1 - مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
2 - تفرد الثقة بما لا أصل له ولا متابع.
3 - تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لا متابع له.
وبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلا أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه.
بينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم (1) تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفرداً به- لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يُسمّى شاذاً، وإن اصْطُلِح على تسميته شاذاً بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغاً له." (2) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية
ما لا يُتابع عليه لا يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عدداً، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: "والمحدثون--------------------------------------------
(1) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزّرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، شمس الدّين أبو عبدالله، المجتهد المطلق، المفسّر النّحويّ الأصولي، المتكلم، الشهير بابن قيم الجوزية. ألّف تصانيف كثيرة منها: (إعلام الموقعين) و (زاد المعاد) و (مدارج السالكين) وغيرها. مات سنة 751. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 8/ 287. الزركلي، الأعلام، 6/ 56.
(2) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، 1/ 522.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
يسمونه شاذاً; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَدُّ قول الجماعة بقول الواحد بعيد" (1)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلا إن دلت القرائن على قبولها (2)،--------------------------------------------
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 30.
(2) حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة، وإن خالف من هو أوثق منه: (لكنها ليست مطّردة دائماً)
1 - … أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلف عليه، فتُقبل روايته - في الجملة- وإن خالف أكثر منه عدداً أو وصفاً.
2 - … أن يكون المخالِف من الأئمة المشاهير.
3 - … أن يأتي راوٍ آخر-غير الثقة المخالِف، وغير الجماعة الذين خالفوه- فيروي الحديث على الوجهين.
4 - … أن يكون الشيخ المختلف عليه مُكثراً واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة.
5 - … أن يكون لهذا المخالِف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فيدل على أنه عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم.
6 - … أن يكون المخالِف من الصحابة، فإن زيادة الصحابة على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين.
7 - … أن يكون المخالِف صاحب كتاب، وحدّث من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك.
8 - … إذا احتفّ حديث المخالِف بقرائن خارجية تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة.
9 - … إذا روى الجماعة عن مدلِّس بالعنعنة، ورواه عنه واحد فصرّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد.
10 - … إذا كان الإسناد يدور على راوٍ، وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصاً، ورواه واحد عنه تاماً، فقد يُحمل الحديث على الوجهين. ينظر: السليماني، الجواهر السليمانية، 304 - 306 باختصار. مع تأكيد المؤلف إلى أن: كون معظم هذه الحالات غير مطردة بل تخضع لنظر نقاد الحديث حسب القرائن المحتفة بالرواية،
وينظر كذلك: رد الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله بخصوص قرائن الترجيح -ضمن إجابته على سبب اختلاف مذاهب العلماء في زيادة الثقة - فقال: "وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط.
مثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في "التتبع" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وجماعة يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة.
فيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى ابن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ.
إذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه "علل الحديث للترمذي" و"توضيح الأفكار" للصنعاني وما كتبته في "الإلزامات والتتبع". الوادعي، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، 150 - 151.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه.
و"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" (1) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم (2)، وهو الانفراد أو التفرّد.
ونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍ به وغير محتجّ، فقال:
"كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لا يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس … ثم قال: "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." (3)
وأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقال: "على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح،
فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه. ولا--------------------------------------------
(1) الدهلوي، أصول الحديث، 77
(2) ابن القيم، المرجع السابق.
(3) الزركشي، المرجع السابق، 2/ 139 - 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به" ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا". (1)
ولا ريب أن التفصيل في معنى الشذوذ وأثره، والأمثلة عليه يحتاج مزيداً من البسط والتحرير، سيأتي شيء من ذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ بإذن الله.
القيد الخامس: السلامة من العلّة (نفي العلة):
العلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه، أو حدث يشغله عن وجهه. (2)
ومعنى العلة في الحديث اصطلاحاً: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (3)
أكّد على ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له--------------------------------------------
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 31 - 32، ينظر كذلك: البقاعي، النكت، 1/ 82، السيوطي، التدريب، 1/ 64 - 65، وزاد في التدريب نقل أمثلة على ذلك فقال: "ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة. وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة.
وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك، ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب، وغيرهم عن الزهري، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة." السيوطي، المرجع السابق، 1/ 64 - 65.
(2) يُنظر: الفراهيدي، العين، 1/ 88. ابن فارس، المقاييس، 4/ 13 - 14، الرازي، المختار، 216.
