1 - ما كان عن شيخ غير ثقة، فما يتفرّد به متروك لا يُقبل، ولا يُحتج به.
2 - وما كان عن شيخ ثقة فيتوقف في تفرده، ولا يُحتج به، فإن وجد ما يعضدها ويشهد لها زال التوقف، وتقوّت بغيرها." (1)
وممن فُهم من تعريفه للشاذ بأنه التفرّد: الميانشي، حيث قال: "هو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (2)، وعلّق الزركشي بقوله: "جرى الميانشي على طريق المحدثين." (3)، ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف.
وكتاب الميانشي مختصر، ولم يذكر أمثلة على ما ذكر ليتضح مقصوده، وبالنظر إلى تعريفه مجرداً يمكن حمله على مذهبين من مذاهب العلماء في الشاذ (4)، المذهب القائل بتفرّد الثقة مطلقاً، والمذهب المقيّد له بمخالفة الثقات، وإن كان الحمل على الإطلاق أولى، ويؤيد ذلك سرده لتعريف الفرد والغريب والشاذ بشكل متتالٍ، فعرّف الفرد بقوله:--------------------------------------------
(1) حمام، المرجع السابق، 380 - 381 بتصرّف.
(2) الميانشي، ما لا يسع جهله، 29.
(3) قال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جرياً على طريق المحدثين. الزركشي، النكت، 2/ 139.
(4) وجدت اختلاف بعض الباحثين المعاصرين في توجيه كلامه رحمه الله، فقال الدكتور عبدالجواد حمام: "هذا التعريف يُظهر أن الشاذ هو تفرد وقع من راوٍ معروف، أي ليس مجهولاً ولا مستوراً، والغالب أنه يقصد الثقة أو نحوه. وهذا الراوي المعروف يأتي بحديث لا يوافقه عليه أصحابه الثقات، ولا يرويه غيره من أقرانه الحفاظ المعروفين بالضبط والتقصي، فهذا الذي يُسمّى شاذاً".
بينما اعتبر الدكتور أبو سمحة تعريف الميانشي موافقاً لما قرره الشافعي من أن مراده بقوله: "لا يوافق على روايته المعرفون" هو مخالفة الثقة لما رواه الثقات. المراجع: حمام، التفرد، 394، أبو سمحة، المنكر، 149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
"ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري (1) رحمه الله في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (2)، ثم أتبع ذلك بتعريف الغريب، فقال: "ما شذّ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية"، وأردفه بتعريف الشاذ، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، وبالغريب: تفرّد قليل الرواية، وبالشاذ: تفرد كثير الرواية؛ ليميّز بين الأنواع الثلاثة، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
التفرّد في الرواية هي الانفراد بها دون متابعة أو مشاركة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، وسواءٌ كان الراوي ثقةً أو غير ثقة، والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مظنة لوجودها.
وممن اشترط التفرد في الشذوذ: الحاكم، والخليلي، أما الحاكم فقد قيّد الشاذ بتفرد الثقة بما لا يُتابع عليه، وأضاف - مما يُستنتج من سياق كلامه وأمثلته- بأن هذا التفرد مشوب باستنكار النقاد -وهو نوع أدقُّ من المعلل- إذ ينقدح في ذهنهم وجود علة وإن لم تكن ظاهرة … ، فليس كل تفرد من الثقة مردود بل ما ينقدح في ذهن الناقد وجود خطأ في الرواية تقصر عبارته عن بيانه. (3)
ونُسب للخليلي إطلاق تفرد الراوي بالرواية سواء كان ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن التأمل فيما ذكره، وسياقه يجد أنه ليس على الإطلاق المذكور بل قيّد تعريفه بتفرّد الشيوخ، وسبق تعريفه مثال للفرد الشاذ بسبب تفرّد راوِ وصفه بكونه شيخ لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه.--------------------------------------------
(1) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازَري المالكي. أبو عبد الله. فقيه محدث وأحد الأئمة الأعلام. مات سنة 536 هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، 4/ 110 (1682)، ابن العماد، الشذرات، 6/ 187. الزركلي، الأعلام، 6/ 277.
