والْمُبَيِّن في اللغة: الْمُظْهِرُ، من (بان)، إذا ظهر، يقال: "بيَّن فلان كذا"، إذا أظهره، وأَوضَحَ معناه (1).
ثانيا: "البيان" اصطلاحًا:
عند البلاغيين:
عرَّفه الجُرجاني (2) بأنه: " النطق الفصيح المعرب، أي المُظهِر عمَّا في الضمير" (3).
وقال: هو "إظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورًا قبله" (4).
وعرَّفه السُّيوطي (5) بقوله: "إخراج الشَّيء عن حيرة الإشكال إلى فضاء الوضوح" (6).--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشّوكاني (2/ 13).
(2) هو علي بن محمد بن علي السيد الزين، أبو الحسن الحسيني الجُرجاني الحنفي، من كبار العلماء بالعربية. ولد في تاكو (قرب استراباد) ولم أقف على سنة مولده، له تصانيف كثيرة، منها: "التعريفات" و" مقاليد العلوم"، توفي سنة 816 هـ. يُنظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (5/ 328)، والأعلام (5/ 7).
(3) التعريفات، للجرجاني (ص: 47).
(4) المرجع السابق.
وقد ذكر الجرجاني أنواعا للبيان منها: "بيان التفسير"، وهو: بيان ما فيه خفاء من المشترك، أو المشكل، أو المجمل، أو الخفي، لكني لم أرتضه لهذا النوع من التفسير، حيث أنه اكتفى بتلك الأوجه (المشترك، والمشكل، والمجمل، والخفي) دون غيرها، كما أخرج التخصيص وغيره من أوجه البيان المعتبرة في التفسير، حيث جعلها في أنواع أخرى من البيان.
(5) هو الحافظ جلال الدّين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر السّيوطي الشافعي المسند المحقّق المدقّق، ولد سنة 849 هـ، له مؤلفات تزيد عن خمسمائة مؤلف منها: "الإتقان في علوم القرآن"، و"الاقتراح" في أصول النحو"، توفي سنة 911 هـ. يُنظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (10/ 74)، والأعلام (3/ 301).
(6) البرهان في أصول الفقه، للجويني (1/ 39)، ومعجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، للسيوطي (ص: 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
وعند الأصوليين:
عرَّفه الرازي (1) بقوله: " هو الذي دل على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد (2) ".
ويطلق الفعل (بَيَّنَ) ويراد به (التَّبْيِين) (3)، ولعل هذا التعريف هو الأقرب للمقصود، لمناسبته الدراسة القرآنية.--------------------------------------------
(1) هو محمد بن عمر بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، طبرستاني الأصل، من فقهاء الشافعية، ولد بالري سنة 544 هـ، وعرف بابن الخطيب، أشعري من غلاة المؤولة، وقيل أنه رجع للمنهج الحق قبل وفاته، من مصنفاته: "مفاتيح الغيب" في التفسير، و "معالم أصول الدين"، توفي سنة 606 هـ. يُنظر: وفيات الأعيان (4/ 248)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 215).
(2) المحصول، للرازي (3/ 150).
(3) شرح الكوكب المنير، لابن النجار الحنبلي (3/ 438).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
المطلب الثالث
تعريف "المتَّصل" لغة واصطلاحا
"المتَّصِل" لغة:
تدور معانيه حول معنى التَّعلق، والاتِّحاد، والتَّرابط، والالتِئام (1).
قال ابن فارس: " (وصل) الواو والصاد واللام، أصلٌ واحدٌ يدل على ضم شيءٍ إلى شيءٍ حتى يعلقه. ووصلته به وصلًا، والوَصْل: ضد الهجران، ومَوصِلُ البعير: ما بين عجزه وفخذه، والواصلة في الحديث (2): التي تصل شعرها بشعرٍ آخر زورًا، ويقول: "وَصَلتُ الشيء وَصْلًا"، والموصول به: (وِصل)، بكسر الواو". (3).
قال الجوهري (4): "وَصَل بمعنى اتَّصَل. و (بينهما وُصْلَةٌ)، أي اتِّصالٌ وذريعة. و (التَواصُلُ): ضد التَّصارم". (5).