(3) ابن الصلاح، علوم الحديث، 90، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 275، السيوطي، التدريب، 1/ 295.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (1)
قال الخطيب البغدادي: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (2)
وبالنظر إلى تعريفات الأئمة للصحيح نجد أن: الشافعي والحميدي لم ينصّا على نفي العلة صراحة بل ذكرا من ضمن شروط الراوي والمروي ما يتضمن نفي ما قد يُعلُّ الرواية ويمرضها، ومن ذلك اشتراط عقل الراوي بما يُحدّث، وعلمه بما يحيل المعنى، واشتراط الحفظ والفهم والموافقة لغيره من الثقات وعدم مخالفتهم، ونفي التدليس وما إلى ذلك مما اشترطه الشافعي.
أما الحميدي فقد ذكر أنه متى ظهر له وهم الراوي أو كذبه أو نسيانه، وما إلى ذلك من علل خفيّة، فإنها تكون سبباً في ردّ الحديث، وعدم قبوله، حيث قال: "والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه." (3)، وصنيعه في مسنده- والذي يظهر دقّته في
النقل وبيان بعض الأوهام اليسيرة التي وقع فيها شيخه ابن عيينة، والتنبيه عليها- دليل على حرصه في تنقية الحديث مما قد يضعفه ويوهنه (4).--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 112 - 113.
(2) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، 2/ 295.
(3) الخطيب البغدادي، الكفاية، 24.
(4) من أمثلة ذلك في مسند الحميدي:
- فقد أخرج الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة حديثاً لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من طريقين، مرة عن هشام بن عروة، والأخرى عن الزهري، وصرّح بعدم سماع شيخه لهذا الحديث من الزهري. "فقال: ثنا سفيان قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من غلبة الدين)) 1/ 281 ح (246).
وأخرج له أيضاً حديثاً من روايته عن أبي الزبير، وصرّح بأنه لم يسمعه منه، فقال: "ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نزلت في آية الميراث. قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان عن أبي الزبير" 2/ 322 - 323 ح (1265).
- وأشار إلى وهم شيخه بزيادة راوٍ فقال: "ثنا سفيان، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير - قال الحميدي: كان سفيان يغلط فيه - ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وكان يقرأ فيهما إذا وافق ذلك يوم الجمعة)) 2/ 166 ح (949)، وقد أوضح المراد بغلط سفيان قول الترمذي في كتابه العلل: "سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته. قال مرة حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير وهو وهم، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير". الترمذي، العل الكبير، 92 ح (152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
أما مسلم فقد اشترط السلامة من العيوب بشكل عام، وأضاف في مقدمة كتابه قوله: "وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحاً وإيضاحاً في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى." (1)--------------------------------------------
(1) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 4. هذا عدا أنه ألّف كتاب التمييز، والذي يذكر فيه أحاديث أخطأ فيها الثقات، مما يدلل على إمامته في علم العلل، واهتمامه ببيان علل الأحاديث، وقد أشاد بذلك ابن حجر في فتح الباري في أكثر من موضع منها:
قوله "وأخرج مسلم حديث ابن علية (1/ 368 ح (276) (فاقتصر على المتفق على رفعه وحذف الباقي وذلك من حسن تصرفه والله أعلم" ابن حجر، الفتح، 1/ 475.
وأشار في موضع آخر، أثناء شرحه لحديث جرّ الثوب خيلاء، بأن مسلماً أخرج الحديث من رواية ابن عمر، وأن الترمذي زاد فيه قول أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال يرخين شبرا … " فعقّب ابن حجر بقوله: "وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع". المرجع السابق، 10/ 259.
وللأستاذ محمد عوّامة بحثان يُظهِر فيهما شيئاً من منهج الإمام مسلم في إعلاله للأحاديث: الأول بعنوان: من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه، والثاني بعنوان: حذف طرف من الحديث الواحد اختصاراً له أو إعلالاً، وذكر في الأول أن للإمام مسلم منهجاً فيما إذا أخرج بعض الأحاديث على وجه فيه بعض الشيء، فله طريقتان في ذلك: الأولى وتكون في الأسانيد: وهي طريقة الأصول أو الاحتجاج ثم المتابعات أو الشواهد، فيذكر الأصل والحجة أولاً ثم قد يُتبعه بمتابع أو شاهد، أو بهما معاً وفي بعض رجاله كلام.
