الفصل الأول: الحديث الصحيح
المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة (1):
الصحيح في اللغة من صحَّ يصِح صحَّة، والصحة: ذهاب السقم ونقيضه وخلافه، وهي البراءة من كل عيب ومرض وريب.
والجمع صِحاح بالكسر، والصَحيح والصَحاح بالفتح بمعنى واحد أي: غير مقطوع. (2)
فالصحيح في اللغة ضدُّ السقم، ويُراد به الخلو من كل عيب. (3)
المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
اعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (4) أو شروطه ما يلي:--------------------------------------------
(1) من النكات اللطيفة في معنى الحديث الصحيح: ما اختاره الجعبري في معنى الصحيح في اللغة بأنه: الصدق، ولعل ما دعاه لاختيار هذا المعنى كون تعريف الخبر في اللغة: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، وبالنظر في تعريف الصدق في اللغة فإنه: أصل يدل على قوة في الشيء قولا وغيره. وهي إشارة لطيفة منه إلى الصفات التي تحفّ الحديث الصحيح. المراجع: الجعبريّ، رسوم التحديث في علوم الحديث، 54، ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 3/ 339 مادة (ص د ق)، الجرجاني، التعريفات، 96، مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، 1/ 215.
(2) يُنظر مادة (ص ح ح): الأزهري، تهذيب اللغة، 3/ 260. ابن فارس، المرجع السابق، 3/ 281. الجوهري، الصحاح، 1/ 381. الرازي، مختار الصحاح، 375. ابن منظور، لسان العرب، 2/ 507. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، 228.
(3) وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في غيرها. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 27، السيوطي، التدريب، 1/ 61.
(4) سبق في التمهيد - عند الحديث عن نشأة الإسناد- الإشارة إلى دور الصحابة، ومن جاء بعدهم من السلف الصالح في التثبت عند نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والتأكّد من اتصال السند وثقة الرواة وعدالتهم (إذ أهم شروط الصحيح كما سيأتي عند تحرير التعريفات)، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، باب المسح على الخفين أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه سأل أباه رضي الله عنه عن روايةٍ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال له عمر رضي الله عنه: إذا حدَّثك سعدٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تسأل عنه غيرَه. 1/ 51 ح (202).
وأخرج الحاكم في المستدرك أن عمراً رضي الله عنه سأل عبدالرحمن بن عوف عن حديثٍ، فوجد عنده منه علمًا، فقال له: هَلُمَّ؛ فأنت العدل الرضا.1/ 471 ح (1213)
وأخرج مسلم -في مقدمة صحيحه- قول التابعي الجليل محمد بن سيرين 1/ 14، وأخرج عنه أيضاً قوله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، 1/ 15، فالتدقيق في نقل الأخبار، والسؤال عن الإسناد إنما لمعرفة حال رواته من العدالة والضبط، وهذا يستلزم أن يكون السند متصلاً غير منقطع، وإلا لم تُعرف عدالة الساقط من السند.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
تعريف الشافعي (ت 204 هـ):
قال الشافعي: "إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1)
وقد استطرد رحمه الله في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال:
"خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:
منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظاً إن حدث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، برياً من أن يكون مدلسا (2)، يحدث عن من
لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
(1) ذكره الشافعي في كتابه الأم، ولم ينصّ على كونه تعريفاً للصحيح؛ لكنه يتضمنه، وقد استشهد به ابن جماعة في كتابه المنهل الروي بعد أن عرّف الحديث الصحيح، وكذلك ابن الملقن في كتابه المقنع. المراجع: الشافعي، الأم، 8/ 513، ابن جماعة، المنهل الروي، 33، ابن الملقن، المقنع، 43.
