وَمُرْسَلٌ منْهُ الصَّحابيُّ سَقَط ......وَقُلْ غَرِيبٌ ما رَوى رَاوٍ فَقَطْ (1)
ولهذا أحببت أن أقصر لفظ (الإرسال) الظاهر في الحديث الذي سقط منه الصحابي فحسب، وهذا أمر ثابت ومسلم عند الحفاظ في (المرسل) العادي.
أما في (المرسل الخفي) فقد اختلفوا فيه اختلافا واسعا، وصرفوه على أوجه بعيدة عن أصل لفظه الاصطلاحي، ولا يمنع توسع المتقدمين في استعمال (الإرسال) بمعنى الانقطاع عموما -في أي موضع في السند- أن نضبط تعريف (المرسل الخفي) أسوة (بالمرسل) الظاهر الذي استقر الاصطلاح في إطلاقه على الحديث الذي سقط منه الصحابي، فما دام هناك إرسال فثم صحابي ساقط.
وعلى هذا يكون الإرسال -عندي- قسمين:
أولهما: الإرسال الظاهر المعروف بسقوط الصحابي من سند الحديث سقوطا حقيقيا عينيا، ويقوم التابعي برفع الحديث إلى النيي صلى الله عليه وسلم.
ثانيهما: (المرسل الخفي) وهو الحديث الذي يكون الصحابي مصرحا به في الإسناد، ويرويه عنه التابعي بصيغة» العنعنة «ولم يسمع منه هذه الرواية سواء أسمع منه أم لم يسمع، فيكون الصحابي هنا في حكم الساقط، ويكون الحديث مشتملا على (الإرسال الخفي) ، وذلك لعدم توفر السماع عند من روى عنه، فالصحابي هنا ثابت لفظا، وساقط حكما، ولما كان مدار الانقطاع على الصحابي، استحسنا تسميته بالمرسل لاختصاصه به، ولما كان ظاهره الاتصال -وهو في حقيقته منقطع- ناسب أن أسميه (بالخفي) ، وعليه يكون اصطلاحنا الذي أطلقناه بخصوص هذه الحالة من الإرسال الباطن لا غبار عليه (2) إن شاء الله تعالى، والحمد لله.--------------------------------------------
(1) البيقوني - المنظومة البيقونية (التعليقات الأثرية) : 23. وانظر: السيوطي- تدريب الراوي: 1/195، الصنعاني - توضيح الأفكار: 1/283- 287، ود. عجاج الخطيب- المختصر الوجيز: 149.
(2) هذا فهم انفرد به الباحث، وما وقفنا عليه عند أحد من السابقين!!! (لجنة إعداد الندوة) .
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 15)
وأما الانقطاع في غير هذا الموضع من السند فله اصطلاحه وتعريفه الذي يميزه عن غيره من الأنواع ويمكن أن يكون -وفق ما قدمنا- منقطع ظاهر ومنقطع خفي، ومعضل ظاهر ومعضل خفي، والله أعلم وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله، وصحبه والحمد لله رب العالمين.
فهرس المصادر والمراجع
* البيقوني: محمد طه:
* المنظومة البيقونية، (انظر: التعليقات الأثرية لعلي حسن) .
* البيهقي: أحمد بن الحسين (ت 458 هـ) :
-دلائل النبوة، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى 1405 هـ / 1985م. وهناك طبعة أخرى بتحقيق السيد أحمد صقر طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الجمهورية العربية المتحدة 1389 هـ / 1970م. وقد ميزت بين الطبعتين بأن ذكرت طبعة المجلس الأعلى كلما اقتبست منها، وتركت الأخرى غفلا.
- السنن الكبرى، دار المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى سنة 1343 هـ.
* ابن تيمية: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (ت 728 هـ) :
- مجموع الفتاوى، جمعها ورتبها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ومساعده ابنه محمد بن محمد بن عبد الرحمن مكتبة المعارف، الرباط، الطبعة الثانية، سنة 1981م.
* ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي حاتم (ت 327 هـ) :
- المراسيل، مكتبة المثنى ببغداد، تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1402 هـ / 1982م.
* ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي (ت 852 هـ)
- تحقيق د. ربيع بن هادي المدخلي، المجلس العلمي لاحياء التراث، المدينة المنورة الطبعة الأولى سنة 1984م.
* السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت 902 هـ) :
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 16)
- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1403 هـ /1983م في ثلاث مجلدات، وطبعة أخرى بتحقيق الشيخ سليمان ربيع في مجلد واحد، طبعت بمصر، وقد اعتمدت أصلا على الطبعة الأولى، وميزت بينهما بذكر طبعة مصر كلما أحلت عليها أو اقتبست منها.
* السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ) :
- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1399 هـ / 1979م، طبعة أخرى، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطبف، مكتبة القاهرة بمصر سنة 1379 هـ / 1959م وقد فرقت بينهما بالتنبيه على طبعة القاهرة.
* ابن الصلاح: أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن (ت 643 هـ) :
- علوم الحديث، تحقيق د. نور الدين عتر. دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة سنة 1404 هـ / 1984م.
* الصنعاني: محمد بن إسماعيل الأمير (ت 1182 هـ) :
- توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار ضياء التراث، الطبعة الأولى سنة 1366 هـ.
* ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله (ت 463 هـ) :
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد، وزارة الأوقاف بالمغرب.
* د. عتر: نور الدين:
- الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى 1390 هـ / 1970م.
- منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة 1401 هـ / 1981م.
* د. عجاج الخطيب: محمد عجاج الخطيب:
- أصول الحديث علومه ومصطلحه، دار الفكر، الطبعة الثانية سنة 1971م.
* علي حسن علي عبد الحميد:
- التعليقات الأثرية على المنظومة البيقونية، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى سنة 1403 هـ /1982م.
* ابن كثير: عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت 774 هـ) :
- الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 هـ.
* النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف (ت 676 هـ) :
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 17)
- تقريب الإرشاد مختصر علوم الحديث لابن الصلاح، مكتبة الحلبوني، دمشق.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 18)
ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (مجموعة من المؤلفين)القسم: علوم الحديث
الكتاب: ندوة علوم الحديث علوم وآفاق
المؤلف: بحوث لمجموعة من المؤلفين
[الكتاب مرقم آليا]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
ضرورة الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين
في مجال علوم الحديث
د. حمزة عبد الله المليباري
كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وتركهم على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وبارك على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا ممن يتبعهم بإحسان.
أما بعد:
فموضوع مداخلتي في هذه الندوة: ((ضرورة الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث دون خلط بين مناهجهم المختلفة)) .
تعد علوم الحديث من أهم مقررات كلية الشريعة، وكانت تدرس في بعض الكليات في أكثر من مستوى، إلى جانب دورات علمية خاصة تعقد لتدريسها في مناسبات شتى، وكان إقبال الطلبة على دراسة هذا العلم بتزايد مستمر، ومع هذا الاهتمام البالغ بتدريس علوم الحديث من جهات مختلفة منذ سنوات عديدة فإننا نلمس في الساحة العلمية شيئا يدعونا إلى أهمية المراجعة في أسلوب تدريس علوم الحديث، والتباحث في مدى فاعلية هذا الأسلوب، وتحديد الخلل في ذلك.
ماذا يجري في الساحة العلمية؟
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 1)
من تتبع الأبحاث والدراسات التي تغص بها الأسواق اليوم في مجال السنة وعلومها، وتأمل فيها بإمعان وإنصاف، بعيدا عن التعصب والتقديس، وجد كثيرا منها غير منضبطة بقواعد علوم الحديث؛ إذ يتعامل فيها أصحابها مع نصوص المحدثين النقاد ومصطلحاتهم العلمية بصورة غير منهجية، ويحملونها على غير محملها، فيطلقون ما هو مقيد، أو يقيدون ما كان مطلقا، ومن هنا وقع في تلك الأبحاث خلط وازدواجية بين مناهج مختلفة، سواء أكان ذلك في تنظير القواعد أو ترجيح المسائل، حتى أصبحت ظاهرة التعقيب على نقاد الحديث أمرا مألوفا لدى المعاصرين لا لخطأ اكتشفوه، ولا لوهم وجدوه، بل غرورا بما لديهم من تصورات سطحية حول مبادئ علوم الحديث فيطلقون القاعدة التي تكون لها استثناءات يجب أخذها بعين الاعتبار، كقولهم تعقيبا على الحديث الذي أعله النقاد بتفرد راويه:
((لا يضر تفرده لأنه ثقة)) أو ((زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح)) .
وقولهم فيما صححه النقاد:
((هذا إسناد منقطع لعنعنة المدلس، وهو في الطبقة الثالثة من التدليس)) .
وقولهم في الحديث الذي ثبت انقطاعه:
((الإسناد متصل لوجود معاصرة بين الرواة)) أو ((هذا الراوي من الطبقة الثانية من التدليس فعنعنته مقبولة ومحمولة على الاتصال)) .
