2 - الأمرُ بكتابة السنة أمراً رسميًّا من قبل عمر بن عبد العزيز، وذلك في آخر القرن الهجري الأول أو أوّل الثاني، وائْتِمارُ التابعين لذلك، حتى كثر عدد التابعين الذين كتبوا السنة (1) .
لكن مدوّنات هذا العصر كانت غالباً بغرض أن تُعين على الحفظ في الصدور، ولذلك كان بعض التابعين يمحو ما يكتب أو يغسله بعد حفظه (2) . ولم يكتب للتخليد إلا القليل منهم مصنفاتٍ مختصرة: في التفسير، والسيرة، وبعض أبواب الأحكام (كالطلاق، والمناسك، والصلاة) (3) .
ويظهر من تلك المدوّنات استيلاءُ هاجس التفلّت على أصحابها، حتى كانت أبعد ما تكون عن العناية بحُسْن الترتيب والتبويب، ويختلط فيها المرفوع بالموقوف والمقطوع.
3 - زيادة ظاهرة الرحلة في طلب الحديث، لمواجهة واقعِ انتشارِ السنة في الآفاق (4) .
وفي ذلك يقول الشعبي عن مسروق:)) ما علمت أحداً من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق ((.
وقال مكحول الشامي:)) طُفْتُ الأرضَ في طلب العلم)) .
- وخطورةُ تحديث من لا يُؤْتَمَنُ على النقل، واجهوه بأمور، منها:
1 - التشديد في المطالبة بالإسناد.
وهنا تأتي عبارة ابن سيرين علماً لهذا العصر، عندما قال: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم)) (5) .--------------------------------------------
(1) أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات في الحديث النبوي) أكثر من (150) تابعيًّا ممّن دوّن، ومع كثرة هذا العدد، لكنه إنما هو شيءٌ يسيرٌ ممّا يمثِّلُ الواقع؛ فهو أوّلاً إحصاءٌ غير مستقصي، لأخبار لم يعتن العلماءُ بنقلها، فوصول هذا العدد إلينا يدلّ على ما وراءه.
(2) انظر: الجامع للخطيب (1/353) .
(3) انظر: دراسات في الحديث النبوي للأعظمي (1/148، 149، 151، 159 - 160، 196، 208، 213، 218) .
(4) انظر الرحلة في طلب الحديث للخطيب (رقم 45، 47 - 48، 49، 52، 53، 54، 57، 93، 94، 95، 97) .
(5) مقدّمة صحيح مسلم (1/14) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
2 - والمطالبة بالإسناد تعني ردَّ المراسيل، للجهل بحال المحذوف (1) . فقد ردّ المرسل جماعةٌ من التابعين: كابن سيرين، والشعبي، وعروة بن الزبير، والزهري.
3 - وإنما يُستفاد من المطالبة بالإسناد إذا ما مُيِّزَ بين الرواة العدول والرواة المجروحين، وهذا يستلزم الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً.
وفي ذلك يقول ابن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة، فيؤخذُ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)) (2) .
ويقول إبراهيم النخعي:)) كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل، نظروا إلى صلاته وإلى سَمْته وإلى هيئته (3) ((.
ولذلك فقد تكلّم في الرواة جماعةٌ من التابعين: كابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس اليماني، وعروة بن الزبير، والزهري، وأيوب السختياني، والأعمش، وغيرهم.
4 - تَرْكُ الرواية عن الفُسّاق وغير العدول من الرواة.
وهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه من سلف الأمّة وخلفها (4) .
- ووقوعُ الاختلال في ضبط المنقولات، واجهه التابعون بأمور، منها:
1 - بكتابة السنة، فكما سبق، فإن كتابة التابعين للسنة كان غالباً بغرض تجويد الحفظ، ولم يكن بقصد التأليف إلا نادراً.
2 - تجويد الكتابة: بابتداع الإعجام (5) ، وبتصحيح الكتاب (6) ، وبمعارضة المكتوب على أصله (7) ، وبالقراءة على الشيخ ما كُتبَ عنه (8) .--------------------------------------------
(1) انظر: الكفاية للخطيب (442 - 443) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/15) .
(3) الكفاية للخطيب (188) .
(4) نقل الإجماع جماعةٌ، منهم: ابن حبان (المجروحين 1/305) ، والخطيب (الكفاية 51، والجامع رقم 144) .
(5) الجامع للخطيب (رقم 581) .
(6) الجامع للخطيب (رقم 586) .
(7) المدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 778) ، والجامع للخطيب (رقم 577، 578) .
(8) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم 796) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
3 - طلب المتابعات، والتحرّي بسماع الحديث الواحد من جماعة، وكراهية رواية غريب الحديث، خشيةً من الغلط والإخلال بالضبط.
يقول إبراهيم النخعي: ((كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث)) (1) .
وقال يزيد بن أبي حبيب: ((إذا سمعت الحديث، فانْشُدْهُ كما تنشدُ الضالّة، فإن عُرِفَ، وإلا فَدَعْه)) (2) .
وعندما أثنى أحدُهم عند أيوب السختياني على راوٍ لما له من الغرائب، قال له أيوب: ((إنما نفرُّ أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب)) (3) .
ولذلك فإن قاعدة الترجيح بالأكثر عددًا من الرواة قاعدةٌ مجمعٌ عليها (4) ، ودلّت عليها السنّة (5) .
