ومن مظاهر هذا التدرّجِ في النقص، أنه لم يكن شاملاً لكل علماء السنّة خلال القرن الرابع. بل لم يزل في علماء السنة خلال القرن الرابع من هم امتدادٌ لعلماء القرن الثالث، دلّت على ذلك شواهدُ الوجود، من المؤلفات والمصنفات التي خلّفوها، في أصول العلم ومختلف فنونه (1) . ولا أدلّ على ذلك أيضاً من أنّ بعض من أرّخوا لذلك التناقص هم من أهل ذلك القرن، ومن أنّهم عرفوا مظاهر ذلك النقص، فلم يكتفوا بالتنزّه عنها، بل سعى بعضهم إلى مقاومتها.
فهذا ابن حبان يعيب على طلبة السنة في زمنه عدمَ العناية بحفظ السنة، والاكتفاء بالجمع كتابة، ويعيب عليهم أيضاً عدم تمييز الصحيح من السقيم. ثم هاهو يؤلف كتابه (التقاسيم والأنواع) على ترتيبٍ لا ينتفع به إلا من حفظه، ويصرّح ابن حبان بهذا المقصد في مقدّمة كتابه (2) . وكتابه هذا خصّه بالصحيح المجرّد عنده، دالاًّ بذلك على أنه لم يخالف إلى ما نهى عنه من عدم تمييز الصحيح من السقيم.
وهذا الإمام الدارقطني (ت 385هـ) ، الذي به خُتِمَ معرفة العلل (كما يقول الإمام الذهبي) (3) ، يتنزّه عن أحد أسباب تناقص علوم السنة في القرن الرابع، وهو العناية بعلم الكلام (4) ، فيقول: ((ما في الدنيا شيءٌ أبغضُ إليّ من الكلام)) (5) .--------------------------------------------
(1) تنبَّهَ إلى ذلك من قَبْلُ الدكتور أحمد محمد نور سيف في كتابه عنايةُ المحدثين بتوثيق المروّيات (9) ، حيث اعتبر القرن الرابع هو آخر قرنٍ شهد التصنيف في أصول السنة المهمّة، وأن مصنفاته ومصنفات القرون السابقة له هي عمدة من جاء بعدهم.
(2) الإحسان (1/150 - 151) .
(3) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي (209 رقم 501) .
(4) تحدثت عن ذلك في المنهج المقترح (69 - 84) .
(5) سؤالات السلمي للدارقطني (رقم 432) ، وأسنده من طريقه ابن طاهر المقدسي في أطراف الغرائب والأفراد (1/52) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وهذا الإمام الرامهرمزي (ت 360هـ) يؤلف كتابه الأصيل (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) ، لغرض مقاومة مظاهر النقص في زمنه، التي كانت سبباً لتشنيع خصوم المحدثين عليهم (1) .
وهذا الحاكم أبو عبد الله (ت 405هـ) ، الذي يكاد يمثِّلُ آخر ذلك الجيل، يؤلف كتابه الجليل (معرفة علوم الحديث) لهذا الغرض أيضاً، حيث يقول في مقدّمته: ((أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قَلّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث)) (2) .--------------------------------------------
(1) المحدث الفاصل (159 - 162) .
(2) معرفة علوم الحديث للحاكم (1 - 2) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
إذن فذلك النقص في علوم السنّة خلال القرن الرابع لم يصل إلى درجة اندراس آثار ازدهاره في القرن الثالث، هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى: فهو لم يُفقد جميعَ علماء السنة في ذلك العصر شيئاً من أدوات الاجتهاد فيه، فلم يزل فيهم أئمةٌ مجتهدون في العلم به، ومن أهل النقد فيه: بتمييز صحيحه من سقيمه، وتعليل رواياته، وجرح وتعديل رواته (1) .--------------------------------------------
(1) ومع استمرار الجرح والتعديل بعد القرن الرابع، كما هو معروف، وكما قرّره السخاوي في كتابه الذي أقامه لهذا الغرض (الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ) ؛ إلا أن القاعدة التي ينطلق منها الجرحُ والتعديل في القرن الرابع وما قبله تختلف عنها في القرن الخامس فما بعده. ذلك أن الجرح والتعديل الصادر من علماء القرون الأربعة الأولى، وخاصة القرن الثالث فما قبله غالباً ما يعتمد على سبر المرويات لكل راوٍ، لكون الروايات كانت لم تزل تتلقى شفاهةً. أمّا القرن الخامس فما بعده، فعلى العكس من ذلك. ولذلك فإنك لو استعرضت تعديل علماء القرن الخامس لأهل عصرهم فإنه يعتمد على إثبات العدالة أو الستر فيها مع ثبوت أحقّية رواياته لما يروي من الدواوين، وصحّة نُسَخِهِ منها. وأمّا الجرح فيعتمد إما على انعدام العدالة وظهور الفسق، أو على خطأ أو كذب دعوى روايته لتلك الدواوين، أو على سوء نُسَخِه منها.
ومن هذا يظهر لك الفرق جليًّا بين ما يتطلّبه الجرح والتعديل في القرون الأربعة الأولى من اكتمال آلات الاجتهاد، وما يكفي فيه خلال القرون التالية، من العلم بظواهر لا تحتاج إلى حفظٍ، بل لا تحتاج أكثر من مُشاهدة دواعي القبول أو الردّ بأمّ العين، أو نقلها عمن شاهدها.
وانظر الدراسة الماتعة المفيدة في بيان منهج توثيق المرويّات بعد اكتمال التدوين، في كتاب: عناية المحدّثين بتوثيق المرويات للدكتور أحمد محمد نور سيف، وانظر خاصّةً (ص8 - 10) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ومع ما ذكرناه آنفاً من أن تدرّج النقص، الذي هو سنةٌ لا تتخلّف في مثل هذه الأمور عادةً، يُلْزِمُ بأن لا نتصوَّرَهُ نقصاً يقضي على ملامح ازدهاره السابقة فجْأةً، وأنه لابُدّ من حفاظِه على كثيرٍ من خصائص العصر الذهبيّ للسنّة فإننا سَنُعَزِّزُ هذا المعنى من وَجْهٍ آخر.
