ثم زيد بن علي زين العابدين … ثم الحسن البصري … ثم الشعبي … ثم الزهري … ) اهـ.
ولا أدري كيف يجتمع هذا مع ظهور علم الكلام في أوائل القرن الثاني؟
أم كيف يجتمع هذا مع إطباق السلف على ذم علم الكلام والنهي عنه، والتحذير من أهله؟ والآثار في ذلك كثيرة جداً، أفردت فيها مصنفات، ولا يكاد كتاب في السنة يخلو من باب في ذم الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 642)
الباب الخامس
بيان أن الكلابية والأشعرية فرقتان مباينتان لأهل السنة والجماعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 643)
الكلابية هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، والأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وأبو الحسن الأشعري كان معتزلياً ثم ترك الاعتزال وسار على طريق ابن كلاب، ثم رجع عن هذا الطريق في آخر حياته وانتسب إلى أهل السنة، وإلى طريق الإمام أحمد.
وسأذكر في هذا الباب ما يؤكد خروج الكلابية والأشعرية عن طريق السنة وهدي السلف، وأنهما لا يُعدان من أهل السنة والجماعة، كما سأبين براءة أبي الحسن الأشعري مما عليه الأشاعرة، وأنه رجع في آخر حياته إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وألف كتاب الإبانة الذي يبين بوضوح معتقده ومنهجه، كما سأبين صحة كتاب الإبانة المطبوع، وأنه لم تنله أيدي المحرفين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 645)
الفصل الأول
في بيان كون الكلابية ليسوا من أهل السنة والجماعة وأن خلاف ابن كلاب مع الإمام أحمد كان خلافاً حقيقياً لا لفظياً
المبحث الأول: بيان حقيقة الخلاف بين الإمام أحمد وابن كلاب وأنه كان جوهريا حقيقيا
لقد استمات الأشعريان في ادعاء أن عبد الله بن سعيد بن كلاب كان من أئمة السنة، وأنه على عقيدة الإمام أحمد والسلف، وأن ما ثبت من الخلاف بينهما كان خلافاً لفظياً لا حقيقياً، كل ذلك لإثبات أن الأشاعرة من أهل السنة، لكون الأشاعرة من الكلابية في الجملة، لأن أبا الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه الأشعرية سار على طريق ابن كلاب بعد تركه لطريق المعتزلة.
قال الأشعريان (ص47): (نسلم أولاً أن الإمام الأشعري بعد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 647)
تركه الاعتزال كان على طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهذا أمر يوافقنا عليه أصحاب الدعوى -أي من ينكرون كون الأشاعرة من أهل السنة والجماعة- ولكنهم يخالفوننا في أن طريق ابن كلاب وطريق السلف هما في حقيقة الأمر طريق واحد، لأن ابن كلاب كان من أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على طريق السلف الصالح) اهـ.
ولقد صور الأشعريان أن الخلاف بين الإمام أحمد وبين ابن كلاب وأصحابه كالمحاسبي والأشعري، إنما كان يدور حول مسألة اللفظ، وهي مقولة (القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق). وأن الإمام أحمد بدّع من قال بذلك لئلا يُتذرع بها إلى القول بأن القرآن مخلوق، وأن ابن كلاب وأصحابه صرحوا باللفظ وميزوا بين القرآن وأنه كلام الله، وبين أفعال التالين للقرآن وأنها مخلوقة.
ولم يكتفيا بذلك حتى جمعا مع ابن كلاب فيما زعماه: البخاري ومسلم والطبري، فنقلا عن ابن عبد البر قوله: (وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته .... وأنه حكاية عن كلام الله … ) ثم زادا على من ذكرهم ابن عبد البر ولبّسا.
فقالا (52 - 53): (وعلى أية حال هذا القول الذي بُدّع عبد الله بن كلاب بسببه لا يقتضي وصفه بالبدعة أو أنه على غير طريق السلف،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 648)
لا سيما أن مسألة اللفظ بالقرآن كان يقول بها ثلة من أكابر أمة الإسلام مثل الذين ذكرهم ابن عبد البر، وممن كان يقول بذلك أيضاً الإمام البخاري والإمام مسلم والحارث المحاسبي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم .. ) اهـ.
ولا ريب أن هذا تلبيس على القارئ إن لم يكن كذباً صريحاً، فإن الذي اخترعه ابن كلاب والمحاسبي والأشعري وداود بن علي في القرآن لم يكن مسألة اللفظ بالقرآن، مع اعتقاد أن القرآن كلام الله تعالى لفظه ومعناه غير مخلوق، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس هو المعنى دون اللفظ ولا اللفظ دون المعنى، وأنه حرف وصوت، وهو نفس كلام الله الذي تكلم به فسمعه منه جبريل عليه السلام، فبلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
إذ أن ابن كلاب اخترع الكلام النفسي، وأنكر أن يكون الله تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع، أو أنه تعالى يتكلم بمشيئته.
قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: (قال عبد الله بن كلاب: إن الله سبحانه لم يزل متكلماً … وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد بالله عز وجل … وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله عز وجل، وأن موسى عليه السلام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 649)
سمع الله متكلماً بكلامه، وأن معنى قوله: " فأجره حتى يسمع كلام الله " معناه حتى يفهم كلام الله .. ) (1) اهـ.
وقال الشهرستاني في "الملل والنحل": (وكلامه واحد هو: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد؛ وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات ....... والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان؛ فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ غير أن العبارة تسمى كلاماً: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ) (2) اهـ.
وهذا الذي اخترعاه وابتدعاه لم يسبقا إليه، ولم يقل به أحد من الخلق قبلهما. قال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبداً) (3) اهـ.-----------------------------------
(1) مقالات الإسلاميين (2/ 257 - 258).
(2) الملل والنحل (1/ 83)
(3) سير أعلام النبلاء (11/ 175).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 650)
[بيان أن خلاف الكرابيسي مع الإمام أحمد يختلف عن اختلاف ابن كلاب معه]
وقال الذهبي أيضاً في بيان المسألة وذكر الفرق بين ما نسب إلى البخاري وما قاله ابن كلاب: (والذي ظهر من محمد -أي: البخاري- أمر خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن، وتسمى مسألة أفعال التالين، فجمهور الأئمة والسلف على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وبهذا ندين الله تعالى، وبدّعوا من خالف ذلك.
وذهبت الجهمية والمعتزلة والمأمون وأحمد بن أبي داود القاضي وخلق من المتكلمين والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق، وقالوا: الله خالق كل شيء والقرآن شيء، وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم، وجرت محنة القرآن، وعظم البلاء، وضُرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك، نسأل الله السلامة في الدين.
ثم نشأت طائفة فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة، يعنون تلفظهم وأصواتهم به وكتابتهم له، ونحو ذلك وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه، فأنكر ذلك الإمام أحمد وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم، وثبت عنه أن قال: اللفظية جهمية، وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وسد باب الخوض في هذا، وقال أيضاً: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 651)
وقالت طائفة: القرآن محدث، كداود الظاهري ومن تبعه، فبدعهم الإمام أحمد، وأنكر ذلك، وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه من علم الله، وكفّر من قال بخلقه، وبدع من قال بحدوثه، وبدّع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول: بأن القرآن قديم، ما تفوه أحد منهم بهذا، فقولنا "قديم" من العبارات المحدثة المبتدعة، كما أن قولنا: هو محدث بدعة.
وأما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلت ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق، وصنف في ذلك كتاب "أفعال العباد" مجلد فأنكر عليه طائفة وما فهموا مرامه، كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي بكر الأعين وغيرهم.
ثم ظهر بعد ذلك مقالة الكلابية والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته، ودال عليه، وقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب، وكلام الله تعالى لا يجوز عليه التعاقب، ولا التعدد، بل هو شيء واحد قائم بالذات المقدسة، واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمور وألوان، تركها والله من حسن الإيمان وبالله نتأيد) (1) اهـ.-----------------------------------
(1) المرجع السابق (11/ 510).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 652)
وقد سبق نقل كلام السجزي في أن ما قاله ابن كلاب ومن تبعه في الكلام النفسي مخالف لإجماع الأمة بل وكل العقلاء.
وأما قول داود بن علي الأصبهاني فقد روى اللالكائي في شرح أصول أهل السنة عن أبي عبد الله الوارق جوازا قال: (كنت أورّق على داود الأصبهاني، فكنت عنده يوماً في دهليزه مع جماعة من الغرباء، فسئل عن القرآن فقال: القرآن الذي قاله الله {لا يمسه إلا المطهرون} الواقعة79، وقال: {في كتاب مكنون} غير مخلوق. وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق. قال القاضي أحمد بن كامل: وهذا مذهب الناشئ، وهو كفر بالله العظيم) (1) اهـ.
وقال الأشعري في المقالات: (وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: أن الله لم يزل متكلماً، بمعنى أنه لم يزل قادراً على الكلام، ويقول: أن كلام الله محدث غير مخلوق، وهذا قول داود الأصبهاني) (2) اهـ.
وبهذا يتبين بأن خلاف ابن كلاب للإمام أحمد مغايرٌ تماماً لخلاف الكرابيسي معه في مسألة اللفظ.-----------------------------------
(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (2/ 360).
