- أو باب إخراج كل ما أُسند في هذا الموضوع، فيروي كل ما جمعه في هذا الباب. (1)
وبهذه الأسباب نختم الفصل الثالث؛ لننتقل إلى تحرير مصطلح الشذوذ، والذي رأيت أن يكون ترتيبه الرابع بين فصول هذا البحث؛ لتعلّقه بتحرير قيود تعريفات الفصول الثلاثة السابقة (الصحيح، والحسن، والضعيف)، وإلى الفصل الرابع: الحديث الشاذ.--------------------------------------------
(1) ينظر: العثمان، المحرر، 135 - 141 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
الفصل الرابع: الحديث الشاذ
المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:
الشاذ في اللغة: مأخوذ من شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذاً: أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم.
فالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الانفراد، والمفارقة، والتنحِّي، والإقصاء، والمخالفة. (1)
المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثاً عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (2)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي رحمه الله ثم يذكرون بعضاً من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (3)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:--------------------------------------------
(1) ينظر مادة (ش ذ ذ): الفراهيدي، العين، 6/ 215، ابن فارس، المقاييس، 3/ 180، الرازي، المختار، 354، ابن منظور، اللسان، 3/ 494، الفيروزآبادي، القاموس، 334، المعجم الوسيط، 1/ 476.
(2) "بعض أهل العلم ممن له استقراء لكتب العلل يقول: إنه لم يقف في أحكام المتقدمين على حكم لحديث بلفظ (شاذ)، وهذا حق إلا في النادر، لكن لا شك أن أهل الحديث استعملوا من الأحكام ما يدل على معنى الشذوذ، كقولهم: (خطأ)، وقولهم (لا يُتابع عليه)، وقولهم (غير محفوظ)، وهذا معنى قول ابن الصلاح رحمه الله: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث" -ابن الصلاح، علوم الحديث، 80 - وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله من كلام المتقدمين حيث رأى أن ذلك يُراد به في بعض الأحيان الشاذ." العثمان، المحرر، 227 - 228.
(3) استدراك من فضيلة المناقش: كلام الشافعي يدل على أن هناك من عرّف الشاذ في عصره بالتفرّد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
تعريف الشافعي (ت 204 هـ):
روى ابن أبي حاتم (1) بإسناده إلى الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم" (2)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (3)
وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن الشافعي قوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم." (4)
تعريف أبو بكر الأثرم (5) (مختلف في وفاته ما بين 261 - 273 هـ):
قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (6)--------------------------------------------
(1) عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي، أبو محمد ابن أبي حاتم. محدث حافظ. من مصنفاته: (الجرح والتعديل) و (علل الحديث) ، وغيرها. مات سنة 327 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 13/ 263. الصفدي، الوافي بالوفيات، 18/ 135 (6832)، كحالة، المؤلفين، 2/ 109 (6961).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: عبدالرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، ط 2 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1413 هـ= 1993 م) 233، الخطيب البغدادي، الكفاية، 141.
(3) أخرجه البيهقي كذلك من طريق الحاكم في معرفة السنن والآثار، ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 119، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، (القاهرة-المنصورة: دار الوفاء، 1412 هـ=1991 م) 1/ 143 ح (169).
(4) ابن أبي حاتم، آداب الشافعي، 234، وأخرجه أيضاً ابن عدي في مقدمة الكامل في الضعفاء مع وجود خطأ مطبعي دمجت فيه كلمة (نصّ) وما بعدها فكتبت (نصرتهم)، ابن عدي، الضعفاء، 1/ 207.
ومن هذه الروايات الثلاث لمعنى الشاذ عند الشافعي نجده رحمه الله قيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة. وما جاء في بعض روايات التعريف بعموم المخالَف وهو قوله: "يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس" خصته الروايات الأخرى بالثقات.
يقول الدكتور عبدالجواد حمام أنه بحث عن تعريف الشاذ في كتب الشافعي فلم يجده، والذين نقلوا كلامه في الشاذ لم يعزوه إلى شيء من كتبه، "وإنما رُوي كلام الشافعي عنه مُسنداً، ولعله قاله مشافهة ولم يسطّره في كتاب؛ ولذلك وقع شيء من الاختلاف في النقل عنه". حمام، التفرد، 332.
