اعتباره ترادف مصطلحي الغريب والفرد، وأنه قد يُطلق أحدهما على الآخر، فيقال: أغرب به فلان، وتفرّد به فلان.
وقد أشار إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة الاستعمال أو كثرته، فقال: "الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (1)
- وقد احتذى السخاوي حذو شيخه ابن حجر حيث صرّح بترادف مصطلح الأفراد والغريب حين ذكر أن الأنسب هو ضم النوعين إلى بعضهما، فقال - في مقدمة شرحه لنوع الغريب-: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (2).
- وقد نقل بعض تلامذة ابن حجر كالبقاعي والأنصاري عن شيخهما ابن حجر ما ذكره من أن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال البقاعي- بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يُجمَع حديثه كما قيده به ابن منده أولاً … فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، … والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا." (3)--------------------------------------------
(1) ابن حجر، النزهة، 64 - 66.
(2) السخاوي، فتح المغيث 4/ 3.
(3) ينظر: البقاعي، النكت، 2/ 437 باختصار، الأنصاري، فتح الباقي، 2/ 158.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
فابن منده إنما خصّ الغريب بجزء مما استقرّ عليه تعريف الغريب عند ابن حجر ومن وافقه، وأن ما يتفرّد به الراوي عمن يروي عنه بشكل عام يعدّه ابن منده فرداً لا غريباً وإنما الغريب عنده خاص بما كان تفرداّ عن إمام يُجمع حديثه.
فالبقاعي وكذلك الأنصاري ينقلان عن شيخهما ابن حجر، ولم يعقّبا، ولعل عدم تعقيبهما دليل موافقة لما ذهب إليه من ترادف الفرد والغريب.
- وفي مقابل من اعتبر ترادف المصطلحين فهناك من فرّق بينهما، فأفرد كل نوع بتعريف مستقلّ:
- كابن الملقن، ويُشبه ظاهر تعريفه ما ذهب إليه ابن منده من التفريق بين الغريب والفرد، حيث جعل لكل منهما تعريفاً مستقلاً فقال- في كتابه التذكرة-: "الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه." (1)، وهو بذلك يُشير إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. قال السخاوي شارحاً كلام ابن الملقن: " (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يُجمع حديثه)
وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة (2) أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا (3)، فكل غريب فرد ولا عكس." (4)--------------------------------------------
(1) ابن الملقن، التذكرة، 17.
(2) ضرب ذلك كمثال للفرد النسبي بتفرّد أهل بلد بالرواية عن شيخ ونحوه، ومثّل لهم بتفرد أهل مكة.
(3) فإذا كان المتفرد من أهل البلد واحداً اجتمعت فيه الغرابة والفردية، وإذا كان المتفرّد أكثر من واحد إلا انهم من بلد واحد، فيُعدُّ هذا من الفرد النسبي، ولا يصح إطلاق الغرابة عليه.
(4) السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
- وممن فرّق كذلك بين المصطلحين، وجعل لكل منهما تعريفاً مستقلاً في ظاهره الميانشي حيث قال: "وأما المفرد: فهو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ … وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية" (1).
فقد خصَّ الميانشي الفردَ بتفرّد الثقة، وأعقب كلامه بما يدل على أن المقصود بالفرد عنده زيادة الثقة، (2) وعرّف الغريب بكونه انفراد وشذوذ في الرواية من راوة مُقلّين في الرواية، فيُثير شذوذهم وانفرادهم الغرابة.
- وهناك من لم يذكر الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث، واكتفى بذكر الغريب، ومنهم: ابن دقيق العيد في الاقتراح (3) (ت 702 هـ) فلم يذكر في كتابه نوع الأفراد، بل اقتصر
على ذكر الغريب بعد ذكره لنوعيّ الشاذ والمنكر، ولعل في ذلك إشارة منه إلى ترادف الغريب والفرد أو كون الأفراد داخلة ضمن هذه الأنواع فلا حاجة إلى إفرادها بالذكر.
وتبعه الذهبي في كتابه الموقظة (4) (ت 748 هـ) إلا أنه تحدث عن الأفراد بشكل مبثوث ضمن مباحث الكتاب، وحكم ما لو انفرد ثقة أو ما دونه (5).--------------------------------------------
(1) الميانشي، ما لا يسع المحدث، 29.
