Arabic source text

📘 নাদওয়াতু উলূমিল হাদীস উলূমুউ ওয়া আফাক (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (مجموعة من المؤلفين)

📘 নাদওয়াতু উলূমিল হাদীস উলূমুউ ওয়া আফাক (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وإن كان كثير من مواضيع هذه الوحدة ـ مثل طرق التحمل والأداء وكتابة الحديث وضبط الكتاب ومعرفة علو الإسناد ونزوله ـ يغلب عليها الجانب التاريخي، ولا يوجد في دراستها اليوم كبير فائدة إذا نظرنا في مدى إمكانية تطبيقها في نظمنا في التعليم، لكنها تلقي أضواء كاشفة على كثير من الحيثيات التي يعتمد عليها نقاد الحديث في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، ومن هذه الجهة تظهر الأهمية الكبيرة في دراستها االيوم ضمن مادة علوم الحديث.
الوحدة الثانية:
تحوي هذه الوحدة ـ وهي قواعد التصحيح والتضعيف ـ الأنواع الآتية:
الصحيح، والحسن، والضعيف، والمدلَّس، والمرسل، والمنقطع، والمعلق، والمعضل، وزيادة الثقة، والعلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع.
إذا نظرنا في منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل، القائم أساسا على مدى موافقة الراوي للواقع ومخالفته له وتفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل، بعبارة أخرى: على مدى خلو الحديث من شذوذ وعلة (1) وجدنا هذه الأنواع تنقسم إلى ثلاثة موضوعات على الشكل الآتي:
1 ـ الحديث الذي ثبتت صحته.
2 ـ الحديث الذي ثبت خطؤه.
3 ـ الحديث الذي لم يثبت فيه هذا ولا ذاك.
وفيما يلي بيان ذلك:
أما الموضوع الأول فيطلق عليه عادة مصطلح ((صحيح)) ، وقد يطلق عليه مصطلح ((حسن)) (2) ، بينما يصطلح عليه بعضهم كلمة ((حسن صحيح)) .--------------------------------------------
(1) من الجدير بالذكر أن كتب المصطلح عموما تعتمد في تقسيم الحديث ثلاثيا على أحوال الرواة، وإن كان هذا الأمر واقعيا في بعض الأحوال فإنه لا يمكن اعتباره أمرا مطردا، لذا يتعين لفت انتباه الطلبة إلى ذلك.
(2) يقول الحافظ الذهبي: إنهم قد يقولون فيما صح: هذا حديث حسن. وانظر كتاب (نظرات جديدة) ص: (23 - 26) للباحث، ففيه أمثلة تطبيقية من نصوص النقاد.

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 16)

وأما الموضوع الثاني فيطلق عليه: (ضعيف) ، (معلول) ، (شاذ) ، (منكر) ، (مقلوب) ، (مدرج) ، (مصحف) ، (مضطرب) ، (موضوع) . وإلى جانبها ألفاظ صريحة يستعملها النقاد كثيرا؛ وهي:
(حديث غريب) ، (غير محفوظ) ، (باطل) ، (وهم) ، (خطأ) (تفرد به فلان) ، (لا يشبه حديث فلان) (لا يجيء) وغيرها من العبارات الصريحة التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وغيرها.
والموضوع الثالث يقال فيه: (ضعيف (1) ، (مرسل) ، (مدلس) ، (منقطع) ، (معضل) ، (معلق) وإذا تقوى نوع من هذه الأنواع بعواضد بالشروط التي سيأتي ذكرها، ولم يصل إلى حد شعور الناقد بأنه ثابت، يقال: (حسن) ، (جيد) ، (لا بأس به) ، وقد يطلق عليه أيضا (صحيح) تجوُّزا، ولا يريد به الموضوع الأول (2) .
وجه تقسيم هذه الأنواع تقسيما ثلاثيا:
لقد قسمنا هذه المصطلحات على ثلاثة أقسام - كما رأيت آنفا -، وذلك حسب شعور النقاد تجاه الحديث. وإلا ففي الواقع لا ينقسم الحديث سوى قسمين:
صحيح وخطأ.
لكن لن يكون بمقدور الناقد أن يعرف دوما ماذا في الواقع، خطأ أو صواب، لأنه قد لا يتوافر لديه من المعلومات ما يساعده على معرفة ذلك؛ فإذا علم الناقد صحة الحديث يعبر عن ذلك بما يدل عليه من الألفاظ، وإذا علم خطأه يعبر عنه بما يدل عليه من العبارات، وإذا لم يعلم هذا ولا ذاك فتعبيره عن ذلك يكون بقدر شعوره تجاه الحديث.
وعليه فإن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى شعور الناقد، وأما في واقع الأمر فلا يكون له إلا قسمان: خطأ، وصواب.--------------------------------------------
(1) مصطلح (ضعيف) يطلق على كل أنواع الضعيف.
(2) سبق شرح هذا الموضوع بالأمثلة في كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث) للباحث، ومما ينبغي لفت النظر إليه أن فهم ذلك التفاوت بين المصطلحات، ومقصود الناقد بها يتوقف بقدر كبير على خبرة واسعة، ودراية بمنهجهم، وفقه مناسبة استعمالهم لها، ولا يصلح في ذلك اعتماد كتب المصطلح اعتمادا كليا، فإنها تذكر لك من المعاني ما هو الأغلب استعمالا.

