المبحث الثاني: أَثَرُ الشاهدِ الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها في كتب التفسير.
التوجيه مصدرٌ مأخوذٌ مِنْ وَجَّهَ يُوجِّهُ. ومنه قوله تعالى: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: 76] (1). ومنه: وجَّهْتُ الشيءَ إذا جعلتهُ على جِهَةٍ. (2) قال ابن منظور: «وقال بعضهم: وجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً وَجِهَةً مَّا له (3) … يريد: وجِّهِ الأمرَ وجْهَهَ، يُضربُ مَثَلًا للأَمرِ إذا لم يستقم مِن جهةٍ أن يُوجِّهَ له تدبيرًا من جهةٍ أُخرى، وأَصلُ هذا في الحَجَرِ يُوضعُ في البناء، فلا يستقيمُ، فيُقلَبُ على وجهٍ آخر فيستقيم». (4)
وتوجيهُ القراءاتِ يدخلُ تَحتَ عِلمِ القراءاتِ بِمعناه الواسع، غير أن الذي قام به هم النحويون وأهل اللغة غالبًا، وقد أفرده الزركشي بالذكر في «البرهان» تحت النوع الثالث والعشرين فقال: «معرفةُ توجيهِ القراءاتِ وتبْيِيْنُ وجهِ ما ذهب إليه كلُّ قارئٍ» وأَشارَ إلى أَنَّه «فَنٌّ جليلٌ، وبه تُعرفُ جلالةُ المعاني وجزالتُها، وقد اعتنى الأئمةُ بهِ، وأَفردوا فيهِ كُتُبًا» (5).
وقد عُرِّفَ توجيهُ القراءات بأَنَّهُ «عِلْمٌ يُبحثُ فيه عن معاني القراءاتِ والكشفِ عن وجوهِها في العربية، أو الذهاب بالقراءة إلى الجهة التي--------------------------------------------
(1) النحل 76.
(2) انظر: مقاييس اللغة 6/ 88 - 89.
(3) قولهم: «وَجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً ما لَهُ» مَثَلٌ يُضرَبُ في حُسنِ التدبير، أي: لكلِّ أمرٍ وجهٌ، لكن الإنسان ربَّما عَجَزَ ولم يهتد إليه. انظر: مجمع الأمثال للميداني 3/ 494.
(4) انظر: لسان العرب 15/ 226 (وجه).
(5) البرهان في علوم القرآن 1/ 488.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 762)
يتبيَّنُ فيها وجهُها ومعناها». (1)
و«توجيه القراءات» يُسمَّى بِهذا (2)، وله أسماءُ أُخرى المقصودُ بِها واحدٌ أو متقارب، ومنها «الاحتجاج للقراءات» (3)، و «وجوه القراءات» (4)، و «عِللُ القراءات» (5)، و «إعراب القراءات» (6)، و «معاني القراءات» (7) وبكلِّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ صُنِّفَتْ مُصنَّفاتٌ، غير أَنَّ الذي استقر عليه الاصطلاح في الوقت الراهن تسميته بتوجيه القراءات.
وقد عُنِيَ المفسرون بتوجيه القراءات من حيث اللغة والنحو في كتب التفسير، وظلَّ توجيه القراءات والاحتجاج لها منثورًا في كتب معاني القرآن والتفسير مدةً طويلةً من الزمن، ثُمَّ أَخَذَ يستقلُّ وينفصلُ شيئًا فشيئًا حتى نضجَ، واستقلَّ بأُصولهِ ومؤلفاته بعد تصنيف ابن مجاهد (ت 324 هـ) (8) لكتابه في القراءات السبع، واقتصاره على الطرق الصحيحة لتلك القراءات.--------------------------------------------
(1) توجيه مشكل القراءات العشرية للدكتور عبد العزيز الحربي 65، وانظر: القراءات القرآنية لعبد الحليم قابة 30، فصول في أصول التفسير لمساعد الطيار 126.
(2) مثل تسمية شريح بن محمد الرعيني كتابًا له باسم «الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي». انظر: فهرسة ابن خير 38 - 39، وكتاب عبد الفتاح القاضي «القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب».
(3) ككتاب «الحجة في القراءات السبع» للفارسي، و «الحجة» المنسوب لابن خالويه، و «حجة القراءات» لابن زنجلة.
(4) مثل كتاب ابن قتيبة «وجوه القراءات». انظر: تأويل مشكل القرآن 64، وهذا المصطلح عند المتقدمين، وأَمَّا متأخرو القراء فيعنون به الخلاف الذي يقع في بعض صور الأداء: كأوجه البسملة، والوقوف.
(5) مثل كتاب الأزهري «علل القراءات»، ولابن الفَتِّي، والسَّجَاونديِّ كتبٌ بِهذا العنوان أيضًا.
(6) مثل كتاب «إعراب القراءات وعللها» لابن خالويه، وإعراب القراءات لإسماعيل بن خلف.
(7) مثل كتاب «معاني القراءات» لأحمد بن قاسم اللخمي. انظر: غاية النهاية 1/ 97.
(8) هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، تتلمذ على أبي جعفر =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 763)
وقد بدأ الاحتجاج بالشِّعْرِ لتوجيه القراءاتِ مُبكرًا في عهد أئمة القراء الأوائل، فقد كان أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 154 هـ) يَحتجُّ لقراءته بالشعر، كما في قراءته لقوله تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف: 62] (1) بتخفيف اللام في {أُبَلِّغُكُمْ} مِن أَبْلَغَ يُبْلِغُ (2)، فقد احتج بالقرآن وبالشعر. فأَمَّا القرآن فقد احتجَّ بقوله تعالى: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} [الأعراف: 79] (3).