(2) فقال: "وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه." المرجع السابق.
(3) حيث قال: "الرابع عشر الغريب: وهو تارة ترجع غرابته إلى اللفظ، وتارة ترجع إلى الإسناد، ثم تارة يكون غريبا مطلقا، بأن ينفرد راوٍ بإسناده كله، وتارة يكون غريبا عن شخصٍ معيَّنٍ، ويكون معروفا عن غيره. فإذا قيل: هذا غريبٌ من حديث فلان عن فلان، احتمل الوجهين جميعاً.
وكذلك إذا قلنا: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفرداً مطلقا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعيَّن، ويكون مرويّاً من غير جهة ذلك المعيَّن فتنبّه لذلك … ". ابن دقيق العيد، الاقتراح، 17 - 18.
(4) ينظر: الذهبي، الموقظة، 43.
(5) فقد بيّن في كتابه الموقظة أقسام الرواة من حيث تفرّدهم فقال: "فهؤلاء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح.
وإن كان من الأتباع، قيل: صحيح غريب.
وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة. ومن كان بعدهم: فأين ما ينفرد به؟ ، ما علمتُه، وقد يوجد.
ثم اليقظ، الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلق عليه أنه: ثقة، وهم جمهور رجال "الصحيحين" فتابعيهم، إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في (الصحاح). وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق (الغرابة) مع (الصحة) في حديث أتباع الثقات. وقد يوجد بعض ذلك في (الصحاح) دون بعض.
وقد يُسمّي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هُشيم، وحفص بن غياث: منكرا. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: (هذا منكر) … ".ينظر: الذهبي، المرجع السابق 77 - 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
نخلص مما سبق:
أن التداخل بين مصطلح الفرد والغريب تداخل كبير، وقد تعددت مذاهب العلماء في بيان العلاقة بينهما، ما بين علاقة عموم أحدهما وخصوص الآخر، وما بين علاقة الترادف واعتبارهما نوعاً واحداً، والإشارة إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة استعمال أحدهما أو كثرتها في موطن دون آخر.
قال الدكتور نور الدين عتر: "ومن هذا يظهر تقارب هذين النوعين: الغريب والفرد من بعضها، حتى اختلف فيهما المحدثون هل هما نوع واحد أو نوعان مفترقان. والأولى جعلهما نوعين لما عرفت من عدم دخول بعض الأفراد في الحديث الغريب، مثل أفراد البلدان وأفراد القبائل." (1)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- يُفهم من تعريف ابن الصلاح أن الأفراد أو التفرّد حالة من الحالات التي تعرض للحديث (2)، وأنها على قسمين تفرد مطلق، أو تفرّد نسبي.--------------------------------------------
(1) عتر، منهج النقد، 401.
(2) الحديث الفرد فيه شيء من التعميم، فهو من حيث التعريف شامل لكل ما يتفرد به الراوي، … ومصطلح الفرد يمكن أن يتداخل مع المصطلحات الأخرى، فالفرد حالة عامة، يمكن أن يكون فرداً خالف فيه الثقة الثقات فيدخل في نوع الشاذ، … ويمكن أن يكون فرداً خالف فيه الضعيف من هو أرجح منه، ويمكن أن يكون فرداً زاد فيه راويه الثقة شيئاً على غيره من الرواة فيكون من قيبل زيادة الثقة، وهكذا.
فالحديث الفرد إنما يدل على وقوع حالة تفرد مجردة، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، أما الأنواع الأخرى ففيها دلالة واضحة على التفرد مع معنى زائد عليه، كالمخالفة، أو الزيادة، أو الرد، ونحو ذلك .. ". ينظر: حمام، المرجع السابق، 219 - 220 باختصار.
