Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌1 - عنايتهم برواية الشاهد الشعري والانفراد بالرواية:
انفرد بعض أصحاب كتب المعاني والغريب ببعض الشواهد الشعرية، أو برواية مختلفة لبعضها. ولا غرابة في ذلك لتقدمهم، وعدم وصول كتب المتقدمين في التصنيف عليهم. ولذلك فإن انفرادهم بهذه الشواهد أمرٌ طبيعيٌ لهذه الأسباب. ومن أمثلة ذلك في كتب غريب القرآن ومعانيه:
انفرد أبو عبيدة بروايةٍ لقول الشاعر:
لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لِخُصومَةٍ … ومُختبطٌ مِمّا تُطيحُ الطوائحُ (1)
فرواه هكذا:
لِيُبْكَ يزيدُ بائسٌ لِضَراعةٍ … وأَشعث مِمّا طَوَّحتهُ الطّوائحُ (2)
ونَسَبَ هذا الشاهدَ للشاعر نَهْشلِ بن حَرِّيِّ (3) في رثاء أخيه.
فأما اختلاف الرواية للبيت فهي كما هو ظاهر لم تتعرض لموضع الشاهد، وهو رفع (ضارعٌ) بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، لأنه لما قال: «لِيُبْكَ» دلَّ على أَنَّ ثَمَّ باكيًا، يَجبُ عليه أن يبكي، فكأَنَّه قال: يَبْكيهِ ضارعٌ ومُختِبطٌ، وهو من بابِ: ضُرِبَ زيدٌ، عمروٌ، كأنه لما قال: ضُرِبَ زيدٌ، قيل له: مَنْ ضَرَبَهُ؟ فقال: ضربه عمرو. (4) قال القيسي: «ومثله قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ} [النور: 36، 37] (5)--------------------------------------------
(1) انظر: الكتاب 1/ 288، المقتضب 3/ 282، الأصول لابن السراج 2/ 327، المحتسب 1/ 230، الإيضاح للقيسي 1/ 109، شرح المفصل 1/ 80، شرح التصريح 1/ 274، خزانة الأدب 1/ 147.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 349.
(3) هو نَهشلُ بنُ حَرِّيِّ نسبةً إلى الحَرَّةِ. انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي 1/ 109.
(4) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي 1/ 109.
(5) النور 36 - 37 قرأ بالبناء للمجهول (يُسَبَّحُ) ابن عامر وشعبة عن عاصم. وقرأ بالبناء للمعلوم (يُسَبِّحُ) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. انظر: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 722)

كأنه والله أعلم على تقدير: يُسبِّحُهُ فيها رجالٌ». (1)
وأما نسبة الشاهد فقد اختُلِفَ في نسبته، فنُسِب لنهشلِ بن حَرّيّ كما ذكر أبو عبيدة، ونُسب للحارث بن نَهِيك النَّهشليِّ، ونُسب لمُزَرِّدِ بن ضرارٍ أخي الشمّاخ، ونُسب إلى مُرَّةَ النَّهشليِّ، ونُسب إلى لبيدٍ وهو في الشعر المنسوب إليه، ونُسِب إلى الحارث بن ضرار النَّهشليِّ، وإلى ضرار النهشلي، وإلى مهلهل. (2)
ومِمّا يؤيدُ صحةَ نسبته لنهشلِ بن حرّيّ كما قال أبو عبيدة، أَنَّ أكثر المصادر قد نسبه له، وتصحيح البغدادي لهذه النسبة، وصحح هذه النسبة من المحققين الأستاذان عبد السلام هارون ومحمد عبد الخالق عضيمة رحمهما الله.

‌‌2 - ردُّهم للشواهد المصنوعة:
يُعَدُّ عصرُ أبي عبيدة عصرَ الرواية والرواة، وقد كان أبو عمرو بن العلاء من شيوخه الكبار، وكان أبو عمرو بن العلاء طريقًا لرواية أكثر شعر العرب الموثوق به عند العلماء. وقد اعترف أبو عمرو بن العلاء في مرض موته ليونس بن حبيب أنه لم يكذب في شيء رواه عن العرب من الشعر. ولم يزد فيه شيئًا إلا بيتًا واحدًا، زاده في قصيدة الأعشى العينية، وهو قوله:
فأَنْكرتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ … من الحوادِثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلَعا
قال أبو عبيدة: «قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب فأتوب إلى الله منه». (3)--------------------------------------------
= التيسير 162، السبعة 456، معاني القرآن للفراء 2/ 253، إعراب القراءات السبع وعللها 2/ 110، الدر المصون 5/ 221، الحجة 5/ 325.
(1) إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 109 - 110.
(2) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي 1/ 109.
(3) مجاز القرآن 1/ 293.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 723)