وقال أحد الباحثين - وهو في معرض رده على الإمام أبي حاتم -:
((لو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، والحمد لله إني طبقت قواعد المحدثين)) .
وقال باحث آخر، وهو يعقب على حديث أعله الإمام ابن المديني:
((هكذا تعل الحديث يا ابن المديني!)) .
وغير ذلك من التعقيب بما لا يخفى على الطلبة المبتدئين، فضلا عن المحدثين النقاد.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 2)
أما تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتحسينها فعندهم على طريقة سهلة لم تكن مألوفة لدى النقاد من قبل، وهي النظر في ترجمة رواة الحديث من خلال كتب التراجم، لا سيما كتاب التقريب للحافظ ابن حجر؛ فإذا وجدوا الرواة كلهم ثقات صححوا الحديث، حتى وإن أعله النقاد، وإن كان فيهم صدوق أصبح الحديث حسنا لذاته، وإن كان فيهم ضعيف فالحديث ضعيف، وإذا جاء من طريق آخر فحسن لغيره، وهكذا يطلقون الحكم فيما هو مقيد، ويقيدون فيما من شأنه الإطلاق.
وبهذا النوع الجديد من الدراسات يكون الباحث المعاصر قد ألغى - من غير أن يشعر - كثيرا من مصطلحات الحديث، لا سيما الشاذ والمعلول والمنكر.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أننا نشاهد بعض الكتاب والأساتذة الجامعيين يسيئون فهمهم لمنهج المحدثين النقاد في تصحيح الحديث وتعليله، ويتهمونهم بقلة الفقه، وكثرة النظر في الشكليات وظواهر السند، وأنهم لا يجدون حرجا أمام طلبتهم في إنكار بعض الأحاديث التي اتفق العلماء على صحتها طوال القرون الماضية، وحجتهم في ذلك أن تلك الأحاديث تتعارض مع ما فهموا من القرآن أو أنها لم تخضع لعقولهم.
والجدير بالذكر أن هؤلاء الباحثين والكتاب والأساتذة جميعا قد درسوا في الماضي كتب المصطلح ضمن مقررات الجامعة أو مقررات المعهد أو غيرها.
هذه الظاهرة لا يشك عالم منصف غيور على السنة النبوية في خطورة نتائجها على المدى البعيد.
إلى متى يقف الغيورون على السنة مكتوفي الأيدي - وهم يشاهدون هذه الظاهرة الخطيرة تنتشر في أوساط الباحثين المبتدئين-؟ وكيف يحلو لهم التساهل في مواجهتها، والبحث عن سبل علاجها؟.
هنا يجب علينا أن نتساءل:
ما قيمة تدريسنا لمقررات الحديث وعلومه في الجامعات والمعاهد إذا لم يعالج ذلك الخلل، ويصلح الفساد، ويصحح المفاهيم؟
كم يبذل في تدريس هذه المقررات من جهد ووقت ومال؟
كيف انتشرت اليوم هذه الظاهرة الخطيرة بين الباحثين؟
ماذا يستفيد الطلبة من هذه المقررات؟
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 3)
هل الهدف من تدريس كتب المصطلح مجرد التعرف على المصطلحات دون فقه لما تتضمنه من القضايا الجوهرية؟
أم الهدف من ذلك هو التعرف على منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، وفقه مصطلحاتهم النقدية؟.
في الواقع إن كتب المصطلح إذ تجمع نصوص النقاد ومصطلحاتهم العلمية وتشرح مضامينها فإنها تقدم من خلال ذلك منهج المحدثين النقاد في نقد الأحاديث، ومنهج المتأخرين في حفظ دواوينها من التحريف والتصحيف والانتحال، لذلك فإن مرجع الخلل في تعامل كثير من الباحثين مع السنة النبوية هو عدم استيعابهم لقواعد علوم الحديث، وله أسباب عدة، لعل الأساتذة المشاركين في هذه الندوة قد أشاروا إليها في ضوء تجاربهم، كل حسب رأيه واجتهاده.
غير أني أود أن أركز هنا على بعض أهم الأسباب التي تقف وراء صعوبة هذا المقرر، وهو:
1 - عدم ترتيب المصطلحات وموضوعاتها ترتيبا موضوعيا.
2 - عدم استخدام الأمثلة الواقعية التي يعيشها الطالب.
3 - الخلط بين جهود المحدثين المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث ومناهجهم المختلفة في تطبيقها، وتفسير مصطلحات النقاد بما تعارف عليه المتأخرون، أو تفسير نصوص المتأخرين بما اصطلح عليه المتقدمون، لذا آثرت أن يكون بحثي تحت عنوان» ضرورة الاستفادة من جهود المحدثين النقاد المتقدمين والمتأخرين في مجال علم الحديث «.
