المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:
الأفراد جمع فرد، وهو أصل يدل على الوحدة، من ذلك الفرد وهو الوتر، أو الذي لا نظير له. (1)
المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
قال ابن الصلاح - تحت النوع السابع عشر (معرفة الأفراد) -: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لكن أفردته بترجمة كما أفرده (الحاكم أبو عبدالله)، ولما بقي منه" (2)، فالأفراد متعلّق بأنواع عدة من علوم الحديث (3)، والحاكم هو أقدم من أفرده بالذكر مستقلاً عن الأنواع الأخرى من أنواع علوم الحديث، والله أعلم.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الخامس والعشرين: "معرفة الأفراد من الأحاديث، وهو على ثلاثة أنواع: فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي (4)، … والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من--------------------------------------------
(1) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، 8/ 24، ابن فارس، المقاييس، 4/ 500، ابن سيده، المحكم، 9/ 306، الرازي، مختار الصحاح، 236.
(2) ابن الصلاح، علوم الحديث، 88.
(3) خاصة: نوعي الشاذ، والمنكر- وقد سبق تفصيلهما في الفصل الرابع والخامس من هذا البحث، - وكذلك تعلّقه بنوع زيادة الثقة، والمعلل وسيأتي بيانهما في الفصول اللاحقة بإذن الله.
(4) مثّل لهذا النوع بسبعة أمثلة. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 96 - 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
الأئمة، (1) … فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه (2) " (3)
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت 446 هـ):
ذكر الخليلي أنواع الحديث الفرد (4)، فقال: وأما الأفراد: فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة، أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه (5) … ،
- ومن الأفراد الذي يتفرد به ضعيف، وضعه على الأئمة، والحفاظ (6) … ،
- وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله، وإن لم يتهم بالكذب (7) … ،
- ونوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه، ولا توثيقه … ، وهذا فرد شاذ (8).--------------------------------------------
(1) مثّل له بثلاثة أمثلة ثم قال الحاكم: "هذا النوع من الأفراد يكثر، ولا يمكن ذكره لكثرته، وهو عند أهل الصناعة متعارف" المرجع السابق، 100.
(2) مثّل له بسبعة أمثلة. ينظر: المرجع السابق، 100 - 102.
(3) ينظر: المرجع السابق، 96 - 102 باختصار.
(4) ينظر: المرجع السابق، 1/ 167 - 173 باختصار.
(5) مثّل له بمثال انفرد مالك بإسناده عن ابن شهاب، والحديث مخرّج في الصحيحين، ثم قال: " فهذا وأشباهه من الأسانيد متفق عليها". ينظر: الخليلي، الإرشاد، 1/ 168 - 169.
(6) مثّل له بمثال لحديث استنكر تفرّد راويه الضعيف فقال: "وهذا منكر بهذا الإسناد ، ما له أصل من حديث ابن شهاب ، ولا من حديث مالك ، والحمل فيه على ابن غزوان". ينظر: المرجع السابق، 1/ 169.
(7) مثّل له بمثال عقّب عليه بقوله: "لم يروه عن مالك، إلا محمد بن الحسن بن زبالة ، وليس بالقوي، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا، وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه، فعساه قرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة، فظن هذا أن ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمله على ذلك. ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن، ولا إتقان" ينظر: المرجع السابق، 1/ 170.
(8) هذا النوع من الأفراد وصفه الخليلي بالشذوذ، وعقّب عليه بقوله: "وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام غير أبي زكير، وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع". ينظر: المرجع السابق، 1/ 172 - 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
تعريف ابن طاهر المقدسي (ت 507 هـ):
قال ابن طاهر المقدسي: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:
النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهوراً برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة (1) والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في الكتابين.
والنوع الثاني من الأفراد: أحاديثُ يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، فينفرد عن بعض رواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيره من طريق يصح، وإن كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن (شيخ (شيخه (جماعة ((2)،
إلا أنه من رواية هذا المنفرد عن شيخه لم يروه عنه (غيره (. (3)
والنوع الثالث: أحاديث يتفرد بزيادة ألفاظ فيها واحد عن شيخه، لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ، فينسب إليه التفرد بها، وينظر في حاله.