وأما احتجاجه بالشعر فقد احتجَّ بشاهدين، الأول قول عَدِيِّ بن زيدٍ:
أَبْلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مأْلكًا … أَنَّهُ قد طالَ حَبْسي وانتِظاري (4)
والثاني قول أبي القَمقام الأسديِّ (5):
أَبْلِغْ أَبا مالكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً … وفي العتابِ حَياةٌ بَيْنَ أَقوامِ (6)
وأبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) يُمثِّلُ باحتجاجهِ للقراءات وتوجيهها، واستشهاده بالشعر على ذلك، مرحلةً متقدمةً؛ لأَنَّهُ إمامُ علماء اللغةِ ورواة الشعر الذين دارت عليهم روايةُ الشِّعرِ باعتبارهِ شيخًا لأَبي--------------------------------------------
= الطبري، وكان يعدُّهُ أجلَّ شيوخه الذين أخذ عنهم القراءات، والتفسير، والشعر، كما تتلمذ على ثعلب في اللغة. وهو أول من اختار القراءات السبع ودونها مقتصرًا عليها في كتابه السبعة. توفي سنة 324 هـ ومن تلاميذه أبو علي الفارسي. انظر: تاريخ بغداد 5/ 144، معجم الأدباء 18/ 45، معرفة القراء الكبار 1/ 269، غاية النهاية 1/ 139.
(1) الأعراف 62.
(2) قرأ أبو عمرو واليزيدي {أُبْلِغُكُمْ} بسكون الباء وتخفيف اللام. وقرأ الجمهور {أُبَلِّغُكُمْ} بفتح الباء وتشديد اللام. انظر: السبعة 284، حجة القراءات 286، إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 190 - 191.
(3) الأعراف 79.
(4) المألك: الرسالة. انظر: ديوانه 93.
(5) هو أبو القمقام بن مصعب الأسدي شاعر سمعه أبو عمرو بن العلاء والفراء وغيرهما، ورد اسمه في كتب الشعر والأدب دون ترجمة. انظر: المبهج لابن جني 204، شرح أبيات المغني 5/ 324، شرح الحماسة للمرزوقي 3/ 1377.
(6) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 190 - 191، والبيت في عيون الأخبار 1/ 91 ونسب لغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 764)
عُبيدةَ، والأَصمعيِّ، وطبقتهم، ولكونه أحد القراء السبعة، وإمام قراء البصرة، وقراءته هي القراءة التي يقرأ بها أهلُ البصرة، وقد رواها عنه تلاميذه، فهو أبو العلماءِ وكهفُهُم - كما وصفه ابن جني (1) -، وأعلم الناس بالقرآن والعربية - كما يقول ابن الجزري (2)، فهو قارئٌ لغويٌّ إمامٌ في فُنونٍ متعددةٍ.
وقد ذكر أبو عبيدة أَنَّهُ سأل شيخه أبا عمرو بن العلاء عن توجيه قراءته لقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] (3) حيث قرأها أبو عمرو بن العلاء {لَتَخِذْتَ} (4) مِنْ (تَخِذَ) لا من (اتَّخَذَ)، فقال أبو عمرو: هي لغةٌ فصيحةٌ، واستشهدَ لَهَا بِقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ:
وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِها … نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ (5)
وهذا احتجاجٌ لصحة استعمال (تَخِذَ)، وأنه ورد عند العرب في الشعر الفصيح، فقرأ به، وقد اكتفى العلماء بشواهد مفردة للاستشهاد على بعض الأوجه المقروءِ بِها استدلالًا منهم على صحتها، وإن كان المتتبع لدواوين الشعراء سيجد غير تلك الشواهد.
ومنذ زمن أبي عمرو بن العلاء والقراء وعلماء القراءات يتتبعون شواهد الشعر التي تعينهم على توجيه القراءت من حيث اللغة والإعراب--------------------------------------------
(1) انظر: الخصائص 3/ 309.
(2) انظر: غاية النهاية 1/ 290.
(3) الكهف 77.
(4) قراءة الجمهور {لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} بإدغام الذال في التاء إلا حفص فقد أظهرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لَتَخِذْتَ} إلا أن أبا عمرو يدغم وابن كثير لا يدغم كحفص. انظر: السبعة 396.
(5) انظر: مجالس العلماء للزجاجي 255، والغَرْزُ: هو للناقة مثل الحزامِ للفَرَسِ، والنَّسيفُ: أَثَرُ ركضِ الرجل بَجنبي البعير إذا انحصَّ عنه الوَبَرُ. وأُفْحُوصُ القطاةِ مجثمها وعشها لأنها تفحصه، والمُطَرَّقُ صفة للعُشِّ بمعنى المُعَدَّل، أو صفة للقطاة وهي التي تعالج خروجَ بيضِها، وذُكِّرَ لاختصاصهِ بالإِناثِ فاستُغنيَ عن العلامة. انظر: الأصمعيات 165، مجاز القرآن 1/ 412.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 765)
لتكونَ حجةً لهم أَنَّ الوجه الذي رَوَوهُ من القراءةِ صحيحٌ موافقٌ للغةِ العَرَبِ، وأَنَّهُ ليس خطأً لم تستعمله العرب. وهذا شاهد للركن الذي استقر عند علماء القراءات اعتباره للقراءة الصحيحة وهو موافقة لغة العرب ولو بوجهٍ مِنْ وُجُوهِها. (1) بل إنه يؤثر عن بعض القراء شواهد شعرية خاصة، يستشهد بها لتصحيح قراءته، فقد ذكرَ ابنُ الجَزَريِّ في ترجمةِ أَحْمد بن مُحمدٍ بن عَلْقَمةَ بن نافع النبَّال المتوفى سنة 240 هـ، أنه قرأ عليه قُنْبُلُ والبّزِّيُّ. ثم قال: «وروينا عنه أنَّهُ كان يُنْشِدُ شاهدًا على قراءةِ تشديدِ الياء من {حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] (2)، وهي قراءته التي رواها قُنْبلُ عنهُ:
سَأَلتَنِي جارَتي عَن مَعْشَرٍ … وَإِذا ما عَيَّ ذُو اللُّبِ سَأَلْ
سَأَلَتني عَن أُنَاسٍ ذَهَبُوا … شَرِبَ الدَهرُ عَليهِم وَأَكَلْ (3)». (4)
وربَّما خَصَّ ابنُ الجزري هذا الشاهدَ بالذكر لكونه حُفِظَ عن النَّبَّالِ دون غيره، وإِلَاّ فإِنَّ المفسرينَ وغيرَهم قد احتجوا لهذه القراءة بشواهد أخرى. (5) كقول عبيد بن الأبرص:
عَيَّوا بِأَمْرِهِمُ كما … عَيَّتْ بِبَيْضتِها الحَمامَه (6)--------------------------------------------
(1) ذكر العلماء أن القراءة المقبولة لها ثلاثة أركان: صحةُ الإسناد، وموافقة العربية ولو بوجهٍ، وموافقة رسم المصحف العثماني لها ولو احتمالًا. وأهم هذه الأركان صحة الإسناد، وأَمَّا موافقة العربية فلا بد منه، غير أنه يفرق بين هذا وبين موافقة قواعد النحويين. انظر: الإبانة عن معاني القراءات لمكي 58، والنشر 1/ 9.