فقد سبق أن قرّرنا بأن علماء الأمّة كانوا ينتقلون بالسنة من مرحلةٍ إلى مرحلة حَسَبَ ما كانت تبدو لهم حاجاتُ السنّة في عصرهم، وما هي مجالات خدمتها الضروريّة التي يجب أن يُبَادَرَ إلى القيام بها، وما هي الأخطار التي يُخشى على السنة منها في زمنهم ليُسارعوا إلى دَفْعِها.
وفي القرن الرابع: لاشك أن دواعي نقص حفظ الصدور قد ازدادت، بتدوين السنة كُلّها، مما يجعل الاعتماد على المكتوب أيسر وأقرب. كما أن زيادة طول الأسانيد وتشعُّبِها واختلافِ رواتها قد أدّى إلى تعسُّرِ الحفظ أيضاً. فاجتمع لنقص حفظ الصدور سببان: الاطمئنانُ على السنة بعدم ضياع شيءٍ منها، وصعوبةُ حفظها مع امتداد زمن الرواية. ولذلك فقد كان عدمُ الحفظ في الصدور هو الخَلَلَ الذي نصّ عليه ابن حبان، مما أرّخ لظهوره في طلبة العلم في زمنه.
ومع وجود هذا الخلل (نقصُ حفظ الصدور) إلاّ أنه لم يشمل أئمةَ النقد في هذا العصر، مع أنهم هُمْ أنفسهم واقعون تحت ضغط سَبَبَيْ نقص الحفظ الآنفَيْنِ. ذلك أن أئمة النقد هؤلاء قد عرفوا أن السنّة لم تزل في حاجةٍ إلى خدمة ضروريّة، تتمِّمُ خدمةَ علماء القرون السابقة، وهذه الخدمة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد في علوم الحديث، والتي من أهمِّها إحاطةُ حفظ الصدور بالمرويّات. ولذلك فقد استطاعوا أن يُقَاوموا سببَ نقصِ الحفظ، وأن يستمرّوا على نهج أسلافهم من أهل القرن الثالث فيه، بل أن يحاولوا مقاومةَ تلك الظاهرة في أهل جيلهم، كما سبق عن ابن حبان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
والاستدلالُ لصحّة هذا التقرير يحتاج إلى بيان ما هي تلك الضروريّات من وجوه الخدمة التي تستلزم الحفظَ الكاملَ في الصدور، وكانت هي سبب اكتمالِ آلاتِ الاجتهاد في أئمة النقد خلال القرن الرابع.
- ففي مجال تدوين السنة، الذي قرّرنا أنه قد اكتمل في القرن الثالث، لم يزل هناك مجالٌ لخدمته خدمةً مهمّة، وهي خدمةٌ لا يستطيع أن يقوم بها إلا الحفّاظ الكبار أصحاب الاطلاع الكامل على السنة وأسانيدها.
ذلك أن اكتمال تدوين السنة في مصنّفات متفرّقة ومدوّنات متعدّدةٍ كثيرة غير كافٍ وحده لتيسير الاطّلاع على تلك البحار المتلاطمة من الأسانيد والروايات، خاصةً تلك الأسانيد الغرائب والأحاديث الأفراد، التي هي ليست من الشهرة بحيث تتكرّر في كثير من المصنّفات، ليضمن الباحثُ بسبب شهرتها أنه سيطّلع عليها حتى لو فاته الوقوفُ على بعض مصنفات السنة، إذ إن بعضَ المصنفات سيكفي في تلك المشاهير عن بعضها الآخر. أمّا تلك الغرائب والأفراد، فيُخشى عليها (لقلّة انتشارها في المصنّفات) أن لا يَطّلعَ عليها المحتاجُ إليها، وأن يفوته الوقوفُ عليها في بعض ما لم ينظر فيه من مصنفات السنة الكثيرة.
ولهذا.. فإن اعتبارَ أبي داود أن الفخر في أحاديث كتابه أنها مشاهير، لأنّها كانت أولى ما يجب أن يُدوّنَ ويُجْمع في زمنه، لم يَعُدْ هو الفخر بعد أن دُوّنت تلك المشاهير. بل الفخر هو أن تُدَوّن الغرائب، لتتمَّ خدمة السنة، بضمّ الغرائب إلى المشاهير!
وهذا هو ما يُفسِّرُ ذلك الاهتمام البالغ لدى عموم حفّاظ القرن الرابع بهذا الصنّف من الروايات: الروايات الغرائب، التي هي مع العوالي (1) مادّةُ كتب الفوائد والأمالي التي انتشرت انتشاراً واسعاً في هذا القرن.--------------------------------------------
(1) تحدثتُ عن سبب العناية بالعوالي في هذه المرحلة، في دراستي لكتاب أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر الأنصاري، في مقدّمة تحقيقه (1/227 - 229) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
بل لقد قامت مؤلّفاتٌ ضخام لجمع تلك الغرائب، مثل: المعجم الأوسط للطبراني (ت 360هـ) ، والغرائب والأفراد للدارقطني (ت 385هـ) ، وهما أكبر كتب الغرائب وأجلّها مطلقاً.
بل حتى من عَمَدَ إلى التأليف على منهج كتب السنن، أي في جمع أحاديث الأحكام، لم يَعْمَد إلى جمع المشاهير كما فعل أبو داود، وإنّما عمد إلى جمع غرائب أحاديث الأحكام، كما فعل الإمام الدارقطني، في كتابه الجليل (السنن) (1) . وكأنه بذلك يُتمّمُ عمل أبي داود، ويؤلف كتاباً في الزوائد عليه (2) .