والنوع الرابع: متونٌ اشتهرت عن جماعة من الصحابة أو عن واحد منهم، فيُروَى ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يُعرف به إلا من طريق هذا الواحد، ولم يتابعه عليه غيره.
والنوع الخامس من التفرد: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسننٌ يتفرد بالعمل بها أهل مِصْرٍ لا يُعْمَل بها في غير مصرهم … " (4)--------------------------------------------
(1) سبق بيان المراد بشهرة الراوي، والتفصيل في أنواعها في مبحثين سابقين، الأول مبحث في بيان الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح، والثاني في بيان الشهرة بالصدق في فصل الحديث الحسن.
(2) كلمتا (شيخ، وجماعة) غير موجودتين في النسخ المطبوعة للأطراف، وإنما تمت إضافتها من نسخة النفح الشذي إذ بهما يكون المعنى أكثر وضوحاً. ينظر: ابن سيّد الناس، النفح الشذي، 1/ 307.
(3) هناك اختلاف يسير في الصياغة بين الطبعات، وقد اعتمدت تحقيق جابر السريِّع.
(4) المقدسي، أطراف الغرائب والأفراد، 1/ 53.
أردف النوع الخامس بقوله: "وليس هذا النوع مما أراده الدارقطني، ولا ذكره في هذا الكتاب إلا أنا ذكرناه في بابه. ولكل نوع من هذه الأنواع شواهد وأدلة لم نذكرها للاختصار والمتبحر يعلم ذلك في أثناء هذا الكتاب". وذلك في الطبعة الأخرى التي هي بتحقيق: جابر بن عبدالله السريَّع 1/ 29 - 30.
وقد شرح هذه الأنواع ومثّل لها ابن سيد الناس في شرحه لجامع الترمذي، ينظر ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 307 - 312.
وحكم الحديث الفرد عند ابن سيّد الناس: -إذا لم يخالف فيه الراوي غيره- يأتي على ثلاثة أحوال ترجع إلى مرتبة الراوي في الحفظ والثقة، وهي:
صحيح إذا كان المتفرد بالرواية من الحفاظ، وحسن إذا كان المتفرد من الثقات، ومردود إذا كان الراوي مستوراً. ينظر: المرجع السابق، 1/ 252.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
تعريف الميانشي (ت 581 هـ):
قال الميانشي: "وأما المُفرَد (1)، فهو: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (2).
تعريف ابن الأثير (ت 606 هـ):
قال ابن الأثير: "ومن الغرائب: الأفراد، (3) وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (4).--------------------------------------------
(1) قال المحقق: "كذا في المطبوع والمخطوط، والجادة: الفرد. ينظر: هوامش الكتاب صـ 39.
(2) الميانشي، ما لا يسع المحدث جهله، 29. ثم أردفه بقوله: "وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه. وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية".
(3) على الرغم أن ابن الأثير نقل كثيراّ مما ذكره في أصول الحديث عن الحاكم، ونقل عنه أنواع الغريب إلا أنه دمج معها نوع الأفراد، فجعل الأفراد ضمن أنواع الغريب ولم يفردها بنوع مستقل كما فعل الحاكم، واقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد.
ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من الأفراد كما ذكر ابن الصلاح بقوله: "وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه." ابن الصلاح، علوم الحديث، 270.
(4) ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 175.
ثم مثّل لذلك بقوله: "مثل ما حدث حماد بن سلمة عن أبي العُشَرَاء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: ((لو طعنت في فخذها أجزأ عنك))
والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الضحايا، باب ما جاء في ذبيحة المتردية 3/ 103 ح (2825)، والترمذي في سننه كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق 3/ 127 ح (1481).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
قال ابن الصلاح: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد …
وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة، وحكمه قريب من حكم القسم الأول. ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أول أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو: لم يروه عن فلان غير فلان - وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.