والطريقة الثانية (وتكون في المتون): قد يذكر أول الباب حديثاّ في لفظه بعض الشيء، ثم يُتبعه باللفظ السليم، وينبّه إلى الفرق بين اللفظين أو محل الوهم.
فمن أمثلة الطريقة الأولى: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ » قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، … )) ثم رواه عقبه من طريق جعفر بن سليمان، بنحو حديث حماد، وقال: "وليس في حديثه ذكر =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وابن خزيمة لم يذكر نفي العلة في شرطه للصحيح إلا أنه مارس تعليل بعض الأحاديث أثناء سرده لأحاديث صحيحه. (1)
وأما ابن حبان فقد ذكر في مقدمة صحيحه أنه ترك من الأحاديث التي ظاهرها الصحة لعلل خفية، حيث قال: "وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (2)--------------------------------------------
= سعد بن معاذ". ورواه أيضاً من طريق سليمان بن المغيرة، وقال: "لم يذكر سعد بن معاذ، في الحديث" 1/ 110 ح (119). قال ابن كثير في تفسيره موضحاً علة رواية حماد بن سلمة:
"فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم."
- ومن أمثلة الطريقة الثانية: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصوم، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غيلان بن جرير … أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ 2/ 819 - 820 ح (1162). فهنا أخّر الرواية السليمة، وقدّم المعللّة، ووضّحها.
ينظر: المراجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 7/ 367. عوّامة، من منهج مسلم في عرض الحديث المعلل، 22 - 24، 43، محمد عوامة، حذف طرف من الحديث الواحد اختصاراً له أو إعلالاً.
(1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة:
- فقد أخرج في صحيحه كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن وطء الأنجاس لا يوجب الوضوء. قال: ثنا عبد الجبار بن العلاء، وعبدالله بن محمد الزهري، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي قالوا: حدثنا سفيان قال عبدالجبار: قال الأعمش: وقال الآخران: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله قال: ((كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا نتوضأ من موطئ .. )). 1/ 25 ح (37).
- وبعد أن أخرج حديث أبي هريرة في كتاب المناسك، باب ذكر الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أعلمهم وهو بمنى أن ينزل بالأبطح، أعقبه بقوله: "سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أين ينزل غدا في حجته إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فأما آخر القصة: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم))، 4/ 322 ح (2984).
(2) صحيح ابن حبان، 1/ 126. ومن أمثلة حرصه على بيان العلل أو نفيها في صحيحه ما يلي: فبعد أن أخرج حديثاً في تحريم الذهب والحرير على الذكور أشار إلى طريق معلولة فقال: "خبر سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى - في هذا الباب - معلول لا يصح." 8/ 69 - 70 ح (5410). وهذه الطريق ذكر الدارقطني في كتابه العلل السبب في إعلالها، فقال: "لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئا". الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، 7/ 241 ح (1320). =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وأما الخطابي فلم ينصّ في تعريف الصحيح على اشتراط نفي العلة؛ لكنه بعد أن عرّف الصحيح ثم الحسن ذكر أن سنن أبي داود تجمع هذين النوعين، ثم تطرّق إلى الضعيف، وما فيه علّة تضعفه فأشار إلى خلو الكتاب منه، وإن كان فيه شيء فإن أبا داود "لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته." (1)، وهو يشير إلى استبعاد كل ما فيه علة عن حد الصحيح والحسن (2).
أما الحاكم فلم ينصّ على نفي العلة في وصفه للصحيح، لكنّه قال تحت هذا النوع: "إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا--------------------------------------------
= ونجد ابن حبان في صحيحه في أكثر من موضع يدفع ما قد يُتوهم من علّة في بعض الأحاديث التي أخرجها، ويذكر السبب، ومن ذلك:
قوله تحت باب ذكر الأمر بالوضوء من أكل لحم الجزور، : "ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول:
أخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: حدثنا شعبة عن سماك قال: سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الصلاة في مبات الغنم فرخص فيها وسئل عن الصلاة في مبات الإبل فنهى عنها وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم. 2/ 319 ح (1123).
وقال في موضع آخر: "ذكر خبر قد يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن خبر أبي حميد الذي ذكرناه معلول … " وبعد أن ذكر الحديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عقّب بقوله: "سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي وسمعه من عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه فالطريقان جميعا محفوظان." 3/ 340 - 342 ح (1863).
(1) الخطابي، معالم السنن، 1/ 6.