4 - نَقْدُ المتن، وعدم الاكتفاء بنقد السند.
قال الأعمش: ((كان إبراهيم - يعني النخعي - صيرفيًّا في الحديث، وكنتُ أسمع من الرجال، فأجعل طريقي عليه، فأعرض عليه)) (6) .
5 - الرحلة لطلب الحديث (وقد سبق الحديث عنها) ، فهي من أسباب تقليل الوسائط، وتقليل الوسائط من أسباب تقليل احتمال الوهم، وهذا سبب الحرص على العلوّ في الأسانيد (7) .
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة أتباع التابعين، وتبدأ من سنة (140هـ) ، وتنتهي سنة (200هـ) .--------------------------------------------
(1) الكفاية للخطيب (171) .
(2) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (48) ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/19) .
(3) مقدّمة صحيح مسلم (1/23) .
(4) نقل الإجماع البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (رقم 23) .
(5) فهذا أحد الفوائد التي استنبطها العلماء من حديث ذي اليدين، انظر المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (رقم 9) ، وإن كان العلائي يخالف في صحّة هذا الاستنباط، كما في نظم الفرائد (223 - 225) .
(6) الجرح والتعديل (2/17) .
(7) نزهة النظر لابن حجر (116) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وتميزت هذه المرحلة بخصائص: منها أن طال الإسناد أكثر ممّا كان عليه، وما يتبع ذلك من زيادة تشعُّب الأسانيد واختلاف الرواة، مع ما يصحب ذلك من تعسُّر الحفظ. كما أنه قد زادت أيضاً بعض خصائص المرحلة السابقة وضوحاً: كانتشار السنّة في الآفاق، وظهور البدع وغُلُوّ أصحابها فيها. كما أنّ هذه المرحلة قد ورثت جهوداً مباركة من الجيل السابق في جمع السنّة حفظاً وتدويناً، كما سبق، ممّا كان له أكبر الأثر في إعانة علماء هذه المرحلة على إتمام المسيرة.
وقد واجه العلماء أخطار هذه المرحلة بنفس الأمور التي واجه بها علماء المرحلة السابقةَ أخطارهم، وزادوا عليها أموراً:
- ففي مجال تدوين السنة: صار الحرص على التدوين كاملاً (1) ، إلى درجة أن يهمّ شعبة بن الحجاج بأن يترك حديثَ أحد جِلّة التابعين ثقةً وإتقاناً، لأجل أنه لم يكن يكتب (2) . وحتى قال يحيى بن سعيد القطان: ((لئن أكون كتبتُ كل ما أسمع أحب إليّ من أن يكون لي مثل مالي)) (3) . وحتى إن ترجيح رواية من يرجع إلى كتاب عند التحديث على من لا يرجع عند تحديثه إلى كتاب أصبح أمراً ظاهراً، حتى في الترجيح بين كبار النقّاد، كما قال القطان عن الثوري وشعبة:» سفيان أقل خطأً، لأنه يرجع إلى كتاب)) (4) . ووصل الأمر ببعضهم إلى أنه لم يعد يأخذ الحديث إلا إملاءً، وانتشرت (5) لذلك مجالس الإملاء (6) .--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ الإسلام للذهبي - حوادث سنة 143هـ - (13) .
(2) شرح علل الترمذي (1/170) .
(3) المدخل إلى السنن الكبرى (رقم 781) .
(4) شرح علل الترمذي (1/178) .
(5) أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني (رقم 29، 30) .
(6) انظر: تاريخ ابن معين (رقم 2481، 2482، 4901، 4905) ، والجامع للخطيب (رقم 1169، 1170، 1171) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ومظاهر هذه العناية كثيرةٌ جدًّا، لكن اللافت للنظر في ذلك هو نشوء التصنيف المبوّب في هذا الجيل. ففي حين ازدادت كتابة النسخ غير المبوّبة على ما كانت عليه في المرحلة السابقة، وانتشرت الكتابة في بابٍ واحد من أبواب العلم (كالطهارة، والصلاة، والمناسك (1) ، والفرائض (2) ، والتفسير (3) ، والزهد (4) ، والجهاد (5) ، والقدر (6) … ونحوها) (7) فقد انضاف إلى ذلك نشوء أسلوب جديد، هو التصنيف المبوّب، ومن أوّل من قام بذلك الإمام مالك في كتابه الموطأ (8) ، ثم صنّف غيره، كجامع ابن وهب، وجامع معمر (وهما مطبوعان) ، وكجامع الثوري.
إن مثل هذا الترتيب يدل على ظهور الحاجةِ إليه، وإلى أن هاجس التفلّت الذي كان يشغل التابعين في تدوينهم ويُلْهِيهم عن الترتيب ابتدأ يخفت ويضعف، وأن بداية الشعور بأن التدوين أصبح أكثر استيعاباً للسنة من الرواية الشفهيّة أخذَ في النشوء في قلوب العلماء؛ ولذلك الْتَفَتُوا إلى التبويب، الذي الغرضُ منه التسهيل (9) ، وهي حاجةٌ ليست في ضرورة الحفظ من الضياع، ولذلك لم تكن لتبرز لولا ما سبق.--------------------------------------------
(1) وصلنا كتاب المناسك لابن أبي عروبة - قطعة منه - وطبعت.
(2) وصلتنا قطعةٌ من كتاب الفرائض للثوري.
