مع صحابة رسول الله …
كنت أتفكر كثيراً في اختلاف نظرتي أهل السنة والشيعة الإثني عشرية لصحابة رسول الله … وكانت التساؤلات تحيط بي من كل جانب والأفكار تأخذني شرقاً وغرباً … أقرأ لهذا وذاك ويرد التساؤل تلو التساؤل … لم أترك باباً أستطيع طرقه إلا طرقته … وشعرت أني خُضت بحراً كلما اقتربت من شاطئه زاد بُعده.
لكن عناية ربانية انتشلتني إلى بر الأمان .. حينما تمسكت بقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (1).
لم تكن قراءاتي المتأنية وتساؤلاتي الجريئة لترسم لي وحدها طريق الحقيقة … بل كان للعقل دوره في إثارة الكثير من علامات الاستفهام على كل ما أقرأه وأسمعه أو أشاهده.
قرأت وفكّرت … ناقشت ونوقشت … وعشت الحرب بداخلي … سنوات من الجدب تسبق المطر … لكن الغيث قد يُنسيك أضعافاً مضاعفة من تلك الأيام المجدبة حينما تكتحل عيناك برؤية الحقيقة.
كل ما عليك هو أن تتقدم خطوتين إلى الأمام .. تُفكر فيها … وتحكّم ضميرك … تتحرر من التعصب للمذهب .. وتكون وجهتك إلى الإسلام … الدين الذي أمرك برمي أغلال التقليد للآباء والأجداد والتمسك بالدليل والبرهان حيثما كان.
فعلت ذلك … ووُجهت لي الاتهامات من متعصبة الفريقين، أرادوا لي أن أكون نسخة منهم لا أن أكون نبض ضمير المسلم المتجرد .. لقد علمت أنّ الشرع لا يُحابي أحداً، وأنّ--------------------------------------------
(1) سورة العنكبوت آية 69
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
الحق حكر للدليل والبرهان لا حكراً على الأشخاص، فلست إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت معهم … طريقي ضيق بين طرفي نقيض لكني أرى فيما بعده اتساعاً وراحة للضمير.
وكعلمي بأهمية التجرد للحق ونبذ هوس التعصب أدركت كذلك أنّ الحوار نعمة رفع من شأنها الإسلام، وأنه جدير بالمرء أن يشكر نعمة الله عليه، ويكون شكره عز وجل من خلال استشعار نعمته وأهميتها، ومن لا يدرك النعمة فكيف له أن يشكر واهبها وأن يتنعم بها؟
حوار مع زميل
قُلتُ لصاحبي ذات مرة: (لو كتب الله عز وجل لك أن ترى رجلاً قيادياً صالحاً، عليه سيما الإيمان والتقوى وأنوارهما، قد منّ الله تعالى عليه بفراسة وذكاء بحيث يستطيع معرفة أهل النفاق من أتباعه الحقيقيين من لحن قولهم، لكنك علمت بعد ذلك أنّ هذا الرجل الصالح قد أعرض عن أهل الصلاح من قومه مختاراً أهل النفاق والضلال، فسوّدهم على الناس، معطياً إياهم أهم المناصب القيادية الدينية منها والدنيوية، بل إنه لم يكتفِ بإعطائهم تلك المناصب وبتقريبهم إليه بل صاهر بعضهم وجعلهم من خاصة أصحابه الذين يخرج معهم ويروح، ويهاجر معهم ويجاهد، مع علمه بنفاقهم وعلمه بنفاق بناتهم اللاتي صرن زوجاته!
ثم علمت أنّ ذاك الرجل الصالح قد مات وهنّ على ذمته، ينطقن باسمه ويتكلمن بالدين ويُفتين للناس من بعده، والناس لثقتهم وإجلالهم لهذا الرجل الصالح قد وثقوا بمن قربهم وسوّدهم عليهم، فالصالح لا يتعمد اختيار الخبثاء إلا لخبث طرأ عليه أو شهوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
عارضة أو غفلة أو غباء، والرجل الذي نتكلم عنه هو أعظم وأشرف في أعينهم من أن يُظن به ذلك.
ثم علمت يا صاحبي أنّ هؤلاء المنافقين الذين مكّن لهم هذا الرجل الصالح قد تسلطوا على العباد وسلبوا المؤمنين حقهم وأساؤوا إليهم وأفسدوا في البلاد حتى صار المؤمن خائفاً على نفسه من الهلاك وعرضه من الانتهاك ودينه من الانحراف فلجأ إلى التقية والمداراة، فما قولك فيمن فعل هذا بقومه؟
قال صاحبي: أراه إما خبيثاً فاجراً استغل ثقة الناس به أسوأ استغلال أو جاهلاً مغفلاً استخدمه عدوه أبشع استخدام.