(2) الأنفال 42، وتتمة الآية: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42].
(3) البيتان للنابغة الجعدي. انظر: ديوانه 98، ونسبه ابن عطية للبيد وليس في ديوانه. انظر: المحرر الوجيز (قطر) 6/ 322.
(4) غاية النهاية 1/ 123 - 124.
(5) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 225 - 226، المحرر الوجيز 8/ 77 - 78، الدر المصون 5/ 613 - 614.
(6) انظر: ديوانه 78، الكتاب 2/ 387، المقتضب 1/ 182، المنصف لابن جني 2/ 191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 766)
وبقول المتلَمِّسِ:
فهذا أَوانُ العِرْضِ حيَّ ذُبابُهُ … زَنابِيْرُهُ والأزرقُ المُتَلَمِّسُ (1)
وقال أبو عثمان المازني: «قرأتُ على أَبي وأنا غُلامٌ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43] (2) قال: فقال أبو سوار (3) - وكان فصيحًا أخذ عنه أبو عبيدة فمن دونه - (خَلَلَهِ)، فقال أبي: {مِنْ خِلَالِهِ} قراءةٌ. فقال: أما سَمِعتَ قولَ الشاعر:
بَنَيْنَ بِغَمْرَةٍ فَخَرَجْنَ منها … خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (4)
قال أبو عثمان: خَلَلُ وخِلالُ واحدٌ، وهما مصدران». (5) ومع أَنَّ القراءة التي قرأَ بها الجمهورُ هي القراءةُ التي قرأَ بِها المازنيُّ، إِلَّا أَنَّهُ عندما سَمِعَ احتجاجَ أبي سوار بالشاهد الشعري الصحيحِ سَلَّمَ لَهُ، وفَسَّرَ الخَلَلَ والخِلالَ بأَنَّهما بِمعنًى واحد، وأَنَّهما مصدران. وهذه أمثلة متقدمة على وجود الاحتجاج للقراءات بالشعر، والاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها.
وأوجه الاحتجاج للقراءات بالشعر وغيره كثيرة، فتارة يكون توجيهًا نَحويًا من حيث الإعراب، وتارة يكون توجيهًا صرفيًا يتعلق بوزن الكلمة أو اشتقاقها، أو لُغويًا يتعلق بعلم الأصوات، ولغات العرب (لهجاتها)، وأمثالهم، وأقوالهم، وأشعارهم، وقد يكون هذا التوجيه معنويًا تتوقف--------------------------------------------
(1) العِرْضُ: وادي اليمامة، والزنابِيْرُ: النَّحْلُ، والأزرقُ: ذُبابٌ يَلْسَعُ الحَمير، وسُمِّي المتلمسُ بهذا البيت. انظر: ديوانه 123، الخصائص 2/ 377، البحر المحيط لأبي حيان 4/ 501.
(2) النور 43، وهذه قراءة الجمهور.
(3) هو أبو سوار الغنوي، من الأعراب الفصحاء الذين تأثر بهم أبو عبيدة وأخذ عنهم. انظر: مجالس العلماء 75، الفهرست 67، إنباه الرواة 2/ 4، 383، أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى 156.
(4) تقدم تخريجه وشرحه.
(5) المنصف لابن جني 3/ 334، وانظر: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف للصفدي 248.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 767)
معرفته على معرفة سبب النُّزُول، أو معرفة التفسير. وقد مَرَّ توجيهُ القراءاتِ واحتجاجُ العلماءِ لها بمرحلتين أساسيتين:
الأولى: مرحلة الاحتجاج الفردية لبعض القراءات دون تدوين. وقد بدأت هذه المرحلة مبكرًا في عهد الصحابة رضي الله عنهم (1) ويدخلُ في هذه المرحلة احتجاج القراء أنفسهم لقراءاتهم كما كان يصنع أبو عمرو العلاء (ت 154 هـ) والكسائي (ت 189 هـ)، وتلاميذهما من بَعْدُ. (2) واحتجاج النحويين الأوائل الذين حفظت أقوالهم دون مؤلفاتهم كالخليل بن أحمد (ت 170 هـ).
الثانية: مرحلة التدوين والبَدءُ في جَمعِ أوجه القراءات وتتبعها.
وهذه المرحلة قد تشارك الأولى من حيث الزَّمَنِ مع الاختلاف في المنهج والغاية، ويُمكنُ التمييز في هذه المرحلة بين نوعين من التدوين، هما:
1 - التدوين المختلط في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو. ويدخلُ تَحتَ هذه المرحلة ما دَوَّنَهُ المفسرون من أهل اللغة في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو من الاحتجاج للقراءات المتفرقة، حيث يذكرونَها عند بيانِ قراءةٍ من القراءات التي تَعرضُ لَهم أثناء التفسير، أو يكون فيها حجة نَحويةٌ لَهم، ومن أوائل الكتب التي ظَهَر فيها توجيه القراءات، والاستشهاد لها بشواهد الشعر كتاب سيبويه (ت 180 هـ). (3) حيث ورد في كتابه عدد من القراءات التي استشهد بها على مسائل--------------------------------------------
(1) انظر: غاية النهاية 1/ 426، معاني القرآن للفراء 1/ 176.
(2) انظر: مجالس العلماء 263، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4، ص 82 - 83.
(3) سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، تلميذُ الخليل بن أحمد، ومُدَوِّنُ النحو في الكتاب. توفي سنة 180 هـ. انظر: مراتب اللغويين لأبي الطيب 65، أخبار النحويين البصريين للسيرافي 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 768)
نحوية، واحتج لها بشواهد الشعر واللغة، وسار النحويون بعده على منهجه.