(3) وصلنا كتاب التفسير للثوري، ولعبد الرزاق، وليحيى بن سلام.
(4) وصلنا كتاب الزهد لابن المبارك ووكيع وأسد بن موسى.
(5) وصلنا كتاب الجهاد لابن المبارك.
(6) وصلنا كتاب القدر لعبد الله بن وهب.
(7) 10) انظر صحائف الصحابة لأحمد الصويّان (239 - 252) .
(8) 11) قيل إن مالكاً أول من بوّب (ذم الكلام للهروي 3/149 رقم 610) ، ولكن هناك من قيل إنه سبق مالكاً إلى ذلك. فانظر دراسات في الحديث للأعظمي (1/280، 306) .
(9) 12) وهذا واضح، وهو ظاهر من تسمية كتاب مالك بـ (الموطأ) ، أي: المسهّل!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ويُلاحَظُ على هذه المصنّفات: عدمُ دقّة الترتيب الموضوعي، وعدم تمييزهم فيها بين الصحيح والضعيف، وجمعُهم فيها بين المرفوع والموقوف والمقطوع؛ إذ كُلّها تحتاج في عصرهم إلى الجمع.
كما أنه يُلاحَظُ عليها: أنها ليست في ضخامة الكتب اللاحقة لها، وهذا كلّه أمرٌ طبيعي، فهي سمةٌ معروفة للمصنِّفين الأوائل والمصنّفات الأولى في كل فن.
لكن في آخر هذا الجيل ابتدأت تظهر بعض الموسوعات الحديثيّة، ممّا يشهد لسرعة البناء خلال هذا الجيل، وإلى المبادرة إلى إتمام الجهود لدى علماء السنة فيه. ولا أدلّ على ذلك من كتاب (المصنّف) لعبد الرزاق الصنعاني.
وفي آخر هذا الجيل ابتكر المحدّثون أسلوباً جديداً في التصنيف، لم يكن موجوداً في السابق.
لقد نظر المحدّثون إلى تلك المدوّنات والمجاميع والمصنفات، فوجدوا أنها شملت جميع أنواع المنقولات، من المرفوعات والموقوفات والمقطوعات. ولاشك أن قسم الأخبار المرفوعة هو أهمّ الأقسام، وأولاها بالجمع، وأحراها بالخوف عليه من التفلُّت. فبادروا إلى أسلوب في التصنيف لا يضمّ إلا المرفوعات، وهو التصنيف على طريقة المسانيد. وهو أسلوب في التصنيف يدل على أن ابتكاره لم يكن إلا لغرض الجمع خشيةَ الضياع، لأن أسلوب ترتيبه ليس فيه تيسيرُ التصنيف على الأبواب، وإن كان فيه وَجْهٌ ضعيف من التيسير، وهو الترتيب على أسماء الرواة من الصحابة.
قال بكر بن خلف: ((قال عبد الرحمن بن مهدي حين طلبوا المسند: ما أحسن هذا، إلا أني أخاف أن يحملهم هذا أن يكتبوا عن غير الثقات)) (1) .
ألا ترى إلى قوله (طلبوا) التي تدلّ على استنفارٍ عامّ نحو هذا المنحى من التصنيف، والذي كان من قوّة الرغبة فيه إلى درجة أن خشي ابنُ مهدي أن يقود إلى شيءٍ من الشَّرَه في الرواية عن غير الثقات.--------------------------------------------
(1) المعرفة والتاريخ للفسوي (3/60) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وقال الإمام أحمد في سياق انتقاده ليحيى بن عبد الحميد الحماني، الذي ادّعى أنه سمع من الإمام أحمد حديثاً مسنداً على باب ابن عُليّة: ((أي وقت التقينا على باب ابن علية؟ إنما كنا نتذاكر الفقه والأبواب، لم نكن تلك الأيام نتذاكر المسند)) (1) وابن علية توفي سنة (193هـ) ، فهذا يُبيّنُ أن العناية بالمسند إلى هذا العام أو قبله بقليل لم يكن ابتُدِئَ بالعناية به.
ويقول الحافظ ابن حجر في تأريخه للتدوين:» إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصّة، وذلك على رأس المائتين. فصنّف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف مسدّد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً. ثمّ اقتفى الأئمةُ بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمامٌ من الحفاظِ إلا وصنّف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنّف على الأبواب والمسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة)) (2) .
وبهذا النشاط الهائل في الجمع والتدوين، تيسَّر للعلماء أن يواجهوا ذلك التشعّب الهائل للأسانيد، وأن يضبطوا اختلافَ الرواة في المتون والأسانيد، وهذا ما أعانهم على كمال النقد في هذه المرحلة.--------------------------------------------
(1) العلل (رقم 4077، 4078) والجرح والتعديل (9/169) .
(2) هدي الساري (8) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
- لقد اكتملت ملامح النقد في هذه المرحلة، حيث تحقّقت أسبابه. حيث إن الميزان النقدي الحديثي يعتمد كل الاعتماد على الإحاطة البالغة بالمنقولات، وعلى استحضارها جُملةً عند نَقْدِ كل حديث. وهذا يستلزم أن تكون محفوظةً في الصدور، ولم يكن لذلك الحفظ أن يتمّ لولا جهود العلماء في الجمع والتدوين (1) .