وقد علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: "هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى - يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك- وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب … " ينظر: السيوطي، الألفية، 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
حيث "لم يتصدّ كثيرٌ من المحدثين الذين دونوا في علوم الحديث لتعريف (الحديث الفرد) بصورته العامة، بل كانوا يبوبون له في مصنفاتهم، ثم يَلِجون مباشرة في تقسيمه، والكلام على نوعيه المطلق والنسبي، والتمثيل له، والحكم عليه، كما فعل الحاكم، وابن الصلاح، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم …
وقد عرّف بعضهم -وإن كان قليلاً- (الحديث الفرد) منهم الميانشي … " (1)
- ونجد أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقساماً تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح البعض بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتميز مصطلح الأفراد بتداخله مع مصطلح الغريب، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعاً واحداً أو التفريق بينهما:
- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كصنيع الحاكم.
- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.
- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.--------------------------------------------
(1) ينظر: حمام، المرجع السابق، 217 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.
- وهناك من جعلهما نوعاً واحداً وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.
إن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، وعن درجة الراوي المتفرد وحاله، وبغض النظر هل يستغرب الحفاظ هذا التفرّد، ويتحفّظون عليه، أم أنه سائغ مقبول لديهم لا غبار عليه، وبغض النظر هل كانت فيه مخالفة أم لا، كل هذا داخل في حقيقة الحديث الفرد.
أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغرباً، أو استقلالاً بالرواية تثير عند الحفاظ شيئاً من الاستغراب …
إذاً: الحديث الفرد أعم من الحديث الغريب، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وكل غريب يسمّى فرداً، وليس كل فرد يسمى غريباً، هذا من حيث الماهية والجوهر، فماهية الفرد أعم وأشمل من ماهية الغريب، وليست هي ذاتها، (1) والله أعلم.
إلى هنا انتهى تحرير مصطلح الأفراد، ولأن زيادة الثقة صورة من صور التفرّد؛ رأيت من المناسب أن يتبعها في ترتيب فصول البحث، فإلى الفصل السابع، وتحرير مصطلح زيادة الثقة.--------------------------------------------
(1) حمام، التفرد، 312 - 313. باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
الفصل السابع: زيادة الثقة
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
زيادة الثقة: مركب إضافي من كلمتين، والزيادة من زاد الشيء وازداد أي نما وكَثُر، والزيادة خلاف النقصان (1).
والثقة من وثِق، و"الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثّقت الشيء: أحكمته." (2)
"ووثِق به يثِق فهو ثِقة إذا ائتمنه" (3)، فمن معاني الثقة في اللغة: الإحكام والإئتمان. (4)
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):--------------------------------------------
(1) ينظر: مادة (ز ي د) ابن فارس، المقاييس، 3/ 40، الرازي، المختار، 139، ابن منظور، اللسان، 3/ 198.
(2) ابن فارس، المرجع السابق، 6/ 85. مادة (وث ق)
(3) الرازي، المرجع السابق، 332، ابن منظور، المرجع السابق، 10/ 371.
(4) هذا معنى الثقة في اللغة، والثقة عند المحدثين مرتبة من مراتب تعديل الرواة، فالراوي الثقة عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الأولى من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: "فهو ممن يحتج بحديثه". وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، ونقل عن الخطيب قوله: "أرفع العبارات أن يقال: حجة، أو ثقة"، وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن.
وقال الذهبي في الموقظة -موضحاً مراتب الثقة-: "الثقة: من وثقه كثير، ولم يضعف. ودونه: من لم يوثق ولا ضعف. فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين)، فهو موثق بذلك. وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة، فجيد أيضا. وإن صحح له كالدارقطني والحاكم، فأقل أحواله: حسن حديثه.
وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ)."
وقال الجزائري في توجيه النظر: "الثقة قد يطلق على من كان مقبولا وإن لم يكن تام الضبط". المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 37، ابن الصلاح، علوم الحديث، 122 - 123، الذهبي، الميزان، 1/ 4، الذهبي، الموقظة، 78، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 371، ابن حجر، التقريب، 74، الجزائري، التوجيه، 1/ 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
مصطلح زيادة الثقة له ارتباط وثيق بالتفرّد والأفراد، (1) فهو صورة من صور التفرّد، وفرع من فروعه، "بل علاقته به علاقة العموم بالخصوص، إذ التفرّد أعم، ومن صوره زيادة الثقة" (2)؛ ولعل هذا ما دعا ابن كثير رحمه الله في اختصاره لكتاب ابن الصلاح أن يقدّم نوع الأفراد ثم يتبعه بنوع زيادة الثقة (3) - وذلك على خلاف ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح- وقد احتذيتُ صنيع ابن كثير في ذلك فقدّمت الكلام عن التفرّد والأفراد في الفصل الماضي ثم أتبعته بزيادة الثقة.