والغريبُ أَنَّ أبا عبيدة قد استشهد بهذا البيت في كتابه، على أن قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] (1) بمعنى أنكرهم، وأَنَّ (نَكِرَهم) و (أَنكرَهم) سواء في المعنى بناءً على هذا الشاهد. ويُمكن تعليلُ ذلك بأحد أمرين:
الأول: ثقته في لغة أبي عمرو بن العلاء، واعتبارها حُجةً.
الثاني: أَنَّه يعلمُ من لغة العرب وشعرها ما يدلُّ على صحة هذا من غير هذا الشاهد، وإنَّما أورده استئناسًا به؛ لشهرته منسوبًا للأعشى، وصحته من حيث اللغة.
وقد استشهد الطبريُّ على هذه اللفظة بالشاهد المنسوب للأعشى ومعه بيت أبي ذؤيب الهذلي من قصيدته العينية:
فَنَكِرنَهُ فَنَفَرنَ وَاِمتَرَسَت بِهِ … سَطعاءُ هادِيَةٌ وَهادٍ جُرشُعُ (2)
مِمّا يدل على معرفة الطبري بأن هذا البيت في نسبته للأعشى شك لاطلاعه على كلام أبي عبيدة، ولذلك جَمَع معه بيتَ أبي ذؤيب. وقد جاء هذا اللفظ في شِعْرِ الكميتِ بن زيدٍ الأَسَديِّ في قوله:
لا هَؤلاءِ اجتَوَت ولا نَكِرت … ولا عَلَى هؤُلاكَ تَنتَحِبُ (3)
ثُمَّ كَثُرَ هذا الاستعمالُ في شعرِ العباسيين المُحدثين، كأبي تَمّام، ومسلم بن الوليد، وابن المعتز، ودِعْبِل الخزاعي، ومهيار الديلمي وغيرهم (4)، وهؤلاء لا يُحتجُّ بشعرهم في اللغة.
وينفرد أبو عبيدة بسعة علمه بالشعر وأخبار الشعراء، ولذلك يتوقف كثيرًا عند أسماء الشعراء أو ألقابهم فيشرحها ويبين المقصود بها. ومن ذلك قوله: «قال الشمّاخُ وهو الرجل المُتَكَبِّر». (5)--------------------------------------------
(1) هود 70.
(2) انظر: ديوان الهذليين 1/ 8.
(3) انظر: ديوانه 3/ 198 من الهاشمية الثالثة.
(4) انظر: ديوان أبي تمام 3/ 272، ديوان مسلم بن الوليد 330، ديوان ابن المعتز 289، ديوان دعبل 138، ديوان مهيار 4/ 508.
(5) مجاز القرآن 1/ 209.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 724)

‌‌المبحث السادس: الفرق بين منهج أهل المعاني والغريب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري في التفسير.
كان السابقُ من المفسرين للاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم هو حبْرُ الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد تقدم تفصيل ذلك عند الحديث عن مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس. ورغم ما قيل في تضعيف عدد من هذه المسائل إلا أنَّ أصل وقوعها ثابت، ومعرفة ابن عباس بالتفسير والشعر تؤيدُ قبول جزء من هذه المسائل، مِمّا يعني صحة المنهج الذي سار عليه دون إفراطٍ، ومِمّا يدل على ذلك أن تلاميذه كعكرمة وزيد بن أسلم وغيرهم من التابعين وأتباعهم كانوا يسيرون على المنهج ذاته، غير أنهم لم يكونوا في العلم بالشعر في مرتبة ابن عباس رضي الله عنهما، ولذلك لم يظهر الشعر كثيرًا في تفسيراتهم كابن عباس.
ثم لم تزل طبقات المفسرين تتابع بعد ذلك، حتى جاء أبو أبو عبيدة في نهاية القرن الثاني الهجري فصنف كتابه «مجاز القرآن» وهو في السبعين من عمره نحو سنة 188 هـ، واتخذ الاستشهاد بالشعر خاصة، ولغة العرب بصفة عامة منهجًا سار عليه في معظم كتابه، وإن لم يُخْلِهِ تَمامًا من الاستشهاد بالقرآن نفسه، أو بالسنة وأقوال السلف في بعض المواضع، فاستقبل العلماءُ في عهدهِ كتابَهُ بالرفضِ والإنكار، وكثرت النقولُ عنهم في ذلك وقد تقدم ذكرها في البحث، غير أنه لم يلبث العلماء أن ساروا على هذا المنهج، ودرسوا كتابه «مجاز القرآن»، ودَرَّسوه لتلاميذهم، ونقلوا شواهده وتفسيراته، وتعقبوه في كثير منها،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 725)