إن حاجة السنة إلى إبراز الأسانيد الغرائب؛ لما لها من علاقة كبيرة في التعليل والجرح والتعديل، ولأنّ منها ما هو صحيح مقبول أيضاً (وإن كان أكثرها ليس كذلك) هذا هو الذي جعل علماء هذه المرحلة يسعون إلى القيام بهذه المهمة الشاقّة.
لكن الحكم بالغرابةِ والتفرُّدِ ليس أمراً مقدوراً عليه لعموم المحدّثين، فضلاً عمّن سواهم، بل هو من خصائص كبار حُفّاظ السنّة؛ لأنّ الحكم بالغرابة يتضمّن دعوى الاطلاع على السنة جميعها، فلا يقوم به إلا من كان أهلاً لمثل هذه الدعوى.
ولذلك قال محمد بن طاهر المقدسي (ت 507هـ) في مقدّمة كتابه: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني: ((وأمّا الغريب والأفراد فلا يُمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث)) (3)--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (27/166) ، والسنة النبويّة وبيانُ مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني: لعبد الفتاح أبي غُدّة (25 - 40) .
(2) ولذلك فقد عرف البيهقي عندما أراد أن يُصنّفَ في السنن: ماذا عليه أن يعمل؟ فقد أفرغ هذين الكتابين (سنن أبي داود وسنن الدارقطني) في كتابه، نقلاً مباشراً غالباً، وغير مباشر. وانظر الصناعة الحديثيّة في السنن الكبرى للدكتور نجم عبد الرحمن خلف (149، 150، 166 - 167) .
(3) أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (1/44) .
وقد أشار ابن طاهر في هذا الموطن إلى ما ذكرناه آنفاً في الأصل، من أن التأليف في الغرائب جاء متمّماً لجهود السابقين، حيث قال عن كتابه وكتاب أبي مسعود الدمشقي في أطراف الصحيحين: ((فمن جمع هذين الكتابين أمكنه الكلامُ عن أكثر الصحيح والغريب والأفراد)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وهذه الحاجة المُلْجِئةُ إلى استمرار حفظ الصدور، للقيام بهذه الخدمة للسنة، كانت إحدى دواعي استمرار ذلك الحفظ، الذي هو آلة الاجتهاد المطلق في نَقْدِ الحديث.
ولنَقْصِ هذه الآلة عند المتأخّرين منع ابنُ الصلاح المتأخرين من الاستقلال بالحكم على الحديث بالضعف، لمجرّد ضعف السند، لاحتمال وجود متابعةٍ لم يقفوا عليها؛ إلا إنْ حَكَمَ أحدُ أئمة الحديث بغرابة ذلك السند (1) .
بل يُصرّح السيوطي بالمسألة نصًّا عليها، فيقول متحدّثاً عن المتأخرين: ((وينبغي التوقُّفُ عن الحكم بالفرديّة والغرابة؛ لاحتمالِ طريقٍ آخر لم يقف عليه، وعن العِزّة أكثر؛ لضيق شرطها)) (2) .
إذن فحاجة تمييز الغرائب، التي لا يقوم بها إلا حُفّاظ الصدور الحفظَ الواسع كانت هي إحدى أسباب استمرار علماء القرن الرابع على أن تبقى آلةُ الاجتهادِ في الحديث مكتملةً فيهم.
- وفي مجال نقد الحديث: لئن ورث هذا القرنُ منهجاً مكتملاً في النقد، إلا أن هذا المنهج المكتمل في القرن الثالث، لم توجد مصنّفاتٌ تستوعبُ كُلّ أحكامه على الأحاديث والرواة.
فمثلاً: قمةُ المنهج النقدي، التي هي تمييز الصحيح من السقيم، هل استوعبت جميعَ الأحاديث الصحيحة في مدوّنات القرن الثالث؟ لاشكَّ أنها ليست كذلك. وليس أدلّ على ذلك ممّا جاء في اسم كتابي البخاري ومسلم، وهما أجلّ ما أُلف في الصحيح خلال القرن الثالث، من تسميتهما بـ (المختصر) (3)--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (102 - 103) ، ووازنه بما في النكت لابن حجر (2/887) .
(2) البحر الذي زخر للسيوطي (2/876) ، ونحوه في تدريب الراوي (1/163) .
(3) وهذه مسألة مشهورة في كتب علوم الحديث، في مباحث الحديث الصحيح. فانظر: علوم الحديث لابن الصلاح (19 - 22) .
ومن اللطيف في هذا السياق، أن ابن خزيمة يُسمِّي كتابه الصحيح (مختصر المختصر) !!! انظر: العنوان الصحيح للكتاب (66) ، مضيفاً إليه ما جاء في الإرشاد للخليلي (3/832) ، وثبت الضياء (71) ، وسير أعلام النبلاء (14/382) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
إذن فهناك أمرٌ ضروريٌّ يجبُ أن يقومَ به علماءُ القرن الرابع، وهو تكميلُ جهود السابقين في تجريد الحديث الصحيح، بعد كتابي البخاري ومسلم.
وكما سبق، فإن الحكم على الحديث بالصحّة (1) هو في الحقيقة قمّةُ الميزان النقدي، وخلاصةُ العلمِ به وبجميع فنونه. ولذلك فهو حقٌّ موقوفٌ على أهل الاجتهاد المطلق في الحديث، لا يُمكن لغيرهم أن يقتربوا من هذه الغاية.
وقد عرفنا أن حفظَ الصدور الحفظَ المحيطَ هو أوّل آلات الاجتهاد المطلق في السنّة، وما دام الاجتهادُ المطلق هو الذي سيتيحُ لعلماء القرن الرابع أن يقوموا بذلك الواجب الضروري، وهو تجريد الصحيح فلن يعجزوا عن بلوغ هذه الرتبة، ولن يتأخروا عن طلب تحصيلها، ليؤدُّوا الأمانةَ التي في أعناقهم للأمة من بعدهم.