إن علاقةَ نقد السنة بالحفظ لها في الصدور، ذلك الحفظ المتقن المحيط الواسع، لا يخفى على من عرف حقيقة ذلك النقد وعُمْقَه، وشموليّةَ معياره النقدي، ودِقّةَ ذلك المعيار، الذي يصل إلى حدٍّ يُشبه فيه الكهانة عند غير أصحاب العلم به (2) .
وقد أُتيح هذا الحفظُ الواسع لأئمة هذه المرحلة، فجاء نَقْدُهم بملامحَ واضحةٍ لصورته النهائيّة التامّة.--------------------------------------------
(1) وهذا الجمع والاستقصاء في حفظ السنّة. هو الذي جعل العلماء يَرَوْنَ أنَّ احتمال التفرُّدِ من الراوي بالسنّة يزدادُ ضَعْفُه كلّ ما امتدّ الزمن وبَعُدَ الجيل، حتى وصل الأمر إلى درجة ردّ المفاريد لمجرّد أنّها مفاريد من بعض حُفّاظِ صغارِ أتباع التابعين، وإلى ردِّها مطلقاً ممّن بعدهم. انظر: الموقظة للذهبي (77 - 78) .
(2) وأقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين أكثر من أن تُحصى في ذلك، ولمثل ذلك قال علي بن المديني:» الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه « (الجامع للخطيب رقم 1701) ، وقال يحيى بن معين: ((لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه)) .
وانظر الفصل الذي عقده الخطيب البغدادي بعنوان: ((أن المعرفة بالحديث ليست تلقيناً، وإنما هو علمٌ يُحدثه الله في القلب)) ، (الجامع لأخلاق الراوي: 2/382 - 385) .
ولهذا قال الحافظ ابن حجر عن علم العلل في النزهة (92) : ((ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً وحفظاً واسعاً ومعرفة تامّة بمراتب الرواة وملكةً قويّة بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلّم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ويكفي في هذه العجالة أن أُذَكِّر بثلاثةٍ أئمةٍ من هذه المرحلة، بلغوا درجةً سامية في النقد، بل كانوا في الحقيقة أساتذة النقد في هذه المرحلة، وبعلمهم وجهودهم اكتمل النقد بعد ذلك الاكتمال النهائي. إنهم: شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. إنها مدرسة النقد البصريّة، ذات الفضل الكبير على النقد الحديثي كُلّه.
قال يعقوب بن شيبة: ((قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه، أي: لا. (قال يعقوب:) وسمعتُ علي بن المديني يقول: كان ممّن ينظر في الحديث ويُفتّشُ عن الإسناد، لا نَعْلَمُ أحداً أوّلَ منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن. (قال يعقوب:) قلت لعليّ: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشدَّ انتقاءَ مالكٍ للرجال)) (1) .
لقد بلغت العناية بالنقد في هذه المرحلة، والاطمئنان إلى كمال النّقْل والرواية، إلى حدِّ تقديم النقد وتعلُّمه على الرواية!!
يقول خلف بن سالم المخرِّمي: ((سمعتُ ابن عُليّة يقول: كُنّا نرى عند حميد (يعني الطويل) وسليمان (يعني التيمي) وابن عون الرجلَ والرجلين، فنأتي شعبة، فنرى الناسَ عليه. (قال خلف:) كان أصحابُ الحديث يريدون حُسْنَ المعرفةِ بالرجال وبمعرفة الحديث … وهكذا، كان هذا المعنى بيِّناً في شعبة إن شاء الله)) (2) .
ويصرِّح بذلك عبد الرحمن بن مهدي، فيقول: ((لأن أعرف عِلّة حديث واحد، أحبُّ إليّ من أن أستفيدَ عشرة أحاديث)) (3) .--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (1/52) .
(2) تقدمة الجرح والتعديل (176) .
(3) شرح علل الترمذي لابن رجب (1/199) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ولهذه الجهود العظيمة في النقد، بات الاطمئنان على سلامة السنّة من تطرُّقِ الكذب إليها ثابتاً مستقرًّا في قلوب العلماء. حتى يأتي أحدُ الغيورين على السنة، فزعاً عليها من الأحاديث الموضوعة، إلى عبد الله بن المبارك، ليقول له في حيرةٍ ووجل: ((هذه الأحاديث المصنوعة؟!!!)) ، فيجيبه ابن المبارك ذلك الجواب المطمئن المسترخي، الذي يدل على عدم اكتراثٍ لذلك، قائلاً: ((يعيش لها الجهابذة)) (1) .
ولم يَنْجُ من التشدّد في النقد والجُرْأةِ على إنكار مواضع الشك كبارُ الحفّاظ، فضلاً عمّن دونهم. حتى كانوا يصيحون بالحافظ إذا تفرّد بحديث حتى يتركه، وهو صادق في روايته ضابطٌ!! (2) .
إنّه الاحتياط الذي لا يُغفل كُلَّ احتمالٍ للوهم والخطأ، وإن كان مستبعداً.
يقول عبد الرحمن بن مهدي: ((خصلتان لا يستقيم فيهما حُسْنُ الظنّ: الحُكْمُ والحديث)) (3) .
لقد انتهت هذه المرحلة، مؤذنةً ببداية أعظم عصور السنة، عصرِ الاكتمال والنضج النهائي.
المرحلة الخامسة: وهي القرن الهجري الثالث.--------------------------------------------
(1) تقدمة الجرح والتعديل (3) .
(2) انظر من قصص ذلك في الجامع للخطيب (رقم 1142 - 1146) .