(5) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، أبو بكر الأثرم البغدادي، الفقيه الحافظ، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وروى عنه الناس، قال ابن حبان "وكان من خيار عباد الله من أصحاب أحمد ابن حنبل" اُختلف في تاريخ وفاته، قيل: 261، وقيل ما بعدها، وقيل تأخرت وفاته إلى 273 هـ. ينظر: ابن حبان، الثقات، 8/ 36، الذهبي، السير، 12/ 623 (247)، ابن حجر، التهذيب، 1/ 78 (133).
(6) هكذا جاء تعريفه للشاذ مقيّداً بالمخالفة، والناظر للتعريف مجرداً يجده قد أطلق رتبة المخالِف، والمخالَف ولم يحددهما، لكن بتتبّع السياق الذي ورد فيه التعريف والمثال الذي ذكره يظهر أنه أراد مخالفة الثقة للثقات، وبهذا يكون موافقاً للشافعي في تعريفه للشاذ. ينظر: أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، ط 1، بلد النشر] بدون [: ن] بدون [(1419 هـ) 181، ابن رجب، العلل، 1/ 457. وسيأتي مزيد إيضاح أثناء تحرير التعريفات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
تعريف صالح جزرة (1) (ت 294 هـ)
قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف" (2).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (3)--------------------------------------------
(1) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب السدي، يكنى أبا علي، ويلقب جزرة، وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار، ومعرفة نقلة الأخبار. مات سنة 293 هـ. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9/ 322 - 328 (4862)، الذهبي، السير، 14/ 23 - 33 (12)،
(2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 141.
تعريفه الشاذ بالمنكر الذي لا يُعرف، أي الشاذ في مقابلة المعروف عند الأئمة، يترتب عليه أن الشاذ والمنكر عنده بنفس المعنى، وقال الدكتور أبو سمحة: "قوله (لا يُعرف) إما بتفرّد أو مخالفة الراوي". بينما كان للدكتور عبدالجواد حمام رأي آخر حيث قال شارحاً لتعريف الحافظ صالح جزرة: "يلاحظ في عبارته: … أن الوصف المؤثر في الشاذ هو كون الحديث منكراً غير معروف، أي عدم معرفة الحفاظ له؛ على سعة اطلاعهم، وإحصائهم للرواة والمرويات، وعدد الروايات المروية بكل سند تقريباً، فكونه خارجاً عن محفوظاتهم، غريباً عليهم، هو الذي أثر في وصفه بالشذوذ. -أنه لم يذكر في الشاذ وصف المخالفة. - أنه إنما يتكلّم عن الشاذ في معرض الذم والقدح." المراجع: أبو سمحة، الحديث المنكر، 152، حمام، التفرد، 343.
(3) وذلك بعد أن قال: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم". الحاكم، علوم الحديث، 119.
قال ابن الأثير موضحاً ما ذهب إليه الحاكم بقوله: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، … والشاذ: ما لا يعرف له علة." ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 177.
يقول الدكتور نورالدين عتر في تحقيقه لشرح علل الترمذي: "وثمة تحقيق جديد في مراد الحاكم بالشاذ، هو أنه نوع دقيق من المعلل، قد أُعلَّ بأمر دقيقٍ من التفرد، هو أعمق من ظاهر معنى التفرد، فهو نوع من المعلل ينقدح في نفس الناقد تعليله، وقد تقصر عبارته عن الإفصاح به، لكون علته ليست من نوع العلل المعروفة، كوصل حديث مرسل، أو وهم راو، أو دخول حديث في حديث.
وهذا ما تفيده عبارة الحاكم، وتدل عليه الأمثلة التي ذكرها للشاذ، وهو أن الشاذ نوع من الحديث الفرد، يقع رجاله في السند على نسق فريد لم يُعرف في سياق أسانيد الأحاديث غير سياق الحديث المحكوم عليه بالشذوذ، وكذلك المتن. وذلك يُشعر بوقوع خلل في الحديث وإن كنا لا نستطيع بيان هذا الخلل وتعيينه ما هو؟ ". ينظر: ابن رجب، شرح العلل، 1/ 459 - 460.
"أي: أن للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:
1 - تفرد ثقة.
2 - ينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وبهذا إذا كان هناك حديث فرد ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم. الأثري، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت 446 هـ):
عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (1)، ثم أردفه بقوله: "والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (2)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به" (3)--------------------------------------------
(1) الخليلي، الإرشاد، 1/ 176 - 177.