وقد صرَّح ابنُ حبان بهذه الخدمة الضروريّة في زمنه، وبالداء الذي ظهر في بعض طلبة الحديث في زمنه ممّا لا يُمكنّهم من القيام بتلك الخدمة، ألا وهو عدمُ الحفظ والعلم (2) ، عندما قال عن طلبة الحديث: ((فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثر هِمّتهم الكتابةُ والجمع، دون الحفظِ والعلمِ به وتمييزِ الصحيح من السقيم)) (3) .--------------------------------------------
(1) أي الحكم على الحديث بإسناده ومتنه، الذي يتضمّن دعوى نفي الشذوذ والعِلّة.
(2) كأنه يقصد بالعلم به: فِقْهُ علله والفهم الثاقب في عموم فنون علم الحديث.
(3) المجروحين (1/9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وها هو ابن حبان يكون أحد من يؤلف في الصحيح، واضعاً نُصْبَ عينيه الحرصَ على زيادة عدد الصحيح (1) ، ومرتّباً لكتابه على طريقةٍ لا ينتفع بها إلا من حفظه (كما سبق) ، ليقاومَ (من جهة أخرى) ذلك الخلل في منهج التعلُّمِ في زمنه (2) .
بل هذا الحاكم، يَقْصدُ إلى هذا الغرض صراحةً، عندما يؤلف كتابه (المستدرك على الصحيحين) .
إذن فحاجة السنة إلى تمييز الصحيح، كانت سبباً آخر في استمرار اكتمالِ آلة الاجتهاد عند علماء القرن الرابع.
ومن هذه الحاجة إلى حاجة أخرى، لا تَقِلُّ في ضروريّتها عن تمييز الصحيح، ولا في كونها حقًّا موقوفاً على أهل الاجتهاد المطلق، وهي: بيان علل الأحاديث.
ولا أظنني في حاجةٍ إلى التأكيد على أن علم العلل هو كهانةُ علم الحديث عند الجُهّال أمثالنا، وأنَّى لي أن أحتاج إلى ذلك مع تقرير عامّة المتأخرين لذلك.
وإن علماً هذه مكانته، لاشك أن أوّل آلات الاجتهاد فيه هي الحفظ الواسع.
وبَعْدُ.. فهل هناك من شك أن أجلّ ما بلغنا من كتب العلل هو كتاب العلل للدارقطني (ت 385هـ) .
يقول الحُميدي (ت 488هـ) : ((ثلاثةُ كتبٍ من علوم الحديث يجب التّهمُّمُ بها: كتاب العلل، وأحسن كتابٍ وُضع فيه كتاب الدارقطني)) (3) .--------------------------------------------
(1) يتّضح ذلك من كثرة زوائده على الصحيحين، حيث بلغت أكثر (2600) حديث. كما يتضح من نَقْده المبطَّن للبخاري بتركه حديث جماعةٍ من الثقات في صحيحه (الإحسان 1/152-154) ، فكأنه يقول: إن ترك البخاري لحديث هؤلاء احتياطاً، لم يعد مقصداً مقبولاً عند من أراد أن يعرف الحديث الصحيح على التحقيق.. لا على الاحتياط!
(2) فجاء المتأخّرون، بعد انتهاء ضرورة الحفظ التي كانت في زمن ابن حبان، فرتّبوا كتابه، ليسهل تناوله!! كما فعل ابنُ بَلَبَان الفارسي في (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) .
(3) الإعلان بالتوبيخ للسخاوي (161) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وقال ابن كثير، بعد أن ذكر عدداً من كتب العلل:» وقد جمع أزمّة ما ذكرناه كُلَّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلّ كتاب، بل أجلّ ما رأيناه وُضع في هذا الفنّ، لم يُسبق إلى مثله، وقد أعجز من يُريد أن يأتي بشكله، فرحمه الله وأكرمَ مثواه)) (1) .
والعجبُ الذي لا ينتهي أن الدارقطني أملى هذا الكتابَ حفظاً (2) !!!
ولذلك حُقّ للذهبي أن يقول، بعد ذكره إملاءَ الدارقطني لكتاب العلل:» فمن أراد أن يعرف قَدْرَ ذلك، فَلْيُطالعْ كتاب العلل للدارقطني، ليعرفَ كيف كان الحُفّاظ؟!)) (3) . وقال في موطن آخر: ((إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلّت عليه هذه الحكاية، فهذا أمرٌ عظيم، يُقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا … )) (4) .
فمن يستطيع بعد ذلك أن يدّعي أنّ الدارقطني ليس من أهل الاجتهاد المطلق في علوم الحديث؟!!
ومن يستطيع بعده أن يظن بأن القرن الرابع لم يكن من عصور أهل النقد والاصطلاح الحديثي، الذين هم أهل الفنّ مِمّن يُحْتكمُ إليهم؟!!
ولا أنسى في غمرة هذه الحُجَج الباهرة، أن أُذَكِّرَ بعالمٍ آخر، يكفي أن أُسمِّيَهُ وكتابَهُ، لِنَضُمَّهُ إلى أهل الاجتهاد المطلق في علم الحديث خلال القرن الرابع. ألا وهو أبو أحمد ابن عدي (ت 365) ، وكتابه (الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث) .--------------------------------------------
(1) اختصار علوم الحديث - مع الباعث الحثيث - (1/198) .
(2) هذا أمرٌ ثابت لاشك فيه، فقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (12/37 - 38) ، عن شيخه البرقاني، الذي كتب إملاءَ الدارقطني عليه بكتاب العلل، ضمن قصّةٍ لا تحتمل التأويل أو الخطأ.