(2) من أمثلة ذلك في كتابه معالم السنن:
تأييده لتعليل الإمام أحمد لحديث رافع بن خديج في النهي عن المزارعة، للاضطراب في الرواية، فقال: "وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع، وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة يقول حدثني عمومتي عنه … " وأوضح أن من أخذ بظاهر الرواية لم يطّلع على علتها، فقال: "فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد." 3/ 95.
وضعّف حديثاً لتكلّم الأئمة في رواته، ولمعارضته لأحاديث أقوى منه، فقال أثناء شرحه لحديث عبدالله ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم … )) "هذا الحديث ضعيف وقد تكلم الناس في بعض نقلته وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره"1/ 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (1)، وجاء كلامه بعد أن ذكر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة لكنها معلولة بعلل بيّنها (2)، وهو بهذا يشير إلى العلل الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وأن مذاكرة نقاد الحديث وأهل معرفة علله تعين على تمييز الصحيح من السقيم، فقال - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة علل الحديث-: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث،
يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (3)
قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (4)--------------------------------------------
(1) الحاكم، علوم الحديث، 59 - 60.
(2) فقد ذكر ثلاثة أحاديث بأسانيد تخلو من رواة مجروحين إلا أنه أعلّ متونها، فأعلّ الحديث الأول بزيادة لفظة، فأخرج حديث: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى … )) ثم قال: "هذا حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت، وذكر النهار فيه وهم، والكلام عليه يطول" المرجع السابق، 58.
وأعلّ الآخر بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، فأخرج حديث: ((ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط، … )) وقال: "هذا إسناد تداوله الأئمة والثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط، … ))، ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري على أنه صدوق مقبول. المرجع السابق، 59. وأعلّ الثالث كذلك فقال: "هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه"، ثم ذكر أنه ذكرها للمثال فقط ويُقاس عليها ما شابهها من الأسانيد الصحيحة التي رُكّب عليها متون رويت بأسانيد أخرى.
(3) الحاكم، علوم الحديث، 112 - 113.
(4) ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وقد ذكر الحاكم للعلة أجناساً عشرة على سبيل التمثيل لا الحصر (1)، ولعله هو أول من أشار إلى اختلاف العلماء - من فقهاء ومحدثين- في هذا القيد -قيد اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح- أو بشكل أدق في ماهية العلة المؤثرة في صحة الحديث، حيث ذكر في المدخل إلى الإكليل في القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: "خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه … " ثم أعقب بقوله: "فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم فيها: قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة.
فأمّا أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم: قول الجمهور الذي أرسلوه لما يخُشى من الوهم على هذا الواحد." (2) ويُعدّ ما ذكره في هذا القسم مما اُختلف فيه فيعدّه بعض النقاد من أنواع العلل، حيث تُعلّ الرواية المسندة بالمرسلة.
بينما نجد الخليلي يسمّي ذلك علة لكنها لا تتنافى عنده مع الصحة، فيطلق عليه: الصحيح المعلول (3)، حيث يقول: العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها. فمنها أن--------------------------------------------
(1) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، 113 - 119.
(2) الحاكم، الإكليل، 47. قال النووي: "وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً وبعضهم مرسلاً، أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ؛ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة. وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب: وهو أكثر قول المحدثين، وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ".
بينما عزا ابن حجر ترجيح المحدثين إلى القرائن التي تحفُّ بكل رواية على حده، فقال عن منهج الشيخين في كتابه الفتح: "والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد؛ بل هو دائر مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه. وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله".
وقال في النكت - فيما يخص منهج المحدثين بشكل عام-: "والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال.". ينظر: المراجع: النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ابن حجر، الفتح، 10/ 203، ابن حجر، النكت، 2/ 687
(3) سيأتي تفصيل مراد الخليلي بالصحيح المعلول في الفصل الثامن (الحديث المعلل).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
يروي الثقات حديثاً مرسلاً ، وينفرد به ثقة مسنداً. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال" (1).
من أجل ذلك عقّب ابن دقيق العيد على تعريف ابن الصلاح بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط
بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً." (2)
أما من جاء بعد ابن الصلاح فقد نصّوا على نفي العلة ضمن حدّ الحديث الصحيح سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن كابن الملقن في التذكرة بينما نصّ على ذلك في المقنع كما سبق وأشرنا إلى ذلك في نفي الشذوذ.