ولسنا نطول بأمثلة ذلك؛ فإنه مفهوم دونها. وليس في شيء من هذا ما يقتضي الحكم بضعف الحديث، إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يروه إلا واحد من أهل مكة أو واحد من البصريين ونحوه، ويضيفه إليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيلة إليها مجازا" (1).--------------------------------------------
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 88 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
غالب من جاء بعد ابن الصلاح لخّص كلامه في الأفراد وبيان أقسامها، كالنووي (1) (ت 676 هـ)، وابن جماعة (2) (ت 733 هـ)، والطيبي (3) (ت 743 هـ)، وابن كثير (4) (ت 774 هـ)، والعراقي (5) (ت 806 هـ).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
تعريف ابن الملقن (ت 804 هـ) في كتابه التذكرة حيث لم يخرج عمّا ذكره ابن الصلاح أو أشار إليه في كتابه إلا أنه أفرد كلاً من الفرد والغريب بتعريف مستقل فقال:
"الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه (6) " (7)، وكأنه يُشير بذلك إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. (8)--------------------------------------------
(1) ينظر: النووي، التقريب، 43. حيث لخّص تعريف ابن الصلاح، وفي شرحه على مسلم ذكر أنواع الحديث الفرد وبيّن أن له أربعة أحوال فقال:
"وإذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال: - حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف، ويسمى شاذا ومنكرا - وحال يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا. - وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا. - وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا ومنكرا مردودا. فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود، والمقبول ضربان فرد لا يخالف وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه. والمردود أيضا ضربان فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في روايه من الحفظ والاتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، 1/ 34.
(2) ينظر: ابن جماعة، المنهل، 51.
(3) ينظر: الطيبي، الخلاصة، 53.
(4) ينظر: ابن كثير، علوم الحديث، 52.
(5) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 268 - 271، وذكر أمثلة للأفراد.
(6) قال البقاعي: "قوله: (ممن يُجمَع حديثه البقاعي، النكت، 2/ 439، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، 2/ 155.
وقد ذكر الخطيب البغدادي عدداً ممن يُجمع حديثهم منهم:
سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأعمش، والأوزاعي، والزهري … إلخ.
وقال الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث: "ذكر النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ، والمذاكرة، والتبرك بهم." الحاكم، علوم الحديث، 240. ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 2/ 297، السخاوي، شرح التبصرة، 2/ 57 - 58،
(7) ابن الملقن، التذكرة، 17.
(8) قال السخاوي في شرحه لتذكرة ابن الملقن: " (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يجمع حديثه) وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا، فكل غريب فرد ولا عكس." السخاوي، التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن، 48. من إضافات فضيلة المناقش: أن اسم الكتاب الصحيح حسب الرجوع إلى المخطوطات هو (التوضيح الأسرّ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
أما ابن حجر (ت 852 هـ) فقد ساوى بين الفرد والغريب، وجعلهما مترادفين، وأشار إلى أن وجه المغايرة بينهما في كثرة الاستعمال وقلته، فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون:
1 - في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. (1)
2 - أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد.
فالأول: الفرد المطلق (2).
والثاني: الفرد النسبي، سُمِّي بذلك لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا، ويقل إطلاق الفردية عليه، لأن الغريب والفرد--------------------------------------------
(1) "أصل السند: هو طرفه الذي فيه الصحابي، والصحابي حلقة من حلقات السند، أي إذا تفرد الصحابي برواية الحديث، فإن الحديث يسمى غريبا غرابة مطلقة، وأما ما فهمه الملَّا علي القاري من كلام الحافظ ابن حجر … من أن تفرد الصحابي لا يعد غرابة، وتعليله ذلك بأنه ليس في الصحابة ما يوجب قدحا، أو أن الصحابة كلهم عدول. فما أظن أن ابن حجر أراد ذلك، والله أعلم، … وعلى كل حال، فما قاله الملا علي القاري هو رأي لبعض أهل الحديث." الطحان، تيسير المصطلح، 39. ينظر: القاري، شرح النخبة، 23، الجزائري، توجيه النظر، 1/ 490.
(2) ذكر أمثلة له فقال: "كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك." ابن حجر، النزهة، 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (1)
وتراوح موقف بعض تلامذة ابن حجر بين التصريح بموافقته وترجيح مذهبه فيما ذهب إليه من ترادف الأفراد والغرائب كالسخاوي (2)، وبين الإشارة إلى هذا المذهب دون ترجيح أو تعقيب كالبقاعي (3)،
والأنصاري (4)، وبين من جعل الغرائب قسماً خاصاً من أقسام الأفراد التي تضمه وتضم غيره - تبعاً لابن الصلاح- كالسيوطي (5).--------------------------------------------
(1) ابن حجر، المرجع السابق، 64 - 66.
(2) السخاوي، فتح المغيث، 4/ 3.