قلت: فلان، قال: نعم
قلت: ألا ترى أنّ الشخصية التي تشتمها وتتهمها بالسَّذاجة أو بالخبث هي نفس الشخصية التي يريدنا الشيعة الإثنا عشرية من حيث لا يشعرون أن نجعلها شخصية أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم!
إنك شتمت تلك الشخصية وأنت مدرك أنها شخصية رجل صالح فقط لا دخل له بالوحي من قريب ولا بعيد، شخصية غير معصومة، قد تستقيم يوماً وتعتريها الشهوة غداً فكيف بنا ونحن نتكلم عن خليل الرحمن وخاتم الأنبياء والمرسلين؟!
إننا ندرك أنّ ختم نبوته صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي بقاء دينه بلا تحريف ولا عبث من بعده، وكيف يتأتى ذلك والشيعة الاثنا عشرية يجعلونه مصاهراً للمنافقين وزوجاً للمنافقات؟!
فالشيعة الإثنا عشرية يرون أنّ رسول الله قد صاهر منافِقَيْن هما (أبو بكر وعمر) وزوّج ابنتيه إلى منافق وهو (عثمان)، وتزوج هو صلى الله عليه وآله وسلم منافِقَتيْن هما (عائشة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
وحفصة) اللتان سُمّيتا في القرآن بـ (أمهات المؤمنين) بقوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}!
وتولى خالد بن الوليد قيادة جيشه … منافق آخر في القائمة!
وكل هؤلاء يشتمهم الشيعة الإثنا عشرية ويقولون بردتهم.
إنّ هؤلاء بالإضافة إلى آخرين كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وغيرهم ممن يعدّهم الشيعة الإثنا عشرية من جملة المنافقين هم في الحقيقة أهل النفوذ في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي اختارهم وأبرزهم هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا أحد غيره.
وقد مات هذا النبي الكريم وخلّفهم من بعده وسلّمهم زمام الأمور، فمن المخطئ ومن المصيب؟ رسول الله أم الشيعة الإثنا عشرية؟ أخبرني بصراحة، وحكّم ضميرك وانس النظرة الطائفية الضيّقة وحكّم عقلك، فأنا لا أخاطبك من منطلق عصبية مذهبية ولكني أخاطبك كمسلم لا يرتضي هذا الطرح في رسول الله ولا في أصحابه.
هل أخطأ رسول الله في الزواج من عائشة؟ هل أخطأ في اختيار رفيق دربه في الغار وفي الهجرة إلى المدينة؟ هل أخطأ في مصاهرتهم جميعاً؟ هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى المسلم عن جلساء السوء وزوجة السوء ثم يختار هو أهل نفاق وردة وضلال؟!!
إنك لتعجب وأن تسمع وتقرأ ما يقوله الشيعة الإثنا عشرية في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجم التناقض بين معتقدهم في صحابة الرسول وبين اعتقادهم بأنّ الأنبياء والأوصياء يعلمون الغيب بإذن الله، فمن يعلم الغيب ويعلم ما في اللوح المحفوظ وما كان وما يكون كما في روايات الشيعة، كيف يُمكن أن يجهل ويغفل عن البشر الذين يتعامل معهم فيُقرّب منهم من لا يستحق التقريب؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الإثنى عشر أطهار، وهم يصرّحون بتنزيههم جميعاً عن الأقذار صغيرها وكبيرها بل عن الخطأ والنسيان لكنهم في الوقت ذاته ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخطأ والغفلة والقذر بإدعائهم أنه غفل وأخطأ في اختيار من يُقرّب من أصحابه ومن يُصاهر منهم!
صمت صاحبي برهة ثم قال لي: معك حق.
كان صادقاً مع نفسه … لم يجد حرجاً في الاعتراف بحقيقة جسّها ضميره ..
ولا يعيب الإنسان أن يبحث ويفكر بهدوء بعيداً عن البطانة التي يقودها التعصب والهوى والتي تسوّل له الاستمرار في الخطأ.
ما أحوجنا إلى هذا التجرد، وما أحوجنا إلى التفكر في الطريق الذي نسير فيه .. قبل أن نهلك أو يعمّنا الهلاك.
المرء على دين خليله
هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … وتلك وصيته الخالدة في أن لا يصحب المؤمن التقي إلا أهل الإيمان والتقوى وأن لا يقترن الصالح إلا بامرأة صالحة تحفظه في دينه ودنياه.