نخلص مما سبق:
أن العلة بشكل عام هي كل ما يمرض الحديث ويُضعفه سواء كانت ظاهرة أم خفية، وبما أن نفي العلة جاء ضمن قيود الحديث الصحيح، والذي اُشترِط في حدّه شروط تخص الراوي والمروي من اشتراط العدالة والضبط واتصال السند ونحوه، فينصرف المعنى--------------------------------------------
(1) فمن أقسام الصحيح عند الخليلي في كتابه الإرشاد: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه. وذكر مثالا للصحيح المتفق عليه بما يرويه (رواة ثقات عدول)، ومثّل للصحيح المعلول بعلة لا تضرّه، وذكر أمثلة في حال خالف الثقة الثقات، وعدّها من العلل غير القادحة. وذكر على ذلك مثالا من صحيح البخاري حديث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها)) - أخرجه في صحيحه كتاب الهبة، باب المكافأة في الهبة 3/ 157 ح (2585) وقال: "لم يذكر وكيع، ومحاضر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة"- قال محقق كتاب التتبع للدارقطني -في خاتمة تحقيقه ضمن ثمرات البحث- يبيّن: "دقة نظر علمائنا رحمهم الله، بحيث إننا نقرأ في (صحيح البخاري) و (صحيح مسلم) أوقات كثيرة فما نتفطن لتلك العلل التي ربما أشار إليها صاحبا الصحيح، ومن الأمثلة على ذلك حديث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية .. )) انتقده الدارقطني، وقد نبّه البخاري أن له علة، ولعلها غير قادحة عنده"
وصحيح مختلف فيه (ومراده ما اختلف الأئمة في تصحيحه؛ لاختلافهم في شروط الصحيح). ينظر: المراجع: الخليلي، الإرشاد، 1/ 157 - 163، الدارقطني، الإلزامات والتتبع، 576.
(2) ابن دقيق العيد، الاقتراح، 5
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
المراد بالعلة هنا - على الأرجح- إلى ما قد يكون سبباً خفياً قادحاً في الصحة، "فالمحدثون إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدا لابد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح." (1)
ولا ريب أن صنيع الأئمة ونقّاد الحديث في مجمله يدل على اشتراطهم خلو الحديث الصحيح مما يُعلّه أو يقدح في صحته، وإن لم ينصّ بعضهم على هذا الشرط إلا أن صنيعه يثبت ذلك، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بعض العلل من حيث كونها قادحة في
الصحة أو غير قادحة، ولعل ذلك هو الذي دعا بعضهم للجمع بين وصف الصحيح والعلة فأطلق (الصحيح المعلول).
وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، (2) فاقترح أن يقال - لكي يكون الحدّ جامعاً مانعاً-: "الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره … " (3).--------------------------------------------
(1) فحل، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، 17.
(2) لعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة؛ حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال.
(3) ابن دقيق العيد، الاقتراح، 5
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وعلى كل حال: "فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الاتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة) " (1).
القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً (2):
المُسنَد بفتح النون في اللغة: مأخوذ من السَّند، وهو "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا". (3)
و"السَّنَدُ: ما ارتَفَعَ من الارض … ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مسند" (4).
وللمسند ثلاثة تعريفات:
1 - تعريف الحاكم: "ما اتصل سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ".
2 - تعريف ابن عبدالبر: "كل حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم متصلاً كان أو غير متصل".
3 - تعريف الخطيب: "ما اتصل سنده على أي وجه كان".
نقلها ابن الصلاح (5)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال: "الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: "اُعترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لاستغنى عن تكرار لفظ الإسناد.--------------------------------------------
(1) هذه العبارة من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
(2) رأيت تأخير هذا القيد- رغم ابتداء تعريف ابن الصلاح به-؛ لكونه غير متفق عليه كقيد مستقل إنما يندرج في أحد معانيه تحت اتصال السند، وقدّمت القيود الأخرى عليه؛ لبروزها في إيضاح حدّ الصحيح.
(3) ابن فارس، المقاييس، 3/ 105.
(4) الفراهيدي، العين، 7/ 228.
(5) أعقبها بقوله: "فهذه أقوال ثلاثة مختلفة، والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 42 - 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد، فعلى هذا لا بد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم" (1).
وبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه".