قال الأصفهاني (6): "الاتِّصال: اتّحادُ الأشياء بعضها ببعض كاتحاد طرفي الدائرة،--------------------------------------------
(1) يُنظر: الصحاح (5/ 1842) فصل الواو، مادة (وصل)، ومقاييس اللغة (6/ 115) باب الواو والصاد وما يثلثهما، مادة (وصل)، والمفردات في غريب القرآن، للأصبهاني (ص: 873) كتاب الواو، مادة (وصل).
(2) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر (7/ 165)، رقم الحديث [5933] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) مقاييس اللغة (6/ 115) باب الواو والصاد وما يثلثهما، مادة (وصل).
(4) هو أبو نصر إسماعيل بن حمّاد التركي اللغوي، أحد أئمة اللسان، وأصله من فاراب من بلاد الترك، وكان إماما في اللغة والأدب، من شيوخه: أبو علي الفارسي، وأبو سعيد السيرافي، من مؤلفاته: "مقدمة" في النحو، و "الصحاح" في اللغة، وتوفي سنة 393 هـ. يُنظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/ 497)، والأعلام (1/ 313).
(5) الصحاح (5/ 1842) فصل الواو، مادة (وصل).
(6) هو الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، الملقب بالراغب، أبو القاسم، من أهل (أصبهان) سكن بغداد، من الحكماء الأدباء صاحب التصانيف، ومنها: "المفردات في غريب القرآن"، و "أفانين البلاغة"، ولم أقف على سنة ولادته، توفي سنة 502 هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء (13/ 341)، والأعلام
(2/ 255).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ويضاد الانفصال، ويستعمل الوصل في الأعيان، وفي المعاني" (1).
قال الله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)} (2) ..
قال الفيروز آبادي (3): "وصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلاً وصلَةً (بكسرالصاد، وضمها)، ووَصَّلَهُ: لَأَمَهُ، وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ" (4).
ثانيا: تعريف "المتَّصِل" اصطلاحا:
عُرِّف مصطلح (الوصل) في علومٍ عدة، وأول ظهوره كان في علم القراءات مرتبطًا بعلم الوقف والابتداء، ثم انتقل منه إلى علم النحو وعلم البلاغة (5).
ونورد فيما يلي تعريف الوصل في كل علم من تلك العلوم، من ثنايا كلام العلماء والباحثين في هذا المجال، وهي كالتالي:
الوصل في علم القراءات:
دراسة الإجراءات الصوتية، والتَّحولات التي تحدث عند وصل الكلام ببعضه--------------------------------------------
(1) المفردات في غريب القرآن (ص: 873) كتاب الواو، مادة (وصل).
(2) سورة البقرة: من آية (27).
(3) هو مجد الدين أبو الطاهر، محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الشيرازي الفيروز أبادي اللغوي الشافعي، ولد بشيراز سنة 729 هـ، من تصانيفه: " القاموس المحيط"، و "بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز"، وتوفي سنة 817 هـ. يُنظر: بغية الوعاة (1/ 273)، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع (10/ 81).
(4) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، فصل الواو، مادة (وَصَلَ)، (ص: 1068).
(5) يُنظر: الفصل والوصل في القرآن الكريم، لمنير سلطان (ص: 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
دون توقف، والسكتات في مقاطع الكلمة الواحدة (1).
الوصل في علم النحو:
هو الاتِّصال في البناء التركيبي مما تقتضيه بُنية التلازم اللفظي والمعنوي، نحو الاتصال بين جملة المبتدأ والخبر، والمعطوف والمعطوف عليه، والحال وصاحب الحال، والصفة والموصوف … (2).
الوصل في علم البلاغة:
عطف بعض الجمل على البعض (3)، وقيل: عطف جملة على أخرى بالواو. (4)
ولعل أنسب ما وقفت عليه من التعريفات لهذا المقام هو تعريف السُّيوطي للمتَّصل بقوله: "هو مالم يستقل بنفسه" (5).--------------------------------------------
(1) يُنظر: بحث الفصل والوصل بين علم القراءات وعلم النحو، لمحمد المدني علي، بتصرف واختصار (ص: 9، 10).
(2) يُنظر: بحث الفصل والوصل بين علم القراءات وعلم النحو، (بتصرف).
(3) التعريفات (ص: 252)، ومعجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم (1/ 95).
(4) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، لأحمد الهاشمي (ص: 179).