(3) تاريخ الإسلام للذهبي - حوادث: 381هـ - 400هـ - (103) .
(4) سير أعلام النبلاء (16/455) . وقد كاد الذهبي أن يشك في القصّة، من هَوْل ما دلّت عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ولقد كان يكفي لبيان أن القرن الرابع من عصور أهل الاصطلاح والنقد الحديثي أن أُسمّيَ أولئك النقادَ فقط! (1)
وبذلك نخلص إلى أنّ اكتمال تدوين السنة واكتمال منهجها النقدي في القرن الثالث، لا يعني انقضاءَ زمنِ أئمةِ الاجتهاد المطلق فيه، بل لقد استمرَّ ذلك خلال القرن الرابع. فقد بيّنّا ذلك واقعاً، واستدلالاً لسبب وقوعه.
المرحلة السابعة: وهي القرن الخامس فما بعده.
لقد انتهينا آنفاً إلى أن علوم السنة ابتدأت في التناقص مع نهاية القرن الثالث وبداية الرابع، وحيث إن هذا التناقص كان تدريجيًّا، وحيث إنه لم تزل هناك مَنَاحٍ لخدمة السنة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد المطلق فقد استمرّ هذا القرن مستمسكاً بخصائص القرن السابق له، ولذلك فقد كان من علماء القرن الرابع من كانوا أهلَ اجتهاد مطلق، وألّفوا في أصول العلم وفروعه مصنفاتٍ هي عمدةٌ في بابها لمن أراد أن يتعلّم علومَ السنة.
لكن ذلك التناقص في علم السنّة الذي ابتدأ من أول القرن الرابع متدرّجاً، لم يصل إلى بداية القرن الخامس حتى اتّضحت ملامحه، وقويت أسبابه، وانتشرت دائرةُ أثره، فلم يكد ينجو منه أحد. وهذه هي سُنّة العلوم، كما هو معلوم.--------------------------------------------
(1) وهذا ما كنت فعلته في المنهج المقترح (61 - 62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
فلقد بدأ القرن الخامس وقد بَلَغَ طولُ الأسانيد وتشعُّبُها واختلافُ رواتها مبلغاً هائلاً، ووافق ذلك أن السنّة كُلّها قد دُوِّنت قبل القرن الخامس بقرنٍ من الزمان، ثمّ جاءت مصنّفات القرن الرابع لتقرّبَ قَصِيّ السنّة وتُيَسِّرَ عسيرها، وانضاف إلى ذلك أن أحكام أئمة النقد خلال القرن الرابع فما قبله كانت من الثراء والضخامة إلى درجة الإشعار بالكفاية والغَنَاء (1) فكيف لا يتناقص الحفظ للسنّة في هذا القرن ذلك النقصَ الكبير؟!! بعد وجود أسبابه على أكمل صورة!!
وقد علمنا أن حفظَ الصدور لأسانيد السنّة واختلافِ طرقها هو أوّل أدوات الاجتهاد المطلق في السنّة، فإذا لم يتحقق ذلك الحفظ الواسع عند أحدٍ من أهل العلم أو في أهل جيل منهم، لم يكن أولئك العلماء من أهل الاجتهاد المطلق فيه.
وبناءً على هذا التقرير فإن القرن الخامس ليس من عصور أهل الاجتهاد المطلق في السنة، هذا ما يُمليه علينا التاريخ العلمي للسنّة وعلومها، دون مزايدةٍ على مسألة إجلال أهل العلم ومعرفة أقدارهم.--------------------------------------------
(1) صَرّح عالمان متأخران أنه لا داعي لحفظ الأسانيد؛ لأن الغرض من حفظها تمييز الصحيح من السقيم، وقد كفانا العلماء السابقون مؤونة ذلك. وهذان العالمان هما: مجد الدين ابن الأثير (ت 606هـ) في مقدّمة جامع الأصول (1/53 - 54) ، وأبو شامة المقدسي (ت 665هـ) في كتابه شرح الحديث المقتفى (46) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
ونحن نسأل من يأبى إلا المزايدة على تلك المسألة: هل استمرّ الاجتهاد المطلق في علوم السنّة إلى اليوم؟ أم انتهى عند عصر من العصور. فإن قال إنه مُستمرٌّ إلى اليوم، سألناه عن آلات الاجتهاد المطلق، وهل تحقّقت في أحدٍ من أهل هذا العصر، بل فيمن قبلهم بقرون؟!!! وإن قال إنه ينتهي في العصر الفلاني أو الفلاني، قلنا له: ولمَ لا يكون قبله أو بعده؟ أرّخْ لنا علوم السنة مبيّناً لنا كيف قُلتَ بهذا القول، ثمّ يُمكن لغيرك أن يرفع عليك عصاً كنتَ قد رفعتها على من سواك، هي المزايدة على إجلال العلماء وتقديرهم ممّن جاؤوا بعد العصر الذي اخترته.
إن اعتبار علماء القرن الخامس ممن نقصت فيهم أهليّة الاجتهاد في علوم السنة عن درجة الاجتهاد المطلق ليس رأياً مبتدعاً، ولا هو بالقول العريّ عن الدليل، فقد سبق الاستدلال له، وسيأتي مزيد تقرير له. وأمّا كونه ليس رأياً مبتدعاً، فقد سبق إليه عالمٌ كبير، حيث ذكر رأيه في هذه المسألة، واختلفت فُهُوم العلماء لها. أعني ابن الصلاح رحمه الله ورأيه في مسألة التصحيح والتضعيف لأهل الأعصار المتأخّرة.
ولن أدخل غمار هذه المسألة هنا، ولكني أريد أن أقرّر تقسيم ابن الصلاح كما يراه هو.