وبالنظر في كتب الحديث وعلومه نجد أن "معظم كتب المصطلح، وبخاصة القديمة منها لم تهتم بتعريف زيادة الثقة، وإنما اقتصرت على بيان حكم هذه الزيادات؛ وذلك لوضوحها في أذهان الحفاظ والمحدثين، وأهل هذا الشأن" (4).
وكان ممن جاء قبل ابن الصلاح من أفردها بالذكر، ومثّل لها تحت نوع مستقل كالإمام الحاكم، أو ذكر حكمها تحت باب مستقل كالخطيب البغدادي كما سيأتي تفصيله.--------------------------------------------
(1) سيأتي معنا أن الميانشي عرّف الفرد ومثّل له بزيادة الثقة.
(2) زهار، التفرد، 223، ينظر: حمام، التفرد، 511.
وذكر الجديع في كتابه التحرير: أن الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه.
فهذان نوعان، فأما الأول فليس مراداً هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصاً أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به … وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة. ينظر: الجديع، التحرير، 2/ 1022 باختصار.
(3) ينظر: ابن كثير، الاختصار، 27، قال في خطبة كتابه: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب".
(4) حمام، التفرد، 511 - 512.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):
قال الحاكم تحت النوع الحادي والثلاثين- وهو يشير إلى نوع من أنواع زيادات الرواة-: "معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد" (1).
تعريف الخطيب البغدادي (ت 463 هـ):
عنون الخطيب بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة ، إذا انفرد بها" (2)
تعريف الميانشي (ت 581 هـ):
نجد الميانشي عرّف الفرد بقوله: "ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." (3) ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري-رحمه الله في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (4)، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، فيكون الفرد وزيادة الثقة عنده بمعنى واحد.--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 130.
أردف بقوله: "هذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه، وقد كان أبو بكر عبد الله ابن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر ذلك وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد رضي الله عنهم أجمعين، … " وأتبع ذلك بذكر عشرة أمثلة لهذا النوع ينظر: المرجع السابق، 131 - 134.
(2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 424.
قام بسرد أقوال العلماء ومذاهبهم في حكم زيادة الثقات، ثم ذكر اختياره منها وترجيحه، فقال: "والذي نختاره من هذه الأقوال أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا، … " وأتبع ذلك بما يدلّل على صحة اختياره. ينظر: المرجع السابق، 425 - 426.
(3) الميانشي، ما لا يسع المحدث، 29.
(4) ينظر: المازري، المُعْلم، 2/ 373 ح (737).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
تعريف ابن الأثير (ت 606 هـ):
ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث- فقال في تعريف زيادة الثقة: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلها من قوله." (1)
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ) (2):
لخّص ابن الصلاح شيئاً مما ذكره الحاكم والخطيب البغدادي فيما يخص زيادة الثقة، فعنّون النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث: بمعرفة زيادات الثقات وحكمها، ثم ذكر بشكل مختصر من اهتم من العلماء بهذه الزيادات (زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث) (3)، وحكمها عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين، ثم توصّل إلى تقسيم ما ينفرد به الثقات بشكل عام، فقال:
"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:--------------------------------------------
(1) ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 105.
ثم أشار إلى حكم الزيادة -مستفيداً ذلك من كتاب المستصفى للغزالي-: "إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفَّاظ قُبِلَ. فكذلك الزيادة … " ابن الأثير، المرجع السابق، 1/ 103 - 104.
(2) "لم يذكر تعريفاً لها، ولم يُبيّن مفهومها، وإنما شرع مباشرة في تفصيل الكلام على حكمها، وتبعه على ذلك النووي، وابن جماعة، وغيرهما، ومردُّ ذلك وضوح المسألة عندهم، أو لكون هذا النوع مفرعاً عن أنواع أخرى، وقسيماً لها، كالشاذ والمنكر، فهذه الأنواع متكاملة، وبتكاملها يتضح معناها وينجلي." حمام، التفرد، 515.