وأكثر الطبري من ذلك في تفسيره، وابن عطية الأندلسي، وكتب علي بن حَمزةَ البصري كتابًا في التنبيه على أغلاط أبي عبيدة في كتابه المَجاز. (1) وعلى الرغم من هذا النقد فإن أبا عبيدة: «قد أسس مدرسة في تفسير القرآن، عمدتها الأولى الفقه بالعربية وأساليبها». (2) وقد اعتمد على كتاب أبي عبيدة «ابنُ قتيبة في كتابه المشكل والغريب، والبخاري في الصحيح، والطبري في تفسيره … واستفاد منه أبو عبد الله اليزيدي (ت 311 هـ) في كتابه غريب القرآن، والزجاج في معانيه، وابن دريد في الجمهرة، وابن النحاس في معاني القرآن، والأزهري في التهذيب، وأبو علي الفارسي في الحجة، والجوهري في الصحاح … ومن أهم من استفاد من كتاب المجاز من المتأخرين ابن حجر العسقلاني في فتح الباري». (3)
وقد بدأ الاستشهاد بالشعر في التفسير على يد أبي عبيدة بدايةً قويةً، ثُمَّ رجعَ المفسرون بعد ذلك إلى التوسط في الاستشهاد بالشعر، واستفادوا منه في تجلية المعاني اللغوية للمفردات القرآنية وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه بالتفصيل في الفصل الأخير من هذا الباب. وكان للطبري جهدٌ متميز في ذلك سَبَقَ الحديثُ عنه، ودونه في ذلك ابن عطية والزمخشري والقرطبي وغيرهم.
وعند العودة بمنهج الاستشهاد بالشعر إلى أصوله الأولى، يأتي أبو عمرو بن العلاء البصري على رأس أئمة اللغة والإقراء الذين حرصوا على منهج التأصيل لعلوم اللغة، وتوظيفها توظيفًا صحيحًا في فهم القرآن--------------------------------------------
(1) حَقَّقَ عبد العزيز الميمني ما تبقى من كتاب (التنبيهات على أغاليط الرواة) لعلي بن حمزة البصري، عن نسخته الوحيدة بدار الكتب المصرية، وطبعته دار المعارف بالقاهرة عام 1387 هـ، وقد فقد الجزء الذي فيه التنبيه على أغلاط أبي عبيدة في مجاز القرآن.
(2) من مقدمة كتاب الزينة لأبي حاتم 18
(3) من مقدمة مجاز القرآن للمحقق 17

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 726)

الكريم، واستخدام الشعر كوسيلة علمية للتحقق من فصاحة اللغة وسلامة التراكيب، وتدريب طلابه على ذلك، وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أحذق طلابه، حيث صحبه أبو عبيدة ما يزيد عن الثلاثين عامًا، واستنفد علمه، وقرأ عليه شعر الشعراء، ومنه شعر الأعشى الذي كان يقدمه أبو عمرو ويحث طلابه على العناية بشعره. وقد أخذ عنه أبو عبيدة منهجه في الاحتجاج بالشاهد الشعري للقراءة وتوجيهها في اللغة. والأخبار التي نقلت عن أبي عمرو بن العلاء لم يحفظ منها إلا القليل وهي لا تكفي لسد حاجة الباحث عن تفاصيل منهجه في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، غير أن هناك أمثلة يمكن القياس عليها.
ومن أمثلة تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه في تفسير القرآن الكريم ما رواه المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: {لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] (1)، وأنه سأل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغةٌ فصيحةٌ … واستشهد لها بقول المُمَزَّقِ العبديِّ:
وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا … نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (2)
ومِنْ تأثِّرهِ بشيخهِ ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54] (3) حيث قال: «قومٌ يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها، ويقول: إنها إن أضيفت لم تكن إلا بنونين؛ لأنها في موضع رفع، فاحتج من أضافها بغير أن يلحق فيها نونًا أخرى بالحذف، حذف أحد الحرفين إذا كانا من لفظٍ واحدٍ، قال أبو حية النميري:
أَبالمَوتِ الذي لا بُدَّ أَنَّي … مُلاقٍ لا أَباكِ تُخوِّفِيْنِي (4)--------------------------------------------
(1) الكهف 77. وهذه قراءة أبي عمرو.
(2) تقدم تخريجه وشرحه، وانظر: مجالس العلماء للزجاجي 333.
(3) الحجر 54.
(4) انظر: الأغاني 15/ 61، سمط اللآلي 97.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 727)