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 17)

وإذا رجعنا إلى أنفسنا نجد هذا التقسيم واقعيا، إذ الخبر الذي نسمعه لا يكون في الواقع إلا صوابا، أو خطأ، لكن ليس بمقدورنا أن نعرف هذا الواقع دائما، وبالتالي ينقسم هذا الخبر بالنسبة إلى شعور المخاطب إلى تلك الأقسام الثلاثة؛ لأنه قد يعرف أن الخبر صواب، أو أنه خطأ، أو لا يعرف شيئا، وإن كان يتنوع ما يعبر به المخاطب عما يجول في خلده تجاه الخبر الذي سمعه، بيد أنه لا يخرج عن قسم من هذه الأقسام.
وإذا كان الموضوع الأول يضم جميع المسائل المتعلقة بمعرفة صحة الحديث وثبوته، فإن الموضوع الثاني باعتباره مقابل الأول يشمل جميع الأنواع التي تكون لها صلة بمعرفة الخطأ في الحديث ـ سواء أكان الراوي متعمدا في خطئه أم غير متعمد ـ والأنواع هي:
العلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع. غير أن نوع (الموضوع) يجب أن يذكر في باب خاص، لكون راويه كذابا ووضاعا. ويلحق به ما رواه المتروك بسبب فسقه، لأنه مثل الوضاع في عدم جواز الرواية عنه.
ومن الجدير بالذكر أن مصطلح (العلة) أو (المعلول) يشكل موضوعا عاما يندرج تحته بقية الأنواع المذكورة، وليس نوعا قسيما، وهي: الشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب.
وأما الموضوع الثالث فيمثل درجة متوسطة بين هذين الموضوعين، وعريضة، إذ يجذبها أحيانا أحد الطرفين: الصحيح أو المعلول، بقدر ما تتوافر في الحديث من العواضد الخارجية، غير أنه لا يرتقي إلى الصحيح، كما لا ينزل إلى الضعيف الذي تبين خطؤه. ومن هنا قد يكون موقف النقاد تجاه الحديث الذي يندرج تحت هذا النوع مضطربا، كما اضطرب المتأخرون في تحديد معنى مصطلح (الحسن) الذي يكون أساسه هذه الدرجة المتوسطة.
والعنوان الذي يطابق هذا الموضوع هو» الضعيف المنجبر «، ويشمل الأنواع التالية:

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 18)

المرسل، والمعلق، والمدلس، والمنقطع، والمعضل، وما رواه الضعيف غير المتروك بشرط أن لا يظهر للناقد ما يدل على صحته ولا خطئه، وأما إذا تقوى نوع من هذه الأنواع بالوجوه التي سيأتي تفصيلها فيقال عنه (حسن) وتستعمل فيه ألفاظ أخرى، مثل (جيد) و (لا بأس به) و (صالح) و (مقبول) .
وبقي لنا تصنيف مسألة زيادة الثقة، فإن زيادة الثقة من حيث كونها مسألة لا تشكل نوعا خاصا مستقلا عن مسائل الصحيح والحسن والمعلول، ولا خارجة من حدودها؛ إما أن تكون صحيحة، أو حسنة، أو معلولة، ويكون كل ذلك تبعا لدلالة القرائن المحتفة بها. وأما من حيث كونها كلمة اصطلاحية فتظل نوعا يحتاج إلى تعريف، ولتوضيح ذلك سنخصص لها فصلا خاصا.
الوحدة الثالثة:
تضم الوحدة الثالثة ـ وهي علم الجرح والتعديل ـ ما يلي:
رواة الحديث، وطبقاتهم، والصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، وشروط قبول الرواية: العدالة، والضبط، وما يختل به كل من العدالة والضبط، والبدعة وأثرها في العدالة، والجهالة، وأثرها في رد الحديث، والكذب، وأثره في العدالة، وصيغ الجرح والتعديل، وتعارض الجرح والتعديل، وأسباب ذلك، وعلماء الجرح والتعديل، ومصادر هذا العلم.
وتجدر الإشارة إلى أن علم الجرح والتعديل من أهم النتائج التي تمخض عنها جهد المحدثين في نقد الأحاديث، تصحيحا وتعليلا.
الوحدة الرابعة:
تضم الوحدة الرابعة ما يلي:
معرفة الناسخ والمنسوخ في الحديث، ومشكل الحديث ومحكمه، وغريب الحديث، ومعرفة مناسبة الحديث وأسباب وروده.
وهذه المسائل التي طبقها المحدثون لمعرفة فقه الحديث ينبغي أن ندمجها في مفردات علوم الحديث، حتى يترسخ في ذهن الطالب مدى اهتمام المحدثين النقاد بالجوانب الفقهية للأحاديث، وهي التي تطورت فيما بعد حتى استقلت بعلم أصول الفقه.