(3) اعترض مغلطاي على ابن الصلاح بقوله: "وفيه نظر من حيث: إن النوع إنما هو مبني على الزيادات في الروايات أما الزيادات من الفقهاء التي من غير رواية فليس هذا النوع من بابها".
وأُجيب على اعتراضه بأن المراد: الألفاظ الفقهية والزيادات التي يُستنبط منها الأحكام الفقهية كزيادة لفظة (تربتها) في حديث التيمم، … وليس المراد ما زاده الفقهاء دون المحدثين، فذلك يدخل في نوع المدرج. المراجع: مغلطاي، الإصلاح، 2/ 255 - 256، ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 174 - 175، البلقيني، المحاسن، 250، ابن حجر، النكت، 2/ 686.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
أحدها: أن يقع مخالفاً منافياً (1) لما رواه سائر الثقات؛ فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ.
الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلاً لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا؛ فهذا مقبول. وقد ادعى "الخطيب" فيه اتفاق العلماء عليه. وسبق مثاله في نوع الشاذ.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث." (2)
ثم ختم هذا النوع بالإشارة إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها، فقال:
"وأما زيادة الوصل مع الإرسال؛ فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدحٍ في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل، (3) والله أعلم." (4)--------------------------------------------
(1) ملاحظة: في الفرق بين المخالفة والمنافاة المراجع: ابن حجر، النزهة، 82، البقاعي، النكت، 1/ 383، الأثري، الحديث الشاذ، 15، أحمد عمر بازمول، المقترب في بيان المضطرب، 79 - 80.
(2) ابن الصلاح، علوم الحديث، 85 - 86.
ثم أتبع ذلك بذكر أمثلة على القسم الثالث، سيأتي ذكرها في تحرير التعريف.
(3) "ما قاله النسائي وغيرُه من أنَّ مَنْ أرسل معه زيادة علم على من وصَلَ؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل، فإذا جاء الإرسال عُلِم أن مع المرسل زيادة علم، وقد رجَّحه ابن القطان وغيره، مُعارَضٌ بأن الإرسال نقصٌ في الحفظ، وذلك لما جُبِلَ عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبيَّن أن النظر الصحيح، أن زيادة العلم إنما هي مع من أسند". البلقيني، المحاسن، 191.
(4) ابن الصلاح، علوم الحديث، 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه وما ذكره من أقسام لتفرّد الثقات بشكل عام، وتعقّبه فيما نقله عن الترمذي من تفرّد الإمام مالك - بزيادة (من المسلمين) في حديث زكاة الفطر (1) -، بأن مالكاً لم يتفرّد بهذه الزيادة، حيث قال السخاوي: "شُوحِح (2) ابن الصلاح في التمثيل به" (3)، وكان ممن تعقّبه في ذلك النووي (ت 676 هـ) (4)، وابن جماعة (ت 733 هـ) (5)، والبلقيني (ت 805 هـ) (6)، وابن الملقن (ت 804 هـ) في كتابه المقنع فقد ذكر لمالك اثني عشر مُتابِعاً (7)، وأسهب في ذكر المذاهب والأقوال في حكم الزيادة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين (8)، بينما اكتفى في التذكرة بقوله: "وزيادة الثقات: والجمهور على قبولها." (9)--------------------------------------------
(1) والحديث بتمامه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين 2/ 130 ح (1504)، ومسلم في صحيحه كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين 2/ 677 ح (984) كلاهما من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهم: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين)).
(2) شاحّ فلان أي خاصمه وجادله وماحكه. ينظر: المعجم الوسيط، 1/ 474.
(3) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 266.
(4) ينظر: النووي، التقريب، 42 - 43. وحكم بقبول القسم الثالث الذي سكت عن حكمه ابن الصلاح، حيث قال: "والصحيح قبول هذا الأخير، ومثله الشيخ أيضاً بزيادة مالك في حديث الفطرة (من المسلمين)، ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكاً عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، والله أعلم".