(2) لفظ (شيخ. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 2/ 37، ابن القطان، الوهم والإيهام، 4/ 627، الذهبي، الميزان، 2/ 385 (4177)، الذهبي، الموقظة، 78، الليث آبادي، المعجم، 77، الغوري، الموسوعة، 285 - 286.
(3) الخليلي، المرجع السابق. حيث ذكر المراد بالشاذ بعد أن ذكر أنواع الأفراد، وميّز بين تفرّد الأئمة الحفاظ، وتفرّد الشيوخ.
قال ابن رجب موضحاً مراد الخليلي من تفرد الشيوخ بقوله: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، … " إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم" ينظر: ابن رجب، العلل، 1/ 461 - 462 باختصار.
وعلى ذلك فإن "وصف (شيخ) ليس المراد منه هنا الجرح أو التعديل من حيث الضبط والعدالة؛ لأنه ذكر أن هذا الشيخ قد يكون ثقة وقد يكون غير ذلك، وما كان عن غير ثقة فهو متروك، وما كان عن ثقة فهو متوقف فيه، وغير محتج به. فما الفرق إذن بينه وبين الأئمة والحفاظ؟
الظاهر أن الفرق يتعلّق بكمِّ الرواية، وسعة المرويات، وشهرة هذا الراوي، لا من حيث التوثيق والتجريح، فالإقلال من الرواية قد يكون سبباً في عدم شهرة الراوي أو معرفته؛ لذا يوصف بأنه: (مستور) أو (محله الصدق)، أو يوصف بأنه (شيخ) فهو لم يوثق ولم يجرح، لعدم اختبار ضبطه، لكن قد ارتفعت الجهالة عنه." حمام، التفرد، 378 - 379.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
تعريف الميانشي (ت 581 هـ):
قال الميانشي: "وأما الشاذ: فهو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (1).
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
قال ابن الصلاح: "الشاذ المردود (2) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (3)--------------------------------------------
(1) الميانشي، ما لا يسع جهله، 29.
قال الزركشي: "وجرى الميانشي على طريق المحدثين." ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف، وقال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جرياً على طريق المحدثين. ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 139.
(2) وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" الدهلوي، أصول الحديث، 77.
"وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." الزركشي، النكت، 140، ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 31 - 32.
(3) ابن الصلاح، علوم الحديث، 79.
ذكر ابن الصلاح التقسيم السابق بعد أن ناقش تعريف كل من الشافعي والحاكم والخليلي، واعترض على الأخيرين بقوله: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول:
" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له، مزحزحاً له عن حيز الصحيح.
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمَّنا - بشيء من التصرّف- ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
وممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت 702 هـ) (1)، والذهبي (ت 748 هـ) (2)، والبلقيني (ت 805 هـ) (3)، والعراقي (ت 806 هـ) (4)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت 733 هـ) في تقسيمه فقال: "وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (5).
وكان ممن رجّح بين التعريفات: ابن القيم (ت 751 هـ) حيث رجّح تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 17.
(2) ينظر: الذهبي، الموقظة، 42.
(3) ينظر: البلقيني، المحاسن، 170.
(4) ينظر: العراقي، التقييد، 100، العراقي، التبصرة، 1/ 246.
(5) ابن جماعة، المنهل، 51.
قال الطيبي في الخلاصة: "قوله (أحفظ منه وأضبط) على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردوداً" الطيبي، الخلاصة، 77.
أضاف محقق المنهل ط غراس: "بل يُعطى له حكم التعارض، ويُدفع ذلك التعارض بأحد وجوه الترجيح المعروفة عند علماء هذا الفن". ينظر: ابن جماعة، المنهل الروي، 136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يسمى شاذاً، وإن اُصْطُلِح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغا له." (1)
وكذلك النووي (ت 676 هـ) ففي كتابه (التقريب) (2) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله "ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لا يخالفه فليس بشاذ، بل يُحتجُّ به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين" (3)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضاً: ابن كثير (ت 774 هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: "الذي قاله الشافعي أولاً هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئاً قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلاً ضابطاً حافظاً" (4).
وابن الملقن (ت 804 هـ) لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (5) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: "الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات" (6).
ومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح:--------------------------------------------
(1) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، 1/ 522.
(2) النووي، التقريب، 40.
