اللفظ، وقوية المعنى.
ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاثة شروط: موافقته لمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه، أو في بعض اللغات، ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً.
واعلم أن اختلاف القراء على نوعين: أصول، وفرش الحروف.
فأما الفرش: هو ما لا يرجع إلى أصل مطّرد، ولا قانون كلي، وهو على وجهين: اختلاف في القراءة باختلاف المعنى، وباتفاق المعنى.
وأما الأصول: فالاختلاف فيها لا يغير المعنى، وهي ترجع إلى ثمان قواعد:
الأولى: المدّ وهو في حروف المد الثلاثة، ويزاد فيها على المد الطبيعي بسبب الهمزة أو التقاء الساكنين.
الثانية: الهمز وأصله التحقيق، ثم قد يخفف على سبعة أوجه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
إبدال واو أو ياء أو ألف، وتسهيل بين الهمزة والواو، وبين الهمزة والياء، وبين الهمزة والألف، وإسقاط.
الثالثة: الإظهار والإدغام، والأصل الإظهار ثم يحدث الإدغام في المثلين، أو المتقاربين، وفي كلمة، وكلمتين. وهو نوعان: إدغام كبير انفرد به أبو عمرو، وهو إدغام المتحرك، وإدغام صغير لجميع القراء، وهو إدغام الساكن.
الرابعة: الإمالة وهي: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء، والأصل الفتح، ويوجب الإمالة: الكسرة، والياء.
الخامسة: الترقيق والتفخيم، والحروف على ثلاثة أقسام: مفخم في كل حال، وهي حروف الاستعلاء السبعة، ومفخم تارة، ومرقق أخرى، وهي الراء واللام والألف، فأما الراء: فأصلها التفخيم وترقق للكسر والياء، وأما اللام: فأصلها الترقيق وتفخم لحروف الإطباق، وأما الألف: فهي تابعةٌ للتفخيم والترقيق لما قبلها، والمرقق على كل حال سائر الحروف.
السادسة: الوقف، وهو على ثلاثة أنواع: سكون جائز في الحركات الثلاثة، والرَّوم في المضموم والمكسور، وإشمام في المضموم خاصة.
السابعة: مراعاة الخط الوقف.
الثامنة: إثبات الياءات وحذفها وتسكينها وفتحها (1).
المؤلف رحمه الله قال عن القراءات: (وهي على نوعين: مشهورة وشاذة)، ثم ذكر القراءات السبع، ووصفها بأنها مشهورة، وجعل قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت205هـ)، وابن محيصن محمد بن--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 88 - 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
عبد الرحمن (ت132هـ)، ويزيد بن القعقاع أبو جعفر المدني (ت130هـ)، جعلها تجري مجراهم في الصحة والشهرة.
وهذا الاختيار لقراءة ابن محيصن دون خلف بن هشام (ت229هـ) المعروف بـ «خلف العاشر» مخالف لما هو عليه الحال عند غير المؤلف، فقراءة ابن محيصن تُعدُّ في الشواذِّ، وليست قريبة من قراءة السبعة فتأخذ هذا الحكم.
وابن جزي له كتابان في القراءات: «المختصر البارع في قراءة نافع»، وكتاب: «أصول القراء الستة غير نافع»، وهذا يعني أنه مشارك في هذا العلم، وقوله هذا بحاجة إلى وقفة؛ ليُنظر فيها حال أسانيد هذه القراءة ورتبتها عند أهل عصره.
وقراءة ابن محيصن (ت132هـ) هي ضمن أربع قراءات تُروى كاملة عن أصحابها بالإسناد، وهي: قراءة الحسن البصري (ت110هـ)، وقراءة سليمان بن مهران الأعمش (ت 148هـ)، وقراءة اليزيدي؛ أبو محمد يحيى بن المبارك (ت202هـ).
قال المؤلف في وصف القراءة الشاذة: (وإنما سُمِّيت شاذَّة لعدم استفاضتها في النقل، وقد تكون فصيحة في اللفظ، وقوية المعنى).