ومن أمثلة ذلك عنده قوله: «وسألتُ الخليلَ عن قوله عَزَّوَجَلَّ: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] (1)، فقال: هو كقولِ زُهير بن أبي سُلْمى:
بَدا لِيَ أَنِّي لَستُ مُدركَ ما مَضَى … ولا سابِقٍ شَيئًا إذا كانَ جَائِيا (2)
وإِنَّما جَرُّوا؛ لأَنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني، وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله، قد يكون جزمًا ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا تَوهَّموا هذا». (3)
وسيبويه هنا يُشيرُ إلى أَنَّ جَرَّ قولهِ: «سابقٍ»؛ لأن «مُدركَ» قد تدخلُ عليه الباءُ فتجره فيكون «لستُ بِمُدركٍ»، فجروا «سابق»؛ لأَنَّه معطوف على موضعِ «مُدرك» توهُّمًا أَنَّ «مدرك» مجرور، فالباء مفقودة وأثرها وهو الجَرُّ موجود، وظهر أثرها في المعطوف عليه «سابق» لا في المعطوف «مدرك». وأما الآية - على قول الخليل - فهي جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، والشرط هنا ليس بظاهر، وقد قرَّرَ النحويون أَنَّ العطفَ على الموضع لا يصح إلا حيث يظهر الشرط، كقوله تعالى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)} [الأعراف: 186] (4) واستشهادُ الخليلِ بالشاهدِ الشعريِّ هنا من باب الموازنة الأسلوبية؛ حيث ناظَرَ جَزْمَ قولهِ: {وَأَكُنْ} في الآية بِجَرِّ قوله: «سابق» في الشاهد الشعري؛ فإِنَّ جَرَّ «سابق» عطفًا على «مدرك» الذي هو خَبْر «ليس» على توهم زيادة الباء فيه؛ لأنه كَثُر جَرُّ خَبَرِها بالباء المزيدة.--------------------------------------------
(1) المنافقون 10.
(2) رواية الديوان: ولا سابقِي شيءٌ. انظر: ديوانه 287.
(3) الكتاب 3/ 100 - 101، وانظر: 3/ 50.
(4) الأعراف 186.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 769)
وأما في الآية الكريمة فجزمُ الفعلِ «أَكُنْ» على توهمِ سقوطِ الفاءِ من «فَأَصدَّقَ»، وفي الشاهد جَرٌّ على توهم وجود الباءِ، والجامع بينهما توهم ما يقتضي جواز ذلك. (1)
والغرض التمثيلُ. وقد كان صنيع سيبويه في كتابه حافزًا للنحويين من بعده أن يتصدوا للمشككين في صحة القراءات القرآنية، وأنها مخالفة لقواعد كلام العرب (2). ويأتي بعد كتاب سيبويه الكتب التي صنفت في معاني القرآن والتفسير (3)
2 - التدوين في توجيه القراءات خاصة.
أول ما يُذْكَرُ من المؤلفات في إفراد توجيه القراءات بالتدوين ما قام به هارون بن موسى العَتَكيِّ (4) المتوفى قبل المائتين من الهجرة (5) (6) وهناك عدد كبير من المصنفات المفردة للقراءات وتوجيهها في هذه المرحلة من أجمعها كتاب القراءات لأبي عبيد (ت 224 هـ)، وكتاب القراءات للطبري (ت 310 هـ)، الذي تتلمذ عليه أبو بكر بن مُجاهد (ت 324 هـ)، جامعُ القراءاتِ السَّبعِ، وعنه أخذ أبو بكر بن مجاهد التفسيرَ والقراءاتِ وشواهد التفسير، وكان يُجلِّهُ ويُقدِّمهُ (7).
وقد كان تصنيف أبي بكر بن مجاهد (ت 324 هـ) على رأس القرن--------------------------------------------
(1) انظر: المحرر الوجيز 16/ 23، الدر المصون 10/ 344 - 345.
(2) انظر: العين 1/ 139، إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه 1/ 267، أبو علي الفارسي لشلبي 161.
(3) انظر: الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي 85، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4 عام 1401 هـ.
(4) هو أبو عبد الله هاورن بن موسى القارئ النحوي المعروف بالأعور، والعَتَكيُّ نسبةً لعَتيكِ بن النضر بن الأزد. روى القراءة عن عاصم الجحدري وعاصم بن أبي النجود. انظر: إنباه الرواة 3/ 361، غاية النهاية 2/ 348.
(5) غاية النهاية 2/ 348.
(6) انظر: طبقات النحويين واللغويين 51.
(7) انظر: معجم الأدباء 18/ 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 770)
الرابع الهجري سنة 300 هـ تقريبًا لكتابه «السبعة»، واقتصاره على القراءات السبعِ أثر كبير في التصنيف المفرد في الاحتجاج للقراءات السبع وغيرها فيما بعد. فقد احتج لهذه القراءات السبع عددٌ من العلماء من تلاميذ ابن مجاهد كابن خالويه (ت 370 هـ)، وأَبي عليٍّ الفارسي (ت 377 هـ)، واحتج لها من علماء المغرب مكي بن أبي طالب (ت 437 هـ). (1) ثم جاء بعدهم ابن جني (ت 392 هـ) تلميذ أبي علي الفارسي فصنَّفَ كتابَه «المُحتسَب» في الاحتجاج للقراءات الشاذة وتوجيهها، ليكمل صنيع شيخه أبي علي الفارسي في الاحتجاج للقراءات السبع.
هذه أهم مراحل الاحتجاج للقراءات القرآنية وتوجيهها، وقد انتصر هؤلاء العلماء للقراءات القرآنية المتواترة والشاذة، حتى إِنَّ ابن جني (ت 392 هـ) قد وصف القراء عامةً في بعض كتبه بضعفِ الدراية (2)، وبالسَّهوِ والغَلَطِ لأَنَّه ليس لهم قِياسٌ يرجعون إليه (3)، ثُمَّ صنَّفَ في الدفاع عنهم، ورَدَّ على مَن اتهمهم بالخطأ وضعفِ الدرايةِ، والمعرفة باللغة. (4)
- أثر الشاهد الشعري في كتب الاحتجاج للقراءات:
اعتمد المفسرون على المصنفات المختصة بالاحتجاج في توجيههم--------------------------------------------
(1) صنَّفَ ابنُ خالويه «إعراب القراءات السبع وعللها»، ونُسِبَ إليه كتاب «الحجة»، وصنف الفارسي «الحجة»، وصنف مكي «الكشف عن وجوه القراءات وعللها». وكلها مطبوعة.