روى الطوسي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). (1)--------------------------------------------
(1) أمالي الطوسي ص518 حديث رقم (1135).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم عن الجليس الصالح والجليس السوء أشهر ما يكون، إذ يقول: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة) (1).
وعلى هذا النسق توالت الأحاديث النبوية وكذا أحاديث الأئمة.
فقد روى الإمام الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة) (2).
ويقول الإمام علي فيما كتبه إلى الحارث الهمداني: (واحذر صحابة من يقبل رأيه ويُنكر عمله، فإنّ الصاحب معتبر بصاحبه) (3).
ويقول الإمام جعفر الصادق: (خمس خصال من فقد منهن واحدة لم يزل ناقص العيش زائل العقل، مشغول القلب، فأولها صحة البدن، والثانية الأمن، والثالثة السعة في الرزق والرابعة الأنيس الموافق، قلت: وما الأنيس الموافق؟ قال: الزوجة الصالحة، والولد الصالح والخليط الصالح، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال: الدعة) (4)، فكيف يصح في العقل أن ينسب الشيعة الإثنا عشرية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الزوجة السوء) و (الخليط السوء) ثم يدّعون بعد ذلك أنهم لاينسبون إلى رسول الله السوء؟!--------------------------------------------
(1) مجموعة ورام 2/ 266 باب (ذكر جمل من مناهي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه).
(2) بحار الأنوار 72/ 90 ومعاني الأخبار ص196
(3) بحار الأنوار 71/ 199 ومستدرك الوسائل 8/ 335 (باب تحريم مصاحبة الكذّاب) حديث رقم (9590).
(4) الخصال ص284 (خمس خصال من لم تكن فيه واحدة) حديث رقم (34) وبحار الأنوار 71/ 186
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
وعن الإمام جعفر الصادق أيضاً أنه قال: (لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره، ثم قال: أمرني والدي بثلاث ونهاني عن ثلاث (1)، فكان فيما قال لي: يا بني مَنْ يصحب صاحب السوء لا يسلم (2)، ومن يدخل مداخل السوء يُتهم ومن لا يملك لسانه يندم) (3).
وقد روي عن نبي الله سليمان عليه السلام أنه قال: (لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله وأقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه) (4) فما أعظمه من حديث وما أقواها من دلالة.
وفي هذا يقول الشاعر: … عن المرء لا تَسَلْ وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي
بعد استعراض هذه الروايات ماذا يستطيع أن يقول المرء عن صحابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الرجل الذي اختارهم ورضي بصحبتهم وقرّبهم وصاهرهم أو كانوا أصهاراً له؟!
أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة … لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله واقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه … ما صدى هذه الكلمات في نفسك وفي ضميرك؟--------------------------------------------
(1) لاحظ أنّ الوصية هنا من الإمام الباقر إلى ابنه الإمام الصادق – وكلاهما معصومان عند الشيعة الإثني عشرية – فانظر إلى حرص الباقر على الصحبة الصالحة وانظر بالمقابل إلى الذين ينسبون إلى رسول الله أنه ما أحسن اختيار أصحابه ولا أصهاره ولا حتى زوجاته! ولا حول ولا قوة إلا بالله
(2) نعم لا يسلم من يصاحب صاحب السوء، لا يسلم من تشويه السمعة، ومن الاتهام بالباطل، ومن نسبة أفعال صاحبه إليه.
(3) بحار الأنوار 71/ 191
(4) بحار الأنوار 71/ 188 عن كنز الفوائد للكراجي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
ما أثر هذه الكلمات في نفس مسلم يرى صحابة نبيه في قفص الاتهام .. وليته كان اتهاماً فحسب بل هو القذف الصريح لهذه الفئة المختارة بالفسق والكفر والردة!
قد حكم الإمام الصادق بزوال عقل وانشغال قلب ونقصان عيش من افتقد الزوجة الصالحة والخليط الصالح، فإلى ماذا ينسب علماء الشيعة الإثني عشرية رسولنا الكريم وهم يدّعون أنّ زوجته كانت ضالة أو كافرة وأنّ أصهاره وخلطاءه كفار ومرتدون على أعقابهم؟!
أسئلة ترد على البال ومن حق كل مسلم أن يثيرها ويُحاكم فيها ضميره …
إنه الاختلاف الجذري بين رؤية أهل السنة والجماعة إلى صحابة رسول الله وزوجاته وبين رؤية الشيعة الإثني عشرية … هذه مقدّمته والكلام في تفاصيله أعظم دلالة على الحق وبياناً للجرم.