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 19)

وأما النقطة الثالثة - وهي استخدام الأمثلة الواقعية لشرح مواضيع علوم الحديث ومصطلحاتها - فأنقل هنا من كتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد) نموذجا لذلك، وهو ((الحديث الصحيح)) .
قبل شرح هذا الموضوع يكون من الأفضل أن يتأمل القارئ في أسلوبه الشخصي في معالجة الخبر الذي يسمعه، سواء أكان ذلك عبر وسائل الإعلام، أم عن طريق فردي، وذلك ليتضح ما يلي:
* معنى الصحيح عموما.
* طريقته في معرفة صحة الخبر الذي يعالجه، أو خطئه.
* حاجة ذلك إلى خلفية علمية، أو تخصص علمي في موضوع ذلك الخبر، أو في ملابساته.
وأما الشخص الجاهل فلا يكون من عادته إلا تقليد من ينقل إليه الخبر، وبالتالي يكون بعيدا عن معرفة صوابه وخطئه، واعتداله في ذلك.
كما لا ينسى القارئ أن يطرح أسئلة على نفسه:
* هل يصدق أحدنا الأخبار كلها دائما؟
* هل يكذبها دائما؟
* ألا يُكذب حينا، ويُصدق حينا آخر، أو لا يعلم هذا ولا ذاك حينا ثالثا؟
* وما معيار ذلك إذن؟
* ألا يكون معيار ذلك هو: اعتماده على مدى:
أ - موافقة الخبر للواقع الذي يعرفه أو يعرف ملابساته.
ب - أو مخالفته له.
ج - أو التفرد بما له أصل، أو بما ليس له أصل.
د - أو اعتماد الحالة العامة لذلك الرجل الناقل، إذا لم يتبين له شيء من ملابسات ذلك الخبر؟
* ألا تعتقد جازما أن الذي يكون بمقدوره معرفة صحة الخبر وخطئه هو من لديه خلفية علمية حول موضوع الخبر أو ملابساته؟ أما غيره فليس له ناقة في ذلك ولا جمل؟.
* ألا يمكن أن نقتنع بعد هذا التأمل بأن التصحيح لم يكن تابعا لأحوال الناقلين فقط؟.
وفي ضوء ذلك نشرح معنى قولهم (حديث صحيح) فنقول:
إذا تبين للناقد أنه تم نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، من غير خطأ ولا وهم، فإنه يعبر عنه غالبا بأنه (صحيح) ، وقد يعبر عنه بأنه (حسن) ، بينما يستعمل الإمام الترمذي في ذلك لفظة (حسن صحيح) .

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 20)

وبقدر ما يتوافر لدى الناقد من القرائن يتقوى شعوره، حتى يصل إلى العلم بأن الحديث ثابت عن مصدره، وأنه تم نقله عنه عبر رواته من غير وهم ولا خطأ، مع كونه من خبر الآحاد، ولا يتوقف الجزم بذلك أبدا على تواتره، كما هو الشائع لدى كثير من المثقفين الذين ينظرون في الحديث من زاوية ثقافتهم، دون احترام أهله من النقاد القدامى، ودون اعتبار شعورهم تجاه الحديث.
وبما أن هذا الأمر من علم الخاصة؛ فإنه لا يمكن أن يكون للجميع شعور النقاد وإحساسهم تجاه الحديث ومدى إفادته اليقين والعلم، ولذا يتعين على غيرهم التسليم بذلك، سواء أفاد ذلك عنده الظن أم لا.
وأما النقطة الرابعة - وهي ضرورة العمل على ربط منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، والجرح والتعديل، بتعريف مصطلح الحديث ومبادئه - ففي غاية الأهمية، لأنها تساعد الطلبة على استيعاب علوم الحديث واستقامة التعامل مع مصطلحات القوم؛ إذ الهدف من دراسة علوم الحديث هو معرفة منهج المحدثين في التصحيح والتعليل من خلال فهم مصطلحاتهم ومعانيها التي اطلقوها عليها، حتى لا تحمل على غير محملها.
وهناك أمثلة كثيرة من المصطلحات، قد يتخيل إلى دارسها أن معانيها عند النقاد مقيدة بما ورد في التعريفات، ومن خلال دراسات مستقلة قام بها بعض طلاب الدراسات العليا حول أهم المصطلحات، كالمنكر، والشاذ، والحسن، والصحيح، والمضطرب، والمجهول، والثقة، والصدوق تبين خلاف ذلك.
ونذكر هنا مثالا واحدا؛ إذا كان مصطلح (المنكر) استقر معناه في كتب المصطلح، واشتهر تعريفه بمخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، أو بتفرد الضعيف، لكن النقاد أطلقوه على ما رواه الثقة والصدوق والضعيف والواهي إذا خالف الراجح، أو تفرد بما ليس له أصل، دون أن يتقيدوا بمرويات الضعفاء، وعلى الرغم من وضوح ذلك فكثير من الباحثين اليوم لا يزالون متقيدين بما استقر في كتب المصطلح، ويحملون عليه كلام النقاد.

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 21)

لذلك فإن العمل على ربط المصطلحات وتعريفاتها بمنهج النقاد في استخدامها أمر في غاية الأهمية، وإلا بقى الطالب على تخبطه وخلطه وخروجه عن المنهج السليم.
وأما النقطة الخامسة - وهي التركيز على بلورة منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل كما ينبغي التركيز على عنايتهم بالجوانب الفقهية - فإنها تساعد الطلبة على تصحيح المواقف تجاه المحدثين النقاد، واحترام آرائهم في الحديث وفقهه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 22)

ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (مجموعة من المؤلفين)القسم: علوم الحديث
الكتاب: ندوة علوم الحديث علوم وآفاق
المؤلف: بحوث لمجموعة من المؤلفين
[الكتاب مرقم آليا]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)