(5) معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم (ص: 85).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
المطلب الرابع
تعريف "التفسير بالبيان المتَّصل"
قبل البدء في التعريف المركب لـ"التفسير بالبيان المتصل " يحسن بنا أن نبدأ بالتعريف لـ "البيان المتَّصل" كمركبٍ إضافي.
أولا: "البيان المتّصل" بمعناه المركب:
من خلال ما سبق من تعريفاتٍ إفراديةٍ لكل من: "التَّفسير"، و"البيان"، و"الْمُتَّصل"، يمكن القول بأن تعريف البيان المتَّصل هو:
"ما يلحق بالآية أو بجزء منها، ويرتبط بها بوجه من الوجوه".
ثانيا: "التفسير بالبيان المتّصل "بمعناه المركب:
لم أقف على أحد من علماء التفسير، وأصوله قد اعتمد "التفسير بالبيان المتّصل" كمصطلح، وإن كان هذا النوع حاضرًا في مؤلفاتهم، لاسيما عند تفسير القرآن بالقرآن، أو الإشارة إليه كأصل من أصول التفسير المعتمدة، وقد ارتضيت تسمية هذا النوع من التفسير بـ"البيان المتَّصل"؛ ليتميز بذلك عن دلالة السِّياق (1)، وعن اللَّحاق (2) المطلق.
ويمكن تعريف "التفسير بالبيان المتّصل" بأنه:
"الكشف عما يراد فهمه من الآيات أو أجزائها، بالاستعانة بما اتَّصل من لاحقها الذي يرتبط بها بوجه من الوجوه".--------------------------------------------
(1) السِّباق: مَا قبل الشَّيْء، يُنظر: الكليات، للكفوي (ص: 508).
وقد يطلق بعض العلماء أحيانا (السِّباق) في مقابل (السِّياق).
(2) اللَّحاق: ما يقابل السِّباق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
شرح التعريف وإخراج المحترزات:
(الكشف): تفيد أن هذا البيان المتَّصِل أظهر أمرًا كان مستورًا بشكلٍ كليٍّ أو جزئي.
(الآيات أو أجزائها): لا يلزم منه أن يكون البيان المتَّصل في آية مستقلة، بل قد يكون لاحقًا به في نفس الآية.
(لاحقها): يخرج به (السِّباق)، وهو ما كان قبل الآية متَّصلا بها، وسيأتي بيانه في المطلب التالي.
(الذي يرتبط): أي أن البيان المتَّصل مفتقرٌ إلى ما قبله، فلا يكتمل فهمه إلا بالنظر فيما قبله.
(بوجهٍ من الوجوه): يقصد به تعدد طرق وروده في القرآن الكريم، وسيأتي بيان تلك الطرق في الفصل الثاني من البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
المطلب الخامس
علاقة (التفسير بالبيان المتَّصل) بالسِّياق
استخدم العلماء السِّياق في مؤلفاتهم منذ القدم، غير أنه لم يعرف كمصطلح إلا في وقت متأخر، وممن أشار إليه من المتقدمين الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"، حيث عقد بابا سماه " الصّنف الذي يبيِّن سياقه معناه" (1).
ويجدر بنا بدايةً التعرف على معنى السِّياق من خلال النّظر في استخدامات المفسّرين له في كتبهم، ثم النّظر في التعاريف التي وضعها العلماء له.
أولا: استخدامات السِّياق في كتب التفسير:
عبَّر المفسرون عن السِّياق بتعابيرَ متنوعةٍ، منها (2):
1 - ما قبل الكلام وما بعده، ومنه قول أبي حيان (3) عند تفسير قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (4).
قال: " .. فعلى ما روي من سبب نزول هذه الآية يكون أمرًا بالتزود في الأسفار الدنيوية، والذي يدل عليه سياق ما قبل هذا الأمر وما بعده، أن يكون الأمر بالتزود هنا بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزَّاد إلى سفره للآخرة، ألا ترى--------------------------------------------
(1) الرسالة، للشافعي (1/ 62).
(2) يُنظر: ضوابط القطعي من تفسير القرآن الكريم، لمحمد ياسين (2/ 266)، باختصار.