(2) مقالات الإسلاميين (2/ 256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 653)
[الكلام حول الكرابيسي وحقيقة خلافه مع الإمام أحمد]
مع أن الكرابيسي قد اختُلف في قوله في هذه المسألة، فذكر الذهبي وابن كثير أنه يقول: أن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات وأن لفظي بالقرآن مخلوق. ومراده باللفظ أفعال التالين للقرآن، لا الملفوظ المقروء. وهذا هو الذي حمل الذهبي وابن كثير ومن نقل عنهم الأشعريان على القول بأن الخلاف بين الإمام أحمد والكرابيسي كان خلافاً لفظياً، وأن الإمام أحمد أنكر مقولته وعدها من أقوال الجهمية، وأن الكرابيسي لم يرد ما أراده الجهمية من القول بخلق القرآن والتذرع بمقولة: (لفظي بالقرآن مخلوق) ويعنون به المقروء وهو القرآن لا أفعال التالين.
وخالفهما ابن عبد البر فذكر أن الكرابيسي كان يقول بأن القرآن حكاية عن كلام الله، وأنه موافق لابن كلاب والمحاسبي وداود في هذا.
فقال: (وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وأنه حكاية عن كلام الله، وليس هو القرآن الذي تكلم الله به) (1) اهـ.
وهذا الذي ذكره ابن عبد البر عن الكرابيسي هو الذي ذكره أبو حاتم الرازي عنه حيث عده ممن يقول بالحكاية.
فقال: (من كلام-----------------------------------
(1) الانتقاء (ص165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 654)
جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرّاً أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك) (1) اهـ.
وسيأتي مزيد من كلام أبي حاتم مما يؤكد هذا.
وهذا يبين لنا تلبيس الأشعريين في هذه المسألة، وأن ما قالاه دعوى مجردة مجانبة للحقيقة والواقع، فإن خلاف ابن كلاب مع الإمام أحمد وأئمة أهل السنة والجماعة كان خلافاً جوهرياً عقدياً حقيقياً، لا صورياً لفظياً، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد على الكلابية وعلى الحارث المحاسبي الذي كان متبعاً لابن كلاب، وكذلك أئمة السنة في وقت الإمام أحمد وبعد وقته ينكرون على الكلابية مجانبتهم لطريق أهل السنة، ويبينون مخالفتهم لهم، وقد كثرت الردود على ما خالفوا به الكتاب والسنة، مبينة انحراف معتقدهم، وخروجهم بما ابتدعوه عن أهل السنة والجماعة.
وقد بين الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، إلا أنهم أقرب إلى أهل الحديث من سائر-----------------------------------
(1) رواه أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (2/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 655)
الفرق كالمعتزلة والجهمية وغيرهم.
فقال في بيان انقسام المسلمين: (اختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان) (1) اهـ.
فبين أنهم فرقة مباينة لأهل الحديث.
ولما عقد فصلاً في اعتقاد أهل الحديث قال: (فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير.
فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة) (2) اهـ.
وهذا يؤكد كون الكلابية ليسوا من أهل الحديث، وإن كانوا أقرب إليهم من غيرهم. وتأمل قوله عن الكلابية "أنهم يقولون بأكثر ما يقول به أهل السنة"، لا بكله.
وخلاف الكلابية والأشعرية لأهل السنة والجماعة وللإمام أحمد لم يكن فقط في مسألة الكلام النفسي، بل في كثير من-----------------------------------
(1) مقالات الإسلاميين (1/ 65).
(2) المرجع السابق (1/ 345 - 350).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 656)
الصفات مثل الصفات الفعلية الاختيارية كالنزول والمجيء ونحوها، إذ أن ابن كلاب كان يؤول الصفات الاختيارية لله تعالى ويحملها على المجاز، لامتناع وصف الله بها في أصل مقالته، لكونها تستلزم الحدوث عنده، ويسميها حوادث، ويزعم أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، ويجعل هذا الأصل هو الطريق الذي يثبت به وجود الله تبارك وتعالى، وهي مسألة محدثة مشهورة عند المتكلمين، لم تُعرف عن الأنبياء ولا عن السلف والأئمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولم يقل أحد منهم: أن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال ذلك هو ابن كلاب، وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي لكونه كان منهم، وقد قيل عن الحارث أنه رجع في القرآن عن قول ابن كلاب، وأنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت، وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف) (1) اهـ.