(2) انظر: الخصائص 1/ 72 - 73.
(3) انظر: المنصف شرح تصريف المازني 1/ 311.
(4) انظر: المحتسب 1/ 32 - 33، دراسات لأسلوب القرآن الكريم للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة 1/ 32 - 33، الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي 71 - 72، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4 عام 1401 هـ، توجيه مشكل القراءات العشرية لعبد العزيز الحربي 68 - 71، 78 - 93، شرح الهداية للمهدوي، تحقيق الدكتور حازم حيدر، قسم الدراسة 1/ 28 - 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 771)
للقراءات، وساروا في توجيههم للقراءات على المنهج الذي سار عليه هؤلاء المصنفون، فاستشهدوا بالشعر كما استشهدوا، وقد كان للشِّعْرِ النصيبُ الأوفرُ بين شواهد كتب الاحتجاج للقراءات، فقد استشهد ابن خالويه (ت 370 هـ) في «إعراب القراءات السبع وعللها» بأكثر من سبعمائة شاهد (1)، واستشهد أبو علي الفارسي (ت 377 هـ) في «الحجة» الذي يُعَدُّ أكبَرَ كتب الاحتجاج للقراءات بأكثر من ألفٍ وخَمسمائةِ شاهدٍ من الشعرِ، حتى قال عبد الفتاح شلبي: «وقد أورد أبو علي في الحُجَّةِ من الأشعارِ ما لو جُمِعَ لكان كتابًا ضخمًا قائمًا بذاته» (2)، واستشهد ابن جني (ت 392 هـ) في كتابه «المُحتسَب» بأكثر من سبعمائة شاهد شعري. (3)
والعلماءُ الذين اشتغلوا بتوجيهِ القراءات كانوا يشترطون لصحةِ القراءة موافقتَها للغةِ العَرَبِ، مع صحةِ إسنادها، ومِنْ أَهَمِّ ما يبحثون عنه في لغة العربِ شواهد الشعر، ولذلك لَمَّا روى أحدُ رواة (4) أبي عمرو بن العلاء روايةً في قراءة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] (5) وهي قراءة قوله: {مُكَاءً} بالقصر (مُكًا)، قال ابن مجاهد: «ولا وَجْهَ للقَصْرِ». (6) فقال ابن خالويه تعقيبًا--------------------------------------------
(1) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 2/ 581 - 606.
(2) أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي 208.
(3) انظر: المحتسب 1/ 14، وانظر: الموضح لابن أبي مريم فيه، والحجة لابن خالويه فيه 70 شاهدًا، والكشف لمكي فيه 15 شاهدًا، وشرح الهداية للمهدوي فيه 81 شاهدًا.
(4) اسم هذا الراوي عباس، ولعله العباس بن الفضل أحد من أخذوا عن أبي عمرو. انظر: غاية النهاية 1/ 290.
(5) الأنفال 35، وهذه القراءة بالرفع والمد هي قراءة الجماعة. انظر: السبعة 305، مشكل إعراب القرآن 1/ 346.
(6) إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 772)
على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر (1):
بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها … وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ (2)
فإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». (3)
فهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. (4)
بل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت 324 هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» (5) واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. (6) وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري--------------------------------------------
(1) هو حسان بن ثابت كما في ديوانه 504 بتحقيق وليد عرفات، ونسبت لابن رواحة كما في ديوانه 132، ونسب لكعب بن مالك كما في ديوانه 252.
(2) انظر: المقتضب 4/ 292، المنصف لابن جني 3/ 40، شرح الجمل لابن عصفور 2/ 362، المقصور والممدود لابن ولاد 15، إضافة لمراجع الحاشية السابقة.
(3) إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 228.
(4) انظر: حاشية الشهاب على البيضاوي 5/ 220، التذكرة لابن غلبون 1/ 25.
(5) هذا هو الاسم المشهور له، وقد سَمَّاهُ أبو علي الفارسي «معرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام». انظر: الحجة 1/ 2.
(6) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 262، 271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 773)
الفقيه. فقال: ابنُ جرير؟ قلتُ: نعم. قال: ذاك مِن حُذَّاقِ الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثِيْرٌ؛ لأَنَّهُ كان شديدَ النَّفْسِ، شَرِسَ الأخلاق، وكان قليلَ الشهادةِ لأحدٍ بالحِذْقِ في عِلْمِه». (1)
وسأكتفي ببعض الأمثلة من هذه الكتب التي صرح فيها مؤلفوها بكون هذه الشواهد الشعرية شاهدةً لقراءةِ فلان، أو حجةً لها. فمن أمثلة ذلك:
1 - ذكر ابن خالويه قراءة ورش لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] (2) وأَنَّهُ يترك الهمزة في قوله: {يُؤْمِنُونَ} فقال: «وروى ورشٌ عن نافعٍ بتركِ الهمزاتِ الساكنات والمتحركات، وحُجتهُ في ذلك أَنَّ الهمزةَ المتحركةَ أثقلُ من الهمزة الساكنة … أَنشدني ابنُ عَرَفَةَ (3) شاهدًا لوَرْشٍ:
تَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمانَ أَنْ مَشَتْ … بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطِرَاتِ
وَلَما رَأَت رَكبَ النُّمَيْريِّ أَعرَضَتْ … وَكُنَّ مِنَ انْ يَلقينَهُ حَذِراتِ (4)
أرادَ: مِنْ أَنْ، بنقلِ فتحةِ الهمزةِ إلى النَّونِ». (5)
وهذا احتجاجٌ لُغويٌّ بالشعر على أَنَّ من العرب مَنْ ينقلُ حركةَ الهَمزة إلى الحرف الساكن قبلها لبيانِ الهمزةِ، كما قال سيبويه: «واعلم أَنَّ ناسًا من العربِ كثيرًا يُلقونَ على السَّاكنِ الذي قبلَ الهمزةِ حَركةَ الهمزةِ، سَمِعنا ذلكَ مِن تَميم وأَسَد، يريدون بذلك بيانَ الهمزة، وهو--------------------------------------------
(1) معجم الأدباء 18/ 60.