(3) النووي، المجموع شرح المهذب 4/ 143، ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 138.
(4) ابن كثير، الاختصار، 50.
(5) ابن الملقن، المقنع، 1/ 165.
(6) ابن الملقن، التذكرة، 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
تعريف ابن حجر (ت 852 هـ) حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): "الشاذ: ما رواه المقبول (1) مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه." (2)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد (3) في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."
وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (4)
وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت 902 هـ) وتبعه السيوطي (ت 911 هـ) (5) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة (6)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه". (7)--------------------------------------------
(1) أي: ثقة أو صدوق. ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، السيوطي، التدريب، 1/ 279.
وعبّر بالمقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن. ينظر: السليماني، الجواهر، 302.
(2) ابن حجر، النزهة، 85.
(3) ذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاق آخر عند المحدثين، مثل إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته. ينظر: ابن حجر، النزهة، 129.
(4) ابن حجر، النكت، 2/ 671.
(5) ينظر: السيوطي، الألفية، 22.
(6) قيّد التهانوي المخالفة في تعريفه للشاذ بكونها تستلزم رد ما رواه الأرجح، فقال: "والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفاً لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو مرجِّحٍ سواهما (مخالفة تستلزم ردَّ ما رواه الأرجح)."
وقال الجزائري في توجيه النظر: "والشذوذ مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين."
المراجع: التهانوي، قواعد في علوم الحديث، 42، الجزائري، توجيه النظر، 1/ 180".
(7) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: "الشاذ اصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس; بحيث لا يمكن الجمع بينهما" (1).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
ابتدأ ابن الصلاح - في نوع الحديث الشاذ- بتعريف الشافعي للشاذ، وأتبعه بتعريف الخليلي ثم الحاكم، وأعقب ذلك بتصويب ما ذكره الشافعي، واستشكل ما جاء عن غيره بأفراد العدول الضابطين المخرجة في الصحيح، وقال:
"فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّنه، فنقول:
إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا (2). وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان
عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبِل ما انفرد به (3)، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما--------------------------------------------
(1) السخاوي، المرجع السابق، 1/ 244.
(2) وقد ذكر ابن الملقن في كتابه المقنع مثالاً لكل نوع: فقال:
"مثال الحديث الفرد المخالف: ما رواه أبيض بن أبان الثقفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: ((من كان مصليا فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعا.
- والحديث أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 10/ 298 ح (4108).
قال محقق كتاب المقنع في الهامش: تفرد أبيض بذكر الأربع قبل الجمعة … حيث رواه الثقات عن سهيل، ومنهم سفيان الثوري، بدون الأربع قبل الجمعة، - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجمعة 2/ 600 ح (881) - فخالف أبيض بن إبان الثقات في ذلك. ومثله لا يحتمل ذلك، فإنه لين الحديث ليس بالقوي. ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 169.
(3) "ومثال ما تفرد به الحافظ الضابط المقبول: كحديث مالك عن الزهري عن أنس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر)) ابن الملقن، المرجع السابق، 1/ 176.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم 3/ 17 ح (1846)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام 2/ 989 ح (1357).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له، مُزحزحاً له عن حيز الصحيح (1).
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك (2)، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به (3)، وكان من قبيل الشاذ المنكر." (4)
وقد فصّل وذكر أنواع التفرد الحاصلة من الرواة في روايتهم، وأثر مرتبة الراوي من الضبط والإتقان في قبول روايته أو ردّها، ثم خلص رحمه الله إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.--------------------------------------------
(1) "ومثال ما رواه غير الموثوق بحفظه وإتقانه منفردا به: حديث ابن عباس في التقاء الخضر وإلياس كل عام. قال الدارقطني: "لم يحدث به غير الحسن ابن رزين عن ابن جريج عن عطاء عنه". قلت: وهو صاحب مناكير." ابن الملقن، المرجع السابق، 1/ 170 - 171. والقصة أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات 1/ 195 -
(2) "ومثال المتفرد الذي هو غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، وتفرده حسن: حديث واثلة مرفوعا: ((المرأة تحوز ثلاثة مواريث)) رواه ابن ماجة -في سننه كتاب الفرائض، باب تحوز المرأة على ثلاث مواريث 2/ 916 ح (2742)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ما يرث النساء من الولاء 3/ 500 ح (2115) - وقال: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب على هذا الوجه". ابن الملقن، المرجع السابق، 1/ 176 - 177.