(2) ينظر: المازري، المعلم بفوائد مسلم (2/ 373) ح (737).
(3) ينظر: تحقيق كتاب ابن رجب، المرجع السابق 1/ 459 - 460، الأثري، الحديث الشاذ، 41 - 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات.
- أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحاً لأحدهم، أو دمجاً فيما بينهم كما فعل ابن الصلاح في جعل الشاذ على قسمين: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.
- ومن جاء بعد ابن الصلاح لم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
- وكانت أبرز القيود التي احتاجت إلى تحرير في تعريف الشاذ هما: المخالفة، والتفرّد.
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.
- وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي رحمه الله إلا أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
- وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
- وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
ابن القيم وأشار إلى أن تفرّد الثقة بما لم يروه غيره ليس شذوذاً، وإن سُمّي شذوذاً فهو من باب الاصطلاح الذي لا يوجب رد الحديث به، والنووي في كتابه المجموع، وابن كثير صوّبه كذلك، واقتصر ابن الملقن على ذكره - دون سواه - في كتابه (التذكرة)، واعتمده ابن حجر كتعريف للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق، ومثّل له بما وافق معناه، وسار على نهج شيخه السخاوي وتبعه السيوطي إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة، ومثلوا للشاذ بأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الراوي (الثقة أو الصدوق) لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.
- وأما من قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:
الإمام الحاكم وتبعه تلميذه الخليلي في ذلك مع اختلاف يسير بينهما إذ قيّد الحاكم الشذوذ بتفرد الثقة، بينما أطلقه الخليلي ليعم الثقة وغيره، هذا بشكل عام إلا أن المتأمل لسياق كلام كلٌ منهما وأمثلته يتضح له أمور من ذلك:
- أن الحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذاً مردوداً، بل يشترط له ضمناً أن ينقدح في ذهن الناقد أن هذا التفرد غلط، وقد تقصر عبارة الناقد عن بيانه، وهذا هو الفرق بين الشاذ والمعلل عند الحاكم، - وصرّح به ابن الأثير من فهمه لكلام الحاكم- بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته.
- وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:
المثال الأول والثاني مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً، أما المثال الثالث: فيصدق عليه وصف الغريب الصحيح، وعُدّ إطلاقه لفظ الشذوذ عليه إطلاقاً لفظياً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وعليه فالشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه، وهو قسمان: شاذ مقبول: وهو ما يرادف الغريب عنده، وشاذ مردود: وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.
- أما الخليلي فالظاهر أنه أراد بالشاذ تفرّد الشيوخ المستورين غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فرداً، ونصّ على كونها صحيحة. (1)
- ويشبه ما ذهب إليه الخليلي من تعريف الشاذ، ما استنتجه ابن سيد الناس من تعريف الترمذي للحسن، وتقييده بنفي الشذوذ؛ ففسّر الشذوذ بناءً على ذلك بقوله: "والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ." (2) وقال أيضاً -مُظهِراً تردده بعدم الجزم بمعنى معين للشذوذ عند الترمذي، واحتماله للمعاني السابقة في الشذوذ-: "إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين." (3)
فقوله بأن تفرّد المستور داخل في مسمى الشاذ، يقارب قول الخليلي في إطلاقه الشاذ على تفرّد الشيخ الذي لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه،--------------------------------------------
(1) ينظر: حمام، التفرد، 380 - 381 بتصرّف.
(2) ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 244 - 245.
(3) ابن سيد الناس، المرجع السابق، 1/ 266 - 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
- وأما الميانشي فقد فرّق بين الفرد والغريب والشاذ، فعرّف كل واحد منهما بتعريف مستقل، فعنى بالشاذ تفرّد كثير الرواية، وبالغريب تفرّد قليل الرواية، وبالمفرد أو الفرد زيادة الثقة.