(2) قال أيضاً رحمه الله في كتابه الرسالة: "وأقبل في الحديث: (حدثني فلان عن فلان)، إذا لم يكن مدلسا" إلى أن قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته … فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه: (حدثني) أو (سمعت) ". ا. هـ. والتدليس نوع من أنواع الانقطاع في السند، وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: "يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه". المراجع: الشافعي، الرسالة، 373 - 380، ابن الصلاح، علوم الحديث، 73، وسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل في قيد نفي التدليس من ضمن القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح للصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت." (1)
تعريف الحميدي (2) (ت 219 هـ):
قال رحمه الله:
" فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقاً مدركاً لمن روى ذلك عنه، … قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً
وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا ، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه". (3)--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 370 - 372، قال رحمه الله: "وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره."المرجع السابق 330.
وقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: " أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتجُّ به فقد ذكر الشافعي رحمه الله شروطه بكلام جامع". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر -مُعلِّقاً على ذلك-: "وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا للحديث الصحيح. ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، 1/ 345 - 346.
(2) عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 552 (2721)، ابن حجر، التقريب، 303 (3320).
(3) أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، 24. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم -الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكوراً هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضاً من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
تعريف مسلم (ت 261 هـ):
وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم". (1)
تعريف ابن خزيمة (2) (ت 311 هـ):
قال رحمه الله في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". (3)--------------------------------------------
= من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: "جزم كل من ترجمه- أي البخاري- بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك: "لكونه أفقه قرشي أخذ عنه"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي رحمه الله بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب: "نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (1330) حديثاً، منها (582) حديثاً اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (96) حديثاً منها، بينما انفرد مسلم بـ (152) حديثاً، وإذا علمنا أن هناك عدداً من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من 7% وهذه النسبة لا تكون إلا في الكتب التي بلغت غاية في النظافة".ا. هـ. المراجع: ابن حجر، فتح الباري، 1/ 10، 1/ 15، حسين سليم أسد، "آثار الحميدي، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، 1/ 58، أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، 11.
(1) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 5، ولم ينصّ رحمه الله على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضميناً لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"، ولابن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، وسيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله. المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، 72، يُنظر: السيوطي، التدريب، 1/ 30.
(2) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا، عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على 140 من أشهرها كتابه الصحيح. ينظر: الذهبي، السير، 11/ 225. الزركلي، الأعلام، 6/ 29.
(3) ابن خزيمة، الصحيح، 1/ 45، أيضاً نجده رحمه الله لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
تعريف ابن حبان (ت 354 هـ):
ذكر رحمه الله في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسناداً وأوثَقِها عماداً من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها" (1)، وأضاف في نهاية مقدمته: " وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (2)
وقال في شروط رواة صحيحه:
"وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به." (3)
وقال في مقدمة كتابه "المجروحين" - مختصراً لما فصّله سابقاً-:
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (4) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني--------------------------------------------
(1) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 1/ 51 باختصار.
(2) المرجع السابق، 1/ 126.
(3) المرجع السابق، 1/ 112.
(4) إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
الحديث من اللفظ، المتبرّي على (1) (هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعاً متصلاً." (2)
تعريف الخطابي (3) (ت 388 هـ):
عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه" (4).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):
ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (5)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا--------------------------------------------
(1) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "من" بدلا من "على"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق: "بريّاً من أن يكون مدلسا".
(2) ابن حبان، المجروحين، 1/ 8.
(3) حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: (غريب الحديث) و (شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 3/ 282. السيوطي، طبقات الحفاظ، 404. الزركلي، الأعلام، 2/ 273.
(4) الخطابي، معالم السنن، 1/ 6.
(5) مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي: إلى ثلاث حالات هي:
1 - من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). 2 - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.
3 - جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصاً بالجهالة وهو قلّة الرواية.
المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 415، ابن الصلاح، علوم الحديث، 56، ابن حجر، فتح الباري، 10/ 575، ابن حجر، لسان الميزان، 6/ 13، الجديع، تحرير علوم الحديث، 1/ 350. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، 2/ 911 - 937، 2/ 1137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
هذا كالشهادة على الشهادة." (1)
تعريف الميانشي (ت 581 هـ):
نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال: "وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله". (2)
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
قال رحمه الله: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذاً ولا معللاً". (3)--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 62. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات ..
(2) الميانشي، ما لا يسع جهله، 27.