وقوله هذا يشير إلى أنها قد تكون قبل انعدام استفاضتها لها شأن آخر، لكن النقل تخلَّف عنها من جهة الاستفاضة، فلم ترقَ إلى القراءات التي وصفها بأنها «مشهورة»، وهو وصف جعله مقابل لوصف الشذوذ.
وهذا الضابط الذي ذكره للشذوذ يشير إلى أن هناك قراءات كثيرة أُهملت، فلم تبلغ حدَّ الاشتهار، وهذا مكان بحث لأولي القراءات، إذ هذا الأمر يحتاج إلى تحرير، وهو «مراحل تشذيذ القراءات القرآنية»، ولو تأملتَ تاريخ القراءة وتدوينها لوجدت الآتي:
1 - منذ عهد أبي بكر إلى صدر خلافة عثمان (سنة 25 تقريباً)، لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
يكن يُحكى الشذوذ بين الصحابة في قراءاتهم المختلفة، وإن كان قد يقع بينهم استدراكات على قراءة بعضهم.
2 - بعد نسخ المصاحف ـ في عهد عثمان ـ من مصحف أبي بكر، وقع إلزام الناس بوجوه القراءة الثابت بقاؤها في العرضة الأخيرة، وأمر عثمان بطرح ما سواها، ولذلك أمر بحرق المصاحف.
ومن هنا بدأ تبيُّن القراءة المقبولة من القراءة غير المقبولة.
3 - بقي بين يدي الناس بعض القراءات التي تسللت عبر روايتها إما مفردة، وإما كاملة كـ «القراءات الأربع»، وهذه القراءات حكم العلماء عليها بالشذوذ لأحد أسباب أشار إليها المؤلف؛ كأن تخالف رسم مصحف عثمان، أو أن تكون منقولة بطريقة أقلَّ من الطرق المشهورة، وغالب ما يقع عليه أحد هذين الوصفين فإن العلماء لا يتلقونه بالقَبول.
والمؤلف قد أشار إلى ذلك في قوله: (ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاث شروط:
1 - موافقته لمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه.
2 - وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات.
3 - ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً).
إن كان يقصد بالشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فإن بعض هذه المذكورات فيها نظر من جهة تسميتها بالشروط، وإذا ورد النقل المتواتر أو المستفيض، فإن الشرطين المذكورين قبله تبع له، ذلك أن الأصل في ثبوت القرآن هو الحفظ القلبي (1)، والرسم إنما هو زيادة في الضبط، بحيث لو تُصُوِّر عدم--------------------------------------------
(1) يقول ابن الجزري: «ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة». النشر في القراءات العشر 1/ 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
وجوده فإنه لا يقع خلل في نقل القرآن؛ لأن أغلب من نزل عليهم القرآن كانوا يستظهرونه، ولم يكونوا أهل عناية بكتابته لسببين:
الأول: قوة الحفظ والاستظهار عندهم.
الثاني: قلَّة أدوات الكتابة عندهم.
لكن هذا الرسم أفاد ـ مع تقدم الزمن ـ في ضبط القرآن، وصار معياراً لردِّ بعض القراءات الشاذَّة؛ إذ ليس كل القراءات الشاذة تخالف رسم المصحف.
الشرط الأول: موافقته لمصحف عثمان بن عفان:
مما يلاحظ في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم ينشط لكتابة القرآن إلا عندما جاء إلى المدينة، وقد كتبه مفرَّقاً على اللخاف والأكتاف والسُّعُف وغيرها، ثم لما توفي صلى الله عليه وسلم جمعه أبو بكر، ثم في عهد عثمان نُسِخَت المصاحف من مصحف أبي بكر.
فالقاعدة المعتمدة على المسألة التاريخية لحفظ القرآن وتدوينه: أن الرسم متأخر عن القراءة، وأن القراءة أصل والرسم فرع، وأنه لا يلزم أن يكون الرسم ـ دائماً ـ موافقاً للفظ، وهذا ليس في تدوين القرآن ولا في الإملاء الذي بين يدينا اليوم، بل هذا معروف في جميع لغات العالم، فالمرسوم لا يلزم أن يطابق جميع الملفوظ، بل قد يوجد أحرف زوائد أو أحرف ناقصة، وأهل كل لغة يعرفون ذلك من لغتهم ولا يحتاجون فيها إلى معلم خارجي يبين لهم ذلك، وإنما يحتاج ذلك من لم تكن لغته مثل لغتهم.