ماذا عن امرأتي نوح ولوط عليهما السلام؟
لعل قائلاً يقول: هذا نوح ولوط عليهما السلام قد قال الله تعالى عن زوجتيهما {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} (1) فكيف لا تُتصور الخيانة في زوجات النبي عليه الصلاة والسلام؟
أقول: قد ثبت عند أولي الألباب أنّ الله عز وجل قد نزّه نوحاً ولوطاً عليهما السلام من هاتين المرأتين في حياتهما، فشهد هذان النبيان الكريمان عقاب الله لتينك المرأتين، وطهرهما الله عز وجل منهما، فتبيّن من ذلك أنه لو كان في زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله--------------------------------------------
(1) سورة التحريم آية 10
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
وسلم ما يوجب تنزيه رسول الله عنهن أو التبرأ منهن لحصل ذلك في حياة رسول الله فلما لم يحصل ذلك، ثبت أنهنّ أهل لميثاق الزواج الذي جمعهن برسول الله.
كيف لا وقد خيّرهن الله تعالى بين زينة الدنيا ومتاعها وبين الارتباط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة فقال في سورة الأحزاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}.
فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة، ولو قُدّر أنّ إحداهن اختارت ذلك وأضمرت في نفسها نفاقاً لأظهر الله تعالى ذلك لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يغتر بها مغتر، فمكان الأزواج من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عظيم.
وعجيب أن يدندن الشيعة الإثنا عشرية حول آية التطهير وحول معنى تطهير الله لأهل البيت، ثم لا يعتقدون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد أهل بيته وخيرهم وأطهرهم قد طهّره الله عز وجل من الاقتران بالمنافقات والفاسدات!
ولسنا ندّعي بذلك أنّ زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومات لا يُخطئن بل هنّ كغيرهنّ من المؤمنات الصالحات القانتات، يخطئن ويصبن، يعصين ويتبن، لكن لم ولن تبلغ إحداهنّ ما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية فيهن ولا معشاره (1).--------------------------------------------
(1) يكفي أن تتصفح الكتب الشيعية التي تكلمت عن أم المؤمنين عائشة لترى العجب العجاب! فهذا البياضي يسميها في كتابه الصراط المستقيم باسم (أم الشرور) طاعناً في كتاب الله الذي سماها باسم (أم المؤمنين) في قوله الله تعالى عن النبي والمؤمنين {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم} والمجلسي يصفها بالنفاق وذاك يجوّز لعنها، والقمي يروي في تفسيره ما يطعن في عرضها رضي الله عنها، وكلٌ يدلو بدلوه باسم حب أهل البيت وحب علي بن أبي طالب، وأهل البيت من هذا المعتقد وأصحابه براء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا وحي بعده، فكيف يجوز لعاقل أن يتصور أن تُترك لزوجاته فرصة الخيانة والارتداد من بعده وهنّ أمهات للمؤمنين ومكانهنّ من رسول الله يوجب هلاك الأمة للاغترار بقربهنّ من رسول الله؟!
إنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أصلاً.
هذا وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} (1) والشيعة الإثنا عشرية يتهمون أم المؤمنين عائشة تارة بالكفر وتارة بالنفاق، فكيف جاز لرسول الله أن يبقيها زوجة له.
وقد روى علي بن إبراهيم القمي والحر العاملي عن الإمام الباقر في قوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} يقول: (من كانت عنده امرأة كافرة، يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يستمسك بعصمتها) (2).
فأم المؤمنين عائشة إن كانت كافرة أو مرتدة أو منافقة – برأها الله من هذا الإفك – ففي جميع الحالات كان من الواجب تطليقها التزاماً لكتاب الله، اللهم إلا إذا كان رسول الله المبلّغ عن الله لم يعلم نفاقها وعَلِمَ ذلك علماء الشيعة، فتلك مسألة أخرى!--------------------------------------------
(1) سورة الممتحنة آية 10
(2) تفسير القمي 2/ 363 ووسائل الشيعة 20/ 542
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
حديث (قرن الشيطان) هل أُريد به عائشة رضي الله عنها؟
وما دام الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فلا بأس أن نقف عند شبهة يكررها خصوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه.
فقد ذكر لي أحدهم يوماً أنّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها موسومة بأنها رأس الكفر بنصّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقلت له: هات ما عندك لنرى.
فجاء بحديث البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة ثلاثاً من حيث يطلع قرن الشيطان) (1).
فقلت له: وأين الشاهد؟
قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وصفها بأنها قرن الشيطان حينما أشار إلى مسكنها.