(3) الجرح والتعديل (2/35) ، والكفاية للخطيب (269) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
لقد دخل القرن الهجري الثالث بعد جهودٍ عظيمةٍ متتابعة من علماء الأُمّة في تدوين السنة وجمعها، وفي نَقْدها (تعليلاً وجرحاً وتعديلاً) ، وتلقّى تلك العلوم الجليلة بقوّة وإقبال منقطعي النظير. ولذلك فإن الحديث عن هذا القرن وعن جهوده في خدمة السنة لا تقوم بها مقالة، ولا أيّ بحث أو كتاب، بل هو حقيقٌ ببحوث وكُتُب!! إن كل إمامٍ من أئمة هذا القرن لهو بحدّ ذاته مدرسةٌ عظمى (وما أكثر الأئمة في هذا القرن!!!) يجب على الدارسين لعلوم السنة أن يقيموا البحوث والدراسات حول منهجه وأثره على علوم السنة. غير أني في هذا المقال سألمس بعض الجوانب التي تبرزُ في هذا القرن جهودَ علمائه في تكميل جهود علماء القرنين السابقين له، حتى بلغ علماء هذا القرن بعلم الحديث القمّة السامقة، التي لا يُمكن أن يزاد على منهجها في النقل والنقد.
أمّا في مجال تدوين السنة، فهذا عصر أصول السنة العظام وأمهات المصنفات فيها، ففيه أُلّفت الكتب الستة وما يلتحق بها من مصادر السنة الأساسيّة. ولئن بدأ هذا القرن بالتصنيف على الطريقة السابقة، طريقة المسانيد والكتب الجامعة للأحاديث والآثار، كـ (المسند) لأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة وابن أبي عمر العدني وغيرها (كما سبق عن الحافظ ابن حجر) ، وكمصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور. إلا أن منحى التكميل في هذه المصنفات يظهر من كونها أعظم شمولاً واتساعاً من الكتب السابقة على طريقتها في التصنيف؛ لأنه قُدِّر لمؤلّفيها أن يستفيدوا من الجهود السابقة، ليقوموا بتحقيق هدف الذين سبقوهم، وهو تقييد تلك الأحاديث والآثار خوفاً عليها من التفلّت وتيسيراً للباحثين عن السنّة عناءَ تجميع السنة من رواتها في أقطار الأرض، تلك المهمة الشاقّة التي استطاع غيرهم أن يسبقهم إلى أدائها والقيام بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وقد أدّت تلك الجوامع الكبار دَوْرها، وأثمرت ثمارها، وأينعت في منتصف هذا القرن، بأن ابتدأت أنظار العلماء تَلْتَفِتُ إلى شيءٍ آخر سوى الجمع، مما يشهد إلى أن الشعور بخوف ضياع شيءٍ من السنّة قد زال أو كاد، وهذا ما جعل العلماء يتّجهون إلى وجوهٍ جديدةٍ في خدمة تدوين السنّة، لا يقتصر في خدمته على مجرّد الجمع، بل يستثمر الجمع السابق للوصول إلى هدف آخر وغايةٍ أبعد.
والخدمة المتوقّعة بعد ذلك الجمع الذي لم يَعْتَنِ بتمييز الصحيح من السقيم؛ لأن الذين قاموا به كانوا يعتبرون الجمع الموسَّع في تلك المرحلة هو الأولى بالتحقيق هو أن يُعتنى بتمييز الصحيح من السقيم، بل هذا هو الذي كان يجب أن يقوم به العلماء فعلاً بعد اكتمال الجمع؛ حيث إن هذا الجمع لن يؤدِّي هدفه الأخير بغير بيان ما يصلح منه للعمل والاحتجاج مما لا يصلح لذلك. وهذا ما سبق إليه الإمام البخاري، في كتابه (الصحيح) ، بإشارة من أحد شيوخه (أحد أصحاب الجوامع الكبار) وهو إسحاق بن راهويه (1) .
إن مجرّدَ إقبال البخاري على مثل ذلك الإبداع، وفي كتابٍ يسمه بالمختصر ليدلّ على اتّضاح ملامح المرحلة التي تمرّ بها السنة عنده، وأنها قد أصبحت محتاجةً إلى مبادرة تقوم بتكميل جهود الجمع السابقة، بإخراج كتاب مختصر خاصٍّ بالأحاديث الصحيحة.
ولاشك أن البخاري لم يكن ليفكّر بهذا العمل لو كان هاجس ضياع السنة مُسْتَولياً على تفكيره، بل لم يكن ليقدر عليه (حتى لو فكّر فيه) لو لم تقم الجهود السابقة بضرورة جمع السنة.
ثم إن مسلماً تبع البخاريَّ في جمع كتاب مختصر في الصحيح، سائراً على خُطى شيخه في تحقيق الهدف نفسه.