وإذا عرفنا هذه القاعدة نعلم أن كل ما يقال من نقص الرسم أو أن الرسم سبب في الخطأ في القراءة فهو باطل.
وإذا نظرت إلى مزاعم المستشرقين من أن هناك خطأ في رسم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
الصحابة بوجود نقص أو زيادة، أو أن بعض القراء أخطأ؛ لأنه قرأ هذا الرسم أو خالف ذاك الرسم، فإنه يمكن القول بأن هذا جهل مركب؛ لأنه لا يوجد في أي لغة من اللغات من ينطلق من المرسوم، بل الأصل أن ينطلق من المقروء وإن وقع بينه وبين المرسوم اختلاف.
مسائل في قول المؤلف: (موافقته لمصحف عثمان):
الأولى: الموافقة لمصحف عثمان معتبرة ولو احتمالاً؛ لأن بعض الكلمات كتبت بوجهٍ واحد، وقرئت بأكثر من وجه، كلفظة (الصراط) في سورة الفاتحة، فقد قرئت بالسين والصاد.
الثانية: إن بعض الكلمات لها (أداء صوتي) لا يمكن أن يرسم، ولم يجتهد الصحابة في ضبطه، وهذا يدلُّ على أن الأصل هو المقروء من الصدور، ومن ذلك لفظة: «الصراط» في سورة الفاتحة، فقد قرئت بوجه ثالث، وهو إشمام الصاد زاياً، وهذه القراءات الثلاث (بالصاد وبالسين وبإشمام الصاد زاياً) كلها ثابتة ومقروء بها، وقد اتفقت المصاحف على كتابة هذه اللفظة بالصاد، ومن عِلَل ذلك أن الصاد هي الأصل، وأن اللفظة لو كُتبت بالسين لم يكن لقراءة الإشمام وجه ظاهر في هذه اللفظة.
والمقصود أن مما يجب أن يُتنبَّه له أنه ليس كل مقروء يمكن كتابته؛ لأنه قد يكون متعلقاً بأمور صوتية، والأمور الصوتية ـ من مدٍّ وإدغام وفكٍّ وإبدال وتسهيل وإمالة وغيرها ـ مما لا يمكن رسمه، ولذا كان من علماء علوم القرآن بعد جيل الصحابة أن أدخلوا علم ضبط المصاحف، وكان بدأ شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى ما نراه اليوم في مصاحف المسلمين.
الثالثة: أن بعض الاختلافات في الرسم تبع للمصحف الذي أرسل إلى ذلك القطر أو ذاك، ويكون رسم كل مصحف على حسب القراءة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
التي يقرأ بها قراء ذلك المصر، فقوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24]، جاء الرسم موافقاً لمن يثبت الضمير {هُوَ}، والمصحف الذي يقرأ به هؤلاء يكون هذا اللفظ مثبتاً فيه، لكن لو كتبنا المصحف على رواية من يحذف (هو)، فإننا نحذفها ولا نثبتها، قال ابن مجاهد: «قرأ نافع وابن عامر: (إِنَّ اللهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [الحديد: 24]، ليس فيها هو، كذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24]، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والعراق) (1).
الرابعة: لم يحرص الصحابة على تدوين كافة وجوه الاختلاف في الرسم، بل إن بعض الكلمات كُتبت على وجه واحد، وهي تقرأ بعدة وجوه قرائية، وهذا يدلُّ ـ أيضاً ـ على أن الأصل هو المقروء من الصدور، وليس المرسوم، ومن ذلك أن المصاحف اتفقت على رسم واحد في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، فرسموها بالضاد، وهي تقرأ على وجهين بالضاد وبالظاء، لذا فإنها تكتب في جميع المصاحف على جميع الروايات بالضاد بخلاف المسألة السابقة التي ثبت أن الصحابة كتبوها على وجهين، ولو أشير لمن يقرأ بالظاء بوضع حرف ظاء صغير فوقها، لجاز، ولكان هذا من باب الضبط.