(2) البقرة 3.
(3) هو إبراهيم بن محمد بن عَرَفَةَ الأزدي النحوي، المعروف بنفطويه المتوفى سنة 323 هـ، أخذ عن ثعلب والمُبَرِّد، وكان من أهل السنة، واشتهر بحفظ الشعر ومعرفته. له كتاب في غريب القرآن. انظر: إنباه الرواة 1/ 211 - 217، بغية الوعاة 1/ 428.
(4) هذان البيتان لمُحمد بن نُميرٍ الثقفي الأموي. انظر: ديوانه ضمن القسم الثالث من كتاب (شعراء أمويون) للدكتور نوري حَمّودي القيسي 108 - 134، مجالس ثعلب 160 - 161.
(5) إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 774)
أَبْيَنُ لها إذا وَلِيَتْ صوتًا». (1) وذكر المهدويُّ (2) «أَنَّ ذلكَ هو حكمُ تَخفيفِ الهمزةِ في كلام العرب إذا سَكَنَ ما قبلها؛ لأَنَّهم كرهوا أن يجعلوها بَيْنَ بَيْن، فتقرب من الساكن وقبلها ساكن، فيصير كالجمع بين الساكنين، فألقوا حركتها على الساكن الذي قبلها وحذفوها وبقيت حركتها تدل عليها». (3) وصنيع ابن خالويه تصحيحٌ لقراءةِ ورش، واستشهادٌ بالشعر على أَنَّ هذه القراءة لغةٌ فصيحةٌ للعرب.
2 - وقال ابن خالويه عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6] (4): «وقرأ ابن عامر {أأنذرْتَهُم} بِهَمزتَيْنِ بينهما مَدَّةٌ، كأَنَّه كَرِهَ أن يَجمعَ بينَ هَمزتين، وأَن يَحذفَ إحداهما. (5) قال الشاعرُ (6) شاهدًا لقراءة ابن عامر:
تَطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ … فقلتُ لهُ: آأنتَ زيدُ الأَراقِمِ (7)». (8)
وهذا شاهد لغويُّ كذلك يتعلَّق باللهجات، يدلُّ على أَنَّ القراءةَ بلغةٍ فصيحةٍ معروفةٍ في شعرِ بعض العرب. وقد زاد أبو علي المالكيِّ (9) في الاستشهادِ لهذه القراءةِ فقال: «الحُجَّةُ لِمَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما--------------------------------------------
(1) الكتاب 4/ 177، وانظر: شرح المفصل لابن يعيش 9/ 73.
(2) هو أبو العباس أحمد بن عَمَّار المَهدويُّ المتوفى سنة 440 هـ. من علماء القراءات بالأندلس، له مصنفات كالتبصرة والهداية وشرحها في القراءات، وله في التفسير التفصيل الجامع لعلوم التنْزِيل وهو من أهم مصادر ابن عطية في تفسيره. انظر: جذوة المقتبس 114، بغية الملتمس 163، معجم الأدباء 5/ 39.
(3) شرح الهداية 1/ 62.
(4) البقرة 6.
(5) انظر: السبعة 136، الكشف عن وجوه القراءات لمكي 1/ 73.
(6) هو ذو الرمة.
(7) انظر: ملحق ديوانه 3/ 1849.
(8) إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 59.
(9) هو أبو علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي المالكي المتوفى سنة 438 هـ بمصر. من أئمة القراءات، له تصانيف من أَجلِّها «الروضة في القراءات الإحدى عشرة». انظر: معرفة القراء 1/ 396، غاية النهاية 1/ 230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 775)
أَلِفًا، أَنَّ مِن العَرَبِ مَنْ يَمُدُّ بين الهمزتين المفتوحتين من كلمةٍ فأُجريَ ما كانت الأولى فيه مفتوحةً والثانية مكسورةً مَجراهما. (1) قال الشاعر (2):
أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ … وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (3)
وقال الآخر … » (4). ثم ذكر بيتَ ذي الرمة الذي ذكره ابن خالويه قبلُ، مِمَّا يدل على اعتمادِ علماءِ القراءات على الشاهد الشعريِّ في التوجيه والاحتجاج للقراءات، وتصحيح ذلك بشواهد الشعر التي تنفي الشبهة عن القراءات، وموافقتها للغة العرب.
غَيْرَ أَنَّ القرطبيَّ يذكرُ قراءةَ أهلِ المدينة وأَبي عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق لهذه الكلمةِ، وأَنَّهم يقرأَونَها {أانذَرْتَهُم} بتحقيق الهمزةِ الأولى وتسهيلِ الثانيةِ، وأَنَّ هذهِ لغةُ قريشٍ، وسعدِ بن بكرٍ، وقد اختارها الخليل وسيبويه. (5) ثُمَّ يستشهدُ لِهذهِ القراءةِ بالشاهدينِ السابقين لذي الرمة، اللذين استشهد بهما ابنُ خالويه وغيره على قراءةِ ابن عامر وهي قراءة «مَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما أَلِفًا».
وسيبويه قد استشهد بِالشاهد الثاني منهما على «إِنَّ من العربِ ناسٌ يُدخلونَ بين ألف الاستفهامِ وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك أَنَّهم كرهوا التقاءَ هَمزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، فَفَصلوا بالألفِ كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة». (6) وليس على ما ذكره القرطبيُّ، فالشاهدان يشهدان للغة مَنْ يُدخِلُ بَيْنَ الهمزتينِ أَلفًا، لا للغة من يُسهِّلُ الهمزةَ الثانية (7)، وهذا يدل على أن هناك من المفسرين من قد يقع منه--------------------------------------------
(1) انظر: الكتاب 3/ 551، المقتضب 1/ 162 - 163.
(2) هو ذو الرمة. .
(3) انظر: ديوانه 2/ 767، أمالي القالي 2/ 58.