فقلت له: هناك فرق في اللغة العربية بين (نحو) وبين (إلى) والحديث فيه (فأشار نحو بيت عائشة) لا (فأشار إلى بيت عائشة)، وهذا أمر يدركه من له أدنى بمعرفة باللغة العربية لكن يبدو أنّ بغضك وحقدك على أم المؤمنين عائشة قد أعمى قلبك وبصرك.
ولأسألك سؤالاً يُجلي لك الحقيقة أقول فيه: (أتُرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُشير إلى بيت عائشة وإلى كونها قرن الشيطان ثم يُساكنها في بيت واحد وفي حجرة واحدة؟)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري-كتاب فرض الخمس- باب (ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم - حديث رقم (3104)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
لأنسى أم المؤمنين عائشة التي افتريتَ عليها ولأسألك: (أهذه قيمة رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نظرك؟ يرتضي المبيت مع امرأة بهذا المستوى؟).
والله لو حكّمت عقلك لا هواك لما نطقت بهذه الضلالة.
والحديث الذي ذكرته قد ورد عن عبد الله بن عمر كذلك بصيغة أخرى تبين أنّ المراد من الإشارة نحو بيت عائشة إنما هو الإشارة إلى المشرق وما عُرف في أرض المشرق من القلاقل والفتن التي أنهكت الأمة، فالقدرية والخوارج والكيسانية والمعتزلة وغيرهم كلهم قد خرجوا من جهة المشرق (1).
فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى المشرق، فقال: ها إنّ الفتنة ها هنا، إنّ الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) (2).
ثم أليس بيت عائشة هو بيت رسول الله كذلك؟!
أيزعم هؤلاء بأنّ بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو قرن الشيطان - عياذاً بالله؟!
إنّ الذي يصدق عليه مسمى (قرن الشيطان) لهو الفكر الذي يوجّه سهامه وبكل ضراوة تجاه زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بهذه الصورة.--------------------------------------------
(1) ولا يعني ذلك أن لا يخرج في تلك الأراضي الأئمة والعلماء والصالحون فهؤلاء معلومون لكن القصد هو الإشارة إلى الصفة الغالبة لتلك الأراضي.
(2) رواه البخاري - كتاب بدء الخلق - باب (صفة إبليس وجنوده) - حديث رقم (3279).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
إنّ هؤلاء الطاعنين لم يتناسوا القيم والأخلاق مع رسول الله ومع زوجاته وأصحابه فقط بل تناسوا قول الله عن نبيه {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك} (1) فإذا كانت زوجته رمزاً للخيانة وكذا أصحابه فأي ذكر يذكر به الذاكرون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؟!
أم المؤمنين عائشة وموقعة الجمل
قال لي أحدهم يوماً في مجلس جمعني به: إنك تمتدح عائشة ولا ترتضي الطعن فيها!
فقلت: وما الضير في هذا وهي زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم المؤمنين بنص القرآن، إنما الخلل فيمن يطعن فيها ويتجاسر عليها!
فقال: أما تعلم أنها خرجت على إمام زمانها أمير المؤمنين عليه السلام؟ أما فعلت في موقعة الجمل كذا وكذا؟
فقلت له: إنّ الأدلة التي تحتج بها على إدانة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي نفسها أدلة إدانتك من حيث لا تدري.
لست بصدد تحليل خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع من معها إلى العراق أصواب هو أم خطأ؟ وما أسباب ذلك الخروج؟
فمن المتفق عليه أنّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ليست معصومة، فهي لذلك تصيب وتخطئ كسائر المؤمنين، وإنما سأقول لك بكل صراحة ووضوح: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخبر عن خروجها إلى العراق في حديث الحوأب المروي عند السنة والشيعة هو نفسه الذي رضي بها زوجة له وأحبها وقرّبها إليه.--------------------------------------------
(1) سورة الشرح آية 4
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخطئاً حينما ارتضاها لنفسه وأحبها وهو يعلم أنها ستختلف مع علي وسيدور بينهما قتال؟
هل تظن في نفسك الورع والتقوى أكثر من رسول الله كي تنزه نفسك عن الزواج من مثيلاتها وهي الطاهرة النقية التي اختارها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون رفيقة دربه في حين أنك تنسب لرسول الله ما تنزه نفسك عنه؟!
هل أنت أتقى وأنقى وأورع وأعقل من رسول الله الذي استبقاها معه حتى وفاته؟!
فصمت الرجل ولم يستطع أن يقول شيئاً.
وكيف لعاقل أن ينطق بغيرهذه الحقيقة؟!
مَنْ مِنْ هؤلاء الشتامين اللعانين يجرؤ على ادعاء أنه أكثر فهماً وإدراكاً ووزناً للأمور من رسول الله؟
ليأت هذا الرجل وليقلها على الملأ ليعرف الناس حقيقته بدلاً من تعمية الحقائق والطعن المبطن في رسول الله وفي زوجاته وفي أصحابه.