الرابعة: الرسم ليس توقيفياً؛ أي: ليس مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يدخل في باب الإجماع، فهو إجماع من الصحابة.
وإذا نظرنا إلى تاريخ تدوين المصحف، فإنه سيتبين لنا أنه قبل نسخ المصاحف ـ وكذا أثناءها ـ كان هناك اختلاف في المرسوم كما كان--------------------------------------------
(1) السبعة في القراءات لابن مجاهد، تحقيق د. شوقي ضيف ص627.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
الحال في اختلافهم في المقروء، ثمَّ إن الأمر استقر على مرسوم المصاحف العثمانية التي نسخوها من مصحف أبي بكر رضي الله عنه، وبهذا يمكن القول بأنه قد انعقد الإجماع على مرسوم مصاحف عثمان رضي الله عنه.
وأما تحليل الاختلاف في الرسم، فإنه أمر سهل جدّاً، وليس اختلافهم بدعاً في هذا الأمر، بل لا يزال الاختلاف في المرسوم «الإملاء» قائماً إلى اليوم، والأمر في ذلك أنه يدخل في باب اختلاف التنوع، فالإملاء في بعض المرسوم له أكثر من وجه، وهو اصطلاح يختلف من كاتب إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، وإذا أخذناه من هذا الباب هان الأمر وسهُل، ولم يكن هناك تعنيف ولا تثريب، ولظهر لنا أن كل ما وُجِّه من نقد لمرسوم المصاحف العثمانية من الصحابة أنفسهم ـ كالمروي عن عائشة ـ إنما هو من هذا الباب، إذ كلٌّ حكم بما يعرف، وأنكر ما لا يعرف، وهذا أمر يوجد في المرسوم وفي القراءة وفي الأحكام وفي غيرها.
لذا نقول: إنما اعترض الصحابي على الرسم؛ لأنه حكم بما يعلم، والرسم الآخر لم يعرفه فحكم بخطئه، وإذا كان الأمر كذلك فإن الجواب عن مثل ذلك أن يقال: إن اعتراض الصحابي لكونه لم يعلم بالوجه الآخر لا يعني أن ما اعترض عليه أنه خطأ محض، بل نقول: إن ما جهله هو قد علمه غيره.
أما ما روي عن عثمان من قوله: «إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها» (1)، فإنه ضعيف لا يُحتجُّ بمثله، غير أن له توجيهاً يسلم به من الفهم الذي وقع فيه بعض الناس؛ إذ كيف يُتصوَّر أن عثمان يرى الخطأ في مرسوم كتاب الله ويسكت عنه، ولا يأمر بتعديله، ثم أين الصحابة من هذا؟!--------------------------------------------
(1) المصاحف، لابن أبي داود (طبعة دار البشائر) 1/ 228.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ويمكن توجيه مراد عثمان رضي الله عنه أنه قصد باللحن أن صورة الكتابة في بعض المواطن تختلف عن طريقة اللفظ والقراءة، وأن العرب سيقيمونه بقراءتهم فهم لن يقرأوا «الربو» بالواو كما كتبت وإنما بالألف؛ لأن المقروء عندهم هو الأصل.
الشرط الثاني: موافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات:
أما شرط موافقته لكلام العرب فإنه لا يدخل في مصطلح الشرطية؛ لأنه إذا ثبتت القراءة وتواترت، فإنها حجة عربية بذاتها (1).
الشرط الثالث: ونقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً:
قول المؤلف في الشرط الثالث (نقله نقلاً متواتراً أو مستفيضاً)، فيه إشارة إلى اختلاف نوعي النقل، وهما التواتر والاستفاضة، وكأنه يشير إلى ما قيل من أن القراءات السبع متواترة، وأن القراءات الثلاثة المتممة مشهورة، والله أعلم.