(4) الروضة في القراءات الإحدى عشرة 1/ 201.
(5) انظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 185.
(6) انظر: الكتاب 3/ 551.
(7) انظر: الحجة للفارسي 1/ 279 - 290، الدر المصون 1/ 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 776)
الاستشهاد بالشاهد الشعري في غير موضعه، وإذا أراد الباحث الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسألةٍ مُشكلةٍ وَجَبَ عليه مراجعة أقوال العلماء في هذا الشاهدِ، فينظر ما يقوله أهل التحقيق في هذا الشاهد، ودلالته، حتى يتبين له الصواب.
أمثلة تدل على أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات وتعليلها، من جهة نفي الشك عن صحتها، وتصويبها من حيث العربية.
أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير:
وأما أَثَرُ الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها فقد رافق الاحتجاجَ للقراءات وتوجيهها منذ بدأت هذه القراءات على يد أئمتها الأُوَل، وقد تقدم احتجاج أبي عمرو بن العلاء لبعض أوجه قراءته التي سُئِلَ عنها، وقد كان الإمام الطبري رائدًا من رواد المفسرين في الاحتجاج للقراءات، وتوجيهها، معتمدًا في ذلك على علمه الغزير بالقراءات، والآثار، وتفسير السلف، واللغة وشعر العرب. وقد صنَّفَ كتابًا مُفردًا في القراءات وعللها والاحتجاج لها، ولكنَّه فُقِدَ ولم يصل إلينا، وقد اطلع عليه الأهوازي المقرئ (1) فقال في وصفه: «وله - أي الطبري- في القراءاتِ كتابٌ جليلٌ كبيرٌ رأيتهُ في ثَماني عشرةَ مُجلدة إِلا أَنَّه كان بِخطوطٍ كبارٍ، ذَكَرَ فيه جَميعَ القراءات من المشهورِ والشواذِّ وعَلَّلَ ذلكَ وشَرَحَهُ، واختار منها قراءة لم يَخرجْ بِها عن المشهور» (2)، غير أن كتابه التفسير ظَلَّ متضمنًا لما يُحتاجُ إليه في التفسير من أوجه التعليل للقراءات وتوجيهها، وهي مواضع كثيرة. وأغلب مسائل النحو التي تعرض لها الطبري في تفسيره، جاءت عند مناقشته للقراءات القرآنية--------------------------------------------
(1) هو أبو علي الحسن بن علي الأهوازي المقرئ، شيخ القراء في عصره، ولد سنة 362 هـ بالأهواز وتوفي سنة 446 هـ. انظر: غاية النهاية 1/ 219 - 220.
(2) معجم الأدباء 18/ 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 777)
وتوجيهها من حيثُ الإعراب، واستشهاده بشواهد النحو الشعرية في ذلك. (1) وكتابهُ في التفسير كتاب تفسيرٍ وتوجيهٍ وتعليلٍ واحتجاجٍ للقراءات.
ثم جاء الزمخشري (ت 538 هـ) فصنف تفسيره «الكشاف»، واستشهد فيه بشواهد الشعر على توجيه القراءات، لكنه لم يكثر من ذلك، واعتمد في توجيه القراءات على المتقدمين من أهل القراءات، وإن كان قد رَدَّ بعض القراءات المتواترة، لكنه مُقلِّدٌ في ذلك للنحويين المتقدمين كالفراء وغيره (2)، وقد ذكر في تفسيره القراءات الشاذة، وذكر توجيهها، واستشهد لها بالشعر في مواضع متفرقة من تفسيره. (3)
وأما ابن عطية فهو من أكثر المفسرين عناية بالاستشهاد بالشعر لتوجيه معاني القراءات المختلفة في تفسيره، وقد انتفعَ بكتب العلماء الذين سبقوه إلى التصنيف في الاحتجاج للقراءات كأبي علي الفارسي، وابن جني، وابن خالويه، وبكتب التفسير التي عُنيت بذلك وأهمها تفسير الطبري، وقد ذكر ابن عطية من الكتب التي أخذها بالإجازة عن شيوخه كتاب أبي علي الفارسي «الحجة» وهو أَهمُّ كتبِ الاحتجاجِ للقراءات (4)، غير أَنَّ لابن عطية من العلم باللغة والتفسير والقراءات ما جعله يوازن بين احتجاجات المتقدمين للقراءات، ويَختارُ من بينها ما أيَّده الدليل، مِمَّا يدل على شخصيةٍ علميةٍ متميزة، مِمَّا جَعَلَ بعض الدارسين يُفرِدُ جُهودَهُ في القراءات من خلال تفسيره بدراسةٍ مستقلةٍ. (5)--------------------------------------------
(1) انظر: الطبري النحوي من خلال تفسيره لزكي الآلوسي 39 - 59.
(2) خزانة الأدب 4/ 420.
(3) انظر: الكشاف 1/ 14، 33، 105، 356.
(4) انظر: فهرس ابن عطية 113 - 114، أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي 172 وما بعدها.
(5) انظر: مواقف النحاة من القراءات القرآنية من خلال تفسير ابن عطية الأندلسي، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 778)
وأما القرطبي فقد بلغت شواهد الشعر التي احتجَّ بِها لتوجيهِ القراءات وتصحيحها أربعمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا (1)، معظمها منقولةٌ عن كتب التفسيرِ المتقدمةِ، وكتب النحو، والاحتجاج للقراءات، ولم يأت القرطبي بشواهد جديدة لم يسبق إليها في اللغة والنحو، غير أَنَّهُ أَحسنَ ترتيبها، والاستفادة منها، حتى غدا تفسيره مرجعًا شاملًا لتوجيه القراءات المتواترة والشاذة، مؤيدة بشواهد الشعر التي ذكرها المتقدمون في الاحتجاج لهذه القراءات. وفيما يأتي أمثلة لأثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير، واستعانة العلماء به في التوجيه اللغوي والنحوي لمعاني القراءات.
أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث اللغة.
المقصود بتوجيه القراءات من حيث اللغة بيان المعنى اللغوي لوجه القراءة، سواء كان هذا الاحتجاج لقراءة متواترة من السبع أو العشر، أو كان لقراءة شاذة مما زاد على هذه العشر، ولم تتوافر فيه شروط التواتر المحفوظة، ومن تلك الأمثلة:
أولًا: أثر الشاهد الشعري في تصحيح القراءة المتواترة لغةً.