فلقد قسّم ابن الصلاح العلماء إلى قسمين مختلفي الأعصار: فعلماء الأعصار الأولى هم الذين يحق لهم الاستقلال بالحكم على الأحاديث (أسانيد ومتوناً) ؛ لاكتمال آلة الاجتهاد فيهم. وعلماء الأمصار المتأخّرة هم الذين لا يحق لهم ذلك الاستقلال بالحكم؛ لنقص أهليتهم عن هذه الرتبة (1) .
ولا أُريد هنا مناقشة هذا الرأي، تأييداً أو ردًّا، ولكني أريد أن أستثمره في معرفة الحدّ الذي اعتبره ابن الصلاح بداية الأعصار المتأخّرة التي لا يحق لعلمائها الاستقلال بالحكم على الحديث لنقص أهليّتهم.--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (16 - 17، 102 - 103) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وقد كتبتُ بحثاً في ذلك، وهو في طوره للنشر. لكني أختصره هنا ذاكراً نتيجة ذلك البحث ودليلَه بإيجاز.
لقد ذهب ابن الصلاح إلى أن القرن الرابع فما قبله هو من عصور أهل الاجتهاد المطلق، وأمّا القرن الخامس فهو من العصور المتأخّرة التي نقصت أهليّة علمائه عن بلوغ تلك الرتبة.
والدليل على أن ابن الصلاح قد حدّد هذا التحديد أمران:
الأول: أن ابن الصلاح لمّا ذكر العلماءَ الذين يُعتمد على أحكامهم في التصحيح، ذكر علماء من القرن الثالث والرابع، فكان ممن ذكرهم من القرن الرابع: ابن حبان (ت 354هـ) ، والدارقطني (ت 385هـ) ، وجاء آخرهم الحاكم (ت 405هـ) (1) . ولم يذكر ابنُ الصلاح أحداً بعد الحاكم، بل كان ذِكْرُهُ للحاكم وانتقاده له بالتساهل في التصحيح يدل على أنه عنده يمثِّلُ آخر المرحلة التي هو منها، وكأنّه آخر الموجة التي تكسّرت على أسوار القرن الخامس الهجري!
الدليل الثاني: أنّ ابن الصلاح ربط هذا التقسيم وعَلّله بتحقُّقِ صفات، هي تدوين السنّة الذي أدّى إلى نقص الحفظ، ذلك التدوين الذي لم يُبْقِ لأسانيد المتأخرين إلى دواوين السنّة دوراً في إثبات النقل، وإنما هي رمزٌ وخصيصةٌ للأمّة المحمّديّة، يُحرص على أن لا تزول. ولذلك فإنه يُتساهَل مع رواة الأعصار المتأخّرة، اكتفاءً منهم بحفظ تلك الخصيصة الإسناديّة (2) .
وبذلك يعتبر ابنُ الصلاح أن العصر الذي تتحقق فيه تلك الصفات هو عصر عدم الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لنقص أهليّة علمائه عن ذلك.
وبعد أن قرّر ابنُ الصلاح هذا الأمر، أورد كلاماً للبيهقي (ت458هـ) ، يذكر فيه البيهقي أن عصره قد تحقّقت فيه تلك الصفات (3) .--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (21 - 22) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح (16 - 17، 120 - 121) .
(3) علوم الحديث لابن الصلاح (121) ، وكلام البيهقي الذي نقله ابن الصلاح موجود في مناقب الشافعي للبيهقي (2/321 - 322) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
إذن فعصر البيهقي، والبيهقي نفسه، ليس من أهل الاستقلال بالحكم على الحديث عند ابن الصلاح، لعدم كمال الأهليّة.
ولا يُمكن أن يكون ابن الصلاح قد أخرج القرن الرابع إلى هذا الحدّ الممنوع أصحابُهُ عن الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لأنّه صرّح بقبول ذلك الاستقلال من بعض أعيانه، كما سبق.
والبيهقي عَلَمٌ من أعلام النصف الأول من القرن الخامس.
والنتيجة: هي ما سبق أن ذكرناه، من أن القرن الخامس عند ابن الصلاح ليس من عصور علماء الاجتهاد المطلق في السنة!!
وبذلك يتّضح أن ذلك الحدّ الذي تبنّيتُه ليس حدًّا مبتدعاً، فهو قولٌ لإمام معتبر، والدليل يؤيّده، ولا أعرف لغيره دليلاً!!
وتالله إن الأمر ليس في حاجةٍ إلى استدلالٍ له بالسبق إليه من عالم، بعد ذلك التوضيح التاريخي!
ثم ألا يكفي اعتراف أهل القرن الخامس أنّهم ليسوا سوى متّبعين لعلماء السنّة الأول، مترجمين لمعاني مصطلحاتهم في علمهم، ومقرّرين لقواعده عندهم!!
وقد سبق كلامُ البيهقي في ذلك، الذي يقول في آخره: ((حتى ترك أوائلُ هذه الأمّة أواخرها - بحمد الله - على الواضحة، فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلهم، واقتدى بهم صار على بيّنةٍ من دينه)) (1) .
ويصرّح الخطيب بذلك في مقدّمة كتابه (الكفاية) (2) ، ويرثي علم الحديث في عصره في كتابه (الجامع) ، ويقول خلال ذلك عن علماء الحديث:
وقد كنّا نعدهم قليلا......فقد صاروا أقل من القليل (3)
أمّا بعد القرن الخامس: فالأمر فيه واضحٌ، والاستدلال له أكثر من أن يستوعبه هذا المقال المختصر. لكني أكتفي بنقل كلامٍ لعالمين كبيرين، أحدهما من القرن السادس، والثاني من القرن الثامن.--------------------------------------------
(1) مناقب الشافعي للبيهقي (2/322) .
(2) الكفاية للخطيب (18، 22) .