(3) ثم بعد أن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: "فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل.
ومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". ابن الصلاح، علوم الحديث، 11 - 14، ويشير تعقيبه إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لا يُحتمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت 676 هـ) (1)، وابن جماعة (ت 733 هـ) (2)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت 702 هـ) (3)، وتلميذه الذهبي (ت 748 هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: "فالمجمع على صحته إذاً: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس" (4).
وأطال ابن كثير (ت 774 هـ)، في تعريف الصحيح - جامعاً أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى
ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذاً، ولا مردوداً، ولا معللاً بعلة قادحة، وقد يكون مشهوراً أو غريباً" (5)--------------------------------------------
(1) قال رحمه الله: "هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة". وقوله "بالعدول الضابطين" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مراداً كما قال السيوطي في "التدريب": "توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا"، المراجع: النووي، التقريب، 25، السيوطي، التدريب، 1/ 27.
(2) قال رحمه الله مختصراً لكلام ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة". ابن جماعة، المنهل الروي، 33. ثم أشار كغيره إلى سبب الاختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافهم في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح.
(3) ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً."ا. هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال. ابن دقيق العيد، الاقتراح، 5.
(4) الذهبي، الموقظة، 24. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح.
(5) ابن كثير، الاختصار، 28. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لا تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطاً أن يكون الحديث عزيزاً بل قد يكون مشهوراً أو غريباً، ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيداً بقوله "ولا مردوداً"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لا المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عاد ابن الملقن (ت 804 هـ) لاختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: "ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (1)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة (2)، فقال: "الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه" (3).
ومن أبرز ما تمت إضافته - لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت 852 هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته". (4)
ووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم (5).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
اشتمل تعريف ابن الصلاح للصحيح على عدد من القيود والشروط، فقد اشترط لصحة الحديث أن يكون مُسنداً، وأن يكون الإسناد متصلاً، واشترط في رواته العدالة والضبط،--------------------------------------------
(1) ابن الملقن، المقنع، 1/ 41.
(2) ذكر في مقدمة كتابه التذكرة في علوم الحديث: أنها مقتضبة من المقنع، فقال: "فهذه تذكرة في علوم الحديث، يتنبه بها المبتدي، ويتبصر بها المنتهي، اقتضبتها من (المقنع) تأليفي"، وهي رسالة مختصرة في علوم الحديث. ابن الملقن، التذكرة، 13.
(3) ثم أتبعه بقوله: "ومنه المتفق عليه، وهو ما أودعه الشيخان في صحيحهما". المرجع السابق، 14.
(4) ابن حجر، نزهة النظر، 67.
(5) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، 1/ 80، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 29، السيوطي، التدريب، 1/ 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطاً أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك.
وأبدأ أولاً ب قيود الصحيح عند ابن الصلاح، مؤخرةً اشتراط كونه مسنداً رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح.
قيود الصحيح عند ابن الصلاح:
القيد الأول: اتصال السند:
الاتصال في اللغة: من الوصل، واتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (1)، فالاتصال ضد الانقطاع.
وفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، "ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع (2) والموقوف (3). وهو
الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه". (4)--------------------------------------------
(1) ينظر مادة (وص ل): الفيروز آبادي، القاموس، 1068، الزبيدي، تاج العروس، 31/ 79.
(2) "المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة." ابن الصلاح، علوم الحديث، 45، ينظر: النووي، التقريب، 32، الذهبي، الموقظة، 41، ابن حجر، النزهة، 131.
(3) الموقوف: "ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 46. ينظر: النووي، التقريب، 33، الذهبي، الموقظة، 41، ابن حجر، النزهة، 139.
(4) ابن الصلاح، علوم الحديث، 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقال ابن حجر: "المتّصل: ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه." (1)
والسَّند في اللغة: "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا" (2)، و"السَّنَدُ: ما ارتفع من الارض … ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مُسنَد" (3).
وفي الاصطلاح: ذكر نقلة الخَبر، أو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو رجاله الذين رووه (4).
فمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل (5) الصحيح،
ويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع (6).