فإذا أردنا الانتقال إلى وجه آخر من وجوه التصنيف المستحدثة في منتصف هذا القرن، أقدِّمُ ذلك ببيان الوجه الجديد من الخدمة الذي كانت السنة محتاجةً إليه في هذه المرحلة، بعد جهود الجمع السابقة الكبيرة التي قامت بواجب حفظ السنة من الضياع.--------------------------------------------
(1) هدي الساري (8 - 9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
لقد ذكرنا سابقاً أن أسلوب التصنيف على (المسانيد) راعَى حاجة المرفوعات خاصّة للحفظ من الضياع، لأن الأحاديث المرفوعة هي أولى الأخبار بالنقل والحفاظ عليها، بل هي أساس علوم السنّة وأصلها. فلمّا قام العلماء بجمعها، نظر بعضُ أهل العلم في هذه الأحاديث المرفوعة، هل فيها ما هو أولى من بعضها بمزيد عناية؟ ولاشك أن ما ارتبط به عمل منها أولى بالجمع ومحاولة تيسير الاطلاع عليه، ألا وهو أحاديث الأحكام التي تُسْتَنْبَطُ منها مسائل الفقه والحلال والحرام. وهذا ما جعل أسلوب التصنيف على منهج كتب (السنن) يبرز أيضاً في منتصف هذا القرن، متميّزاً بسعة مؤلفاته، وباقتصارها على الأحاديث المرفوعة، مرتّبةً على أبواب الفقه.
وأوّل من بادر إلى هذا النوع الجديد من التصنيف هو أبو داود السجستاني في كتابه السنن، الذي قال عنه في (رسالته إلى أهل مكة) : ((ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري)) (1) .
وقال أبو داود متحدّثاً عن موضوع كتابه:)) ولم أصنّف في كتاب السنن إلا الأحكامَ، ولم أصنف [فيه] كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها، فهذه الأربعة آلاف والثمانمائة كُلّها في الأحكام. فأمّا أحاديث كثيرةٌ صحاحٌ في الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرّجها (2) ((.
ولم يقف مظهر إبداع كتاب السنن لأبي داود عند هذا الحدّ، ولم يكن جانبُ خدمته للمرحلة التي تمرّ بها السنة في زمنه منتهياً عند العناية بأحاديث الأحكام فقط، بل تجاوزَ ذلك إلى تحقيق حاجتين اثنتين:
الأولى: العناية بإبراز ما كان حجّةً أو صالحاً للاحتجاج أو للاعتبار، والتنبيه على بعض ما احتجّ به بعضُ الفقهاء من الشديد الضعف (3) .--------------------------------------------
(1) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (35) .
(2) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (54) .
(3) رسالة أبي داود إلى أهل مكّة (37) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
إن هذا التمييز والانتقاء الراجعَ إلى درجة القبول أو الردّ، له من الدلالة على واقع المرحلة التي مَرّت بها السنة في هذه الفترة، كالدلالة التي استنبطناها من تصنيف البخاري لصحيحه.
الثانية: لمّا كان غرضُ أبي داود الأكبر هو بيان أصلح الأحاديث للاحتجاج بها في مسائل الأحكام، وحيث إنه لم يسبقه أحدٌ إلى مثل استقصائه في جمع هذا النوع من الأحاديث، وحيث إن الأحاديث منها ما هو مشهورٌ تتابع الرواة على نقله وما هو غريبٌ تفرّد بروايته آحَادٌ منهم، وحيث إن المشهور هو الأقرب إلى الصحّة والأقوم بالحُجّة على الخصوم لذلك كُلّه خَصَّ أبو داود المشاهير من أحاديث الأحكام بالجمع دون الغرائب؛ لأنها هي الأولى بالجمع، لكونها الأقرب إلى صحّة الاحتجاج بها.
يقول أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) : ((والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس. والفخر أنها مشاهير … )) (1) .
فهنا يذكر أبو داود أنه تَعمَّدَ أن لا يعتني بالغرائب، مع أن الغرائب أشهى عند المحدّثين من المشاهير التي (هي عند كل من كتب شيئاً من الحديث) ؛ لأنّ جمعاً القَصْدُ منه إفادةُ الفقهاء ما يصلح للاحتجاج، وهو أوّلُ جمعٍ مُسْتَقْصٍ لا يليق به أن ينساق وراء شهوة الإغراب، بل يحق لمن عَمَدَ إلى مثل هذا الجمع لذلك الغرض أن يقول: ((والفخر أنها مشاهير)) .
وفي عصر أبي داود صنّف الترمذي جامعه، وابن ماجه سننه، وبعدهما النسائي سننه الكبرى والصغرى، وغيرهم كثير.--------------------------------------------
(1) رسالة أبي داود إلى أهل مكّة (47) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
لقد استمرَّ التدوين في هذا القرن، حتى إنك لترى في أواخر هذا القرن بوادرَ تَرَفٍ علميّ في تدوين السنة، بِمِثْلِ التصنيف على منهج المشيخات (1) ، وهذا الترف العلمي يدل على أن التدوين لم يَعُدْ يلحظ خطراً على السنة من تَفَلُّتِ شيءٍ منها. ولن يصلَ علماءُ السنة إلى هذا الشعور، إلا إذا اكتمل تدوين السنة تماماً، وأصبحت كُتُبُ السنة أوعيةً شاملة لجميع الروايات المدوّنة والشفهيّة التي تناقلها الرواة خلال قرونِ السنة الثلاثة هذه، وأنه لم تعد هناك رواية شفهيّة غير مدوّنة.
وهذا ما أرّخه الإمام الذهبي، حيث جعل رأس سنة ثلاثمائة الحدّ الفاصل بين أصحاب الروايات الشفهيّة ومَنْ بعدها مِمّن لا يروون إلا المدوّنات (2) .