(3) مثال البعد من درجة الحافظ الضابط المقبول: حديث أبي سعيد الخدري في الدعاء بعد الوضوء بـ ((سبحانك اللهم وبحمدك)) - أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن 1/ 752 ح (2072)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- قال الدارقطني: "تفرد به عيسى بن شعيب". ابن الملقن، المرجع السابق، 1/ 171 - 176.
(4) ابن الصلاح، علوم الحديث، 78 - 79.
قال البقاعي: "ليس في هذا التفصيل من الشاذ إلا ما قاله أولا، وهو الذي عرف به الشافعي، وأما الثاني: فهو صحيح غريب، وأما الثالث: فهو حسن لذاته غريب، وأما الرابع: فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." البقاعي، النكت، 1/ 465.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (1)
قيود الشاذ عند ابن الصلاح:
نجد أن ابن الصلاح حين قسّم الشاذ إلى قسمين، جعل أحدهما موافقاً لتعريف الشافعي للشاذ من حيث اشتراط المخالفة من الراوي لغيره من الثقات؛ إلا أنه أطلق رتبة الراوي المُخالِف فيشمل بذلك الثقة وغيره، بينما الشافعي قيّد المخالِف بالثقة.
وجعل القسم الثاني خاصاً بتفرّد الرواة الذين هم في الثقة والضبط دون مرتبة رواة الصحيح والحسن لذاته (2).
فالقسم الأول من الشاذ عند ابن الصلاح: مطلق المخالفة من الراوي - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
والقسم الثاني من الشاذ عند ابن الصلاح: تفرّد الضعيف (3)، أو بشكل أدق تفرّد من لا--------------------------------------------
(1) ابن الصلاح، المرجع السابق.
(2) إذ أنه اشترط في راوي الحسن لذاته "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً". ابن الصلاح، المرجع السابق، 31 - 32.
"وسوف يأتي أنه يشترط في الشاذ هذا الذي أشار إليه: أن لا يكون راويه في مرتبة الثقات الأثبات من رجال الصحيح، ولا في مرتبة من دونهم من رجال الحسن كما سيأتي واضحاً، فهذا يدلك على أن رجال الحسن مرتفعون عن مرتبة المجاهيل والضعفاء بمرة." ابن الوزير، التنقيح، 75.
ويُفهم من ذلك أن رواة الحديث الصحيح، ورواة الحسن لذاته على مراتب من الحفظ والإتقان تجبر لهم تفردهم بالحديث فلا يُستنكر ما لم تكن هناك قرينة تدل على النكارة والشذوذ.
(3) حيث قال: "فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق، 79.
وقد تعقّبه البقاعي في تسمية تفرد الضعيف شذوذاً فقال في تفرد الضعيف: "فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي."
واستشكل السخاوي تسمية ما تفرّد به الضعيفُ شاذاً فقال: "وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا، وذلك فيهما مناف لغموضهما".
ومن التعقيبات - بخصوص تسمية تفرّد الضعيف بالشاذ ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 465، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249، السليماني، الجواهر، 303.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
يُحتمل تفرّده من الرواة. (1)
وبتأمل قسميّ الشاذ عند ابن الصلاح فإن أبرز القيود التي تحتاج إلى تحرير في تعريفه للشاذ (2) هما: المخالفة، والتفرّد.
- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.
- تفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده). أو (التفرّد غير المحتمل).
القيد الأول: المخالفة:
المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (3).
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (4).--------------------------------------------
(1) حيث صرّح بذلك حين مثلّ للحديث المنكر، -المرادف للشاذ عنده- فقال: "ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده" ابن الصلاح، علوم الحديث، 82.
هذا عدا أن الثقة قد يُخطئ ويُستنكر تفرده؛ لقرائن تحفّ بالرواية، إذ "ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ! ". الذهبي، الموقظة، 78.
(2) وكذلك بالنسبة لقيود الحديث المنكر كما سيأتي في فصل الحديث المنكر بإذن الله، إذ أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنى واحد.
(3) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، 5/ 201، الفيروزآبادي، القاموس، 808.
(4) حيث قال: "لم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله. كافي، منهج الإمام البخاري، 259.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط.
وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها" (1).