مصدر الخلل:
إن الكتب والمصطلحات تعد أوعية العلوم في كل زمان ومكان، وعن طريقها تنتقل العلوم من جيل إلى جيل، وبقدر الاحتفاظ بأصالتها، وبقدر الدقة في عزوها إلى أصحابها المبدعين، وحفظها بعيدا عن التغيير والتبديل، تبقى العلوم حية وجلية تعطي أكلها كل حين بإذن ربها.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 4)
كما تشكل هذه الكتب والمصطلحات مرآة ناصعة تعكس جهود أصحابها في مجال العلم والثقافة والإبداع، ومدى تخصصهم في الموضوع الذي تناولوه، وطبيعة تكوينهم وتفكيرهم واهتمامهم وما يتصل بمحيطهم العلمي عموما. لذلك يكون ما تركوه للأجيال من الانتاج العلمي مصدرا رئيسا لتدوين تاريخهم في جميع مجالات العلم والإبداع.
وبقدر إدراك الباحث أو الدارس لهذه الحقيقة، تتحقق الفائدة العلمية المرجوة من دراسة تلك الكتب والمصطلحات، وإلا سيكون تحصيله العلمي عقيما لا يساعده على الاستنتاج والنهوض بما يقتضيه محيطه العلمي من الإصلاح والإبداع والتجديد في العلوم وطرق تدريسها.
التفاوت المعرفي بين الأئمة وبعض نماذجه:
أذكر هنا على سبيل المثال لمزيد من التوضيح مجالين واسعين يبرز فيهما تفاوت معرفي ومنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في خدمة الحديث وعلومه، وآثار هذا التفاوت في كتب المصطلح عموما، وهما:
1 - طريقة نقل الحديث.
2 - الحكم على الحديث.
أما المجال الأول فإذا كان المتقدمون يعتمدون الأسانيد والرواية المباشرة في نقل الأحاديث حديثا حديثا، فإن المتأخرين اعتمدوا الكتب والدواوين، بعد أن أخذت الأحاديث تستقر في بطونها، وأصبح الإسناد الذي تداوله المتقدمون في عصور الرواية غير مألوف في عمل المتأخرين، بل اكتفوا من الإسناد بقدر ما يكفل لهم حفظ تلك الكتب وحمايتها من وقوع تحريف وتصحيف وانتحال، حتى إذا استخدم أحدهم إسنادا في رواية حديث بخلاف العرف العلمي السائد في عصره، وحتى في أواخر عصر الرواية، فإن هذه الرواية لم تعد مما يعول عليه، وإنما يكون إسناد المتقدمين المثبت في كتبهم هو المعتمد في ذلك أولا وأخيرا، وهذا ليس عيبا في عمل المتأخرين ولا طعنا فيهم ولا تقليلا من شأنهم، بل ذلك الذي نهضوا به في سبيل حماية السنة هو الواجب عليهم.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 5)
هذه بعض النصوص تدل على ذلك بجلاء؛ يقول الإمام البيهقي - وهو في أواخر عصر الرواية الذي تعود فيه العلماء على الأسانيد والروايات المباشرة -:
((توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووُجِّه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال البيهقي: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم. والله أعلم)) (1) .
ولما جاء عصر ابن الصلاح تجلى فيه ما ذكره البيهقي بصورة أوضح وأوسع، وقال في مقدمته:
((أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وكان عليه من تقدم)) .
((ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود آل آخرا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه)) (2) .--------------------------------------------
(1) نقله ابن الصلاح في مقدمته ص:120.
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 6)
لذلك فكتاب رياض الصالحين للإمام النووي - مثلا - لا يعد مصدرا أصيلا في الحديث، لأنه مجرد أحاديث مختارة من كتب المتقدمين، ولا يعد ذلك طعنا في الإمام النووي، أما كتاب المسند للإمام أحمد - مثلا - فإنه يعد أصيلا في الحديث ويعتمد في التخريج، وهذا التفاوت يكون طبيعيا إذا تأملنا ما ورد في سياق كلام البيهقي، وتكمن فائدة الفصل بينهما في ضرورة توثيق المعلومات وتحقيقها، وذلك بإعادة النظر فيما يشكل مصدرا مساعدا، ومقارنته مع مصدره الأصيل؛ ومن لا يفرق بينهما يجهل أهمية عرض الفرع على الأصل، بل يجعلهما أصلا، وبالتالي لا ينتبه إلى آثار ذلك في تكوينه وتفكيره.