(3) البقاعي، النكت، 2/ 437.
فالبقاعي ينقل عن شيخه ابن حجر، ولم يعقّب، ولعل عدم تعقيبه دليل موافقة لما أورده، فقد نقل عن شيخه بأن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال - بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يجمع حديثه كما قيده به ابن منده أولا … فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، وابن منده ما وقع به الانفراد من ذلك، فإنه حد الغريب منه، مخصص له بما انفرد به الراوي عن إمام يجمع حديثه، والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا." ينظر: البقاعي، المرجع السابق باختصار.
(4) الأنصاري، فتح الباقي، 2/ 158. حيث قال عند شرحه لنوع الغريب: "وقد علم من كلام الناظم: أن الغريب عند غير ابن منده قسمان: مطلق، ونسبي، وهو على وزان الأفراد السابق بيانه في بابه، حتى قيل: إنه لا فرق بين البابين."
(5) قال السيوطي في ألفيته- تحت نوع الأفراد:
" الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا .... رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا
رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ .... أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ
وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ .... بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ
فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ … وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ "
ثم ذكر الأنواع التالية: "الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر" وقال:
الأول المطلق فردا، ............. السيوطي، الألفية، 23 - 24.
قال الشارح: "والمعنى: أن الغريب هو الفرد المطلق الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط، .. " الأثيوبي، شرح أَلفيَّة السُّيوطي 1/ 208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، قال السخاوي في شرحه لألفية العراقي - عند ذكره لمناسبة نوع المتابعات والشواهد لما قبلها، وذلك بعد مجيئها عقب الشاذ والمنكر-: "لما انتهى الشاذ والمنكر المجتمعان في الانفراد، أُردِفا ببيان الطريق المبين للانفراد وعدمه، ولكنه لو أُخِّر عن الأفراد والغريب الآتيين، كان أنسب" (1).
وقال كذلك في بداية نوع الأفراد: "ومناسبته لما قبله واضحة، ولكن لو ضُمَّ إلى المنكر والشاذ - كما قدمنا - كان أنسب" (2)، ونجد أن السخاوي - في كلامه السابق عن الأفراد والغريب- صرّح إلى أن الأنسب هو ضم النوعين، وذلك حين ابتدأ ذكر مناسبة نوع الغريب لما قبله فقال: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (3)، وهو بذلك يحتذي حذو شيخه ابن حجر الذي قال بترادف مصطلح الأفراد والغريب.
وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الأفراد أو ذكر لأنواعه، نجدها تدور في غالبها حول محورين:--------------------------------------------
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 255.
(2) السخاوي، المرجع السابق، 1/ 268.
(3) السخاوي، المرجع السابق، 4/ 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
- أحدهما: من جهة أقسام الحديث الفرد وتنوعه بين مطلق ونسبي، ومدى اتفاقهم على هذا التقسيم.
- والثاني: من جهة علاقة مصطلح الأفراد بالغريب.
المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:
فقد قسّم ابن الصلاح الأفراد إلى قسمين: فرد مطلق، وفرد نسبي.
أما القسم الأول: وهو التفرّد المطلق: فقد قيّده بالانفراد بالرواية دون متابعة أو مشاركة، سواء كان التفرّد بأصل الحديث أو جزء منه، وسواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة (1)، ولم يقيّد موضع التفرّد من السند إنما أطلق موضع التفرّد دون تحديد، فقال: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقاً، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد، وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا." (2) ويقصد بأقسامه وأحكامه ما ذكره في الأنواع التي سبقت الفرد من الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ويختلف حكم الحديث الفرد فيها حسب مرتبة راويه من الثقة والضبط، واحتمال التفرّد منه أو عدم احتماله.
- أما القسم الثاني: التفرد النسبي: وإنما سُميّ نسبياً؛ لكون التفرد فيه ليس مطلقاً بل بالنسبة لطريق معين، أو بالنسبة لصفة في أحد الرواة أو لجهة معينة أو بالنسبة لأهل بلد معين، حيث قال: "وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة،
وحكمه قريب من حكم القسم الأول، ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو لم يروه عن فلان--------------------------------------------
(1) سبق بيان ذلك في قيد التفرّد في فصل الحديث الشاذ والمنكر.