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (2)
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (3)
وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي رحمه الله إلا أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (4) فهو من حديث موسى بن عُلي (5) عن أبيه (6) عن عقبة بن عامر (7)--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) ينظر: ابن حجر، النزهة، 114 - 119.
(3) "مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه". ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
(4) الأترم، ناسخ الحديث، 179.
(5) موسى بن عُلي بن رباح، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة 163 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 8/ 153 - 154 (691)، ابن حبان، الثقات، 7/ 453، الذهبي، الكاشف، 2/ 306 (5719)، ابن حجر، التهذيب، 10/ 363 - 364 (641)، ابن حجر، التقريب، 553 (6994).
(6) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة 114 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 39 (3908)، ابن حجر، التقريب، 401 (4732).
(7) عقبة بن عامر الجهنى رضي الله عنه، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل: أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة 58 هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، 4/ 51 (3711)، ابن حجر، الإصابة، 7/ 205 (5626).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب)) (1).
ثم قال - بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الاختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: "وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره.
وقد يكون من الحافظ الوهم أحياناً، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، … " ثم أعقبه بقوله: "فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (2)--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق 2/ 320 ح (2419)، والترمذي في سننه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق 2/ 135 ح (773) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة 5/ 252 ح (3004)، وأحمد في مسنده 28/ 605 ح (17379)، والدارمي في سننه كتاب الصوم، باب في صيام يوم عرفة 2/ 1106 ح (1805)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر خبر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن صوم يوم عرفة مجمل غير مفسر 3/ 292 ح (2100)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب الصوم المنهي عنه 8/ 368 ح (3603)، والحاكم في مستدركه كتاب الصوم 1/ 600 ح (1586) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، جميعهم من حديث عقبة بن عامر، ولفظ أبي داود " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب".
(2) الأثرم، ناسخ الحديث، 180 - 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر.
ومن تعريفه للشاذ وتقييده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: "هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب". (1)
وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
- ابن القيم (2)، والنووي في كتابه المجموع (3)، وصوّبه كذلك ابن كثير" (4)،
واقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة) (5)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق-، فقال: "الشاذ: ما--------------------------------------------
(1) ابن عبدالبر، التمهيد، 21/ 163.
وقد ذكره السخاوي في فتح المغيث مثالاً للشذوذ في المتن فقال: "ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانا. على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم.
وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة" السخاوي، فتح المغيث، 1/ 245 - 246، وينظر: الجزائري، توجيه النظر، 1/ 514 - 515.
(2) ابن القيم، إغاثة اللهفان، 1/ 522.
(3) ينظر: النووي، المجموع، 4/ 143، الزركشي، النكت، 2/ 138.
(4) ابن كثير، الاختصار، 50.
(5) ابن الملقن، التذكرة، 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
رواه المقبول (1) مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه." (2)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."، وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (3)
قال ابن حجر في النزهة - ممثلاً للحديث الشاذ-: "مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (4)، عن عوسجة (5)، عن ابن عباس: ((أن رجلا توفي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه … )) (6) … وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج (7) وغيره، وخالفهم
حماد بن زيد (8)؛--------------------------------------------
(1) وفسر مراده بالمقبول بقوله: "الشاذ رواية ثقة أو صدوق" ابن حجر، النزهة، 87. ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 279.
وإنما "ذكر المقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن". السليماني، الجواهر، 302.
(2) ابن حجر، النزهة، 85.
(3) ابن حجر، النكت، 2/ 671.
(4) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، قال الذهبي: "مكي إمام"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت". مات سنة 126 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 75 (4152)، ابن حجر، التقريب، 421 (5024).
(5) عوسجة المكي مولى ابن عباس، روى عن ابن عباس، وعنه عمرو بن دينار. قال الذهبي: "وثق، وقال البخاري: لم يصح حديثه"، وقال ابن حجر: "ليس بمشهور" ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 101 (4308)، ابن حجر، التهذيب، 8/ 165 (301)، ابن حجر، التقريب، 433 (5214).
(6) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام 3/ 124 ح (2905)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المولى الأسفل 3/ 494 ح (2106)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض، باب إذا مات العتيق وبقي المعتق 6/ 132 ح (6376) وقال: عوسجة ليس بالمشهور لا نعلم أن أحداً يروي عنه غير عمرو بن دينار ولم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة، وابن ماجه في سننه كتاب الفرائض، باب من لا وارث له 2/ 915 ح (2741).