بعدها استئنفت كلامي قائلاً: الآن حان الوقت لنقاش موضوع (موقعة الجمل) معك، ما دليلك على أنّ أم المؤمنين عائشة فعلت كذا وكذا في موقعة الجمل؟ ستقول لي وبكل ثقة: التاريخ.
وسأجيبك قائلاً: أي تاريخ هذا؟ ما الرواية التاريخية التي استندت إليها في فهمك لحادثة (الجمل)؟
إنّ أغلب أحداث موقعة الجمل انفرد بروايتها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذّاب مشهور، منصوص على كذبه عند جمع من علماء أهل السنة وعند الشيعة الإثني عشرية أيضاً!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
وإنّ كتب التاريخ التي تُقرأ اليوم كـ"البداية والنهاية" لابن كثير و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير و"المنتظم" لابن الجوزي وغيرها كلها معتمدة على رواية (سيف بن عمر الضبّي) المذكورة في "تاريخ الطبري" وإنّ هؤلاء الذين يكثرون من تسطير أسماء كتب التاريخ في الحواشي بُغية إعطاء نوع من المصداقية لما ينقلونه من مطاعن في الصحابة يجهلون أو ربما يتجاهلون أنّ أغلب هذه الكتب إنما تنقل عن "تاريخ الطبري" اعتماداً على رواية سيف المشار إليها، ولهذا لا يصح أن يحتج محتج بما تضمنته تلك الرواية بحجة أنها مذكورة في الكتاب التاريخي الفلاني دون النظر إلى إسنادها وعرضها على مائدة النقد العلمي.
كيف والرواية انفرد بذكرها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذاب مشهور؟!
قال فيه أبو نعيم الأصبهاني: (متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث، لا شيء).
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي.
وقال الدارقطني: متروك الحديث، وفي قول آخر له: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: (بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها)
أما الشيعة، فرأيهم في (سيف بن عمر) واضح وجلي لا يحتاج إلى إثبات.
فقد ألف مرتضى العسكري كتابه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" اعتماداً على فكرة أساسية هي كون (سيف بن عمر الضبّي) وهو الراوي الوحيد لقصة ابن سبأ مطعون فيه عند
علماء الجرح والتعديل عند السنة والشيعة (1).--------------------------------------------
(1) انفرد سيف بن عمر بذكر الدور الخارق لابن سبأ في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، ولا بد أن نفرّق بين انفراده بذكر الدور الخارق لابن سبأ وبين صحة وجود شخصية باسم (عبد الله بن سبأ)، فإنّ هذه = … = الشخصية ثابتة بلا ريب بروايات سنية في تاريخ ابن عساكر وغيره -بعضها صحيح السند- وبروايات شيعية –بعضها صحيح السند عند علماء الشيعة - في رجال الكشي والغارات للثقفي وغيرهما، وأقوال العلماء المتقدمين من السنة والشيعة في وجود هذه الشخصية وفي كون إطارها الحقيقي إنما هو الغلو في الإمام علي والطعن في الشيخين مما لا ينكره إلا أحد إثنين: إما جاهل بأقوالهم أو معاند مكابر.
وقد كفانا الشيخ علي آل محسن- وهو من علماء الشيعة المعاصرين- مؤونة التفصيل إذ قال في كتابه "لله وللحقيقة ص34" في رده على (حسين الموسوي): (وإنّ العجب ممن يدَّعي الفقاهة والاجتهاد كيف تخفى عليه مسألة بسيطة من أبسط المسائل الرجالية، وهي أنّ المشهور الذي كاد أن يكون إجماعاً بين علماء وفقهاء الإمامية قديماً وحديثاً أنّ عبد الله بن سبأ شخصية كان لها وجود، وقد نصَّ العلماء على ذلك في كتبهم الرجالية المعروفة)، ويقول أيضاً في ص36: (إنّ مشهور علماء الشيعة- ومن جملتهم كاشف الغطاء- قد ذهبوا إلى وجود عبد الله بن سبأ، وأنه ادّعى الألوهية لأمير المؤمنين عليه السلام فأحرقه بالنار في جملة رجال ادّعوا ذلك معه، وهذا يعرفه كل من بحث في كتب الرجال وتفحّص الأقوال).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وهو ما قرره آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي في "معجم رجال الحديث 11/ 207" بقوله: (إنّ أسطورة ابن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة ومختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذّاب)، فإذا كان الأمر كذلك، فما بالكم تكيلون بمكيالين؟!