‌‌علوم الحديث بين المتقدّمين والمتأخرين

د. عبد العزيز صغير دخان
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لا يسعني في هذه العجالة من الوقت أن أفيَ الموضوع حقّه، ولكن عزائي أن أنال شرف المشاركة في استجلاء بعض جوانبه واستيضاح بعض مراتبه، مقدّما شكري الجزيل لمن كان سبباً في إقامة هذه الندوة العلمية المباركة، التي أرجو ـ كما يرجو الجميع ـ أن ترسي قواعد من العلم راسخة وتبني قلاعا من المعرفة شامخة وأن تكون فاتحة خير وسنّة حسنة يكتب الله لصاحبها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
لا يخفى على كلّ ذي لبّ وبصر وكلّ ملاحِظ ذي نظر أنّ الساحة العلمية اليوم تعيش حركةً كبيرةً في مجال التأليف والنشر، حيث نشهد يومياً ظهورَ الكتب المؤلّفة في شتى العلوم والفنون، ونشطت كثيرٌ من مراكز البحث في تحقيق المخطوطات، وخدمةِ تراث هذه الأمّة في جميع جوانبه، وتوفّرت لطالب العلم جميعُ مصادر البحث ومراجعه بسرعة كبيرة وبمشقّة أقلّ، وأحيانا بدون مشقّة أصلا، وهو الأمرُ الذي لم يكن علماؤنا السابقون يحلمون بجزء قليل منه.
ولكنّ هذا كلَّه لم يمنع ـ للأسف الشديد ـ من ظهور كثير من الأمراض والأعراض في طبيعة الإنتاج العلمي الحالي وفي طريقة التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وتراث السلف الصالح.
وقد كان لعلوم الحديث من هذا الأمر النصيبُ الأوفر والقدرُ الأكبر. فبقدر ما نرى من الجهود المبذولة في خدمة السنة وعلومها، نرى فوضى فكريةً في كيفية التعامل معها، وقصوراً واضحاً في فهم بعض جوانبها، وخلطاً في المناهج التي يجب أن تفهم من خلالها وفي إطارها.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 1)

وقد نتج عن ذلك كلِّه اضطرابٌ في مناهج المشتغلين بهذه العلوم، وتعدّى هذا الاضطراب حدودَه، وتجاوز قيوده، حتى شكّل في بعض الأحيان حلَبةً يحتدم فيها صراعٌ يكاد يذهب بأخلاق أهل العلم وما يجب أن يكونوا عليه من أدب وما تفرضه عليهم هذه الرحم ـ رحمُ العلم ـ من مودّة وتواضع ولينِ جانب وخفضِ جناح، بل إنّ بعضهم قد حمله ما نحسبه صدقاً وحرصاً على السنّة إلى سلّ سيف لسانه ـ بقسوة وشدّة ـ على من يقفون معه في خندق الدفاع عنها متهِماً إياهم بالابتداع والخروج على منهج السلف، وغيرِ ذلك من الاتهامات التي لا تخفى على من يعيش طرفاً من واقع هذه المناقشات والمساجلات التي نقرأها في الكتب أو نتصفّحها عبر مواقع الانترنت.

وإنّ مِنْ أهمّ الأسباب التي أوجبت هذا الأمرَ وأنتجت هذه المشكلةَ سببين اثنين:
الأوّل: وجود كثير من القضايا الخلافية داخل قواعد علوم الحديث، والتي لم يتمّ الحسم فيها إلى الآن، على غرار ما يقع في علوم الشريعة الأخرى، حيث ما تزال كثير من القضايا ترحّل من زمن إلى زمن، دون أن يُقضى فيها برأي فاصل أو إجماع قاطع، مما يترتب عليه حيرةُ والتباس عند طلاب العلم، الأمرُ الذي يزيد من صعوبة استيعابهم لهذه القواعد، من مثل الاختلاف في مباحث شروط قبول الرواية، ومباحث الجرح والتعديل وألفاظهما ومراتبهما، وغير ذلك من القضايا والمسائل، التي نراها ظاهرة في أغلب مباحث علوم الحديث.
الثاني: اختلاف المنهج بين المتقدّمين والمتأخرين في مجموعة غير قليلة من قواعد علوم الحديث، الأمرُ الذي يترتّب على عدم مراعاته الخلطُ بين المنهجين، ومن ثمّ اختلافُ الآثار والأحكام المترتّبة على تطبيق أحد المنهجين أو محاكمة أحدهما إلى الآخر.
ولا أظنني أبعدتُ النَّجعةَ إذا قلت إنّ السبب الأولَ الذي ذكرته يعتبر نتيجةً لهذا السبب الثاني، فكثير من قضايا علوم الحديث كان يمكن الحسم فيها، لو تمّ مراعاة الفرق بين المنهجين.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 2)