(7) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد المكي، قال الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: " ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل". مات سنة 150 هـ أو بعدها. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 666 (3461)، ابن حجر، التقريب، 363 (4193).
(8) حماد بن زيد. مات سنة 179 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 349 (1219)، ابن حجر، التقريب، 178 (1498).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم (1): المحفوظ حديث ابن عيينة (2). انتهى.
فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم (3) رواية من هم أكثر عدداً منه." (4)
في هذا المثال حماد بن زيد -وهو ثقة- روى الحديث مرسلاً، وخالف بذلك رواية عدد من الثقات رووه موصولاً، وهذا المثال الذي مثّل به ابن حجر للشذوذ في السند يُناسب ما عرّف به الشاذ من كونه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه.
- وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي وتبعه السيوطي (5) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة. (6)، ولعله استفاد هذا القيد--------------------------------------------
(1) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: 277 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 155 (4711)، ابن حجر، التقريب، 467 (5718).
(2) قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس: أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا، إلا مولى هو أعتقه … ، الحديث. "فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان عن عوسجة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم. قَصَّر حماد بن زيد". ابن أبي حاتم، العلل، 4/ 564 ح (1643).
(3) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: 277 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 155 (4711)، ابن حجر، التقريب، 467 (5718).
(4) ابن حجر، النزهة، 85.
أضاف فضيلة المناقش: اجتمع في هذا الترجيح ثلاثة مرجّحات:
1 - الاختصاص: فابن عيينة لا يتقدمه أحد في الرواية عن عمرو بن دينار.
2 - متابعة محمد بن مسلم وحماد بن سلمة، وابن جريج لسفيان بن عيينة، فهذا ترجيح بكثرة العدد.
3 - صفة رواية الراوي: وهو حماد بن زيد، فإنه معروف بشدة التوقّي والاحتراز، فإذا شكّ في شيء قصّر أخذاً بالأحوط.
(5) ينظر: السيوطي، الألفية، 22.
(6) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 244، 249.
وتوسّع في الشرح فقال: "ومن المسائل المختلف فيها مما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددا، أو أكثر ملازمة منه، فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل.
والمحدثون يسمونه شاذا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعيد." السخاوي، المرجع السابق، 1/ 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
من كلام شيخه ابن حجر حين قال: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ (1)، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم--------------------------------------------
(1) أمثلة على وقوع المخالفة من الراوي إلا أن علماء الحديث قبلوا الحديث على الوجهين -البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم 1/ 152 ح (757)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة 1/ 297 ح (397) - قال الدارقطني: وقد خالف يحيى أصحاب عبيدالله كلهم منهم أبو أسامة وعبدالله ابن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم ورووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيدالله عن سعيد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيدالله حدث به على الوجهين. والله أعلم." 223 - 224 ح (9).
قال ابن حجر: "لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين". ابن حجر، فتح الباري، 2/ 277.
المثال الثاني: قال الدارقطني: "وأخرجا جميعا حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تسافر وليس معها محرم)) الحديث- أخرجه البخاري في صحيحه أبوا تقصير الصلاة 2/ 43 ح (1088)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم 2/ 977 ح (1339) - وزاد مسلم عن ليث عن سعيد مثله فقال وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة." 227 - 228 ح (12)، ذكر ابن حجر في الفتح بأن موطن الاختلاف هنا: أن بعض الطرق ذكرت في الإسناد رواية سعيد عن أبيه، وبعضها لم تذكر ذلك، وأشار إلى تصحيح المحدثين لكلا الوجهين فقال: "لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني، فإن سعيدا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحا … ". ابن حجر، هدي الساري، 354.
المثال الثالث: "وأخرج البخاري- في صحيحه كتاب الجنائز، باب من انتظر حتى تُدفن 2/ 87 ح (1325) - وحده عن سعيد عن أبيه أنه سأل أبا هريرة فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صلى على جنازة)) قال: وقد رواه عبيدالله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة قال: نصر بن علي وغيره عن عبدالأعلى. 228 - 229 ح (13)، وأشار ابن حجر بأن الجواب على هذا الحديث كالجواب على المثال السابق، إلا أن الرواية التي أخرجها البخاري هي المعتمدة، بينما الرواية الثانية غير مشهورة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 355.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)