(5) ينظر: ابن جماعة، المنهل، 58.
(6) ينظر: البلقيني، المحاسن، 250 - 256.
(7) ذكر محقق الكتاب بعد تتبعه لطرق هذه المتابعات بأن الصالح منها للمتابعة سبع متابعات. ينظر: الجديع في حاشية تحقيقه لكتاب المقنع لابن الملقن، 1/ 206.
(8) ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 191 - 208.
(9) ابن الملقن، التذكرة، 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
وذكر العراقي (ت 806 هـ) أن ابن الصلاح حين نقل كلام الترمذي أسقط آخره، وأن الترمذي لم يُصرّح بتفرد مالك بهذه الزيادة دون غيره من الرواة، وإنما قيّد وصف المتفرّد بكونه من الحفاظ دون غيره ممن روى هذه الزيادة (1)، إلا أن ابن حجر برّر صنيع ابن الصلاح بقوله: "راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة (2) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف … ، وفي (كتاب العلل المفرد) (3) قد قيّد كما حكاه عنه شيخنا- يقصد العراقي-.
فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل، والله أعلم." (4)
وقد نقل البقاعي تصريح ابن حجر بأن ما شُوحِح به ابن الصلاح لا يصلح اعتراضاً عليه، فقال في النكت: "على أنه لا يصلح اعتراضا على ابن الصلاح؛ فإنه قال: (انفرد من بين الثقات) يعني: أنه لم يروها من الثقات غيره، وإلا لم يكن لقوله: (من بين الثقات) كبير فائدة، وكان حذفه أخصر، وأدل على الإطلاق … " (5). … وهناك من اختصر كلام ابن الصلاح دون استدراك كالطّيبي (6) (ت 743 هـ)، وهناك من استدرك عليه ما ذكره من تقسيم تحت نوع زيادة الثقة، لكون ما ذكره يضم أنواع الأفراد بشكل عام، وليس خاصاً بزيادة الثقة فقال الزركشي (ت 794 هـ) في نكته:--------------------------------------------
(1) حيث قال: "فلم يذكر التفرد مطلقا عن مالك، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لم يعتمد على حفظه فأسقط المصنف آخر كلامه وعلى كل تقدير فلم ينفرد مالك بهذه الزيادة بل تابعه عليها جماعة من الثقات". العراقي، التقييد، 111 - 112.
(2) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر، 2/ 54 - 55 ح (676).
(3) ينظر: سنن الترمذي، 6/ 255.
(4) ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 697.
(5) البقاعي، النكت، 1/ 490.
(6) ينظر: الطيبي، الخلاصة، 62 - 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
"هذا التقسيم ليس على وجهه، فإن الأول والثاني لا مدخل لهما في زيادة الثقة بحسب الاصطلاح؛ فإن المسألة مترجمة بأن يروي الحديث جماعة ويتفرد بعضهم بزيادة فيه، والقسمان قد فرضهما في أصل الحديث لا في الزيادة فيه، وإنما هما قسما الشاذ بعينه على ما ذكره هناك فلا معنى لتكراره، وإدخاله مسألة في أخرى، … " (1) وقد تعقّب محقق الكتاب استدراك الزركشي بأن: "ابن الصلاح إنما قسم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام، وليس المتفرد به دائماً زيادة فقد يكون غيرها؛ ولذلك صرّح ابن الصلاح في القسمين الأول والثاني بأنهما من نوع الشاذ. وإنما أراد استقراء أحوال التفرد وزيادة الثقة قسم منه، ولذلك لم يمثل للأول والثاني ومثّل للثالث الذي هو بيت القصيد عنده" (2)؛ بينما وجّه أحد الباحثين تقسيم ابن الصلاح بكونه ليس خاصاً بموضوع (زيادة الثقة) بل هو تقسيم لما ينفرد به الثقة من الخبر المستقل بشكل عام، مع انطباق هذا التقسيم على زيادة الثقة، بحيث يمكن أن يُقال بأن تقسيم ابن الصلاح هذا يُعتبر تقسيم (زيادة الثقة) بالنظر إلى قبولها وردّها، وبالنظر إلى نفس الزيادة من حيث المخالفة، أو عدمها، أو المخالفة من وجه دون وجه. وعلى ضوء ذلك يمكن أن تتنوع زيادة الثقة إلى ثلاثة أنواع:
1 - زيادة ليست فيها مخالفة أصلاً.