(3) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان الغرناطي، ولد سنة 654 هـ، كان إمام زمانه في علم النحو واللغة والقراءات والحديث، أشعري العقيدة، له الكثير من المؤلفات، منها: "البحر المحيط" في التفسير، وَ" التذييل والتكميل في شرح التسهيل"، توفي سنة 745 هـ. يُنظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (6/ 58)، بغية الوعاة (1/ 280)، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكاني (2/ 290)، والمفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات، للمغراوي (ص: 1087).
(4) سورة البقرة: من آية (197).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
أن قبله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}، ومعناه الحث والتَّحريض على فعل الخير الذي يترتب عليه الجزاء في الآخرة، وبعده: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، والتَّقوى في عُرف الشَّرع والقرآن، عبارةٌ عما يُتقى به النار! ! " (1).
2 - سابِق الكلام ولاحقه، ومنه قول البقاعي (2) عند قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (3) قال: "أي لأبدت به"، وقال: "وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رُويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت، ولا يساعد على شيءٍ منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب (لولا) المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه" (4).
3 - قد يجعل بعضهم السِّياق مقابل للسِّباق في بعض المواضع، ومنه قول ابن عاشور (5) عند قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ--------------------------------------------
(1) البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان (2/ 290).
(2) أبو الحسن برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، مؤرخ أديب، أصله من سوريا، ولد سنة 809 هـ، ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، من أبرز مؤلفاته: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، و"مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور "، وتوفي بدمشق سنة 885 هـ. يُنظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (1/ 101)، والأعلام (1/ 56).
(3) سورة القصص: 10.
(4) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (10/ 64).
(5) هو محمد الفاضل بن محمد الطاهر بن عاشور، ولد سنة 1327 هـ، أشعري العقيدة، من طلائع النهضة في تونس، وشغل خطة القضاء بتونس ثم منصب مفتي الجمهورية، من أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة، ورابطة العالم الإسلامي بمكة، ومن مؤلفاته: "التحرير والتنوير"، و"أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربيّ"، توفي بتونس سنة 1393 هـ. يُنظر: الأعلام (6/ 325)، والمفسرون بين التأويل والإثبات (ص: 1403).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (1) قال: " فالأمر في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} للوجوب، وفي قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} للإباحة لبني آدم الماضين والحاضرين … فقد ظهر من السِّياق والسِّباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش، فلا جرم يكون اللّباس في الحج منه واجب، وهو ما يستر العورة، وما زاد على ذلك مباحٌ مأذونٌ فيه، إبطالًا لتحريمه، وأما الأمر بالأكل والشرب فهو للإباحة إبطالًا للتحريم، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم." (2).
ثانيا: تعريف السِّياق:
قال البركتي (3): "سياق الكلام: أسلوبه الذي يجري عليه.
وقولهم وقعت هذه العبارة في سياق الكلام، أي مدرجة فيه (4) ".
وعُرِّف السِّياق بأنه: "تتابع المفردات والجمل والتراكيب المترابطة لأداء المعنى". (5)
والسِّياق القرآني: "تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة لأداء المعنى". (6)--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف: 31.
(2) التحرير والتنوير، لابن عاشور (8 - ب/94).
(3) محمد عميم الإحسان الحسيني البركتي البنجلاديشي الماتريدي الحنفي، ولد سنة 1329 هـ، عمل محاضرًا بالمدرسة العالية بدكة، بباكستان الشرقية، من مؤلفاته: "التنوير في أصول التفسير"، و"قواعد الفقه"، توفي 1395 هـ.
ملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php? t=347397
(4) قواعد الفقه، للبركتي (ص: 330).
(5) السياق القرآني وأثره في التفسير، دراسة نظرية، وتطبيقية على تفسير ابن كثير، لعبد الرحمن المطيري (ص: 71).
(6) السياق القرآني وأثره في التفسير (ص: 17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ودلالة السِّياق القرآني: "بيان المعنى من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة" (1).
وقد عرّفه البعض بأنه: " ما يسبق الكلام المراد تفسيره، وما يلحقه من المعاني والألفاظ الواردة في مقطعٍ واحدٍ متصلٍ بموضوعه، مع الغرض من إيراده" (2).