والمحصلة النهائية أن المحدثين استعملوا الشاذ بمعنيين (1):
الأول: ما رواه الثقة مخالفاً غيره من الثقات.
الثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفرداً به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة.
وحقيقة الشاذ (2): هو ما لا يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لا يعرفه الآخرون، أو لا يتابعه عليه أحد، والله أعلم.
هذا كان ختام تحرير تعريف الحديث الشاذ، ولأن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ؛ ناسب أن أُلحق فصل الحديث الشاذ بالحديث المنكر.--------------------------------------------
(1) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1110 - 1111.
(2) ينظر: حمام، التفرد، 406 - 409.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
الفصل الخامس: الحديث المنكر
المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:
المُنكَر اسم مفعول من أنكَر، و"النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونَكِر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه". (1) والمنكر: ضد المعروف.
ويأتي النُّكْر كذلك بمعنى: الدّهاء، والأمر الشديد أو الصعب. (2)
ففي المنكر معنى زائد على مجرد الجهل بالشيء؛ وهو الشك وعدم الارتياح؛ بل قد يصل إلى الجحود والرفض. (3)
المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لعلل الترمذي:
"ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي (4) الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في
العلل" (5)، وقد اختلف بعض المعاصرين فيما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله من أن البرديجي هو أقدم من--------------------------------------------
(1) ابن فارس، المقاييس، 5/ 476.
(2) ينظر مادة (ن ك ر): الفراهيدي، العين، 5/ 355، الرازي، المختار، 319، الفيروزآبادي، القاموس، 487.
(3) ينظر: حمام، التفرد، 416، أبو سمحة، المنكر، 27 - 29.
(4) أحمد بن هارون بن روح، أبو بكر البرذعي ويعرف بالبرديجي، كان من حفاظ الحديث المذكورين بالحفظ والفقه. جمع وصنف، وبرع في علم الأثر. نزيل بغداد وقدم أصبهان مرتين، وتُوفي ببغداد سنة 301 هـ. ينظر: أبو نعيم، تاريخ أصبهان، 1/ 148 (108)، الخطيب، تاريخ بغداد، 6/ 431 (2931)، الذهبي، السير، (14/ 122).
(5) ابن رجب، العلل، 1/ 450.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
وضع حداً للمنكر- بين مؤيد لذلك (1)، ومتعقّب (2)، ومنهم من توسّط بين الأمرين (3). إلا أنني أتجاوز هذا الخلاف، وأذكر ما وجدت من عبارات الأئمة في بيان كل نوع حديثي من الأنواع أو المصطلحات التي يتضمّنها حدود البحث، ومن تلك العبارات أو التعريفات التي جاءت في بيان مصطلح المنكر ما يلي:
تعريف مسلم (ت 261 هـ):
قال الإمام مسلم رحمه الله: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد
توافقها (4)، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله". (5)--------------------------------------------
(1) وقد استدل على ذلك بعدم ذكر ابن الصلاح لتعريف مسلم للمنكر، واقتصاره على تعريف البرديجي فقال مُعقّباً: "وكأنه لم يقف على تعريف للمنكر عند غيره! … ومما يؤكد هذا الفهم أن الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله لما تعرّض للكلام عن المنكر … نصّ على أن أول من وجده عرّف المنكر هو البرديجي … فعلى هذا ليست عبارة مسلم تعريفاً عند ابن رجب؛ لأنه وقف عليها حتماً" ينظر: السلمي، الحديث المنكر، 22.
(2) مثل: الدكتور نور الدين عتر في تحقيقه لكتاب ابن رجب، حيث قال متعقِّباً لكلامه: "بلى، قد وقع في مقدمة مسلم ما يُبيّن تعريف الحديث المنكر … ".