(2) ابن الصلاح، علوم الحديث، 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
غير فلان - وإن كان مروياً من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك … " (1).
وما ذكره الحاكم من أنواع الفرد تدخل ضمن هذا التقسيم، حيث قال:
"معرفة الأفراد من الأحاديث وهو على ثلاثة أنواع:
فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي، … والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، … فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (2).
وحين اعترض مغلطاي على تقسيم ابن الصلاح، وأراد منه كما تبع الحاكم في إفراد هذا المصطلح بالذكر أن يتبعه كذلك في تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أنواع، فقال: "كان ينبغي له إذ يتبع الحاكم في أفراده أن يتبعه في تقسيمه … " (3)
أجاب على اعتراضه ابن حجر فقال: "وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.
والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد .... وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعاً:--------------------------------------------
(1) المرجع السابق. ينظر في تقسيم الأفراد لمطلق ونسبي غالب كتب الحديث بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو نكّت عليه، ومن ذلك: النووي، التقريب، 43، ابن جماعة، المنهل، 51، الطيبي، الخلاصة، 53، ابن كثير، علوم الحديث، 52، ابن حجر، النكت، 2/ 703 - 705، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 268.
(2) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 96 - 102 باختصار.
(3) مغلطاي، الإصلاح، 2/ 271 - 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
أحدهما: تفرد شخص عن شخص.
ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.
ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.
رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى … " (1)
وقال الزركشي - مُلحقاً أنواع الأفراد عند الحاكم إلى ما تندرج تحته من الفرد المطلق أو النسبي-: "وقسم الحاكم التفرد ثلاثة أقسام: الأول: تفرد أهل مدينة عن صحابي، الثاني: تفرد رجل واحد عن إمام من الأئمة، الثالث: تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى. والأول والثالث يدخلان تحت الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة." (2).
ويُلاحظ أن الزركشي أدرج القسم الأول من الأقسام التي ذكرها الحاكم - وهو: تفرد أهل مدينة عن صحابي- ضمن الفرد النسبي (3)، حيث مثّل الحاكم لهذا النوع بأمثلة منها: حديث عائشة رضي الله عنها أنها: "لما توفي سعد بن أبي وقاص (4)،
قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء (5) وأخيه (6) في المسجد" (7).--------------------------------------------
(1) ابن حجر، النكت، 2/ 703 - 705 باختصار.
(2) الزركشي، النكت، 2/ 202 - 203.
(3) ينظر: عتر، منهج النقد، 400.
(4) سعد بن مالك بن أُهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، أبو إسحاق ابن أبي وقاص، من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، روى الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم. مات سنة: 7 أو 8 للهجرة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، 275 (891)، ابن الأثير، أُسد الغابة، 2/ 582 (2316)، ابن حجر، الإصابة، 4/ 286 (3208).
(5) سهيل بن البيضاء، واسم أمه البيضاء دعد بنت الجحدم، وهو أخو سهل، وصفوان ابني بيضاء، يعرفون بأمهم، وأبوهم وهب بن ربيعة بن من بني النضر بن كنانة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، فجمع الهجرتين جميعا، ثم شهد بدرا وغيرها، ومات بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، 314 (1077)، ابن الأثير، أُسد الغابة، 2/ 582 (2316)، ابن حجر، الإصابة، 4/ 513 (3578).
(6) سهل بن بيضاء أخو سهيل وصفوان، أمهم البيضاء، كان ممن قام في نقض الصّحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، ومات بالمدينة وصلّى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى أخيه سهيل في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، 307 (1042)، ابن الأثير، أُسد الغابة، 2/ 569 (2283)، ابن حجر، الإصابة، 4/ 490 (3537).
(7) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، 2/ 669 ح (973).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، … ". (1)
- بينما نجد ابن حجر في كتابه النكت ذكر هذا المثال كمثال للنوع الثاني من الفرد المطلق، وهو: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (2)، فقال: "ومثال النوع الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها "في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء رضي الله عنه " له طريقان عنها (3) رواتها كلهم مدنيون. قال الحاكم: "تفرد أهل المدينة بهذه السنة." (4)
- ولعل ما أشار إليه السخاوي في شرحه لألفية العراقي يوضح بعض التداخل في أمثلة الفرد النسبي مع المطلق، فقال -قاصداً أمثلة الفرد النسبي-: "والحاصل أن القسم الثاني--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 97.