إننا في هذا القرن نصل مرحلة النهاية في باب التدوين، وهي نهايةٌ تناولت حفظَ السنة من الضياع، فلم يَعُدْ يُسمح لأحد أن يَدّعي وجود رواية شفهيّة لديه غير مزبورة في أحد الدواوين.
- أما في باب النقد: فبعد أن قرّرنا نظريًّا أن اكتمال التدوين يعني بلوغ منهج النقد مرحلة الاكتمال أيضاً، فيبقى بيانُ ذلك واقعيًّا:--------------------------------------------
(1) تحدثتُ عن دلالة المشيخات على هذا المعنى في دراستي عن علم المشيخات في مقدّمة تحقيق أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر الأنصاري (1/223 - 225) .
(2) ميزان الاعتدال (1/4) .
وقد تكلمتُ عن هذا التحديد في كتابي المنهج المقترح (52 - 55) ، واستدللتُ لصحّته بكلامٍ للحاكم والبيهقي، وأضف على ما هناك كلاماً آخر للحاكم في معرفة علوم للحديث (16 - 17) ، وفي المدخل إلى الإكليل (48) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ولا أدل على حصول ذلك واقعاً لمنهج النقد خلال القرن الثالث، من أنّ النصف الأول من هذا القرن قد شهد فيه علم العلل (الذي هو معيار النقد) ثراءً بالغاً وتطوّراً عظيماً، على يد أمثال علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا ظاهرٌ من خلال ما جُمع عنهم وما ألّفوه في التعليل والجرح والتعديل. ثم على يد الطبقة التالية لهم، من أمثال: البخاري، ومسلم، والدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أهل طبقتهم.
يقول حاتم الرازي: ((كان يُحسن صحيحَ الحديث من سقيمه، وعنده تمييز ذلك، ويُحسنُ علل الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة، كان يحسن ذلك. (فقيل لأبي حاتم: فغير هؤلاء، تعرفُ اليوم أحداً؟) قال: لا)) (1) .
ويقول أبو عبد الله بن منده في كتابه (شروط الأئمة) ، وهو يذكر حفّاظ السنة على مَرّ العصور من مختلف البلدان: ((ثم انتهى علمُ جميع من ذكرناهم من المتقدّمين إلى هؤلاء الأئمة، وهم: أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر، وعثمان: ابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير. ومن بعدهم: انتهى علم جميع من ذكرناهم من أهل الأمصار وأئمة البلدان إلى هؤلاء النفر، وهم أهل المعرفة والصحيح، وهم هؤلاء: محمد بن إسماعيل البخاري، والحسن بن علي الحُلْواني، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود سليمان بن الأشعث وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. فهؤلاء الطبقة المقبولة بالاتفاق، وبعلمهم يُحتجُّ على سائر الناس)) (2) .--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (2/23) . وانظر كلاماً آخر لأبي حاتم يدل على نُدرة النقّاد من بين حفّاظ الحديث في تقدمة الجرح والتعديل (356) .
(2) شروط الأئمة لابن منده (67 - 68) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وهذا البيهقي، بعد أن ذكر أن السنة قد دُوّنت جميعُها قبل عصره، وأنه لا يُقبل من أحدٍ في زمنه ادّعاءُ رواية شفهيّة غير مدوّنة، وأن الأسانيد في زمنه لا يُقصد بها إثباتُ الخبر، وإنما يُقصد منها إبقاءُ خصيصة الإسناد لهذه الأمّة بعد هذا يقول: ((والذي ينبغي ذكره هاهنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظاً، ثم كتبه بعضهم احتياطاً، ثم قام بجمعه، ومعرفةِ رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه جماعةٌ لم يَخْفَ عليهم إتقانُ المتقنين من رواته ولا خطأَ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديثٍ حرفٌ، أو نُقِصَ منه شيءٌ، أو غُيِّرَ منه لفظٌ يُغَيِّرُ المعنى وقفوا عليه، وتَبَيَّنُوهُ، ودوّنوه في تواريخهم، حتى ترك أوائلُ هذه الأمةِ أوَاخرَها - بحمد الله - على الواضحة. فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم صار على بيّنةٍ من دينه)) (1) .
والنُّقول في هذا الباب كثيرة (2) ، ونحن في الحقيقة مستغنون عنها بشاهد الوجود، وبعلم أولئك العلماء الحاضرِ بَيْنَ أيدينا، عن الاستدلال له بكلام شاهدٍ معاصرٍ أو قريبٍ من المعاصر (كالذين سبقوا) .--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي للبيهقي (2/321 - 322) .
(2) لي بحث جمعتُ فيه عامّة هذه النقول، أرجو أن يخرج قريباً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
فإضافةً إلى ما سبق، فإنه لا أدلّ على بلوغ منهج نقد السنة درجةَ النضج الكامل خلال هذا القرن، من أنه القرن الذي شهد تأليفاً يُمثِّلُ خلاصةَ ذلك المنهج النقدي، ويجعلها حقيقةً مشاهدةً، وذلك بالتأليف في الحديث الصحيح المجرّد، على يدي الشيخين: البخاري ومسلم، حيث بلغ وضوحُ المنهج النقدي لديهما إلى الحدّ الذي اعتُبر معه كتاباهما قمةَ التصنيف الحديثي وقمةَ المنهج النقدي في معرفة الحديث الصحيح، الذي هو خلاصة وثمرة المنهج النقدي كُلِّه. أيستطيع أحدٌ أن ينسى أن الصحيحين أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى؟!! هذا ما اتّفقت عليه الأُمّة، وأجمع عليه العلماء قديماً وحديثاً. وفي هذا الإجماع إجماعٌ من الأمّة على صحّة ذلك المنهج الذي سارَا عليه، بل في ذلك الاتفاق على كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى اتّفاقٌ على أن منهجهما أصحّ المناهج على الإطلاق.