وكذلك العثمان في كتابه المحرر في مصطلح الحديث حيث قال: "وقد تكلّم الإمام مسلم رحمه الله في حد المنكر" ثم قال بعد نقله لكلام مسلم: "وهذا تعريف الإمام مسلم للمنكر وهو من المتقدمين، فحينئذ يكون قول الحافظ ابن رجب … فيه نظر بيّن".
ويؤيد ما ذهبا إليه قول النووي في شرحه على صحيح مسلم: "هذا الذى ذكر، -أي: الإمام مسلم- رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدثين". المراجع: ينظر: النووي، شرح مسلم، 1/ 18، ابن رجب، العلل، 1/ 450، العثمان، المحرّر، 235.
(3) مثل: الدكتور عبدالجواد حمام في كتابه التفرد في رواية الحديث، حيث قال: "أقدم كلام حول الحديث المنكر وصلنا مفصّلاً. ينظر: حمام، التفرد، 418، 423.
(4) قال النووي: "هذا الذى ذكر رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدثين" … ثم قال: "وقوله (أو لم تكد توافقها) معناه: لا توافقها إلا في قليل". النووي، شرح مسلم، 1/ 17 - 18.
(5) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
تعريف الحافظ البرديجي (ت 301 هـ):
قال ابن الصلاح: "بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجهٍ آخر." (1)
بينما نقل ابن رجب عن البرديجي قوله في بيان الحديث المنكر: "أن المنكر هو الذي يُحدِّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يُعرَف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكراً." (2)
تعريف ابن أبي حاتم (ت 327 هـ):
أشار ابن أبي حاتم لعلامة تُميّز صحيح الحديث من منكره بقوله: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم" (3)
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
بعد أن نقل ابن الصلاح تعريف البرديجي صوّب أن المنكر على قسمين، وأنه بمعنى الشاذ، فيكون المنكر عنده قسمان: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي--------------------------------------------
(1) ثم علّق عليه قائلا: "فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ." ابن الصلاح، علوم الحديث، 80.
(2) ثم وضّح ابن رجب السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك يأتي ذكرها - بإذن الله- أثناء تحرير التعريف. ينظر: ابن رجب، العلل، 1/ 450 - 453.
(3) ابن أبي حاتم، الجرح، 1/ 351.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (1)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد جعل ابن الصلاح الحديث المنكر مرادفاً للشاذ وبمعناه (2)، وتابعه على هذا جُلُّ من جاء بعده، ولخّص كتابه:
كالنووي (ت 676 هـ) (3)، وابن دقيق العيد (ت 702 هـ) (4)، وابن كثير (ت 774 هـ) حيث قال: "المنكر: وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً - وإن لم يخالف- فمنكر مردود.
وأما إن كان الذي تفرد به (عدلاً ضابطاً حافظاً ((5) قُبِل شرعاً، ولا يقال له منكر، وإن قيل له ذلك لغةً" (6).--------------------------------------------
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 79 - 80، ثم أتبعه بذكر أمثلة لكل قسم، ويستنتج من تعريف ابن الصلاح أنه يَعدُّ مخالفة الراوي لمن هو أولى منه (سواء كان ثقة أو ضعيف) منكراً وشاذاً، أما بخصوص تفرد الراوي، فقد جعل النكارة والشذوذ خاصة بتفرّد الضعيف الذي هو دون رواة الصحيح والحسن في الضبط والإتقان، حيث أن المنكر عند ابن الصلاح نوعان، "وقوله في تعريف الحسن لذاته: (يرتفع عن حال من يُعدُّ ما ينفرد به من حديثه منكراً) احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكراً، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة". السليماني، الجواهر، 82.
(2) سبقه في التصريح بذلك- كما جاء في فصل الحديث الشاذ- الحافظ صالح جزرة حيث قال: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف". الخطيب البغدادي، الكفاية، 141.