إنّ كلّ من يتعمّق في دراسة كتب الحديث اليوم تنشأ في نفسه أسئلةٌ كثيرة قد يملك الشجاعةَ أحيانا فيحدّثُ بها بعض أقرانه، وقد يطوي في كثير من الأحيان عليها قلبَه وعقلَه ويسكتُ رضا بالواقع، وخوفاً مما قد يجرّه عليه ذلك من ألسنة حادة، أو لا يجدُ في نفسه القدرةَ للاستمرار في ذلك البحث والتنقيب.
وبالرّغم من أنّ هذه الأسئلةَ والإشاراتِ ليست جديدةً، حيث ورد بعضُها أو كثيرٌ منها في كتب علماء الحديث المحققين كابن حجر والصنعاني والمُعَلِّمي وغيرِهم، إلاّ أنّ استمرار التدريس بمنهجية محددة من خلال كتب محددة، لم يسمح لهذه الأسئلة أن تبرز وتتبلور في أذهان الكثير من العلماء وطلاب العلم.
ولعلّ ما يحاوله بعضُ إخواننا اليوم من التفكير بصوت مرتفع في هذه المسألة ـ من خلال التأليف أو الكتابة في المجلات المتخصصة ـ هو البداية الصحيحة على هذا الطريق الطويل. وإذا حَسُن الظنُّ بين أهل هذا العلم وأصغى كلّ واحد منا للآخر دون استباقٍ إلى استصدار الأحكام، فسيكون لهذا النقاش أثرٌ كبيرٌ في تجديد وتطوير هذا العلم وإجابةٌ على كثير من الأسئلة التي تدور في رؤوس العلماء وطلاب العلم على حدّ سواء.
ولتجلية هذا الأمر وتوضيحه يحسن بنا أن نوضح أمرين اثنين يشكلّ مجموعهما صلبَ هذا الموضوع، وهما:
1 ـ ما المراد بالمتقدّمين والمتأخرين؟
2 ـ ما هي الملامح العامة التي يمكن ملاحظتُها للتمييز بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، وذكر بعض الأمثلة التي يظهر فيها هذا الاختلاف بين المنهجين؟

المتقدّمون والمتأخرون:

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 3)

المتقدّمون في اصطلاح علماء الحديث هم الذين عاشوا القرنَ الثالث وجزءاً من القرن الرابع الهجري، وبالرّغم من أنّ الإمام الذهبي حدَّ عصرَهم برأس القرن الثالث (1) ، إلاّ أنّه يمكن أن يكون الحدّ بعدَ ذلك، على اعتبار أنّه لا يمكن وضعُ حدٍّ حقيقي لذلك، ولكن يمكن أن يقال إنّ القرن الرابع جمع في سنواته الأولى بين المتقدّمين والمتأخرين، وكلّما اقتربنا من نهاية القرن الرابع بدأ هؤلاء الأعلام من المتقدّمين في الانقراض. وممّا يدلّ على ذلك أنّ الإمام الذهبي نفسَه أدرج الإسماعيليَ صاحبَ المستخرج على صحيح البخاري، المتوفى سنة 371هـ ضمن المتقدّمين، فقال: ((صنف (يعني الإسماعيلي) مسندَ عمر رضي الله عنه، طالعته وعلقت منه وانبهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا المتقدمين)) (2) .
ويكفي أن نحدّد بعضَ أسماء هؤلاء المتقدّمين لنعرف جميعا عن أيّ فحول وجهابذة نتكلّم، وعن أي جبال وعمالقة نتحدّث، إنّهم أمثال شعبةَ ويحيى بنِ سعيد القطان وابنِ مهدي وأحمدَ وابنِ المديني وابنِ معين وابنِ راهويَة والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والخليلي والبيهقي وغيرهم من الجبال الذين حفظ الله بهم السنّة وأعزّ بهم الدين وقمع بهم المنتحلين والمبطلين والغالين.
وأمّا المتأخرون فهم الذين جاؤوا بعد ذلك، أي عندما استقرّت كثير من العلوم في الكتب، وآل الأمرُ إلى الاعتماد عليها، وانتهى عصرُ الرواية، ويمكن أن نذكر منهم: القاضي عياضا، وابنَ تيمية، وابنَ كثير، وعبد الغني، والذهبيَّ، وابنَ الصلاح، وابنَ الحاجب، والنوويَ، وابنَ عبد الهادي، وابنَ القطان الفاسي، وضياءَ الدين المقدسي، وزكيَ الدين المنذري، وشرفَ الدين الدمياطي، وتقيَ الدين السبكي، وابنَ دقيق العيد، والمزي، ثم من جاء بعدهم.
الملامح العامة للمنهجين:--------------------------------------------
(1) ميزان الاعتدال، الذهبي، 1/4.
(2) تذكرة الحفاظ، الذهبي، 849.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 4)

قبل أن أتكلّم عن الملامح العامّة للاختلاف بين المنهجين أوّد أن أشير إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ اختلاف المناهج بين المتقدّمين والمتأخرين ليس أمراً خاصا بعلوم الحديث، بل يوجد نظيره في أغلب علوم الشريعة واللغة. أعني ما كان عليه المتقدمون في جميع فنون العلم والمعرفة مقارنة بما استقرّ عليه الأمر عند المتأخرين.
فإنّ البلاغة مثلا عند المتقدمين اختلفت قواعدها عما استقر عليه منهج المتأخرين. هذا ما قال به أهل الاختصاص في هذا الشأن.
إنّ الذي يكاد يجمع عليه الدارسون لعلوم اللغة العربية وفروعها أنّ الدراسات اللغوية الحديثة تختلف اختلافاً بيّناً عن الدراسات اللغوية القديمة في طرائقها ومناهجها وأساليبها في تناول الظواهر اللغوية بالدرس والتحليل.
فبينما كان الأوّلون يجمعون في دراساتهم التأصيلية للغة، وكتاباتهم اللغوية بين الأصول النظرية وتطبيقاتها العملية، نجد أنّ المتأخرين منهم اكتفوا بالجانب التنظيري التقنيني ـ إذا صحّ هذا التعبير ـ وبذلك جاءت كتاباتهم ورسائلهم جافّة، تقنّن للعلم ولاتعلّمه، تنظّر له ولا تغرس حبّه في النفوس.
ولمزيد من الإيضاح نمثّل لذلك بالدرس البلاغي.
فلا يختلف اثنان على أنّ كتب وكتابات البلاغيين المتقدّمين أمثال الجاحظ وقدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري وابن رشيق القيرواني وابن سنان الخفاجي وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري في التأصيل للبلاغة العربية وفنونها تسمو إلى العلياء وتناطح الجوزاء شكلا ومضمونا، وهي تختلف اختلافا كبيرا عن كتابات المتأخرين أمثال فخر الدين الرازي وأبي يعقوب السكاكي والخطيب القزويني ومن جاء بعدهم.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 5)