الآثار المترتبة على هذا التفاوت المنهجي بين الأئمة:
هذا التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في طريقة نقل الحديث وروايته أدى إلى استخدام المتأخرين مصطلحات جديدة، أو توسيع معانيها بحيث يتناسب مع أعرافهم العلمية في طريقة التلقي والتحمل؛ فمصطلح المسند (بكسر النون) و (الحاكم) و (طباق السماعات) ، و (الحافظ) ، و (المحدث) ، و (الحجة) تعد أمثلة لذلك.
أما المسنِد - بكسر النون - فمصطلح جديد لم يطلق في عصر الرواية، والمصطلح المشهور سابقا في عصر الرواية هو ((الراوي)) ، ولم يطلق مصطلح ((المسنِد)) إلا في عصر ما بعد الرواية، ليكون معناه من يروي الحديث بإسناده في الوقت الذي انقطع فيه الإسناد والرواية المباشرة، يقال: ((فلان مسنِد)) إذا كان متميزا برواية الأحاديث في عصر ما بعد الرواية، دون أن يطلق عليه (راوي الحديث) ، وذلك للفصل بين عصرين مختلفين: ((عصر الرواية)) و ((عصر ما بعد الرواية)) .
وكذلك مصطلح (الحاكم) جعله المحدثون في عصر ما بعد الرواية لقبا للمحدث الذي أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير. وهذا المصطلح ليس له وجود في لغة المحدثين النقاد، لا سيما صيغ الجرح والتعديل.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 7)
أما (المحدث) فمصطلح قديم، لكن تغير معناه في عصر ما بعد الرواية، وصار المحدث لقبا خاصا بمن اشتغل بالحديث رواية ودراية، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه، وقيل: ((المحدث من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية)) ، وقيل غير ذلك من المعاني، غير أن ذلك كله يفيد معنى واحدا مختلفا تماما عن معنى مصطلح (المحدث) في عصر الرواية، وهو كل من يهتم بالأحاديث سماعا ورواية وكتابة - سواء أكانت له دراية أم لا، سواء كان متقنا ضابطا لما يرويه أم لا - ويتجلى ذلك من خلال تتبع ألفاظ الجرح والتعديل.
كذلك كل من مصطلحي (الحافظ) و (الحجة) ، فقد استحدث معناهما حسب العرف الجديد في عصر ما بعد الرواية؛ فصار معنى (الحافظ) من توسع في الحديث وفنونه، بحيث يكون ما يعرفه من الأحاديث وعللها أكثر مما لا يعرفه. وقيل غير ذلك من المعاني، لكن لم يكن مصطلح (الحافظ) في عصر الرواية معهودا بشيء مما ذكر من المعاني، بل يطلق على الثقة والضعيف، والمحدث والناقد، ودون تحديد عدد الأحاديث التي ينبغي حفظها لِيُعَدَّ الراوي حافظا.
كما أن كلمة (الحجة) أصبحت في عصر ما بعد الرواية لقبا خاصا بالحافظ الذي وعى أكثر من مائة ألف، وأصبح ما يحيط به ثلاث مائة ألف حديث مسندة، وأما في عصر الرواية فلم يشترط فيه ذلك، فكل من كان متميزا بالإتقان والضبط وندرة الخطأ فيما يرويه يعد حجة، سواء أحفظ ذلك العدد من الأحاديث أم لا، وسواء أكان فقيها أم لا، وسواء اعتمد على الحفظ أم على الكتاب. وتعد كلمة (الثقة) مرادفة لكلمة (الحجة) .
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 8)
كذلك المصطلحات التي تشكل نقاطا جوهرية في مسائل علوم الحديث تغيرت في استعمال المتأخرين؛ كالصحيح، والحسن، والمعلول، والشاذ، والمنكر، والمحفوظ، والمعروف، وغيرها، فإنهم ربطوا معانيها بأحوال الرواة؛ فالصحيح عندهم لا يطلق إلا على مرويات الثقات أو الصدوق، والمعلول والشاذ مقيدان أيضا بها، والمنكر لا يطلق إلا فيما رواه الضعيف مخالفا للثقة، بينما المحدثون النقاد في عصر الرواية لم يتقيدوا بذلك؛ بل كانوا يطلقونها على مرويات الثقات والضعفاء في حالة ما إذا أصابوا فيها.
وهذه الأمور من أهم فوائد ربط منهج المحدثين بمبادئ مصطلحات الحديث وتعريفاتها.