(2) قال السخاوي: "وصنف أبو داود (السنن) التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد; كحديث طلق في مس الذكر، قال: إنه تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة." السخاوي، فتح المغيث، 1/ 272.
(3) أخرج مسلم في صحيحه حديث الصلاة على سهيل بن البيضاء من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير، ومن طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن كلاهما عن عائشة رضي الله عنها. ينظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، 2/ 668 - 669 ح (973).
(4) ابن حجر، النكت، 2/ 704 - 705.
قال السليماني: "قسّم الحافظ الفرد المطلق إلى قسمين، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره، وبين بعض صور النسبي.
ونقل المناوي عن بعضهم أنه لا فرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في (اليواقيت والدرر)، وصرّح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي تشترك في بعض أنواع المطلق، كما في (فتح المغيث).
وذكر بعضهم أن بعض الروايات تكون مطلقة من جهة، ونسبية من جهة، مع أنها رواية واحدة، وحصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم" السليماني، الجواهر، 320 - 321.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
أنواع، منها ما يشترك الأول معه فيه ; كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط. (1)
وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد … " (2) ذكر هذه النتيجة بعد أن أسبقها بشرحه لعبارات الألفية فقال: " (فإن يريدوا) أي: القائلون بقولهم هذا وما أشبهه (واحدا من أهلها) بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحداً فقط وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد (تجوزا) كما يُضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا (فاجعله من أولها) أي: الصور المذكورة في الباب، وهو الفرد المطلق." (3)
ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله: "إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفرداً مطلقاً، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مروياً عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، … " (4)
- وبالنسبة لأقسام الأفراد عند المقدسي، فالقسم الأول عنده يدخل في التفرد المطلق، وقد أشار فيه إلى التفرّد في أصل السند- ولعل ابن حجر تبعه في ذلك حين عرّف الفرد--------------------------------------------
(1) مثال ذلك: حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قوله: ((ومسح رأسه بماء غير فضل يده)) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 211 ح (236) - فقد نقل السخاوي عن الحاكم قوله: سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد.
ثم عقّب بقوله: "فإنه لم يروه من أهل مصر إلا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري، عن أبيه عنه، فأطلق الحاكم أهل البلد وأراد واحدا منهم." ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 270 - 271 بتصرّف.
(2) السخاوي، المرجع السابق، 1/ 271، ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 257.
(3) السخاوي، المرجع السابق.
(4) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 18، السخاوي، المرجع السابق، 1/ 272.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
المطلق، واختار تقييد موضع التفرّد بأصل السند، وذلك في كتابه النزهة (1)، - بينما الأنواع الأخرى عند المقدسي تفرّدات وغرائب نسبيّة.
- وأما ابن الأثير - فعلى الرغم من كونه لخّص ما ذكره الحاكم في كتابه- إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين للأفراد فقال: "ومن الغرائب: الأفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (2)، فالأول يتراوح في دخوله تحت الفرد النسبي كما صرّح الزركشي (3)، وبين اعتباره نوعاً من الفرد المطلق حسب المثال الذي استشهد
به ابن حجر لتفرّد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (4)، أما القسم الثاني الذي ذكره ابن الأثير فإنه يتبع الفرد المطلق.
- وأما الخليلي فقد ذكر أنواع الأفراد حسب مرتبة الراوي المتفرّد من الثقة وعدمها، ولم يُشر لجهة الإطلاق في التفرّد أو النسبية، وإن كانت الأنواع التي ذكرها في مجملها لا تخلو من أن تندرج تحت واحدٍ منهما.
- وكذلك الميانشي ذكر نوعاً واحداً للفرد، أطلق فيه موضع التفرد، وحدد مرتبة راويه بكونه ثقة، وأردفه بما يشير إلى أنه يقصد بالفرد زيادة الثقة، فقال "وأما المفرد: فهو ما--------------------------------------------
(1) ابن حجر، النزهة، 64 - 66. بينما نجده في كتابه النكت على ابن الصلاح أطلق موضع التفرّد، وجعل الفرد المطلق على قسمين فقال: "الفرد إما مطلق وإما نسبي، وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث. والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد … " ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 703 - 704 باختصار.
(2) ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 175.
(3) ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 202 - 203.