(3) الجامع للخطيب (1/168 رقم 91) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
أمّا الأول فهو ابن الجوزي (ت 597هـ) ، حيث ذكر في كتابه (الموضوعات) تعليلاتٍ خفيّةً من كلام أبي عبد الله الحاكم، ثم قال: ((فإن قويَ نظرُك ورسخت في هذا العلم فَهِمْتَ مثل هذا، وإن ضَعُفْتَ، فَسَلْ عنه. وإن كان قد قَلَّ من يَفْهمُ هذا، بل عُدِم)) (1) .
وأمّا الثاني فهو الذهبي (ت 748هـ) ، فقد قال وهو يؤرّخ للقرن الثالث الهجري ولمن فيه من علماء الحديث: ((وخلقٌ كثيرٌ لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمعُ في الرحلة منهم المئتان والثلاثمائة بالبلد الواحد، فأقلّهم معرفةً كأحفظ من في عصرنا)) (2) .
ويقول الذهبي أيضاً في موطن آخر: ((ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة، ولم يزل يتناقص إلى اليوم. فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدّثين على قِلّتهم نظيرُ صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم. وكم من رجل مشهورٍ بالفقه والرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلّمي القدماء أعرف بالأثر من سُنّيّة زماننا)) (3) .
ويقول في موطن ثالث: ((وليس في كبار محدّثي زماننا أحدٌ يبلغ رُتبة أولئك في المعرفة … (إلى أن قال في الردّ على من لمزَ متقدّمي المحدثين بنقص الفقه) : فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء. ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدّثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل … )) (4) .
وأقف هنا، ولولا ضيق الوقت لاتّسع المقال.
ولكن فيما تقدّم كفاية.
الخاتمة:--------------------------------------------
(1) الموضوعات لابن الجوزي (1/145) .
(2) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (197 بعد رقم 357) .
(3) زغل العلم للذهبي (32) .
(4) تذكرة الحفاظ للذهبي (2/628) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
إن من أعظم أسباب صعوبة علوم الحديث، ومن أشدّ أسباب غموض فنونه هو ذلك الاختلاف الكبير في مصطلحاته وفي بعض قواعده. ولذلك كان من المهمّ أن يَتقلّصَ هذا الاختلافُ قَدْر المستطاع؛ لأن الاختلاف في القاعدة يؤدّي إلى اختلاف في عددٍ كبير من المسائل الجزئيّة التي تنبني عليها؛ ولأن الاختلاف في تفسير المصطلحات سيُغيّرُ فَهْمَنا لكلام العلماء وأحكامهم، وبالتالي سيؤول إلى الاختلاف في التقعيد أيضاً.
وكان تقليصُ هذا الاختلاف سهلاً لو كان الاختلافُ غيرَ منهجي كُلَّه، أي لو كان الاختلاف نشأ مع اتّحادِ منهج البحث والدراسة، وأنه إنما نشأ بسبب عدم الاطلاع على بعض أدلّة البحث وعدم ملاحظة جميع معطياته. حيث إن الاجتهاد المتّفِقَ في المنهج المختلِفَ في النتائج، زوالُ الاختلاف فيه يكون باستكمال البحث في أدلّة المسألة المختلف فيها. أمّا الاختلاف المنهجي، فلا علاقة له بالاطلاع على الأدلّة أو عدم الاطلاع عليها، وإنما هو متعلّقٌ بأصول الدراسة ومَنْحَى التأمُّل والنظر.
والواقع: أن الاختلاف في علوم الحديث منه ما هو اختلافٌ جزئي، ومنه ما هو اختلافٌ منهجيّ. والذي يعنينا هو الاختلاف المنهجي؛ لأهميته، ولخطورته.
لقد جاءت هذه المقالة لبيان مسألةٍ مهمّة في سبيل تصحيح ذلك الخطأ المنهجي، وقبل بيان الأمر الذي عالجه هذا المقال، أودّ توضيح ذلك الخطأ المنهجي الذي نتحدّث عنه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
لقد تحدّثت عن طرف مهمّ من هذا الخطأ المنهجي في كتابي المنهج المقترح، وذلك بما أسميته بـ (فكرة تطوير المصطلحات) ، وهي تقرير معانٍ لمصطلحات الحديث غيرِ معانيها عند أهل الاصطلاح، مع العلم بهذا التغاير، ثم التعامل مع كلام أهل الاصطلاح وفق هذا المعنى الجديد ومحاكمتهم إليه (1) .
لقد أباح بعضُ أهل العلم لنفسه أن يقع في هذا الخطأ الكبير، الذي هو في واضحِ حقيقته مشاحّةٌ في الاصطلاح، لا وَجْه لها. وهو في خافي حقيقته منازعةٌ لأهل الاصطلاح ممن ليس من أهله فيما ينازعهم فيه. ذلك أن الذي يأتي إلى علم مكتملِ القواعد والأصول، مُقرَّرٍ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّةٍ سابقةٍ له، كان ينبغي عليه أن يأخذ هذا العلمَ كما هو عن أهله، ولا داعي إلى تغيير مصطلحاته (2)--------------------------------------------
(1) لذلك أمثلة متعدّدة ذكرت بعضها في المنهج المقترح، لكني أحيل هنا إلى مثال آخر، فانظر موقف الحافظ من وصف أبي داود لحديث بأنه منكر في النكت (2/677 - 678) ، ومن وصف أبي حاتم لحديث آخر بأنه منكر أيضاً، كما في اليواقيت والدرر للمناوي (1/426 - 427) .
(2) وهذا يذكّرني بما أخذه ابن الصلاح على البغوي في كتابه المصابيح من إطلاقه (الحسن) على ما أخرجه أصحاب السنن، حيث قال (37) : ((فهذا اصطلاحٌ لا يُعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارةً عن ذلك، وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن)) .
ووافقه على هذا الانتقاد النووي (انظر: تدريب الراوي 1/179) .
وأيّدهما الزركشي في النكت (1/343) ، قائلاً: ((نعم، في السنن أحاديث صحيحة ليست في الصحيحين، ففي إدراجه لها في قسم الحسن نوع مشاحّة)) .