ومظهر الاختلاف بين المنهجين أنّ كتابات المتقدمين عموما تتسم بالأصالة وجدّة الابتكار وجزالة الألفاظ وقوة العبارات ومتانة السبك وروعة التحليل البياني للظواهر البلاغية. وبعبارة أخرى: كتاباتهم اللغوية الأدبية تعكس المعاني البلاغية التي يسعون إلى التأصيل لها وتعليمها.
بينما غلب على كتابات المتأخرين جانب التقنين والتنظير والتفريع والتفريق بين الأشباه والنظائر، وطغت عليها المصطلحات المستخلصة من كلام السابقين، دونما اهتمام كبير بأصول البلاغة العربية وفنونها في كتاباتهم، فاكتنفها الجمود وأحاط بها الإلغاز، وصارت أشبه ببعض متون الفقه المختصرة يحتاج قارئها إلى مزيد من الشروح والحواشي لفكّ رموزها وإزالة غموضها.
ولا أدلَّ على ذلك من كتابَيْ: نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز لفخر الدين الرازي، ومفتاح العلوم لأبي يعقوب السكاكي.
وفي هذا المعنى يقول الدكتور عبد العزيز عتيق الذي أرّخ للبلاغة العربية عبر أطوار نشأتها: ((والسكاكي يجيء وسطاً بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل وأمثاله من البلغاء العاملين، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا بالبلاغة مسلك العلوم النظرية، وفسّروا اصطلاحاتها كما يفسّرون المفردات اللغوية، ثمّ تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البلاغة أشبه بالمعميات والألغاز)) (1) .
ويقول في موضع آخر، متحدّثا عن جفاف الفنّ البلاغي وعكوفه على المصطلحات المستحدثة لدى السكاكي: ((وهو في سبيل استنباط القواعد والقوانين قد استخدم المنطق بأصوله وألفاظه وأسلوبه الجاف الذي لا يحوي أيَّ جمال. ولا عجب في ذلك، فقد كان همّه أن يقنّن البلاغة ويقعّدها كسائر العلوم الأخرى، وهذا أمر يستعان عليه بالمنطق)) (2) .--------------------------------------------
(1) تاريخ البلاغة العربية، عبد العزيز عتيق، ص 272.
(2) المصدر السابق.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 6)

هذه صورة من قضية اختلاف المناهج بين المتقدّمين والمتأخرين في جانب آخر من جوانب الدراسات الشرعية واللغوية ذكرته للتأكيد على أنّ هذه المسألة عامّة، وهي واضحة جلية، ولم أرد الاستيعاب أو التفصيل.
ونعود إلى النقطة الأساسية وهي بيان الملامح العامة التي تميّز كلاّ من منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين.
بالنسبة للمتقدّمين نستطيع أن نحدّد الملامح العامة لمنهجهم فيما يأتي:
1 ـ النظر الدقيق والتفتيش العميق في أحوال الرواة، وقد ساعدهم على ذلك أمران اثنان:
الأمر الأول: قربهم الزمني من الرواة، حيث لم تكن الأسانيد قد طالت كثيرا كما حدث فيما بعد، مما جعلهم يشهدون شهادة حاضر يرى ويسمع.
وأسوق هذه القصة لبيان قيمة كلام المتقدمين في الرجال:
ذكر الإمام المشهور بقي بن مخلد الأندلسي (201هـ ـ 276هـ) أنّه قدم بغداد من الأندلس في طلب العلم وملاقاة الرجال، فلما دخل بغداد مال إلى المسجد الجامع بها، فإذا هو بيحيى بن معين، جالسا في حلقة من العلم يتكلم في الرجال جرحا وتعديلا، قال: ((فسألته عن بعض من لقيت من أهل الحديث، فبعضا زكى، وبعضا جرّح. فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار ـ شيخ البخاري ـ، وكنت قد أكثرت من الأخذ منه، فقال: أبو الوليد هشام بن عمار: صاحب صلاة، دمشقي، ثقة وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر أو تقلّد كبرا ما ضرّه شيئا لخيره وفضله)) (1) .
فانظر إلى قيمة هذه الشهادة وهذه التزكية، التي تصدر من رجل يعيش مع الرواة ويلاحظ أحوالهم ويعرف كثيرا من أمورهم التي لا يطلع عليها إلا المعاصر، أين هذا ممن يأتي بعد ذلك، فيجتهد في الحكم على الرواة من خلال الأقوال والنقول التي ينقلها من كتب العلماء أو يجتهد في تفسيرها وتأويلها.
الأمر الثاني: الحفظ الوافر والفهم العميق والإحاطة الشاملة التي فاقت كلّ وصف، وكانت مضرب الأمثال.--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء، 13/292.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 7)