ثالثا: التفسير بالبيان المتَّصل ودلالة السياق:
يمكن إجمال أوجه التباين بين دلالة السِّياق والتفسير بالبيان المتَّصل في نقاط على النحو التالي:
1 - السِّياق في مجموعه أعمّ وأشمل من البيان المتَّصل، فهو يشمل السِّباق (3) واللَّحاق (4)، في حين أن البيان المتّصل يقتصر على ما اتَّصل من البيان اللاحق.
2 - أن جزء السياق المسمى بـ"اللَّحاق"، وإن كان يشترك مع البيان المتَّصل في أنه لا يأتي إلا بعد ما يراد تفسيره، إلا أنه يفترق عنه في كونه قد لا يكون متصلًا به.
3 - أن السِّياق قد يتجاوز الآية أو الآيات المتَّصلة إلى عدة آيات تتّحد معها في الموضوع والغرض، لكنها لا تتعلق بمعنى اللَّفظ علاقةً مباشرة. (5)
4 - التفسير بالبيان المتّصل اللّاحق للآية، قد لا يرتبط بسباقها، في حين أن السِّياق يربط لحاق الآية بسباقها.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (ص: 72).
(2) ضوابط القطعي من تفسير القرآن الكريم (ص: 275).
(3) السباق ما قبل الشيء، ينظر: الكليات للكفوي (ص: 508).
(4) اللحاق: ما يقابل السباق.
وقد يطلق بعض العلماء أحياناً (السِّباق) في مقابل (السياق) كما أسلفت عند بيان استخدامات العلماء للسياق.
(5) للاستزادة، يُنظر: مفاتيح التفسير، لأحمد الخطيب (1/ 473)، وضوابط القطعي من تفسير القرآن الكريم (2/ 264)، وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
رابعا: علاقة دلالة السِّياق بالتفسير المتّصل:
مما تقدم يتضح أن علاقة (التفسير بالبيان المتّصل) بـ (دلالة السِّياق القرآني) علاقة خصوص وعموم، فباعتبار ما ترتكز عليه دلالة السِّياق من ركنيها: (السِّباق، واللَّحاق) نستطيع القول أن التفسير بالبيان المتَّصل أخصُّ من دلالة السياق حيث أنه جزءٌ من لحاق الآية، وقد يستقل عن سِباقها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
المبحث الثاني
أهمية التفسير بالبيان المتَّصل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: إعمال الرّسول صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة التفسير بالبيان المتَّصل.
المطلب الثاني: علاقة" التفسير بالبيان المتّصل" بعلوم القرآن الكريم الأخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
توطئة
تقدم في الفصل السابق أن (التفسير بالبيان المتَّصل) لم يُعرف عند العلماء كمصطلح لنوع من أنواع تفسير القرآن بالقرآن، ولكنهم يعرفونه بحكم سليقتهم اللغوية، فهو أسلوبٌ سائرٌ في كلامهم.
قال ابن الأنباري (1): " إن كلام العرب يصحح بعضه بعضًا، ويرتبط أوله بآخره .. " (2).
وقد أشار العلماء إلى أمثلة من البيان المتَّصل، في ثنايا تفصيلهم في باب: (المجمل والمبين)، كأسلوبٍ من أساليب البيان، وفي باب: (الإيجاز والإطناب)، كنوعٍ من أنواع الإطناب، وفي باب: (المطلق والمقيّد) … ، وغيره من أبواب علوم
القرآن الأخرى.
وقد اعتمده العلماء في تفسير القرآن بالقرآن؛ إذ هو نوع من أنواعه، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: " إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختُصِر في مكان فقد بُسط في--------------------------------------------
(1) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشّار، ابن الأنباري النحوي، كان من أعلم الناس
بالنحو والأدب وأكثرهم حفظا له، ولد سنة 271 هـ، وكان صدوقا، من أهل السّنّة، وكان من أحفظ الناس للغة والنحو والشعر وتفسير القرآن له مؤلفات كثيرة، منها: " غريب الأثر" و"الأضداد"، توفي سنة 328 هـ. يُنظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/ 201)، وسير أعلام النبلاء (11/ 489).
(2) كتاب الأضداد، لابن الأنباري (ص: 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
موضع آخر" (1).