(4) ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 703 - 705.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (1)، فإذا قصد تفرّده بالحديث مُطلقاً بحيث لم يروه أحدٌ سواه لا عن شيخه ولا عن غيره، فهذا فرد مطلق، وإن خصّ التفرّد بالرواية عن الشيخ دون باقي تلامذته، بينما رُوي الحديث عن شيوخ آخرين، فهذا تفرّد نسبي.
- وغالب من جاء بعد ابن الصلاح ممن لخّص كتابه تابعوه في هذه التقسيم إلى مطلق ونسبي، وهذا شبه اتفاق بينهم على هذه القسمة، وإنما حدّد موضع التفرد - في الفرد المطلق- ابن حجر في كتابه النزهة فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي." - وقصد بذلك أن يرويه عن الصحابي تابعي واحد، - وقد أوضح ذلك بالأمثلة التي ذكرها، وفيها يتفرّد
التابعي في روايته عن الصحابي (2)، وأشار أيضاً إلى أن هذا التفرد قد يستمر في الطبقات التي تلي التابعي فقال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم … "، هذا فيما يخص الفرد المطلق، (3) بينما أشار إلى أن موضع التفرد في الفرد النسبي يكون في الطبقة التي تلي التابعين فقال: "أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن--------------------------------------------
(1) الميانشي، ما لا يسع المحدث، 29.
(2) فقال: "كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك." ابن حجر، النزهة، 65، ومن مظان الأفراد كذلك المعجم الصغير للطبراني كما ذكر السخاوي في الفتح. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 272.
(3) "إن كان التفرد في أصل السند أو في كل السند، فهو الفرد المطلق، وإلا فهو الفرد النسبي." أبو شبهة، الوسيط، 369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي … " (1).
وقد علّق الدكتور الزهار على تخصيص ابن حجر لموضع التفرد بقوله: "بالنظر إلى تعريفات باقي الحفاظ للفرد المطلق يتضح أن الحافظ ابن حجر رأى التخصيص في إطلاق التفرد في طبقة معينة وهي أصل السند، وذهب الباقون إلى جعله مطلق التفرد." (2) ولعل لابن حجر سلفاً فيما ذهب إليه، وذلك فيما ذكره المقدسي في النوع الأول من الغرائب والأفراد حيث قال: "النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في
الكتابين … " (3) حيث خصص موضع التفرّد بتفرد التابعي عن الصحابي، بل وأتبعه أيضاً بتفرد من بعده - أي: تابع التابعي- عنه بالرواية، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم … " (4)، وتحديد موضع التفرّد من السند إنما ذكره ابن حجر في كتابه النخبة وفي شرحه عليها وهو النزهة، بينما نجده أطلق موضع--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 64 - 66.
(2) زهار، التفرد، 138.
(3) المقدسي، الأطراف، 1/ 29.
(4) ابن حجر، المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
التفرّد وتابع ابن الصلاح في ذلك في كتابه النكت على ابن الصلاح، بل وأشار إلى أن للمطلق أقساماً، وجعل من ضمنها تفرّد أهل البلد بالرواية دون غيرهم. (1)
نخلص مما سبق:
أن معظم تعريفات الحديث الفرد أو الأفراد، وما جاء في تفصيل بعضهم لأنواعها يشمل في غالبه الفرد المطلق والنسبي (2)، وإن لم يُشر قائلها لذلك، فهي في مجملها لا تخلو من هذين القسمين، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحديث إلى فرد مطلق ونسبي لا تعلّق به مباشرة من حيث الحكم على الحديث بالصحة والضعف، وإنما القبول والرد، وتصحيح الروايات وتضعيفها
متعلّق باعتبارات أخرى لا مدخل للتفرّد المطلق أو النسبي فيها، ولكنه من القرائن المهمة في عملية النقد الحديثي. (3)--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 703 - 705. "الذي ذهب إليه لم أجده لغيره من المحدثين، ولم أرَ من قسّم المطلق هذين القسمين، مطلق أهل البلد ومطلق الراوي المنفرد … " حمام، التفرد، 231.
(2) بل دعا ذلك بعض المعاصرين إلى الإشارة أن الفائدة من التوسّع بذكر الأمثلة على هذه الأقسام قليلة من الفائدة العلمية، فقال: "حصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم". السليماني، الجواهر، 321.