أما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّه إليه من سؤال، فإنه سُئِل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونصه: "فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ … " إلى أن قال: " حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم "، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولا يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث
المرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جداً من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها. (2)--------------------------------------------
(1) ابن حجر، النكت، 1/ 234.
(2) كان الحميدي حريصاً في تمييز الطرق التي أوقفها شيخه عن المرفوعة رغم قلتها، وكان يسأل شيخه عن بعضها، ومن أمثلة ذلك في مسنده:
- بعد أن أخرج قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة العيد: ((لا يأكلن أحدكم من لحم نسكه فوق ثلاث)). 1/ 152 ح (8).
- وأخرج عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: ((من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر)). 1/ 370 - 371 ح (384).
- وأخرج حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه مرفوعا ((الربا في النسيئة)) .. 1/ 469 ح (555). وتدل الأمثلة على حرصه في تبيين وتمييز الموقوف من المرفوع في مسنده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه صلى الله عليه وسلم … "، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفاً ولم يصح مرفوعا. (1)
وعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: "كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛
فيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " (2)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، … عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعاً متصلاً." (3)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف (4).--------------------------------------------
(1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة:
- فقد أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت)) 2/ 20 ح (828 - 829).
- وأخرج حديثاً لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان إذا رأى النساء قال: أخروهن حيث جعلهن الله … ، وذلك تحت "باب ذكر بعض أحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله منعن المساجد" ثم قال: "الخبر موقوف غير مسند" 3/ 99 ح (1700).
- وعقّب بعد أن أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: 3/ 299 ح (2120).
(2) ابن حبان، الصحيح، 1/ 113.
(3) ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/ 8.
(4) من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج ابن حبان حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت 7/ 420 ح (5162). فالرفع مقدم على الوقف، وإن كان كلاهما صحيحا؛ بل أن ذلك لا يمنع من أن يصحح غير المسند المرفوع، فبعد أن أخرج ابن حبان في صحيحه حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي)). 6/ 202 ح (4071).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وأيضاً نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة … "، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلا أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل (1)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسنداً، وما فقد--------------------------------------------
(1) تعريف المسند عند الحاكم: المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه (لسنٍ يحتمله (، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحاكم، علوم الحديث، 17، ولقد اُختلف في عبارة (لسنٍ يحتمله (هكذا وجدتها في طبعتي المعرفة للحاكم ط (دار الكتب العلمية)، وط (دار ابن حزم)، وكذلك في كتاب النكت لابن حجر، ط (الجامعة الإسلامية) 1/ 508، ووجه ابن حجر تعريف الحاكم بقوله: "فلم يشترط حقيقة الاتصال، بل اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقها".
وفي طبعتي فتح المغيث ط (مكتبة السنة) 1/ 135، وط (دار المنهاج) 1/ 184 (ليس يحتمله (حيث قال السخاوي: "فالظاهر أن قوله: (ليس يحتمله) يخرج عنعنة المدلس، خصوصا وقد صرح الحاكم بعدُ باشتراط عدم التدليس في رواته." ورجحها الدكتور ماهر الفحل في تحقيقه لنكت ابن حجر ط (الميمان) 310.
بينما علّق محقق المعرفة ط (دار ابن حزم)، د. أحمد السلوم على تعريف الحاكم للمسند بما يأتي: يؤخذ من كلام الحاكم ما يلي:
1 - … المسندلا يقع إلا على ما أضافه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيخرج بذلك المرسل وما شابهه.
2 - … الحاكم يقصر المسند على المتصل المرفوع.
3 - … رجّح رواية (لسنٍ يحتمله)، وعليه فالمعنى أن المسند ما يرويه المحدّث عن شيخه، وسماع المحدّث من شيخه ظاهر لا يدفعه شيء؛ إذ سنهما محتملة لذلك. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ط ابن حزم 137 - 141 الحاشية باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم. (1)
أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قال: "فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل
سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، … " (2)
وقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة (3)، مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق (4) وابن أبي شيبة (5)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتاباً--------------------------------------------
(1) وفي مسألة الاحتجاج بالأحاديث الموقوفة والمقطوعة، وما شابهها قال الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية - فيما يخص الأحاديث المُسندة-: "فأما الأحاديث المسندات إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهي أصل الشريعة ومنها تستفاد الأحكام وما اتصل منها سنده وثبتت عدالة رجاله فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب والعمل به لازم والراد له آثم".