وعقّب الشارح (2) بقوله: " .. منه ما لا يتنازع فيه اثنان لوضوحه واستبانته، وأوضح أمثلته ما يكون على طريقة السؤال والجواب، أو على طريقة ذكر الموصوف ثم إتباعه بأوصافه … وكثيرٌ من هذا النوع يأتي متواليًا " (3).
كما صنّف الزركشي في كتابه "البرهان" آيات القرآن الكريم من حيث البيان، فجعلها على قسمين:
الأول: ما هو بيِّن بنفسه بلفظٍ لا يحتاج لبيانٍ منه ولا من غيره.
الثاني: ما ليس ببيِّن في نفسه؛ فيحتاج إلى بيان، وبيانه إما في آية أخرى أو في السنة.
والبيان في آية أخرى قد يكون مضمرًا، أو متقدمًا، أو متأخرًا، وقد يكون واضحًا، ثم قسّم البيان الواضح إلى قسمين أيضا: ما كان عقبه، وما كان منفصلًا عنه، وقد استشهد على كل حالةٍ ونوعٍ بالآيات القرآنية (4).
ولاريب أن القسم الأخير (الواضح الذي يكون بيانه في آيةٍ عقبه) يدخل دخولًا أوليًا في البيان المتَّصل (5).--------------------------------------------
(1) مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية (ص: 39).
(2) وهو الدكتور: مساعد الطيار، في كتابه: " شرح مقدمة في أصول التفسير".
(3) شرح مقدمة في أصول التفسير، للطيار (ص: 271، 272)، وهذه الأمثلة التي ذكرها من أبرز وجوه وروده في القرآن الكريم، وسيأتي بيانها في الفصل الثاني.
(4) يُنظر: البرهان في علوم القرآن (2/ 183 - 186) باختصار.
(5) وسيأتي في الفصل القادم تفصيلٌ لأنواع البيان المتصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وأحسب أن ذلك الاهتمام من قبل العلماء كان لأسبابٍ من أبرزها ما يأتي:
أولا: إعمال الرسول ‘ وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل.
ثانيا: علاقة "التفسير بالبيان المتّصل" بعلوم القرآن الأخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
المطلب الأول
إعمال الرسول صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل
أولًا: إعمال الرسول صلى الله عليه وسلم التفسير بالبيان المتّصل:
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهاده بما اتَّصل من الآي؛ ليكون تفسيرًا لها، وهو رغم قلته إلا أنه يُعدُّ منهجا نبويًا إذا دعت الحاجة للإيضاح، وفيما يلي نورد بعض الأمثلة:
أولا: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (1)، قال: أخبرتني أم مبشر رضي الله عنها (2)، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة رضي الله عنها: "لا يَدْخُلُ النَّارَ -إن شاء الله- مِن أَصْحَابِ الشَّجَرةِ أحدٌ، مِنَ الَّذِينَ بايَعُوا تَحتَها"، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة رضي الله عنها: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} (3)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قَالَ الله عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} " (4).
فحفصة رضي الله عنها اكتفت بالآية الأولى، لتفهم من خلالها أن جميع الناس سيدخلون النار، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم استعان في تفسيره بما جاء من البيان المتَّصل بعد الآية مباشرةً؛ ليفهم من ذلك نجاة المتقين …--------------------------------------------
(1) هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي ابن صحابي، من المكثرين في الحديث، الحافظين للسنن، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة عام 78 هـ، وقيل غير ذلك. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر (1/ 220)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير (1/ 492).
(2) هي أم مبشر بنت البراء بن معرور الأنصارية الخزرجية، قيل: إنها زوج زيد بن حارثة، وقيل: غيرها، روى عنها جابر بن عبد الله، وغيره، وروت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث، ولم أقف على سنة وفاتها. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/ 152)، وأسد الغابة (7/ 380).
(3) سورة مريم: 71.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل البيعة (4/ 1942)، رقم الحديث]: 2496 [.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وقد رجّح الطبري (1) أن المعنى: "يرِدُها الجميع ثم يَصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار.
وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناجٍ مسلم، ومكدس فيها" (2).
ثانيا: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه (3)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] " (4).