(3) ينظر: النووي، التقريب، 41، وفي شرحه لصحيح مسلم ذكر من أنواع الحديث الفرد أربعة منهما اثنان وصفهما بالشذوذ والنكارة، وهما: "فرد مخالف للأحفظ وفرد ليس في رواية من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، 1/ 154.
(4) حيث قال: "المنكر، وهو كالشاذ". ابن دقيق العيد، الاقتراح، 17.
(5) هكذا في ط: غراس، 51، وط: دار المعارف، 183. وعقّب محققها في الحاشية: "في طبعة الشيخ شاكر: (عدلٌ ضابطٌ حافظٌ) مُخالفاً النسختين وقواعد اللغة".
(6) ابن كثير، الاختصار، 51، فابن كثير يرى أن تفرد الضابط الحافظ مقبول، وليس بمنكر، وإن أُطلق عليه وصف النكارة فهو إطلاق لُغوي وليس اصطلاحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وممن اختصر تعريف ابن الصلاح كذلك: البلقيني (ت 805 هـ) (1)، والعراقي (ت 806 هـ) (2).
واقتصر بعضهم على شق من التعريف كابن جماعة (ت 733 هـ) حيث اقتصر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف، فقال: "قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطا، فهو الشاذ على هذا، كما تقدم، وقال البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، والصواب ما تقدم." (3).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
ما ذكره الذهبي (ت 748 هـ)، فبالرغم من أنه وافق ابن الصلاح في تعريفه للشاذ إلا أنه حين عرّف المنكر اقتصر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض
تفردات الصدوق فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مفرد الصدوق (4) منكرا." (5)--------------------------------------------
(1) ينظر: البلقيني، المحاسن، 179.
(2) ينظر: العراقي، التقييد، 105، العراقي، التبصرة، 1/ 251.
(3) ابن جماعة، المنهل، 136. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، 437.
(4) الراوي الصدوق عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: "ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه".
وقال ابن الصلاح: هذه العبارات لا تُشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه".
وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، وهو ممن يُكتب حديثه، وينظر فيه.
بينما ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة والتي تقصر عنده قليلاً عن المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن.
المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 37، ابن الصلاح، علوم الحديث، 122 - 123، الذهبي، الميزان، 1/ 4، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 371، ابن حجر، التقريب، 74. "والصدوق: هو العدل الذي خفّ ضبطه، والأصل في حديثه أن يكون حسناً". العوني، شرح الموقظة، 93.
(5) الذهبي، الموقظة، 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
أما ابن الملقن (ت 804 هـ) فإنه لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (1) بينما اقتصر في كتابه (التذكرة) على تفرّد الضعيف، فقال: "هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ." (2)، واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (3)، والنكارة بتفرّد الضعيف.
ولعل تلميذه ابن حجر (ت 852 هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. (4)
فنجد أن ابن حجر حين عرّف المنكر قال في تنكيته على ابن الصلاح: "وأما ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.
وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين." (5)
فذكر من أقسام المنكر تفرد الراوي الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار، فهذا منكر عند كثير من أهل الحديث، فإن خالف - من هذه حاله- من هو أولى منه، فهذا ما يُطلق عليه المنكر عند الأكثرين، وهو ما اعتمده ورجّحه.--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 179 - 180.
(2) ابن الملقن، التذكرة، 17.
(3) إذ أن المقنع اختصار لعلوم الحديث لابن الصلاح، والتذكرة اختصار للمقنع. ينظر تعريفه للشاذ: المرجع السابق، 16.
(4) حيث جمع بين الشاذ والمنكر في اشتراط المخالفة والتفرّد، وفرّق بينهما في مرتبة راوٍ كلٍّ منهما، فخصّ الشذوذ برواية الثقة، والمنكر برواية الضعيف. ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، ابن حجر، النكت، 2/ 675، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 250.