لقد قالوا عن شعبة: إنّه لو جمع له الرواة كلّهم على صعيد واحد لسمّى كلَّ راو باسمه واسم أبيه ونسبته وما فيه من جرح أو تعديل على وجه الاستيعاب والتفصيل. فكيف يتأتّى ويتسنّى لمن يأتي بعدهم بسنين أو قرون أن يستدرك عليهم في أمر يحتاج إليهم في نقل تفاصيله؟
2 ـ المقارنة وإمعان النظر ودقّة ملاحظة الأسانيد لتحديد موضع العلّة القادحة وتمييز صحيح الروايات من سقيمها، وتبيّن صدق الراوي من كذبه.
انظر إلى هذه القصة العجيبة لتتبيّن عظمة هؤلاء القوم ومبلغ حرصهم وشدّة ملاحظاتهم ودقّة أنظارهم وكيف أنّهم لم يكونوا يكتفون من الراوي بأحواله الظاهرة:
قال أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي: كنا نختلف إلى إبراهيم بن نصر: ابن أبي الليث سنة ست عشرة ومئتين، أنا وأبي: أحمد ويحيى بن معين ومحمد بن نوح وأحمد بن حنبل، في غير مجلس، نسمع منه تفسير الأشجعي ـ عبيد الله بن عبيد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة: 234هـ ـ، فكان يقرأه علينا من صحيفة كبيرة.
فأوّل من فطن له ـ أي أنّه كذاب ـ أبي، فقال: يا أبا إسحاق، هذه الصحيفة كأنّها أصل الأشجعي؟ قال: نعم، كانت له نسختان فوهب لي نسخة، فسكت أبي.
فلما خرجنا من عنده قال لي أبي: أي بنيّ، ذهب عناؤنا إلى هذا الشيخ باطلا، الأشجعي كان رجلا فقيرا وكان يُوصَل، وقد رأيناه وسمعنا منه، من أين كان يمكنه أن يكون له نسختان؟! فلا تقل شيئا واسكت. فلم يزل أمره مستورا حتى حدّث بحديث أبي الزبير عن جابر في الرؤية، فكذّبه يحيى بن معين، فقال:» كذاب خبيث يسرق حديث الناس، لا حفظه الله)) (1) .
هذه خلاصة القصّة. والمقصود الذي ظهر بعد ذلك أنّ إبراهيم بن أبي الليث لم يسمع من الأشجعي وإنّما عمد إلى نسخته فاشتراها من ورثته، ثمّ صار يحدّث منها، فافتضح.
وأخبارهم في هذا مشهورة وحكاياتهم منشورة.--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد، 6/193.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 8)

3 ـ من أهمّ ما كان يميز منهج المتقدمين أنّهم لم يكونوا يلتزمون قاعدة مطّردة في الحكم على الراوي أو الرواية. بل لهم في ذلك نظرات وأحكام مختلفة لا تنسجم في معظمها مع قواعد المتأخرين، بل تقوم على اعتبار القرائن والأحوال، فلا يحكمون على راو بالتوثيق دائما، ولا على آخر بالضعف في كل الأحوال، وليس لهم قاعدة واحدة عند تعارض الوصل والإرسال، ولا عند تعارض الرفع والوقف، ولا عند حصول الزيادة في الحديث أو النقصان، سواء من الراوي الواحد أو منه ومن غيره، بل كلّ ذلك خاضع للقرائن، فقد يحكمون على زيادة ثقة بالردّ رغم أنّه ليس فيها مخالفة لما رواه غيره. وقد يحكمون عند تعارض الوصل والإرسال لمن وصل، أو لمن أرسل ولو كان ضعيفا إذا دلّت القرائن على صواب فعله.
ومن أجل ذلك كثر في منهجهم الانتقاء، يعمدون إلى حديث الراوي، فيأخذون منه ما غلب على ظنّهم أو ترجّح لديهم أنّه أصاب فيه ولم يخطئ، ويتركون من حديثه ما يرونه لم يضبطه، وهذا كثير في تصرفاتهم.
قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في تقرير هذه المسألة: ((وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه إنه لا يُتابَع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه)) (1) .--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي، 2/582.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 9)

ولذلك فإنّ الملاحظ أنّ أحكام المتقدمين على الرواة هي أحكام نسبية وليست مطلقة، يعني أنّه إذا قال شعبة بن الحجاج أو غيره في راو إنّه ثقة أو ضعيف فهو ليس حكما مطلقا يُوجِب قبولَ جميع مروياته أو ردَّها، بل يكون هذا الحكم خاصا بحالة معينة أو بشيخ معين أو ظرف خاص أو حديث بعينه، فيضعفون من حديثه ما يرونه أخطأ فيه ولو كان ثقة، ويصححون من حديث الضعيف ما يرونه قد ضبطه. ويبقى سائر حديثه خاضعا للنظر والتدقيق.
ولعلّ هذا يفسّر لنا بجلاء تعارضَ ألفاظ الجرح والتعديل عن الإمام الواحد، كيحيى بن معين مثلا، وكتابه (التاريخ) حافل بهذه الأمثلة.
ولذلك سلك المتأخرون في سبيل إزالة هذا التعارض مسالك عدّة، كان منها أنّ الإمام يقول ذلك بحسب طبيعة السؤال الذي وجّه إليه. فقد يكون السؤال عن الراوي مجردا، فيكون الجواب أنّه ثقة، أو أنّه ضعيف، ولكن إذا كان السؤال عن الراوي بالنسبة لمن هو أعلى منه درجة وأرفع منه منزلة وأوثق منه مرتبة فيكون الجواب أنّه ضعيف. أو يكون السؤال عنه بالنسبة لمن هو دونه في الدرجة فيكون الجواب أنّه ثقة، مع أنّه في حقيقة الأمر دون تلك المرتبة بكثير.
ومن الأمثلة على ذلك ما أورده عثمان بن سعيد الدارمي، فقد سأل يحيى بن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، فقال يحيى: ليس به بأس. فقال له عثمان: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ فقال يحيى: ((سعيد أوثق والعلاء ضعيف)) (1) . ولفظ (ليس به بأس) من ألفاظ التوثيق عند ابن معين، كما هو معروف.
قال الإمام اللكنوي بمناسبة كلامه على قول ابن معين في العلاء بن عبد الرحمن: ((وعليه يحمل ـ أي على هذا التأويل الذي ذكرناه سابقاـ أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل، ممّن وثّق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر)) (2) .--------------------------------------------
(1) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن أبي زكريا يحيى بن معين، ص173 ـ 174.
(2) ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني في مصطلح الحديث، ص 85.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 10)