فالرسول صلى الله عليه وسلم فسّر الدعاء بالعبادة، واستشهد بالآية بما جاء في خاتمتها: {إِنَّ الَّذِينَ--------------------------------------------
(1) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، ولد سنة 224 هـ، اعتنق المذهب الشافعي، ثم أنشأ مذهبًا خاصًا به، كان رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه، علّامةً في التاريخ، عارفًا بالقراءات وباللغة، وتوفي سنة 310 هـ، ومن مؤلفاته: (جامع البيان) في التفسير، و (تهذيب الآثار). يُنظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 30)، وسير أعلام النبلاء (11/ 165).
(2) جامع البيان (18/ 234)، وقد وردت عدة تفسيرات لورود المؤمنين، فقيل: دخولها، ثم تكون عليهم بردًا وسلامًا، وقيل: العرض، وقيل: المرور على الصراط، .. . للاستزادة، يُنظر: جامع البيان (18/ 230، وما بعدها)، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (5/ 252).
(3) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، ولد السنة الثانية من الهجرة، وهو أول مولود للأنصار بعد الهجرة، يكنى أبا عبد الله، له ولأبيه صحبة، سكن الشام، ثم تولى إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص، توفي سنة 65 هـ، وعمره 64 سنة. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1497)، وأسد الغابة (5/ 310).
(4) أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله، باب الدعاء، (2/ 76)، رقم الحديث: [1479]، والترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: "ومن سورة البقرة"، (5/ 61)، رقم الحديث: [2969]، وفي باب: "ومن سورة المؤمن"، (5/ 227)، رقم الحديث: (3247)، وفي كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (5/ 316)، رقم الحديث: [3372]، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل، مسند الكوفيين، (30/ 340)، رقم الحديث: [18391]، جميعهم من حديث النعمان بن بشير، وقال الألباني: صحيح. الجامع الصغير وزياداته (1/ 641).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} (1)، فاستعان بلحاقها المتَّصل بها في التفسير.
ثانيًا: إعمال الصحابة رضي الله عنهم:
في قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} (2).
روي أن نافع بن الأزرق (3) قال لابن عباس رضي الله عنه: "أعمى البصر أعمى القلب، يزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} "، فقال ابن عباس رضي الله عنه: "ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار". (4).
فنافع بن الأزرق انتزع قوله: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} (5) من الآية، وإنما هو من لحاق الآية، فالحكم فيها عائدٌ على الكفار الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)} (6).
وفي قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)} (7) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَنَسَخَ--------------------------------------------
(1) سورة غافر: 60.
(2) سورة المائدة: 37.
(3) هو نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، البكري الوائلي، الحروري، رأس الأزارقة، وإليه نسبتهم، كان أمير قومه وفقيههم، صحب في أول أمره عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وله أسئلة رواها عنه، توفي سنة 65 هـ. يُنظر: لسان الميزان، لابن حجر (7/ 161)، والأعلام (7/ 351)
(4) جامع البيان (10/ 294).
(5) سورة المائدة: 37.
(6) سورة المائدة: 36.
(7) سورة الشعراء: 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى» فَقَالَ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} (1) الآية (2).
قال الشاطبي رحمه الله (3) معلِّقًا: " ومعنى ذلك أنه تخصيصٌ للعموم قبله، ولكنه أطلق عليه لفظ النَّسخ؛ إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص (4) " (5).
ثالثا: إعمال التابعين وجمهور المفسرين:
عن قتادة رحمه الله (6) قال: " {فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} (7)، هم مَن نعَتهم ووصفهم--------------------------------------------
(1) سورة الشعراء: 227
(2) أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر (4/ 304)، رقم] 5016 [
(3) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي، من الأئمة الثقات، الفقيه الأصولي المفسر المحدّث، من مؤلفاته: " الموافقات"، و" الاعتصام والمجالس"، توفي سنة 790 هـ. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (1/ 332).
(4) قال الشاطبي: "الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعمّ منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحدا، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا؛ فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به". الموافقات، للشاطبي (3/ 344).
(5) الموافقات (3/ 347).
(6) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو السدوسي البصري الأكمه، المفسر، كان تابعيا وعالما كبيرا، وكان ثقة مأمونا، حجة في الحديث، واشتهر بقوة الحفظ، ولد سنة 60 هـ، وتوفي سنة 117 هـ. يُنظر: الطبقات الكبرى (7/ 171)، ووفيات الأعيان (4/ 85).
(7) سورة البقرة: 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)