واشتراطهم الاتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه.--------------------------------------------
(1) ابن حجر، نزهة النظر، 70.
(2) ابن فارس، المقاييس، 3/ 105.
(3) الفراهيدي، كتاب العين، 7/ 228.
(4) ينظر: الجعبري، الرسوم، 134، ابن حجر، النزهة، 130، الدهلوي، أصول الحديث، 40.
(5) تحمّل الحديث: هو تلقِّي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ونقله عنهم بأيّ طريقة من طُرق التحمّل المعتبرة عند علماء الحديث. يُنظر: أبو شُهبة، الوسيط، 94، الغوري، موسوعة علوم الحديث، 1/ 433.
(6) كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلّق، … هذا عند الإطلاق ; كما يشير إليه قول ابن الصلاح.
(فمطلق المتصل) - يقع على المرفوع والموقوف، أما مع التقييد فهو جائز، بل واقع أيضا في كلامهم، يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
فلقد نصّ الشافعي على شرط الاتصال صراحةً بقوله: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه"، (1) وكذلك الحميدي نصّ على الاتصال بقوله: "متصلاً غير مقطوع (2) "، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده. (3)
أما مسلم فلم ينصّ على شرط الاتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن (4) وحمله على السماع بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله--------------------------------------------
(1) ونجده يُشدد في قبول الحديث المرسل -والذي هو نوع من انقطاع السند- ويضع لذلك شروطاً لكل من الراوي المُرسِل وللرواية المرسلة وذلك في كتابه الرسالة، ينظر: الشافعي، الرسالة، 461 - 464، وتتكرر عباراته وتتنوع -في تقديم الرواية المتصلة على المنقطعة، وعدم احتجاجه بالمنقطع إلا بشروط- في مناقشته للمسائل والأحكام في كتابه الأم، وكذلك إثباته سماع الراوي ممن هو فوقه في الإسناد، أو عدم سماعه. ينظر: الشافعي، الأم، 2/ 123، 4/ 183، 5/ 408، 7/ 322، 9/ 199.
(2) أخرج الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية عن الحميدي قوله: "فإن قال قائل: "فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر … " ويتضح من كلام الحميدي أنه يريد بالمقطوع المنقطع. قال ابن الصلاح: "المقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم أو أفعالهم، … وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، والله أعلم". وقد ذكر ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي حيث قال: "المقطوع، وجمعه المقاطع، والمقاطيع، وهو الموقوف على التابعي قولا له، أو فعلا، واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع الذي لم يتصل إسناده، وكذا في كلام أبي بكر الحميدي، والدارقطني. إلا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح" والذي استقرّ عليه المتأخرون أن المنقطع غير المقطوع. المراجع ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 390، ابن الصلاح، علوم الحديث، 47، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 140، السيوطي، التدريب، 1/ 101.
(3) فمن أمثلة تحرّيه اتصال السند ما أخرجه في مسنده من طريق شيخه سفيان بن عيينة، وأشار إلى أنه بداية لم يصرّح بسماعه من الزهري، فأوقف الرواية عليه، ثم صرّح بالسماع فرواها عنه مسندة، فقال: "ثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» قال أبو بكر: وهذا مما لم يكن يحدث به سفيان قديما عن الزهري فوقفناه عليه، فقال: قد سمعته من الزهري." الحميدي، المسند، 1/ 262 ح (213). وصرّح في حديث آخر بأن شيخه سفيان لم يسمعه من الزهري فقال: "ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم … قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري." المرجع السابق، 1/ 281 ح (247).
(4) تطرّق ابن حجر- في مقدمة كتابه فتح الباري- إلى ما يتعلّق بخصوص شرط الاتصال عند مسلم في صحيحه، والفرق بينه وبين شرط البخاري فيه، فقال: "ما يتعلق بالاتصال … وذلك أن مسلما كان مذهبه … أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المُعنعِن مُدلِّسا، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة … ، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلَّمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، والله أعلم".
وقال أيضاً في كتابه النكت: "وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث.