وقال أيضاً: (والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب -وهو الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة والصفات الاختيارية كالنزول والاستواء، وأن الرب يقوم به الأول دون الثانى- ويحذرون عن-----------------------------------
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية (5/ 533).،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 657)
أصحابه، وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية، … ولما ظهر هؤلاء، ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول: إن الله لم يتكلم بصوت، فأنكر أحمد ذلك، وجهّم من يقوله، وقال: هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل، وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت) (1) اهـ.-----------------------------------
(1) المرجع السابق (12/ 367).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 658)
المبحث الثاني
نصوص العلماء في مخالفة الكلابية والأشعرية لأهل السنة ولطريق السلف
وإليك بعض كلام العلماء في مخالفة الكلابية والأشعرية لأهل السنة ولطريق السلف:
- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال المروذي: (قلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال: بل هو الكافر.
وقال: ثار بشر المريسي وخَلَفَه حسين الكرابيسي.
وقال لي: هذا قد تجهم وأظهر الجهمية، ينبغي أن يحذر عنه وعن كل من اتبعه.
وقال الخلال أخبرنا المروذي: أن أبا عبد الله ذكر حارثاً المحاسبي فقال: حارث أصل البلية، -يعني حوادث كلام جهم-، ما الآفة إلا حارث، عامة من صحبه انهتك إلا ابن العلاف فإنه مات مستوراً. حذروا عن حارث أشد التحذير.
قلت: إن قوماً يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 659)
لا يعرفون بدعته، فإن قبلوا وإلا هُجروا. ليس للحارث توبة، يُشهد عليه ويَجْحَد، إنما التوبة لمن اعترف) (1) اهـ.
وقال علي بن أبي خالد: (قلت لأحمد: إن هذا الشيخ -لشيخٍ حضر معنا- هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حرث القصير -يعني حارثاً المحاسبي- كنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، ولا تكلمه، فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمر لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك فعل الله به وفعل، ليس يَعرِف ذاك إلا من خبره وعرفه، أوّيه، أوّيه، أوّيه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه. ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم. هلكوا بسببه.
فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله يروى الحديث ساكن خاشع، من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبد الله وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث-----------------------------------
(1) رواه ابن بطة في الإبانة (1/ 344،342) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 62 - 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 660)
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعاً تجلس إليه؟ لا ولا كرامة، ولا نُعمى عين، وجعل يقول: ذاك. ذاك.) (1) اهـ.
وقال أبو الحارث أحمد بن محمد: (سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يخرج من قلبه.
قال: وسمعته وسئل عن قول الحسين الكرابيسي. فقيل له: إنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا قول جهم قال: الله عز وجل {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} التوبة6، فممن يسمع كلام الله أهلكهم الله.) (2) اهـ.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري للإمام أحمد: (يا أبا عبد الله، إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما. فقال أحمد: فيم؟ قلت: في اللفظ. فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.) (3) اهـ.
وقال حنبل: (سمعت أبي يسأل أبا عبد الله عن كلام الكرابيسي وما أحدث؟ فقال أبو عبد الله لأبي: هذا كلام الجهمية، صاحب هذه المقالة يدعو إلى كلام جهم، إذا قال: إن لفظه بالقرآن مخلوق، فأي شيء بقي؟) (4) اهـ.-----------------------------------
(1) رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 233 - 234).
(2) المرجع السابق (1/ 75).
(3) المرجع السابق (1/ 94).
(4) المرجع السابق (1/ 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 661)
وقال ابن أبي يعلى: أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله عن أبي الحسين بن أخي ميمي قال: أخبرنا علي بن محمد الموصلي حدثنا موسى بن محمد الغساني حدثنا شاهين بن السميذع قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (الحسين الكرابيسي عندنا كافر) (1) اهـ.
وقال أبو جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه فقلت: له يا أبا عبد الله، أنا رجل من أهل الموصل والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي ففتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال لي أبو عبد الله: إياك، وإياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه -أربع مرار أو خمساً-، فقلت: يا أبا عبد الله، فهذا القول عندك، وما شاعت منه، يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم) (2) اهـ.
وقال عبد الله: (قلت لأبي: إن الكرابيسي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا كلام سوء رديء، هذا كلام الجهمية، كذب الكرابيسي هتكه الله، الخبيث. وقال: قد خلف هذا بشراً المريسي) (3) اهـ.-----------------------------------
(1) المرجع السابق (1/ 172).
(2) رواه الخلال في السنة (7/ 75) وابن بطة في الإبانة (1/ 329 - 330) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 288).
(3) رواه ابن بطة في الإبانة (1/ 342).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 662)
- الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (277 هـ)
قال: (مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والشافعي. ولزوم الكتاب والسنة، والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف، واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري، وحماد بن زياد بالعراق من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.
وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين، وترك النظر في كتب الكرابيسي، ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه وشاجر فيه مثل داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه، ليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية، جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل) (1) اهـ.-----------------------------------
(1) رواه اللالكائي (1/ 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 663)