نعم.. لقد خرجنا إذن بنقل الإجماع على أن منهج النقد في هذا القرن قد بلغ قمةَ التطوّر!!!
وهذا غاية ما نريد!!!
المرحلة السادسة: وهي القرن الرابع الهجري.
لقد دخل القرن الرابع وهو يحمل إرثاً عظيماً وثقيلاً، لقد كان مِنْ قَدَرِ الله تعالى له أن يكون مرحلةَ ما بَعْدَ الاكتمال، وليس بعد الاكتمال إلا النقص. وهذه سنةٌ سبق الكلام عنها في تاريخنا النظري، فلا غرابة في حصولها.
وقد أرّخَ لها بعضُ شهود العصر وغيرهم:
فهذا ابن حبان (ت 354هـ) يقول في مقدّمة (المجروحين) : ((ولم يكن هذا العلم في زمانٍ قطُّ تعلُّمُه أوجب منه في زماننا هذا، لذهاب من كان يُحسن هذا الشأن، وقلَّةِ اشتغال طلبة العلم به؛ لأنّهم اشتغلوا في العلم في زماننا هذا، وصاروا حزبين: فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثرُ هِمّتِهِم الكتابةُ والجَمْعُ، دون الحفظ والعلم به وتمييز الصحيح من السقيم، حتى سمّاهم العوامُّ حشويّة. والحزبُ الآخر: المتفقّهة … )) (1) .--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/11) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وأرّخ لهذا النقص الإمام الخطابي (ت 388هـ) ، مشيراً إلى دخول علم الكلام على بعض المحدثين، كسبب من أسباب الخلل في عصره (1) .
وعبّرَ عن ذلك كُلِّه شَاهِدُ عَصْرٍ ثالثٍ، وهو أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن ابن خَلاّد الرامهرمزي (ت 360هـ) ، فقال منشداً، مشيراً إلى نفسه:
قُلْ لابن خَلاّدٍ إذا جئتَه …مُسْتَنِداً في المسجد الجامعِ
هذا زمانٌ ليس يحظى به…حدثنا الأعمشُ عن نافعِ (2)
ولشاهد عصر رابعٍ موقفٌ مؤثِّرٌ ومعبِّرٌ عن ذلك النقص، وهو أبو عبد الله ابن منده (ت 395هـ) ، فقد رُئيَ في سَفْرةٍ ومعه أربعون وِقْراً من الأحمال، فسُئل عنها، فقال: ((هذا متاعٌ قلَّ من يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم) (3) .--------------------------------------------
(1) معالم السنن للخطابي (1/5 - 10) .
(2) يتيمة الدهر للثعلبي (3/422) .
(3) سير أعلام النبلاء (17/37) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ومن الشهادات المهمّة لإمامٍ متأخّر، شهادةُ مجد الدين ابن الأثير (ت606هـ) ، حيث ذكر مراحل علوم السنة، إلى أن ذكر عَصْرَ البخاريِّ ومسلمٍ وكتابيهما في الصحيح، ثم قال: ((إلى أن انقرضَ ذلك العصرُ الذي كانا فيه حميداً عن جماعةٍ من الأئمة والعلماء، قد جمعوا وألّفوا: مِثْلِ أبي عيسى الترمذي، وأبي داود السجستاني، وأبي عبد الرحمن النسائي، رحمةُ الله عليهم، وغيرهم من العلماء الذين لا يُحصَوْن كثرة. وكأنّ ذلك العصر كان خُلاصةَ العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى. ثم من بعده نَقَصَ ذلك الطلبُ بَعْدُ، وقلَّ الحرصُ، وفَتَرَتْ الهِمَم. وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً، ولا يزال يَنْمِي ويزيد، ويعظم إلى أن يصل إلى غايةٍ هي مُنْتَهَاهُ، ويَبْلُغَ إلى أمدٍ هو أقصاه، ثم يعود. فكأنّ غايةَ هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزدادُ تقاصُراً والهممُ قصوراً، سُنّةَ الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا)) (1) .
وأرّخَ لهذا النقص الإمام الذهبي في غير ما كتابٍ من كتبه (2) ، وقد كنتُ تحدّثت عن هذا النقص وأسبابه في كتابي (المنهج المقترح) .
لكن سبق أن قلنا في التاريخ النظري لهذه المراحل: إن هذا النقص لم يكن هُوِيًّا سريعاً إلى القاع، بل كان نقصاً تدريجيًّا. ولذلك فإن المُتَصَوَّرَ هو أن يبقى في هذا القرن شيءٌ كثيرٌ من خصائص القرن السابق، وستثبت كثيرٌ من ملامح ازدهاره. وإن كان أوّلُه في ذلك أسعدَ حظًّا من آخره، وآخرُهُ لرُبّما كان آخرَ من نال حظًّا غالباً من هاتيك الخصائص والملامح!--------------------------------------------
(1) جامع الأصول (40 - 41) .
(2) انظر تذكرة الحفاظ (2/627) ، وزغل العلم (32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)