ولذلك أبى البُلْقِيني الجوابَ عمّا وقع من البغوي بأنه اصطلاح له ولا مشاحة في الاصطلاح، بقوله في مقدّمة ردّه على هذا الجواب: ((ولا يُقال: الاصطلاحات لا مشاحةَ فيها)) . (محاسن الاصطلاح 183) .
وهذه المسألة من مشاهير مسائل الحديث الحسن في كتب المصطلح، فانظر النكت لابن حجر (1/445 - 446) ، وفتح المغيث للسخاوي (1/99 - 100) ، والبحر الذي زخر للسيوطي (3/1142 - 1147) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
؛ لأن ذلك لا فائدة فيه، ما دامت مصطلحاته القديمة قد قامت بخدمة ذلك العلم، وقد دُوّنت أصول العلم وأمهات كتبه عليها. بل ذلك التغيير سيؤدّي إلى تعسُّرِ ذلك العلم بتعدُّد معاني ألفاظه، وربّما أدّى إلى فَهْمِ كلام السابقين وَفْق اصطلاح اللاحقين (كما وقع بالفعل) ، بل ربما أدّى ذلك إلى محاكمة السابقين وتخطيئهم وفق ذلك الاصطلاح الحادث (وهذا قد وقع أيضاً) ، ثم يؤدّي ذلك إلى تقرير قواعد العلم بناءً على ذلك الفهم الخطأ لكلام الأئمة النقاد. وإذا افترضنا أن شيئاً من هذه المحاذير لم يقع، سوى أنّ أحدهم اقترح معاني جديدةً لمصطلحات قديمة، مبيّناً صراحةً أنّها اصطلاحاتٌ خاصّةٌ به، لا علاقةَ لها بغيره؛ فإنني أعود لأسأل: إذا أبحنا لأحدٍ فِعْلَ ذلك، فبأي حق أمنع غيره منه؟! وإذا لم أمنع غيره، فتعدّدت معاني المصطلحات الخاصّة في ذلك العلم بتعدُّد الكاتبين فيه، فلك أن تتصوّر التعسُّر بل التعذُّرَ في تعلُّم ذلك العلم الذي سيحدث جرّاءَ تلك المعاني المختلفةِ المتباينةِ في علمٍ واحد.
أعود لأقول: إن العلم المكتمل القواعد والأصول، المقرَّرَ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّة: لا يحق لأحدٍ أن يحاول تأصيلَ غير ما اكتمل من قواعده، ولا أن يُقَرِّرَهُ بغير اصطلاحاته التي تقرَّرَ عليها من قَبْل؛ لأنّ في فعل شيءٍ من هاذين الأمرين إضاعةً لذلك العلم وتدميراً له!!!
إذن فالعلم الذي اكتملت قواعده وأصوله من قبل، ينبغي أن يكون سبيل تعلُّمِه بالرجوع إلى ما سُبقنا إليه من تقرير تلك القواعد والأصول؛ لأن في الخروج عنها خروجاً عن الكمال، والخروج عن الكمال نقص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ثم إن العلم الذي قُرّرت قواعدُهُ المكتملةُ باصطلاحات معيّنة، ينبغي أن نحرص على فَهْمِ مصطلحاته (التي سُبقنا إلى تقرير قواعده بها) على ما كانت عليه، حتى يتسنّى لي فَهْمُ تلك القواعد وفهم ذلك العلم؛ وإلا فلن أفهم تلك القواعد فهماً صحيحاً إن فهمت كلام من أكملوا ذلك العلم بتلك الألفاظ والتعابير على غير مقاصدهم منها، وإن شرحت مصطلحاتهم بخلاف مرادهم منها.
وهذا التقرير يعني: أن هناك مَنْ ينبغي أن يُلْتَزَمَ بتأصيلهم لقواعد العلم، وينبغي أن لا نخرج عن مقاصدهم من مصطلحاتهم ليُفهم عنهم ذلك العلم. وهذا يعني أن هناك من يُحتكمُ إليهم في تصويب تنظير على تنظير ممن جاؤوا بعدهم، وأنّ هؤلاء المتأخّرين إذا خالف أحدُهم في معنى مصطلح من مصطلحاتهم قُضيَ عليه بالخطأ لمجرّد أنه خالفهم.
ومن هنا تتبيّن الأهميّة القصوى لمعرفة من هُمْ أولئك العلماء الذين هم الحَكَمُ في معرفة الصواب والخطأ؛ ولمَ كانوا هُمْ - دون مَنْ سواهم - أصحابَ هذه المنزلة؟.
لقد جاء هذا البحث جواباً عن هذا السؤال الجوهري، واستدلالاً لصحّة هذا الجواب.
وبعد هذا العرض أسأل، وأترك الجواب للمنصفين:
1 - من هم الذين أسسوا علوم السنّة، وبنوا صَرْحها، حتى بلغت حدَّ الاكتمال؟
2 - من هم الذين لم يتركوا لمن جاء بعدهم مجالاً للزيادة في تقعيد علمهم، فلم يَعُدْ بإمكان الذين تأخروا عنهم أن يضيفوا إلى تقعيدهم المكتملِ شيئاً، ولم يَبْقَ عليهم إلا واجب الحفاظ على ذلك العلم العظيم؟
3 - من هم أصحاب الاجتهاد المطلق في ذلك العلم، وعندهم الأهليّة العلميّة الكاملة للكلام في أصول مسائله كلِّها وفي فروعها؟ بخلاف من سواهم، ممن يلزمهم تقليدُ أولئك في بعض أهمّ مسائل العلم، وقد صَرّحوا كثيراً بهذا الالتزام؛ لنقصان أهليتهم العلميّة عن رتبة الاجتهاد المطلق في هذا العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)