ومفهوم التواتر في القراءات فيه أمور مشكلة، والبحث فيها لا يؤثِّر على صحة نقل القرآن، وإنما المراد من بحثها تبيُّن وجه هذه القراءات على مرِّ العصور، خصوصاً في الأزمنة الأولى قبل اشتهار تدوين القراءات وانتشارها في الأمصار.
وهذا الموضوع من الدِّقة بمكان، بحيث إنه يحتاج في علاجه إلى باحث ماهر يستطيع أن يخرج بنتائج وافرة تدعم حفظ القرآن بما أوكل الله به المسلمين من حفظه؛ إذ كانوا هم السبب الذي جعله الله من تمام حفظ القرآن، فهيأ لهم سبل ذلك الحفظ، فبقي القرآن يتلى--------------------------------------------
(1) ينظر في هذا: تنبيه الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ في كتابه النفيس «حديث الأحرف السبعة»، ص146، ط: دار النشر الدولي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
على مرِّ العصور، وفي جميع الأقطار، جيلاً بعد جيل، وما زاد أحد فيه شيئاً، ولا نقصوا منه شيئاً، وفي ذلك عبرة لمن يطعن في نقل القرآن ـ لو كان يعتبر ـ ذلك أن البشر لو تمالؤوا على حفظ كتاب مثله فإنهم لا يستطيعون ذلك، وشاهد ذلك تلك المخطوطات التي تكون للكتاب الواحد، فانظر كم هي الفروق التي تقع بينها؟
وإن كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم يتميز عن غيره من كتب الله بميزة الحفظ من النقص والزيادة والتحريف والتبديل، أما كتب الله السابقة، فهي إما من المفقود الذي لا يعرف له أثر، وإما مما استُحفظ عليه البشر، ووكلت المهمة إليهم، فما قاموا بها، بل وقع التبديل والتحريف عندهم، كما وردت الإشارة إليه في القرآن في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، وقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] ولا يمكن أن تجد كتاباً من كتب اليهود والنصارى مما ينسبونه إلى أنبيائهم عليهم السلام هو باللغة التي نزل بها، بل كلها مترجمة، ولا يوجد منها شيء بلغته الأولى، مما أعطى مجالاً لمن استُحفظوا على هذه الكتب أن يقع عندهم التحريف والتبديل، أما القرآن فإنه يتلى باللغة نفسها التي نزل بها، فلله الحمد والمنة.
والمقصود: أنه لا خوف علينا نحن المسلمين من نقاش هذا الموضوع، وإنه إن لم يزدنا قناعة بما عندنا، فإنه لن يغير من الواقع شيئاً، والله الموفق.
ومشكلة مصطلح التواتر، وظهوره بين المتكلمين مشكلة معروفة، وقد أحدثت مشكلات علمية في علم الحديث والاعتقاد وغيرهما، وانجرَّ ذلك على أسانيد القراءة، وغيرها، مما يحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
هذا المصطلح، وإلى تحرير المراد به في كل علم، وإلى استبداله بما يتناسب مع طبيعة كل علم، بحيث لا يبقى غامضاً موهماً، وتُحمَّل بعض القضايا العلمية عليه، وهي لا تحتمله أصلاً، إذ كم هُدم من معلومات بسبب القول به على اصطلاح المتكلمين.
وقضية التواتر في القراءات فيها إشكالية من جهة أن في الأسانيد التي تنسب إلى القراء أفراداً، فحمزة (ت156هـ) قد ينفرد ـ مثلاً ـ ببعض الألفاظ، فهذا التي انفرد به تعدُّ آحاداً؛ ولهذا إذا أردنا أن نتعامل مع القراءات بأسلوب مصطلح التواتر الموجود في كتب أصول الفقه سنصطدم بمثل هذا الأمر.
والأولى أن ننظر في القراءات نظراً تاريخياً، فهؤلاء السبعة لا نجد أحداً من العلماء المتخصصين يخالف في أن قراءاتهم كانت مشهورة، ومتلقاة بالقبول عندهم، وهذا يعني أن العلماء ارتضوها بضابط الشهرة وضابط القبول، وهذان الضابطان صحيحان.