(5) ابن حجر، النكت، 2/ 675.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
وقد صاغ البقاعي عبارة شيخه ابن حجر في تعريف المنكر بقوله: "والمنكر: اسم لما
خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه بمتابعة مثله" (1)
فتفرّد الضعيف ضعفاً لا ينجبر بالرواية - دون مُتابِع- كافٍ لإطلاق النكارة على حديثه، وإن لم يُخالَف، وهذا ما أشار إليه ابن حجر في النزهة بأنه: "المنكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة - … " ومثّل له بمن "فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (2)، ونجده كذلك استشهد بما ذكره الإمام مسلم رحمه الله في
بيانه لعلامة الحديث المنكر، ثم أتبعه بقوله: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -". (3)
وقد أشار رحمه الله إلى إطلاق بعضهم النكارة على مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده فقال: "فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن (4)، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان
أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا". (5)--------------------------------------------
(1) البقاعي، النكت، 1/ 467، وكذلك الأنصاري في كتابه فتح الباقي حيث قال: "والمنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك." الأنصاري، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، 1/ 238.
(2) ابن حجر، النزهة، 112 - 113 باختصار. قال أبو شهبة: "ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر، أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط، ومثله لا يقبل تفرده." أبو شهبة، الوسيط، 304.
(3) ابن حجر، النكت، 2/ 675.
(4) حيث اشترط ابن الصلاح في راوي الحسن لذاته "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً". ابن الصلاح، علوم الحديث، 31 - 32، فراوي الحديث الحسن وإن خفّ ضبطه إلا أنه يرتفع عن حال من يُستنكر حديثه عند الانفراد. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249 - 250.
(5) ابن حجر، النكت، 2/ 674.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
"فحاصل كلام ابن حجر رحمه الله أنه يرى تفرد من هو في آخر مراتب الحسن وقريب جداً من مراتب الضعيف، بل في أول مراتب الضعيف يُعتبر شاذاً، ومع المخالفة يكون منكراً" (1)
فنجد أن ابن حجر رحمه الله ذكر أقساماً وأنواعاً للمنكر منها:
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا". (2)
- وكذلك تفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث". (3)
- ومنها كذلك مخالفة الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين". (4)
- وأيضاً تفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة". (5)--------------------------------------------
(1) العثمان، المحرر، 229.
(2) ابن حجر، النكت، 2/ 674.
(3) المرجع السابق، 2/ 675.
(4) المرجع السابق.
(5) ابن حجر، النزهة، 112.
وقد عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، 187 - 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
- وكذلك رواية المتروك (1) تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم". (2)
وقد اُشتهر عن ابن حجر رحمه الله ترجيحه لأحد هذه الأقسام، وهو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وذلك في كتابيه (نخبة الفِكَر) وشرحه (النزهة) (3)، حيث قال- بعد أن
عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقاً) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له: ) المنكر) " (4).
وقد سار على نهج ابن حجر في التفريق بين الشاذ والمنكر تلامذته: البقاعي (ت 885 هـ) (5)، والسخاوي (ت 902 هـ) (6)، وزكريا الأنصاري (7) (ت 926 هـ) (8)، وتبعهم السيوطي (ت 911 هـ) (9).--------------------------------------------
(1) "ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب- هو المتروك." ابن حجر، النزهة، 112.
(2) ابن حجر، النكت، 2/ 675.
(3) قال السيوطي: "المنكر الذي روى غير الثقة … مخالفا، في نخبة قد حققه". الألفية، 23.
(4) ابن حجر، النزهة، 86.
(5) ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 467.
(6) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249 - 250.
(7) زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري المصري الشافعيّ، أبو يحيى، قاض فقيه، مفسر، من حفاظ الحديث. له تصانيف كثيرة، منها: (تحفة الباري على صحيح البخاري) و (شرح صحيح مسلم) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات،10/ 186، الزركلي، الأعلام، 3/ 46. كحالة، المؤلفين، 1/ 733 (5480).