2 - زيادة خالفت من بعض الوجوه.
3 - زيادة خالفت من كل وجه. (3)
وكان من أبرز التعاريف لزيادة الثقة بعد ابن الصلاح:--------------------------------------------
(1) الزركشي، النكت، 2/ 189.
(2) ينظر: المرجع السابق، حاشية التحقيق للدكتور: زين العابدين بلافريج.
(3) ينظر: بيكر، زيادة الثقات وموقف المحدثين والفقهاء منها، 1/ 105 - 106 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
تعريف ابن كثير (ت 774 هـ) (1) حيث قال: "إذا تفرَّد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة".
وقال ابن رجب (ت 795 هـ): "وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة." (2)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
سبق الإشارة إلى التداخل الكبير بين مصطلح الأفراد وزيادة الثقة، بل إن زيادة الثقة صورة من صور التفرد، ذكرها ابن الصلاح في النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث ثم أتبعها بذكر نوع الأفراد قائلاً: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، … " (3) أي أن مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع
أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، وحين اختصر ابن كثير كتاب ابن الصلاح وجد أن--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن كثير، الاختصار، 52 - 53.
ملاحظة: وجدت أثناء قراءتي في مختصر ابن كثير وشرحه وجود اختلاف في صياغة آخر عبارة في هذا النوع أدى إلى تغيير المعنى، ففي المختصر (ص: 53) وطبعة دار الكتب العلمية للباعث الحثيث (ص: 62) وردت العبارة على هذا النحو:
"وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول زيادة الثقة."
وفي طبعة مكتبة المعارف للباعث الحثيث تحقيق: علي حسن عبدالحميد. (ص: 195) كانت العبارة على هذا النحو: "أن الخلاف في الوصل والإرسال، بخلاف قبول زيادة الثقة." وأشار المحقق في الهامش إلى اختلاف النسخ.
ولا يخفى أن العبارتين متناقضيتن في معناهما، فأحدهما تثبت التشابه في حكم الزيادة سواء كانت في المتن أو الإسناد، والأخرى تنفيه، ولعل العبارة الثانية أقرب للصواب حيث يأتي أثناء تحرير التعريفات بيان أن ابن الصلاح يُفرّق بين حكم الزيادة في المتن والإسناد، فبينما رجّح قبول الزيادة من الثقة في الإسناد، جعل الزيادة في المتن على ثلاثة أقسام.
(2) ابن رجب، شرح العلل، 2/ 635.
(3) ابن الصلاح، علوم الحديث، 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
تقديم الأفراد على زيادة الثقة أنسب، فقال في خطبة كتابه: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب". (1)
وقد أشار ابن حجر إلى السبب من أن ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح لم يكن بالشكل المتناسب، وذلك لكونه كان يُملي هذا الكتاب على تلامذته "شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب" (2)؛ لذا نجد ابن الصلاح في هذا النوع ذكر الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ومثّل لها بزيادة الوصل مع الإرسال، واكتفى بذلك ولم يذكر لزيادة الثقة حداً أو تعريفاً، وبالنظر إلى ما ذُكر في نوع زيادة الثقة ممن جاء قبل ابن الصلاح أو بعده، فلعل أبرز ما ذُكر من قيود لزيادة الثقة هي:
- القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:
فحين ذُكِر نوع زيادات الرواة في كتب علوم الحديث، هناك من قيّد وصف الراوي الزائد في الحديث بوصف الثقة، وهناك من لم يصرّح بهذا القيد لكن سياق الكلام يدل عليه، بل ويقتضيه؛ حيث الزيادة في الحديث لا يكون لها أثر ما لم يكن راويها في حيّز القبول، "فالزيادات في الأحاديث تكون من الثقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضعيف غير
مقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلا سواء زاد أم لم يزد" (3)، بل نجد أئمة الحديث يشترطون--------------------------------------------
(1) ابن كثير، الاختصار، 27.