وأما القواعد التي تتصل بضبط الكتب وكتابتها وروايتها، ومقابلة النسخة الفرعية بالأصل، وحلقات السماع والطباق، وما استخدِم فيها من المصطلحات فلم تظهر بصورتها الكاملة إلا في عصر ما بعد الرواية.
أما المجال الثاني للتفاوت المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين - وهو الحكم على الحديث- فإذا كان المتأخرون عموما يعتمدون الأسانيد وأحوال رواتها في الحكم على الحديث، ويفصلون بينهما، ويجعلون الأحكام تابعة لأحوال الرواة، فإن المتقدمين النقاد يعتمدون فيه على مدى خلو الحديث من شذوذ وعلة، وإذا حال الأمر دون معرفة ذلك يكون ظاهر السند وأحوال الرواة هو المعول عليه في التصحيح والتضعيف.
يقول ابن دقيق العيد واصفا منهج الفقهاء والأصوليين المتأخرين:
((ومداره (يعني الصحيح) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قرر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندا)) (1) .--------------------------------------------
(1) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص: 186 (تحقيق د. عامر صبري، ط: 1، سنة 1417، دار البشائر الإسلامية، بيروت) .
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 9)
كما بينه أيضا في شرح الإلمام: ((إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقا غير طريق الآخر، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه، فمتى حصل ذلك، وجاز ألا يكون غلطا، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة، لم يترك حديثه)) .
وقال الصنعاني معقبا عليه:
((وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه)) (1) .
وهذا التباين المنهجي في التصحيح والتضعيف متفق عليه بين الأئمة.
لذلك فإن معظم المتأخرين ممن تكلم في الحديث كان يقول: ((إسناده صحيح)) ،وقلما يقول: ((حديث صحيح)) ، بخلاف النقاد القدامى، فإنهم يقولون: ((حديث صحيح)) وبين القولين فرق واضح، إذ معنى الأول: رواته ثقات، وظاهر السند متصل، ومعنى الثاني أن الراوي لم يخطئ في نقل الحديث عمن فوقه.
وأنت إذا تتبعت كتاب (الأحاديث المختارة) للحافظ المقدسي - على سبيل المثال - وجدته لا يكاد يصحح الحديث إلا بقوله: (إسناد صحيح) ، ولا يقول (حديث صحيح) . والباحث المعاصر لا يفرق بينهما، ويجعل تصحيح المتأخرين مثل تصحيح المتقدمين النقاد، بل يرد به على النقاد لغروره بظاهر السند.--------------------------------------------
(1) توضيح الأفكار 1/23.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 10)
من هنا جاء في كتب المصطلح بيان هذه النقطة المهمة للغاية لكيلا يقع لدينا خلط بين أسلوب المتقدمين النقاد وبين أسلوب المتأخرين عموما في التصحيح والتضعيف والمصطلحات التي يستخدمونها في ذلك؛ يقول ابن الصلاح: قولهم حديث صحيح الإسناد أو حسن، دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حديث حسن، لأنه قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذا أو معللا، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر (1) .
يفيد هذا النص وجود خلاف بين القولين: (حديث صحيح) ، و (إسناده صحيح) ، وإذا تتبعنا كتب السابقين وجدنا النقاد المتقدمين يتعودون على اللفظ الأول، والمتأخرين على الثاني. وبالتالي فإن التمييز بين القولين في المعنى، وحمل كل منهما على محمله الحقيقي هو عين الإنصاف، وأما غير ذلك فيعد انحرافا خطيرا يجب على العلماء إصلاحه.--------------------------------------------
(1) التقييد والإيضاح ص: 58، انظر تعليق الحافظ السخاوي على هذا النص، إذ قال: ((وأما من لم يتوقف من المحدثين (يعني المتأخرين) والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحا، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده، فشاذ، وهو استرواح، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيا وإثباتا فضلا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك، وربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن، فالأحسن سد هذا الباب وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش؛ حيث قال: لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر فتصريحه بالاشتراط يدفعه، مع أن قصر الحكم على الإسناد - وإن كان أحق - لا يسلم من الفقهاء)) انتهى. يعني بهم الفقهاء المتأخرين بدون شك.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 11)
من بين أنواع علوم الحديث ما هو أكثر تأثرا بمستجدات عصر ما بعد الرواية، وهو الجرح والتعديل وطرق التحمل والأداء، لذا تجد هذين النوعين في كتب المصطلح مدخلا واسعا لدخول علماء الفقه والأصول، بل تلحظ المتأخرين يميلون إلى ترجيح بعض أقوالهم، وذلك نظرا لكون هذين الموضوعين مما تناولوه وانشغلوا به نظريا وعمليا.