حينما يكون الكلام عن ابن سبأ يكون (سيف بن عمر الضبي) كذّاباً وحينما يكون الكلام عن أم المؤمنين عائشة تكون الرواية صحيحة ومُلزمة (1) وبهذا تنالون من زوجة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2)؟!--------------------------------------------
(1) لا يعني كلامي هذا إنكار ما تواتر في التاريخ من وقوع موقعة الجمل ومشاركة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيها وإنما الكلام عن تفاصيل تلك الموقعة التي نالها الكثير من التزييف من جهة الوضاعين والمغرضين.
(2) وينبغي لي أن أسجل اعتراضاً أيضاً على بعض المؤلفين الذين اعتمدوا على روايات سيف بن عمر الضبي في موضوع (مقتل عثمان بن عفان) حيث إنّ رواية سيف للأحداث تخالف الروايات الصحيحة في مقتل عثمان وفيها من تضليل الحقائق ولمز بعض الصحابة كعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وأم المؤمنين عائشة وغيرهم ما لا يتنبه له إلا المتمعن في مضمون الروايات ومخالفتها لما صح من التاريخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
مالكم تركتم الثوابت وتعلقتم بالأكاذيب؟
أما قال الله تعالى عن زوجات نبيكم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} فأثبت أنّ عائشة وحفصة وسودة وأم سلمة وميمونة وغيرهن هن أمهات للمؤمنين، ويلزم من ذلك أنّ من رفض أمومة هؤلاء الزوجات فهو جاحد للنص القرآني كافر به؟
إنّ تتبع المتشابه وترك المُحكم الواضح دليل صارخ على الزيغ عن الهدى كما قال الله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة} (1).
مع مبغض لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
بعد صدور الطبعة الأولى من كتابي هذا، ذهبت كعادتي إلى بعض المكتبات الشيعية لاقتناء بعض الكتب التي كانت تنقص مكتبتي.
وعند ركن من أركان المكتبة حيث كنت أتأمل بعض الكتب العقائدية والتاريخية خرقت سمعي عبارة غريبة مصدرها رجل كان بجانب البائع.
ورغم أني لم أكن منتبهاً لكلام الاثنان بل كنت منهمكاً في تصفح الكتب والاطلاع على فهارسها إلا أنّ هذه العبارة استرعت انتباهي للكلام الذي كان يدور بينهما.
عبارة (إنه ابن صهاك) مع شيء من الضحك تلتها إشارة صوتية من البائع للرجل بأن يصمت، وكأنّ البائع يقول له: انتبه، في المكتبة سني!
هذا ما سمعته … ثم عاد الكلام بينهما لكن بعيداً عن الكلام عن (صهاك)، وقد كنت حينها قد اخترت الكتب التي أريد اقتنائها ووقفت عند البائع.--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران آية 7
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
عند هذه اللحظة بدأت نفسي تتجاذبني، أأتكلم وأُنكر عليهما ما ذكراه في حق صحابي جليل كـ (عمر بن الخطاب) نصر الله به الإسلام والمسلمين، ونال شرف مصاهرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له أم أكتفي بالصمت ما دام الموضوع بينهما وهما على عقيدة ترتضي مثل هذه الأمور (1)؟
لكني أشفقت عليهما من الاغترار بالباطل وسلوك طريقه، ورأيت أنّ من واجبي أن أنصحهما، فقلت: المعذرة على المقاطعة لكن لدي كلمة أود أن أقولها.
فقال البائع: تفضل.--------------------------------------------
(1) إني وأنا أتحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا الكتاب استشعر حنق القارئ الشيعي الإثني عشري عليه وربما عليّ أيضاً لتمجيدي ومدحي لمثل هذه الشخصية، فشخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عالقة بالذهن الشيعي بقصة الاعتداء على الزهراء وإسقاط جنينها كما تذكر ذلك بعض الروايات البائسة التي لا ترتقي لمستوى الاعتبار لا سنداً ولا متناً، وقد قمت بدراسة روايات هذه الأسطورة في أدبيات الفريقين ونقدها نقداً علمياً متناً وسنداً، وسأرفق هذا المبحث في كتاب لي عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها أسأل الله تعالى أن ييسر لي الانتهاء منه وإخراجه في أقرب فرصة ممكنة.