وقد اختلفت مذاهب العلماء في الحديث المعنعن، وممن حقق المسألة وأطال فيها ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، وإنما أشرت إلى مسألة الحديث المعنعن عند مسلم لبيان شرطه للاتصال في صحيحه. المراجع: ابن حجر، هدي الساري، 12، ابن حجر، النكت، 1/ 279، ابن الصلاح، علوم الحديث، 61. الحاكم، علوم الحديث، 34. ابن رجب، علل الترمذي، 2/ 595 - 599.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا." (1)
ويرى رحمه الله أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال: "وإنما كان تفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس." (2)، وكلامه رحمه الله يُدلِّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والانقطاع، ويدلل على ذلك أيضاً صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لانقطاع في سندها (3).--------------------------------------------
(1) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 29.
(2) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 33. ذكر ابن حجر حين قسّم المدلسين إلى طبقات ومراتب أن منهم: "من احتمل الائمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة". ابن حجر، طبقات المدلسين، 13.
(3) من أمثلة ذلك: ما ذكره من سبب إعلاله لحديث ابن لهيعة، وهو أنه أخد الحديث من كتاب دون سماع ولا عرض على المحدث، فقال: "الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب، وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر. وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه. فإذا كان أحد هذين -السماع أو العرض- فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله." مسلم، كتاب التمييز، 188.
وقد أعلّ كذلك بعض طرق حديث مواقيت الحج المكانية بعدد من العلل، وأعلّ طريق ميمون ابن مهران عن ابن عمر، بعدم سماع ميمون من ابن عمر فقال: "وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم، ونافع، وابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر، من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر". المرجع السابق، 215. ينظر كذلك: محمد عوّامة، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه (1)، بل يستدرك على
نفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها. (2)
وكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك (3)، وقد حرص أيضاً على بيان--------------------------------------------
(1) من أمثلة ذلك في صحيحه: قوله تحت كتاب الإمامة في الصلاة، "باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، إن ثبت الخبر، فإني لا أعرف السائب مولى أم سلمة بعدالة ولا جرح، ولا أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت هذا الخبر من ابن عمر، ولا هل سمع قتادة خبره من مورق، عن أبي الأحوص أم لا؛ بل كأني لا أشك أن قتادة لم يسمع من أبي الأحوص؛ لأنه أدخل في بعض أخبار أبي الأحوص بينه وبين أبي الأحوص مورقا، وهذا الخبر نفسه أدخل همام وسعيد بن بشير بينهما مورقا … " ثم ذكر عدداً من الأحاديث (1683 - 1684 - 1685 - 1686 - 1687) ثم أعقبها بقوله: "وإنما قلت: ولا هل سمع قتادة هذا الخبر عن أبي الأحوص لرواية سليمان التيمي هذا الخبر عن قتادة عن أبي الأحوص؛ لأنه أسقط مورقاً من الإسناد، وهمام وسعيد بن بشير أدخلا في الإسناد مورقاً، وإنما شككت أيضا في صحته لأني لا أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق". ابن خزيمة، الصحيح، 3/ 92 - 93، وذكر تحت كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا … عدداً من الأحاديث ثم أعقبها بقوله: " فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح ، فليس من شرطنا في هذا الكتاب، والحسن لم يسمع من ثوبان". المرجع السابق، 3/ 236، ح (1984). للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.
(2) ينظر صحيح ابن خزيمة: قوله: "هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت" 1/ 25 ح (37)، وقوله كذلك: "خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهب بن كيسان" 1/ 26 ح (38). وقوله: "غلطنا في إخراج الحديث؛ لأن هذا مرسل ، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة ، أبوه أبو عثمان التبان، روى عن أبي هريرة أخبارا سمعها منه" 3/ 115 ح (1728).
(3) من أمثلة ذلك في صحيحه: - أن ابن حبان بعد أن أخرج حديثاً لأبي هريرة رضي الله عنه من رواية سعيد ابن أبي الحسن عنه، أشار إلى سبب إثباته لسماع هذا التابعي من أبي هريرة؛ بقوله: "سعيد بن أبي الحسن سمع أبا هريرة بالمدينة؛ لأنه بها نشأ. والحسن لم يسمع منه؛ لخروجه عنها في يَفَاعته." صحيح ابن حبان، 2/ 297 ح (967).