أما الجرح والتعديل فمن باب مسألة الشهادة التي انشغل المتأخرون من الفقهاء وأئمة الأصول بتحرير ما يتصل بعدالة الشاهد وما يضرها من خلل سلوكي وعقدي، وأما طرق التحمل والأداء فمن خلال تطبيقهم لها في نظمهم التعليمية التي تطورت في عصرهم، حتى وقع لهم فيها تساهل في تطبيق شروط النقاد في أسانيد الكتب كما سبق ذلك عن الإمام البيهقي وغيره.
وفي ضوء هذا الواقع فإن كتب الحديث والمصطلح، تحمل في طياتها جهود المحدثين في مجال علوم الحديث، مع تحديد دقيق لأطوار هذه الجهود المرحلية، وعوامل تطورها وتجددها، وآثارها في تكوينهم وتفكيرهم وانشغالاتهم العلمية، لكن يتوقف معرفة ذلك كله على دراسة تحليلية ومنهجية لتلك الكتب والمصطلحات، بعيدا عن العواطف وظواهر التقديس التي يتقيد بها كثير من الباحثين في هذا العصر؛ إما لضيق وقتهم بسبب الانشغال بأمور أخرى، أو لاقتناعهم بأن هذا العلم قد نضج واحترق ولم يترك السابق للاحقه شيئا، أو لأنهم لم يستوعبوا علوم الحديث كما ينبغي، بحيث يتخيل إليهم أن كل ما تضمه كتب المصطلح من القضايا مسلمة لدى المحدثين النقاد.
من خلال قراءة منهجية لكتب المتقدمين والمتأخرين في مجال الحديث وعلومه تتبين الأمور الآتية:
1 - أن المتأخرين أبدعوا في حفظ كتب المتقدمين ودواوينهم، وحمايتها من جميع أنواع التحريف والتصحيف والانتحال، وأما المتقدمون فانصبت عنايتهم على رواية الحديث، وأبدع نقادهم في جانب النقد وكشف أخطاء الرواة وأوهامهم. وأن الجميع قاموا بحفظ السنة والذب عنها، كل حسب مستجدات عصره.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 12)
2 - ظهرت بعض المصطلحات في عصر المتأخرين، وتغيرت معاني بعضها. وعليه فلا ينبغي الخلط بين المناهج، بل لا بد من حمل كل مصطلح على منهج قائله.
3 - أسفرت جهود المتأخرين عن ظهور منهج علمي رائع في تحقيق المخطوطات وضبطها وتصحيحها، كما أسفرت جهود المتقدمين عن منهج علمي عظيم في نقد المرويات. ونحن في هذه المرحلة الزمنية بحاجة ملحة إلى معرفة هذين المنهجين.
أما ما تعاني منه الساحة العلمية اليوم من عدم الانضباط بقواعد المحدثين النقاد في النقد، وقواعد المتأخرين في تحقيق التراث فسببه الرئيس الخلط بين جهود هؤلاء الأئمة، واعتبار المتأخرين مصادر أصيلة فيما أبدع فيه المتقدمون، وحمل نصوص بعضهم ومصطلحاته على ما قصده غيره، وإذا أردنا خدمة السنة النبوية وعلومها فإنه لا ينبغي أن نضيع الأوقات في الاهتمام بالسطحيات والشكليات التي لا تزيدنا إلا بعدا عن الحقيقة وتعقيدا في المنهج وغموضا في الفهم، بل يجب علينا التباحث حول حقيقة أسباب الخلل والتقصير، ولذا أقترح ما يأتي (والله تعالى الموفق) :
الحل المقترح:
إن كان بحثي مرتكزا على بيان الخلط بين مناهج مختلفة ومصادر أصيلة ومساعدة في فهم مصطلحات الحديث وقواعد علوم الحديث لكونه من أهم أسباب وقوع الخلل في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، فإني لا أقتصر هنا على ذكر ما يتصل بذلك فحسب بل أقترح ما يكون حلا شاملا.
وإذ أشكر السابقين والمعاصرين، وأقدر جهودهم في سبل تسهيل علوم الحديث على الطلبة المبتدئين، دون استثناء أحد منهم، فإني لا أعتقد أن هذه المجهودات كانت متكاملة وصالحة في كل الأعراف العلمية التي تتغير وتتطور بتغير الزمن، لذلك أقترح ما يأتي، دون أن أقصد بذلك طعنا ولا تقليلا من شأنهم.