ولعل من أبرز الفوائد بيان ما يجتمع فيه إطلاق الفردية والغرابة من هذه الأنواع، وما يختصّ به نوع الفرد عن الغريب.
(3) ينظر مباحث حكم الحديث الفرد المطلق والفرد النسبي في كتاب التفرد لعبدالجواد حمام، 231 - 243، عتر، منهج النقد، 401.
وقد ذكر القاسمي أقسام الفرد المطلق ثم قال: "فتحصل أن الفرد المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضًا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. -وقد استفاد هذا التقسيم من النووي في شرحه على مسلم، 1/ 34 - ثم ألحقه بأقسام الفرد النسبي، وقال: "ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد فيكون من الفرد المطلق. أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبًا." القاسمي، قواعد التحديث، 128.
"فتلخص من هذا أن الحديث الفرد يدور على سبعة أضرب وأحوال، أربعة منها مندرجة ضمن الفرد المطلق، والثلاثة الباقية تندرج ضمن الفرد النسبي، والحكم على كل نوع منها يرجع إلى قرائن أخرى، على اختلاف في ذلك بين المحدثين، … " زهار، التفرد، 142.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:
مصطلح الأفراد من المصطلحات المتداخلة مع أنواع عدة من علوم الحديث (1)، وبالنظر إلى تعريفات من سبق ابن الصلاح نجد من أفرد هذا النوع بالذكر، ومنهم من ذكره مع الغرائب أو الغريب، وجعلهما نوعاً واحداً، ومنهم من ذكره كنوعين متتالين يظهر فيهما التداخل.
ومن جاء بعد ابن الصلاح كذلك هناك من ميّز بينهما، وهناك من جعلهما نوعاً واحداً.
- أما الحاكم فقد ميّز الغريب عن الأفراد (2)، وذكر كلاً منهما في نوع ظاهره الاستقلال، وجعلهما متتالين، وكأنه يشير إلى ما بينهما من علاقة وطيدة مما جعل ابن الأثير في
مقدمة جامعه (3) بعد أن نقل عن الحاكم أنواع الغريب الثلاثة -التي ذكرها في كتابه علوم الحديث (4) - يدمج الأفراد بالغريب، وذكرها كقسم منه، إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد، ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من--------------------------------------------
(1) علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: "هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى (يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك) وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب … ". ينظر: السيوطي، الألفية، 23.
(2) ينظر: حمام، التفرد، 274. وقد اعتبر المؤلف أن كل نوع منهما مستقلٌّ عن الآخر، وأن لكل منهما تقسيماً لا ينطبق على الآخر.
(3) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 175.
(4) هي: غرائب الصحيح، وغرائب الشيوخ، وغرائب المتون، علما بأن أغلب مقدمة ابن الأثير في أصول الحديث مختصرة من كتاب الحاكم (معرفة علوم الحديث).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
الأفراد كما صرّح بذلك ابن الصلاح حيث قال: "وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه" (1).
وهذا الصنيع من ابن الأثير - رغم كونه نقل واختصر غالب مقدمته من كتاب علوم الحديث للحاكم- يدل على أنه فهم أن فصل الحاكم بين الغريب والفرد، وإفراد كل نوع بالذكر إنما هو فصل في ظاهر الأمر وليس في حقيقته، وأن مساحة الاشتراك بين النوعين كبيرة، واقتصر على ذكر أنواع الفرد المشتركة مع الغريب دون النوع الثالث، والذي أشار الحاكم إلى ندرة وجوده وفهمه، فقال: "فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (2).
قال الدكتور صبحي الصالح - بعد أن ذكر نوع الغريب واستشهد على أنواعه بالأمثلة-: "وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم
الحديث وهو معرفة الأفراد، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد" (3).
- أما ابن طاهر المقدسي فقد جمع بين الأفراد والغرائب، وعدّهما نوعاً واحداً له أقسام فقال: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع: … " (4) ثم عدّد هذه الأنواع، ويُفهم من ذلك أنه يسوّي بين الأفراد والغرائب، ولعله ومن سار على نهجه يُعدُّ سلفاً لابن حجر في--------------------------------------------
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 270.
(2) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 100.
(3) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، 229.
(4) ابن طاهر المقدسي، أطراف الغرائب، 1/ 29 - 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)