- وأخرج كذلك حديثاً لثوبان من رواية أبي كبشة السلولي، ولم يخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد لانقطاعه، فقال: "وخبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان خبر منقطع فلذلك تنكبناه" المرجع السابق، 2/ 337 ح (1034). والرواية الأخرى من طريق سالم أخرجها الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، والحاكم في المستدرك. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، 37/ 60 ح (22378)، مسند الدارمي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، 1/ 519 ح (681)، الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، 1/ 221 ح (448).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات (1) والمجروحين (2).
وصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (3)
أما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (4) - فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الاتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (5) في كتابه معرفة--------------------------------------------
(1) من أمثلة ذلك في كتابه الثقات: ذكر ابن حبان في ترجمة: حرام بن سعد أنه يروى قصة ناقة البراء، ولم يسمع من البراء، وقيل إنه يروي عن أبيه عن البراء. 4/ 185، وفي ترجمة زياد بن مالك قال: "يروي عن ابن مسعود، ولم يسمع منه" 4/ 260، وفي ترجمة: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: "يروي عن أبيه، ولم يسمع منه" 5/ 561.
(2) من أمثلة ذلك في كتابه المجروحين: قوله في ترجمة: باذام أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. 1/ 185، وفي ترجمة: عبد الله بن زياد ابن سمعان مولى أم سلمة، قال: "يروي عن الزهري ونافع وقد روى عن مجاهد ولم يره روى … كان ممن يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع" 2/ 7، وقال عن: مطرف بن مازن الكناني: "قاضي اليمن، … كان ممن يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، لا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط." 3/ 29.
(3) من أمثلة ذلك: ففي سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء عند الحدث: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت «فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، … » 1/ 82 ح (305) قال الخطابي في معالم السنن: "هذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش." 1/ 94.
وأخرج أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا عباد بن العوام، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، قال: هارون عن أبي هريرة، أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: شاة مسمومة، … " وفي الحديث الآخر قال: "حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، … " 4/ 173 - 174 ح (4509 - 4510)، قال الخطابي: "أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضاً ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً." 4/ 7. ووضّح الخطابي في حديث آخر سبب تضعيفهم له بقوله: "إنما ضعفوا حديث عمرو ابن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس." 3/ 259.
(4) فقد نقل تعريف الحاكم، ولم يعقّب عليه.
(5) ذُكِر للمُسند تعريفات ثلاثة ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث:
1 - وهو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه.
2 - ما رُفِع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً.
3 - ما جمع بين رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واتصال إسناده. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 42 - 43، وسيأتي مزيد إيضاح للمراد بالمسند في القيد السادس من قيود التعريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله: "ثم مع هذه الشرائط أيضاً لا نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله." (1)
وقد ذكر رحمه الله اختلاف الأئمة في الاحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (2)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (3)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا (4)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لاشتراط الاتصال لصحة الإسناد.--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 17. حيث قال في النوع الرابع من معرفة علوم الحديث: "معرفة المسانيد من الأحاديث وهذا علم كبير من هذا الأنواع لاختلاف أئمة المسلمين في الاحتجاج بغير المسند
(2) جمع مرسل، والمرسل في الاصطلاح اُختلف في تعريفه، والمشهور: هو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان التابعي صغيراً أم كبيراً. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 51، ابن حجر، النزهة، 100، السيوطي، التدريب، 1/ 219، عتر، منهج النقد، 370، الغوري، الموسوعة، 3/ 246 - 247.
(3) الحاكم، المدخل إلى كتاب الإكليل، 37 - 39.