وإذا نظرنا إلى بعض القراءات تاريخياً، فإننا سنجد بعضها مشتهرة لكنها غير مقبولة؛ كالقراءات الأربع المتممة للعشر.
لكن لا يمكن أن تكون مقبولة وهي غير مشتهرة، وعندي أن ضابط الشهرة أدق من ضابط التواتر، فالقراءة المقبولة هي التي اشتهرت وتلقاها العلماء بالرضى والقبول، فابن مجاهد (ت324هـ) لما اختار هؤلاء السبعة لم يخالفه أحد في الاختيار مما يدل على أن الأئمة السبعة قد اتفقت الأمة على إمامتهم وأنهم أهل لنقل القراءة، وما أضيف فيما بعد إليهم يكون داخلاً ضمن قراءاتهم، وهو قليل، وقد تلقته الأمة بالقبول.
ومن تأمَّل تاريخ القراءات، واعتمد على المصطلحات التي يذكرها علماء القراءات المتقدمين، لا يجد لفظة «تواتر»، وإنما يجد «قراءة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
العامة»، «القراءة المستفيضة»، «القراءة المشهورة» «القراءة التي عليها قَرَأَة الأمصار».
وهذه المصطلحات التي يتعامل بها أهل القراءة المتقدمين بحاجة إلى دراسة، لمعرفة واقعها عند أصحاب الشأن، والنظر في مدى الحاجة إلى ذلك التغيير الذي طرأ على هذه المصطلحات التي كانت مشتهرة بين القراء.
وهنا نحتاج إلى دراسة الاعتراض على القراءات عند المتقدمين، وكيفية الخلوص منه إلى القول بالتواتر عند المتأخرين.
وموضوع الاعتراض على القراءات مما لا خفاء فيه، لكن البحث والتحرير فيه قليل جدّاً.
ومن أمثلة ذلك:
1 - روى البخاري بسنده عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [يوسف: 110] أَوْ كُذِبُوا. قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقُلْتُ: وَاللهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا أَوْ كُذِبُوا. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَاخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ» (1).
فهذه عائشة رضي الله عنها لم تر قراءة «كُذِبوا» بالتخفيف، واعتمدت ما تعرفه--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، ورقم الحديث (3389).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
من قراءة التثقيل، ورأت أن في قراءة التخفيف معنى غير لائق بالأنبياء عليهم السلام فمنعته، واعترضت على قراءة التخفيف لأجل ما تحتمله من هذا المعنى.
2 - روى الحاكم في المستدرك بسنده ـ ورواه غيره ـ عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قرأ عبد الله رضي الله عنه: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] بضم التاء (عجبتُ)، قال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم»، قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم فقال: إن شريحاً كان يعجبه رأيه إن عبد الله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرؤها: «بل عجبتُ» (1).
فشريح اعترض على قراءة الضم، وظنَّ أن صفة العجب لا تجوز على الله، وقد اعترض عليه الأعمش بكون قراءة الضم هي قراءة عبد الله بن مسعود، وعبد الله لم يعترض على معنى هذه القراءة مما يدل على أنه يقول بمعنى هذه القراءة.
ونقد القراءات استمرَّ عند العلماء، ولم يخلُ ابن مجاهد في كتابه «السبعة» من نقد القراءات، ففي قراءة ابن عامر (ت118هـ) {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117، آل عمران: 59، مريم: 35] قال: «واختلفوا في قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] في نصب النون وضمها فقرأ ابن عامر وحده {كُنْ فَيَكُونُ} بنصب النون.
قال أبو بكر: وهو غلط، وقرأ الباقون «فيكونُ» رفعاً) (2).
وقال: «قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] قرأ ابن عامر وحده «كن فيكونَ» بالنصب.
قال أبو بكر: وهو وهم» (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، ورقم الحديث (3661).
(2) السبعة ص169.
(3) السبعة ص206، 207.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)