(8) ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 238.حيث قال: "والمعتمد أنهما متميزان، كما جرى عليه شيخنا".
(9) ينظر: السيوطي، الألفية، 23، السيوطي، التدريب، 1/ 279 - 280.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
قسّم ابن الصلاح المنكر- تبعاً لتقسيمه الشاذ؛ فهما عنده بمعنى واحد- إلى قسمين، ومُحصِّلَتهما: استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه، بينما يُستنكر التفرّد - الخالي من المخالفة- إذا كان المُتفرِّد بالرواية ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد.
قيود المنكر عند ابن الصلاح:
هي قيود الحديث الشاذ، وقد سبق بيانها في الفصل السابق ضمن حدود تعريفات الحديث الشاذ، ويُعاد ذكرها في هذا الفصل لبيان علاقتها بتعريفات الحديث المنكر، وهما قيدان:
- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.
- وتفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده).
القيد الأول: التفرد:
أبدأ بقيد التفرد لكونه الأشمل؛ ولتعلّق أغلب تعريفات المنكر به. (1)
ومعنى التفرد في اللغة: هو: ما كان وحده، وكذلك يُطلق على الذي لا نظير له. (2)
واصطلاحا: "هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سنداً أو متناً" (3).--------------------------------------------
(1) فالتفرّد أعم حيث يشمل انفراد الراوي بالرواية دون متابعة وكذلك تدخل المخالفة إذ هي نوع تفرد (انفراد برواية مخالفة). قال الدكتور عبدالجواد حمام: "وجود المخالفة في التفرّد أو عدم وجودها: هذا جانب مهم في قضية التفرد، وهو من أدق مباحثه وأعسرها؛ لكثرة الآراء، واختلاف وجهات النظر، … وسبب الإشكال هو تحديد حقيقة المخالفة وماهيتها وزاوية النظر إليها … " حمام، التفرد، 121 باختصار.
(2) سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد هنا بشيء من الاختصار. ينظر: الفراهيدي، العين، 8/ 24، ابن فارس، المقاييس، 4/ 500، ابن سيده، المحكم، 9/ 306، الرازي، مختار الصحاح، 236.
(3) زهار، المرجع السابق، 124، وينظر كذلك: حمام، المرجع السابق، 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
ويُستنكر التفرد في بعض الروايات؛ لكونه قد يكون مؤشراً لوجود علة فيها (1)، وألمح ابن الوزير كذلك إلى سبب استنكار بعض تفرّدات الرواة فقال: "قلت: أما من تفرد عن العالم الحريص على نشر ما عنده من الحديث وتدوينه، ولذلك العالم كتب معروفة وقد قُيَّد حديثه فيها، وتلاميذه حُفَّاظ حِراص على ضبط حديثه وكتبه حفظا وكتابة، فكلام المحدثين
معقول؛ لأن في شذوذه (2) ريبة توجب زوال الظن (3) على حسب القرائن، وهو موضع اجتهاد، وأمّا من شذَّ بحديث عمن ليس كذلك فلا يلزم ردُّه" (4).
وقد مثّل ابن الصلاح لقيد التفرّد بقوله:
"ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده-: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلِق (5))) تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه (6)، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. والله أعلم" (7).--------------------------------------------
(1) سبق الإشارة إلى هذا في فصل الحديث الشاذ.
(2) أي: انفراده.
(3) " (توجب زوال الظن) بحفظه (على حسب القرائن وهو موضع اجتهاد) رداً وقبولاً". الصنعاني، توضيح الأفكار، 1/ 384.
(4) ابن الوزير، التنقيح، 152 - 153.
(5) الخَلِق: البالي والقديم. ينظر مادة (خ ل ق): ابن الأثير، النهاية، 2/ 71، ابن منظور، اللسان، 10/ 88.
(6) قال ابن الملقن: "إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول" ابن الملقن، المقنع، 1/ 186، ينظر: العراقي، التقييد، 109، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 252.