ولهذا أقول للقارئ الشيعي الذي يزعجه الثناء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنّ الشخصية المرسومة في الذهن الشيعي عن هذا الصحابي الكبير ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، فبين عمر وبين نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وآل بيته مصاهرتان تشهدان بإيمان وجلالة قدر عمر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حفصة بنت عمر رضي الله عنهما دليل واضح على عمق العلاقة بينهما، وزواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما دليل محبة وود متبادل بين عمر وعلي، وما الثناء الذي يذكره كتاب "نهج البلاغة" الشيعي في عمر بن الخطاب -كما سيأتي- إلا دليل آخر على عمق العلاقة بينهما وعلى زيف قصة الاعتداء على الزهراء، والتي شكك فيها بعض كبار علماء الشيعة مثل المرجع الديني الكبير محمد حسين فضل الله، فما أحلى أن نضع الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن التطرف والتمسك بالأساطير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
قلت: أسألك بالله تعالى … لو أنّ يهودياً أو نصرانياً قال لكما: أيها المسلمون، إنكم تعتقدون بأنّ نبيكم محمداً قد صاهر عمر بن الخطاب، وتدّعون في الوقت ذاته بأنّ عمر بن الخطاب الذي صاهره نبيكم هو ابن زانية اسمها (صهاك) (1) وأنّ أباه أنجبه من زنية بصهاك.
ويشهد قرآنكم بأنّ أزواج نبيكم هنّ أمهات للمؤمنين، ويشهد التاريخ بأنّ حفصة بنت عمر بن الخطاب هي زوجة نبيكم وهي حسب دعواكم من نسل صهاك!
فأي نبي هذا الذي تدعوننا إلى اتباعه وهو يرتضي لنفسه مثل هذا النسب؟!
بعدها نظرت إلى الرجل الذي كان يحدّث البائع فإذا بوجهه قد تلون، وشعرت حينها أنّ كلماتي على بساطتها ورغم هدوئي النسبي في طرح الفكرة كانت شديدة الوطأة عليه والتأثير فيه، فأتممت كلامي قائلاً: والله إني لا أكلمكما من منطلق كوني منتسباً إلى أهل السنة والجماعة أو إلى غيرهم … إنما أنا مسلم يغار على دينه وعلى رسوله، والله إنكم لتسيئون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذه الدعاوى الباطلة التي تطلقونها على زوجاته وأصهاره.
لقد بالغتم في موضوع الإمامة حتى أخرجتم الخلاف فيها عن الحد المعقول … قلتم: اغتصب الصحابة الخلافة وطعنتم في عدالتهم وقلتم عنهم (انقلبوا على أعقابهم)، فحاولنا تقبل هذا منكم على مضض، لعلنا نصل وإياكم في الحوار إلى حل، لكن لماذا الكلام في الأعراض؟!
ثم وجهت كلامي للبائع وقلت: أسألك سؤالاً وأود منك أن تجيبه بكل صراحة ووضوح.--------------------------------------------
(1) الكشكول للبحراني 3/ 212 وكتاب (لقد شيعني الحسين) ص177
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
قال لي وقد بدى على وجهه الإحراج: تفضل.
قلت: لو عُرضت عليك امرأة منحدرة من عائلة معروفة بالزنا، أو لنقل من عائلة تنتسب إلى زانية، أكنت تقبل بها زوجة لك؟
قال: معاذ الله .. لا أقبل بها بلا شك.
قلت: إذن كيف زعمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتضى لنفسه أن يصاهر عمر بن الخطاب، وعمر - في زعمكم- هو ابن زانية؟!
أتراك أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نزّهت نفسك عن أمر ارتضيته فيه أم ماذا؟
حينها قال لي البائع: ليس كل ما في الكتب صحيح، وهؤلاء أصحاب الرسول وبينهم وبينهم مصاهرات، ونحن لا نطعن في نسب عمر بن الخطاب!
نظرت إليه وقلت في نفسي: (سبحان الله .. منذ قليل كان يتكلم هو وصاحبه في عمر بن الخطاب بكل وقاحة، والآن تغير الأمر، وصار عمر من قرابة الرسول ومن الصحابة الكرام، أي عقيدة هذه التي تعلم المرء أن يتلون كالحرباء بدل أن يكون صريحاً وواضحاً أمام نفسه وأمام الآخرين)!
هكذا بكل بساطة أنكر الرجل ما يعرفه يقيناً عن طعن الطائفة في نسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكني آثرت على نفسي أن لا أجادله في أمر ينكره ظاهراً حتى لو كان يعتقده بالباطن، فكذّبت أُذناي وصدّقته وأوكلت نيته إلى رب العباد.
ثم قلت له: لا بأس .. إنّ كلامي كان إجمالياً، وليس من الضرورة أن يكون موجهاً إليكما طالما أنكما لا تعتقدان مثل هذا الاعتقاد، ثم دفعت قيمة الكتب التي كانت معي وخرجت من المكتبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)