1 - قال الطبري عند توجيه القراءات في كلمة {الْمَيْتَةَ} من قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} (2): «وأَمَّا {الْمَيْتَةَ} فإِنَّ القَرأةَ مُختلفةٌ في قراءتها، فقرأها بعضهم بالتخفيف (3)، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنَّهُ يُخفِّفُها كما يُخفِّفُ القائلون: هُوَ هَيْنٌ لَيْنٌ، الهَيِّن اللَّيِّنُ،--------------------------------------------
= والدراسات النحوية في تفسير ابن عطية كلاهما للدكتور ياسين جاسم المحيمد. ط. دار إحياء التراث العربي- بيروت ط. الأولى 1422 هـ.
(1) انظر: الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي للدكتور عبد العال سالم مكرم 2/ القسم الثالث 3 - 245.
(2) البقرة 173.
(3) هي قراءة أبي جعفر المدني. انظر: اتحاف فضلاء البشر 1/ 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 779)
كما قال الشاعر (1):
ليس مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ … إِنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحياءِ (2)
فجمعَ بينَ اللُّغتينِ في بيتٍ واحدٍ، في معنى واحد. وقرأها بعضهم بالتشديد، وحَمَلوها على الأصل» (3). ثم أبانَ الطبريُّ عن رأيه في هاتين القراءتين فقال: «والصوابُ من القول في ذلك عندي أَنَّ التخفيفَ والتشديدَ في ياء (الميتةِ) لغتان وقراءتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأَيِّهما قرأَ ذلك القارئ فمصيبٌ؛ لأَنَّه لا اخْتلافَ في معنييهما». (4) وهذا استشهاد لغوي بالشعر على صحة هاتين القراءتين في لغة العرب، ووجودها في كلامهم، فوق صحة سندها وكونها قراءة مروية. (5)
ثانيًا: بيان المعنى اللغوي للقراءة.
من الاحتجاج للقراءات المتواترة من حيث اللغة بالشعر قول ابن عطية عند بيان أوجه القراءة في قوله تعالى: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} [التوبة: 57] (6): «وقرأ جُمهورُ الناس: {يَجْمَحُونَ} (7)، معناه: يُسرعونَ مُصمِّمينَ غيرَ مُنْثَنِيْن، ومنه قول مهلهل:
لقدْ جَمَحْتُ جِمَاحًا في دِمائِهمُ … حتى رأَيتُ ذَوي أَحسابِهِمْ خَمَدوا (8)». (9)--------------------------------------------
(1) هو عدي بن الرعلاء الغساني.
(2) انظر: الأصمعيات 152، معجم الشعراء 86.
(3) تفسير الطبري (هجر) 3/ 54 - 55.
(4) المصدر السابق 3/ 55.
(5) انظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 144، تهذيب اللغة 14/ 343.
(6) التوبة 57.
(7) قرأ الجميع {يَجْمَحُون}، وقرأ الأعمش عن أنس بن مالك (يَجْمَزُونَ) وهي بمعنى القراءة المتواترة. انظر: البحر المحيط 5/ 55، المحتسب 1/ 296.
(8) ليس في ديوانه المجموع، وهو من القصيدة المذكورة ص 27 في الديوان، وهو مما فات جامع الديوان لاكتفائه بِمَا ورد في العقد الفريد 5/ 220، ونِهاية الأرب 15/ 402.
(9) المحرر الوجيز 8/ 206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 780)
ومن هذا قيلَ للفَرَسِ المُسرِعِ إذا لم يَرُدَّهُ شيءٌ: جَمُوح، قال الأزهري: «فَرَسٌ جَموحٌ، له معنيان:
أحدُهُما: يُوضعُ مَوضعَ العَيبِ، وذلك إذا كان مِنْ عادتهِ رُكوبُ الرأَسِ لا يَثنيه راكبُهُ، وهذا من الجِمَاحِ الذي يُرَدُّ منه بالعيبِ.
والمعنى الثاني في الفَرَسِ الجَمُوحِ أَن يكونَ سريعًا نشيطًا مَرُوحًا، وليس بعيبٍ يُرَدُّ منه، ومصدره الجُمُوحُ». (1) وقد استشهد ابن عطية لبيان المعنى اللغوي لكلمة (يجمحون) في الآية بشاهد الشعر.
ومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات المتواترة وغيرها في قوله تعالى: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)} [ص: 63] (2): «وقرأَ الباقونَ (3) (سِخْرِيا) بكسرِ السِّينِ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابنِ مُحيصِنٍ، ومعناها المشهور من السُّخْرِ الذي هو الهُزْءُ. ومنه قول الشاعر (4):
إِنِّي أَتاني لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها … مِنْ عَلو لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ (5)». (6)
فقد استشهد ابن عطية لبيان معنى قراءة الكسر التي قرأ بها عدد من السبعة، بأَنَّها من السُّخْرِ الذي هو الاستهزاء بالشاهد الشِّعْرِي، وذهب الزجاج إلى أَنَّ (سِخْريَّا) بكسرِ السين وضمِّها لغتان بِمعنى واحد (7)، في--------------------------------------------
(1) تهذيب اللغة 4/ 168.
(2) ص 63.
(3) قرأ عبد الله بن مسعود وأصحابه ومجاهد والضحاك وأبو جعفر وشيبة والأعرج والمفضل عن عاصم وهبيرة ويحيى والأعمش ونافع وحمزة والكسائي وخلف {سُخْرِيَّا} بضم السين من السُّخْرَةِ والتَّسْخِيْر. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر وابن محيصن واليزيدي وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم {سِخْرِيَّا} بكسر السين من الهُزْءِ. انظر: النشر 2/ 329، معاني القرآن للفراء 2/ 243، حجة القراءات 491.
(4) هو الأعشى الباهلي يرثي المنتشر بن وهب الباهلي.
(5) انظر: خزانة الأدب 1/ 191.
(6) المحرر الوجيز 14/ 47.
(7) انظر: معاني القرآن وإعرابه 4/ 340.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 781)