(7) ابن الصلاح، علوم الحديث، 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
قال ابن حجر: "وأما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في (المستدرك) (1) لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكرهفي (الموضوعات) (2). والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: "إنه
منكر" باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين. وقد جزم ابن عدي (3) بأنه تفرد به (4).
وقول الخليلي: إنه شيخ صالح (5) أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون به في الديانة. - والله أعلم" (6).
وفي تعليقه على حديث أبي زكير قال البقاعي:
"فيه من النكارة وجهان:
الأول: تفرد أبي زكير، وهو غير ضابط، فإنه صدوق يخطئ كثيرا، وهو وإن كان في عداد من ينجبر، لكنه لما أتى بهذا المتن الركيك الألفاظ، البعيد من القواعد، كان كأنه خالف من هو أقوى منه …
الوجه الثاني من نكارته: ركاكة معناه، وعدم انطباقه على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان لا يغضب من مطلق حياة ابن آدم، بل من حياته مسلما مطيعا … " (7)--------------------------------------------
(1) كتاب الأطعمة 4/ 135 ح (7138).
(2) ابن الجوزي، الموضوعات، 3/ 26.
(3) عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك، أبو حمد الجرجاني، الحافظ، ويُعرف بابن القطان، واُشتهر بين علماء الحديث بابن عديّ، أحد أئمة أصحاب الحديث والمكثرين له والجامعين له والرحالين فيه، ومن أشهر كتبه (الكامل في ضعفاء الرجال). مات سنة: 365 هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، 31/ 5 (3403)، الذهبي، تاريخ الإسلام، 8/ 240.
(4) ينظر: ابن عدي، الضعفاء، 9/ 105 (2141).
(5) ينظر: الخليلي، الإرشاد، 1/ 172.
(6) ابن حجر، النكت، 2/ 680.
(7) "بل ولا يغضب من حياته كذلك لطمعه في إغوائه، بل ولا نظر له في غضبه إلى الحياة أصلا، إنما نظره إلى بقائه على الطاعة، ولو مات عليها لأغضبه ذلك، ولو كان الأمر إليه في حياته لسره أن يمد في عمره رجاء استدراجه أيضا، وأيضا فإنه علل غضبه بجمع الجديد والعتيق، ومجرد دخول زمان هذا على الآخر كاف من غير احتياج إلى أكله له، أو رؤيته، والله أعلم." البقاعي، النكت، 1/ 468 - 470 ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 251 - 252. الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 239.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
يشير البقاعي بذلك إلى قسميّ المنكر عند ابن حجر حيث قال: "والمنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه
بمتابعة مثله" (1)، ويظهر من هذا الفرق بين رواية الضعيف القابل للانجبار، والضعيف شديد الضعف عند ابن حجر، فليس كل تفرد من الضعيف يُعدّ عنده منكراً، بل بحسب مرتبته من الضعف، فإن كان ضعفه قابلاً للانجبار لا يُعدّ تفرده منكراً إلا إذا خالف من هو أولى منه، بينما يُستنكر مجرد التفرد من الضعيف الشديد الضعف (2).
وممن قال بالتفرد في الحديث المنكر: - الحافظ البرديجي كما نُقل عنه (3). قال ابن الصلاح: "أطلق البرديجي ذلك ولم يُفصّل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث" (4).--------------------------------------------
(1) البقاعي، النكت، 1/ 467، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 238.
(2) ونظراً لأن الشذوذ والنكارة يُعدّان من الضعف الشديد غير القابل للانجبار، فقد استشكل بعضهم إطلاق الوصف بالشذوذ والنكارة على تفرّد الضعيف المراجع: البقاعي، النكت، 1/ 465، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249، السليماني، الجواهر، 303.
(3) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 80، ابن رجب، العلل، 1/ 450.
(4) ثم قال: "والصواب فيه التفصيل الذي بينّاه آنفاً في شرح الشاذ." ابن الصلاح، المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)