وقال في الموقوفات على الصحابة: "جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسنن … وأما الأحاديث المرسلات عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي أيضا عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل بمتضمنها، ومن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار، فإنه يكتبها للاعتبار بها ولن يجعلها علة لغيرها … وأما المقاطيع: فهي الموقوفات على التابعين فيلزم كتبها والنظر فيها؛ لتتخير من أقوالهم ولا تشذ عن مذاهبهم". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 2/ 189 - 191. وكلامه رحمه الله يدل على وجود الخلاف بين العلماء في الاحتجاج بغير المُسند من الحديث.
(2) ابن كثير، الاختصار، 28.
(3) ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي تحت نوع المقطوع فائدة فقال: "جمع أبو حفص ابن بدر الموصلي كتابا سماه: " معرفة الوقوف على الموقوف " أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي صلى الله عليه وسلم إما عن صحابي أو تابعي فمن بعده. وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق.
ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم." السيوطي، التدريب، 1/ 101.
(4) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني. من حفاظ الحديث الثقات. من مصنفاته: (الجامع الكبير) و (المصنَّف). مات سنة 220 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 8/ 222، الصفدي، الوافي بالوفيات، 18/ 244 (6968)، الزركلي، الأعلام، 3/ 353.
(5) عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، أبو بكر. حافظ للحديث، وله مصنفات منها: (المسند) و (المصنف في الأحاديث والآثار) و (الإيمان). مات سنة 235 هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 192. الزركلي، الأعلام، 4/ 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
سماه "الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم" وقال في مقدمته: "هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة … " (1)
ثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله:
"وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو:
قول يحيى بن أبي كثير (2): (لا يستطاع العلم براحة الجسد) (3)." (4)
وقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب. (5)
نخلص مما سبق:
أن الراجح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الاحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع--------------------------------------------
(1) ابن حجر، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، 25.
(2) يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، قال الذهبي: الإمام، أحد الأعلام، كان من العباد العلماء الأثبات. وقال ابن حجر: "ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل"، وجعله ضمن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم، مات سنة 129 وقيل: 132 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 373 - 374 (6235)، ابن حجر، التقريب، 596 (7632)، ابن حجر، طبقات المدلسين، 36 (63).
(3) في صحيح مسلم "براحة الجسم"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، 1/ 428 ح (612).
(4) ابن حجر، الوقوف على الموقوف، 27.
(5) الوقف قد يكون الوجه الأصوب للرواية، ويكون مُعللاً للرفع، كما أشار لذلك الأستاذ محمد عوّامة في كتابه (من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه) فذكر أنه في حال وقع الاختلاف في رفع الحديث ووقفه-وهو اختلاف في أمر إسنادي- فطريقة الإمام مسلم أنه يُقدّم الإسناد الصحيح، ويؤخر المعلل، وذكر أمثلة على ذلك. ينظر: عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، 64 - 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم -كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلا أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: "حاصل حد
الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، … " (1)، والله أعلم.
الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:
جاء في تعريفات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد.
قيد نفي التدليس:
من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله: "بريّاً من أن يكون مدلسا، يُحدِث عن من لَقِي ما لم يَسمع منه"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال: " المتعرَّى خبره عن التدليس"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلا أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد "عدم التدليس".--------------------------------------------
(1) ابن كثير، الاختصار، 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (1)
وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: " يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه" (2) وعرّفه ابن
الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر." (3)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال: "وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي" (4)، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي دقيق، … وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.
ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (5)
وعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الاتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب--------------------------------------------
(1) ينظر: الجوهري، الصحاح، 3/ 930. الفيروزآبادي، القاموس، 546. قال ابن حجر: "واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ينظر: ابن حجر، النزهة، 103، ابن حجر، النكت، 2/ 614.
(2) وفي كتب مصطلح الحديث يعدّدون أنواعاً أخرى للتدليس كتدليس التسوية، وتدليس الشيوخ، وتدليس الصيغ، إلا أنني اقتصرت على ما يخص تدليس الإسناد الذي وضّح معناه الشافعي.
(3) ابن الصلاح، علوم الحديث، 73.
(4) ابن حجر، النكت، 2/ 614.
(5) ابن حجر، النزهة، 104. وهناك كتاب اُلّف لبيان أوجه الموافقة والمخالفة بين هذين المصطلحين، ينظر: خالد القريوتي، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)