(4) ينظر: المرجع السابق، 61 - 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الاتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك باشتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الانقطاع في السند قادحاً فقد تضمن شرطهم نفيه. (1)
نخلص مما سبق:
أن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمناً، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين. (2)
فاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال:
"ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات (3) والبلاغات (4) في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع--------------------------------------------
(1) كتعريف الجعبري للصحيح، وتعريف ابن الملقّن في التذكرة بينما صرّح في كتابه المقنع باشتراطه، وقد اختصر عبدالحق الدهلوي تعريف ابن حجر للصحيح إلا أنه أغفل ذكر هذا القيد! ، ولعله سقط سهواً. المراجع: ينظر: الجعبري، الرسوم، 54، ابن الملقن، المقنع، 1/ 41، ابن الملقن، التذكرة، 14، الدهلوي، أصول الحديث، 58.
(2) ويلحق بشرط الاتصال ما اشترطه بعضهم من الشروط الزائدة على حدّ الصحيح عند ابن الصلاح، وهو شرط نفي التدليس، وسيأتي معنا تفصيل ذلك بإذن الله.
(3) اُختلِف في تعريف المنقطع، حيث يشمل عند المتقدمين لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، بينما خصّ المتأخرون تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي. المراجع، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57 - 59، ابن حجر، النزهة، 102، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 195 - 197، السيوطي، التدريب، 1/ 235 - 236.
(4) "البلاغات: الأسانيد التي ورد فيها: (بلغني عن فلان). مثل بلاغات مالك وغيره." الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث، 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
كتابه كالتعليقات (1) والتراجم (2)، ولا شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شفوف (3) (هكذا (كتاب البخاري" (4).
القيد الثاني: العدالة:
العدالة في اللغة:
مصدر من عَدَلَ يَعْدِلُ، فهو عادِلٌ وعَدْل.--------------------------------------------
(1) المعلّق في الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24، ابن حجر، النزهة، 98.
(2) يقصد بها عناوين الأبواب، فالترجمة: "يراد بها في كتب الحديث عنوان على الأحاديث يدل على موضوعها". قال ابن الصلاح: "ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به … " ابن الصلاح، علوم الحديث، 26، الخيرآبادي، المعجم، 36.
(3) كذا في المطبوع (طبعة دار المعرفة)، وفي المخطوط " تفوق". شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، 328937، مصورة، اللوح 5، ص 10.
(4) ابن حجر، هدي الساري، 10، وقد أفرد ابن حجر في مقدمته فصلاً كاملاً للرد على الأحاديث التي اُنتقد على الشيخين إخراجها في الصحيح، وكان مما اُنتقد عليهما إخراج أحاديث أُعلِّت بالانقطاع، وكان جوابه على ذلك:
"وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:
منها ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح … وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع …
وربما علل بعض النقاد أحاديث أدعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده، … " ابن حجر، المرجع السابق، 347 باختصار، ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 147 - 149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
والعدْل من الناس: المرضيُّ من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة. (1)
وفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك:
قول الشافعي: "لا أعلم أحداً أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا عليه السلام، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُجرَّح." (2)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال:
"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً … وتفصيله أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة (3)." (4)
أمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله: "من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة". (5)--------------------------------------------
(1) يُنظر: الفراهيدي، كتاب العين، 2/ 38. ابن فارس، المقاييس، 4/ 246، الفيروزأبادي، القاموس، 1030.
(2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 79.
(3) فالمروءة كما ذكر السخاوي في الفتح هي: "رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم"، وقيل: "آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات"، وخوارم المروءة: "هي كل ما يحطّ من قدر الإنسان في العُرف الاجتماعي الصحيح، مثل التبوُّل في الطريق، وكثرة السخرية، والاستخفاف؛ لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، لا نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي، وأما الأكل، والشرب في السوق- كما عدّهما البعض خلاف المروءة- فهما يُنظر فيهما إلى العُرف، فشرب المشروبات من الشاي، والبارد، وتناول بعض الأشياء في السوق لا يُعدُّ في عرف اليوم مخالفاً للمروءة." المراجع: السخاوي، فتح المغيث، 2/ 7، الجزائري، توجيه النظر، 1/ 97، الغوري، الموسوعة، 3/ 260.
(4) ابن الصلاح، علوم الحديث، 104 - 105.
(5) ابن حجر، نزهة، 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)