وفيما يأتي ذكر المواصفات التي ينبغي أن يتضمنها الكتاب المقرر في علوم الحديث.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 13)
أولا: وضع تمهيد أو مدخل لتوعية الطلاب بأهمية التعرف على مصادر علوم الحديث الأصيلة وتمييزها عن المصادر المساعدة لها، وضرورة اعتماد الأصيل عند الاختلاف. بهذا نتجنب منهج التبرير الذي كثيرا ما يأتي استجابة للأهواء، وهو بالتأكيد منهج لا يتناسب مع البحث العلمي في العلوم الإسلامية.
ثانيا: ترتيب المصطلحات حسب وحداتها الموضوعية.
ثالثا: استخدام الأمثلة الواقعية لشرح مواضيع علوم الحديث ومصطلحاتها.
رابعا: ضرورة العمل على ربط منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف والجرح والتعديل بمبادئ مصطلح الحديث.
خامسا: التركيز على بلورة منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل كما ينبغي التركيز على عنايتهم بالجوانب الفقهية.
بهذا نستطيع الاستفادة مما تركه لنا الأئمة المتقدمون والمتأخرون؛ نستفيد من المتقدمين منهجهم في نقد المنقولات، ومن المتأخرين منهجهم في تحقيق التراث.
وتفاصيل هذه النقاط كالآتي:
أما النقطة الأولى فينبغي التركيز على توعية الطلاب بأهمية التعرف على المصادر الأصيلة التي انبثقت منها قواعد علوم الحديث، والمصادر المساعدة الفرعية التي يتمثل دورها في جمع ما تناثر في المصادر الأصيلة، إلى جانب نصوص الفقهاء وعلماء الأصول، لا سيما في مباحث الجرح والتعديل وطرق التحمل والأداء، وذلك ليتم الترجيح بالرجوع إلى المصدر الأصيل حين وقوع خلاف أو غموض أو شبهة حول مصطلح من المصطلحات.
إن كانت هذه النقطة قد تفهم من بعض كتب المصطلح بعد دراسة مقارنة وقراءة تحليلية، بعيدا عن القراءة العاطفية والتقديسية، فإن المؤلفين المعاصرين لم يولوها اهتماما ولم يتطرقوا إلى إبرازها من خلال وضع عنوان مستقل لها، بل كان أسلوبهم في كتب المصطلح يخلط بين مصادرها الأصيلة والمساعدة، لذا نرى بعض الباحثين في معرض الرد على النقاد الذين يعدون مصادر أصيلة في علوم الحديث يقول:
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 14)
((زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح)) .
يقول باحث آخر: ((لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة وحتى الإمام البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، وإني بحمد الله طبقت منهج المحدثين)) يقصد بالمنهج الذي طبقه هو ما تقرر في كتب المصطلح.
أما النقطة الثانية - وهي ترتيب المصطلحات حسب وحداتها الموضوعية - فيمكن توزيع أنواع علوم الحديث جميعها تحت أربع وحدات موضوعية رئيسة، وهي كما يلي:
1- علم الرواية.
2- قواعد التصحيح والتعليل.
3- علم الجرح والتعديل.
4- فقه الحديث.
فبتنسيق أنواع علوم الحديث على هذا النمط، من غير تفريق بين المصطلحات التي تشترك في المعنى والحكم، أو ذكر بعضها في موضع، وآخر في موضع قد يكونان متباعدين، كما هو الحال في كتب المصطلح عموما، فإن كثيرا من العقد والشبه التي تكتنف هذا العلم تتبدد تلقائيا، ويصبح منهج المحدثين في نقد الأحاديث واضح المعالم لدى الجميع.
الوحدة الأولى:
تحوي هذه الوحدة ـ وهي علم الرواية ـ المسائل التالية:
معرفة آداب المحدث، ومعرفة آداب طالب الحديث، وطرق تحمل الحديث، وكتابة الحديث، وضبط الكتاب، ورواية الحديث وشروطها، ومعرفة علو الإسناد ونزوله. مع لفت الانتباه إلى ما استحدث فيها في عصر ما بعد الرواية من مصطلح وحكم.
وتحتل هذه الوحدة مكانة رفيعة عند المحدثين وغيرهم من أهل العلم، وذلك لأن نظمهم في التعليم قائمة على مراعاة أنواعها، وظهور التأليف مبكرا ومستقلا في هذه الوحدة من وحدات علوم الحديث - مثل كتاب الرامهرمزي (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) - دليل واضح على مدى اهتمامهم بهذا الجانب التربوي.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 15)