أو يكون السؤال عما حدَّث به الراوي في بلد دون آخر، أو ما حدث به عن أهل بلد دون آخر، أو ما حدّث به عن بعض أشياخه دون غيرهم، أو ما حدّث به في وقت دون آخر، أو ما حدّث به من حفظه أو من كتابه، أو فَعَلَ خلال روايته وإسناده ما يبعث الشك في روايته كما لو جمع في الإسناد بين عدد من شيوخه، ففي كلّ هذه الحالات ونحوها يكون الجواب متعلّقا بحدود السؤال، ولذلك يختلف الجواب تبعا لذلك، ولا يكون الحكم عاما بالنسبة للراوي أو بالنسبة لجميع أحاديثه.
وهذه بعض الأمثلة على الحالات التي ذكرناها:
فمن الأولى: ما حدث به الراوي في بلد دون آخر: عبد الرحمن بن أبي الزناد.
قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يضعّف ما حدّث به عبد الرحمن بن أبي الزناد بالعراق، ويصحّح ما حدّث به بالمدينة.
ومن الثانية: ما حدث به عن أهل بلد دون آخر: إسماعيل بن عياش الحمصي.
قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ((ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم)) . وقال مضر بن محمد الأسدي: ((إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خَلَطَ ما شئت)) (1) .
ومن الثالثة: ما حدّث به عن بعض أشياخه دون غيرهم: جعفر بن بُرقان الكلابي مولاهم، أبو عبد الله، الجزري.
قال الإمام أحمد:)) يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عن الزهري فلا)) (2) .
ومن الرابعة: ما حدّث به في وقت دون آخر: ويتعلّق الأمر هنا بالرواة الذين خَلَّطوا في حديثهم، فكلّ راو له أحاديث سمعها قبل الاختلاط وأخرى بعد اختلاطه، وقد يعرف زمن الاختلاط وقد لا يعرف، فيميّز العلماء المحدّثون بين ما سمعه قبل الاختلاط وما سمعه بعد الاختلاط، فلا يروون عنه إلا ما ثبت عندهم أنّه سمعه قبل اختلاطه.--------------------------------------------
(1) تهذيب التهذيب، 1/282. ترجمة إسماعيل بن عياش.
(2) تهذيب الكمال، 5/17. ترجمة جعفر بن برقان.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 11)

ومن هذا ما قاله الإمام أحمد في شيخه الإمام عبد الرزاق الصنعاني الذي قطع المفاوز وفارق الديار وتحمّل المشاق من أجل السماع عنه في صنعاء اليمن، ولكنه مع ذلك لم يكن حاطبَ ليل في حديثه عنه، بل كان يميّز بين أحاديثه، ويغربلها، ويصدر فيها أحكامه الدقيقة. قال عنه بصدد الحديث عن قيمة أحاديثه في آخر عمره:)) عبد الرزاق لا يُعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يُلقّن أحاديث باطلة، وقد حدّث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو ينظر جاءوا بخلافها ((.
بل لقد حدّد الإمام أحمد سنة المائتين حدا للتمييز بين أحاديثه التي تقبل والتي لا تقبل، فمن سمع منه بعد المائتين فحديثه ضعيف.
ومن الخامسة: ما حدّث به من حفظه أو من كتابه: سويد بن سعيد الحَدَثاني.
قال أبو زرعة:)) أما كتبه فصحاح، كنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما إذا حدّث من حفظه فلا ((.
فانظر إلى هذه الدقة العجيبة من هؤلاء الأعلام. وهذه المسألة لا يمكن إدراكها إلا ممن يعيش مع الراوي ويتلقى عنه ويحدد الطريقة التي حدّث بها، هل كان ذلك من حفظه أو من كتابه، وهذا أمر لا يتيسّر أبدا للمتأخرين، فضلا عن أن ينال منه شيئا من جاء بعدهم بقرون وقرون.
ومن السادسة: أن يفعل خلال روايته وإسناده ما يبعث الشك في روايته: ومن ذلك ما ذكره أبو يعلى الخليلي، قال: ((ذاكرت يوما بعض الحفاظ فقلت: البخاري لم يُخَرِّج عن حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي بأحاديث ويجمع بين جماعة غيرهم؟. فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له (1) ((.--------------------------------------------
(1) الإرشاد، أبو يعلى الخليلي، 1/417.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 12)