(2) ابن حجر، النزهة، 34.
(3) الفحل، اختلاف الأسانيد، 320.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
في قبول الزيادة من الرواة كونهم من الحفاظ المتقنين، حيث قال الإمام مسلم "والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم" (1).
وقال الترمذي: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه" (2).
ونقل ابن حجر عن ابن خزيمة قوله: "لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته". (3)
وزاد ابن حبان شرطاً وهو أن يكون الراوي فقيها في حال كانت الزيادة في متن الحديث، فقال: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات؛ فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلمَ أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يَشُك فيه أنه أزاله عن سَننِه، أو غيَّره عن معناه أم لا؟ " (4)--------------------------------------------
(1) مسلم، التمييز، 189.
(2) الترمذي، السنن، 6/ 255.
(3) ابن حجر، النكت، 2/ 689.
(4) صحيح ابن حبان، 1/ 119، وعلل ذلك بقوله: "لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط.
وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ". ينظر كذلك: ابن حبان، المجروحين، 1/ 93 - 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وهذا الشرط "مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان." (1).
ونجد ابن حجر في النزهة يحدد مرتبة راوي الزيادة المقبولة بأنه من كان في مرتبة رواة الصحيح أو الحسن، ثم زاد زيادة … فقال: "وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة … " (2)، فالثقة "قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط" (3).
وبالرغم من أن الحاكم حين ذكر نوع الزيادات أطلق ذكرها دون تقييد بوصف الراوي الزائد بدرجة القبول، وذكر ضمن أمثلته زيادات للثقات وغيرهم، إلا أنه حين تكون الزيادة من ثقة فهو ينبّه على ذلك في الغالب (4)، بل إنه صرّح في النوع الثالث عشر من الأنواع التي ذكرها في كتابه هذا: بأن الزيادة من الثقة مقبولة (5)، ونجده يبني كتابه المستدرك على ذلك.--------------------------------------------
(1) الجديع، التحرير، 2/ 696، "وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه". سليم، زيادة الثقة في الأسانيد والمتن، 88.
(2) ابن حجر، المرجع السابق، 82.
(3) الجزائري، التوجيه، 1/ 181.
(4) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 131 - 135.
فبعد أن ذكر المثال الأول قال: "هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك ابن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان"
وبعد المثال الرابع قال: "هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم، عن محمد بن جابر، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء، عن همام بن يحيى، وهما ثقتان."
وبعد المثال السادس قال: "هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم ابن موسى الرازي، وهو ثقة، مأمون".
وبعد المثال التاسع قال: هذا حديث رواه الناس عن أيوب، فلم يذكر الزيادة من تثنية ((قد قامت الصلاة))، غير سماك بن عطية البصري، وهو ثقة".
أما المثال العاشر فقد تفرّد به أنس بن مالك وهو إمام في الحديث.
(5) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
فأكّد في خطبة كتابه: "أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة" (1)، ونجده كثيراً ما يكرر قوله: "فأنا على الأصل الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون" (2).
- القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:
ذكر ابن رجب تعريفه لزيادة الثقة بعد أن أكّد على أن مبحث زيادة الثقة إنما يتطرق لزيادة بعض الرواة فيما إذا كان مخرج الحديث واحداً (من رواية صحابي واحد)، حيث قال: "فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد" (3).
وما ذهب إليه ابن رجب - من اشتراط اتحاد المخرج أو السند فيما يزيده الرواة على الحديث؛ لتدخل هذه الزيادة تحت مسمّى زيادة الثقة- أيّده ابن حجر بقوله:
"وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما إذا روى الحديث--------------------------------------------
(1) الحاكم، المستدرك، 1/ 42.
(2) المرجع السابق، (1/ 161) ح (291)، ينظر كذلك: (1/ 101) ح (124)، (1/ 191) ح (370)، (1/ 464) ح (1194)، (1/ 753) ح (2074)، (2/ 67) ح (2347)، (2/ 210) ح (2783)، (2/ 577) ح (3955)، (4/ 258) ح (7566).
(3) ابن رجب، شرح العلل، 2/ 635.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)