ولم يقل: تُخَوِّفينَنِي. لا أباك: أي لا أبا لك، فجاء بقول أهل المدينة. وقال عمرو بن معد يكرب:
تراهُ كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا … يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي (1)
أرادَ: فَلَيْنَنِي، فحذف إحدى النونين». (2)
وهناك أمثلة أخرى تدل على تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو بن العلاء (3)، غير أن منهجه الذي سار عليه في «مجاز القرآن» من أوضح الأدلة على تأثره بهذا الإمام اللغوي الكبير، الذي يعد شيخ أبي عبيدة الأول.
وهناك غير أبي عمرو بن العلاء من شيوخ أبي عبيدة الذين كانوا يستشهدون بالشعر في بيان معاني الآيات كيونس بن حبيب، وأبي سوار الغنوي الذي أخذ عنه أبو عبيدة الشعر، فقد ذكر المازني تلميذ أبي عبيدة أنه قرأ على أبيه وهو غلام قوله تعالى: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43] (4) فقال أبو سوار … (فَتَرى الوَدْقَ يَخرجُ مِنْ خَلَلِهِ)، فقال الأب: مِن خَلَلِهِ قراءة؟ فقال أبو سوار: أما سَمعتَ قولَ الشاعر (5):
بَنَيْنَ بِغَمْرةٍ فَخَرَجْنَ منها … خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (6)
وبعد أبي عبيدة استمر هذا المنهج العلمي في الاستشهاد بالشعر ظاهرًا في كتب التفسير والغريب والمعاني حتى اليوم، وتفاوتت كتب التفسير في الاعتماد على شواهد الشعر في بيان معاني الألفاظ والتراكيب--------------------------------------------
(1) الثَّغامُ نبت له نَورٌ أبيضُ يُشَبَّهُ به الشَّيْبُ، الواحدةُ ثَغامة، يُعَلُّ: يُطيَّبُ شيئًا بعد شيء، والفاليات: جَمع فاليةٍ، وهي التي تَفْلي الشَّعَرَ أي: تُخرِجُ القَمْلَ منه. انظر: ديوانه 180.
(2) مجاز القرآن 1/ 352 - 353.
(3) انظر: مجاز القرآن 1/ 152، 287، أخبار النحويين البصريين 22.
(4) النور 43.
(5) هو زيد الخيل الطائي رضي الله عنه.
(6) الغَمْرَةُ: شدةُ الأَمرِ وضيقهُ، والوَدْقُ: المطر. انظر: لسان العرب 15/ 256 (ودق)، 10/ 177 (غمر)، أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى 156.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 728)

بحسب منهج المفسر الذي سار عليها، ومدى علمه بالشعر واللغة. فكثر ذلك في بعضها، وقلَّ في بعضها الآخر.
ونظرًا للتأثر المتبادل بَيْن العُلماءِ المشتغلين بعلم واحد أو علوم متقاربة كعلوم اللغة والتفسير، فإن المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه الذين شملتهم هذه الدراسة وهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة على وجه الخصوص كان لهم ريادة علمية في الجوانب التي صنَّفوا فيها مِمّا له صلة بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. وقد تأثر بهم المفسرون الذين جاءوا بعدهم، وكان لأسمائهم والنقول عنهم ظهور واضح في كتب التفسير.
ولذا لا يُمكن الجزم بوجودِ فروقٍ بين منهج أصحاب كتب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» من جهة، والمفسرين من جهة أخرى في الاستشهاد بالشعر وتوظيفه في التفسير، وإِنّما يُعَدُّ منهجُ المفسرين الذين شملهم البحث امتدادًا وتَهذيبًا لمنهج أصحاب معاني القرآن وغريبه. غير أنه يمكن الوقوف عند بعض السِّماتِ المميزة لتلك الكتب في الاستشهاد بالشعر، والتماس بعض الفروق من خلالها، ومن تلك السِّماتِ التي تَمكنتُ من ملاحظتِها ما يلي:

‌‌أولًا: التقدم الزمني لكتب الغريب والمعاني.
سبق المصنفون في غريب القرآن، ومعاني القرآن المفسرين من حيث الزمن والتصنيف، وطبيعة بداية التصنيف في أي علم من العلوم يعتريها النقص، وتكثر التعقبات والملحوظات عليها حتى تكتمل هذه المناهج، وتستوي على سوقها.
ومن أوضح الأمثلة على هذا سَبْقُ أبي عبيدة في تصنيف كتابه «مجاز القرآن»، ثم تلاه الأَخفشُ فصنَّف كتابه «معاني القرآن»، وبعده الفراء في كتابه «معاني القرآن» ثم ابن قتيبة بعدهما. حيث بدأ هذا المنهج في الاستشهاد بالشعر في التفسير يتكامل، وتلقاه العلماء بالقبول،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 729)

فجاء المفسرون بعد ذلك وأبرزهم أبو جعفر الطبري ووجد أمامه عددًا من المصنفات في لغة القرآن ونحوه، وأهمها كتب أبي عبيدة، والأخفش، والفراء وابن قتيبة، فشرع في تصنيف تفسيره عام 283 هـ، وفرغ منه عام 290 هـ (1)، فاستطاع ابن جرير لسعة علمه بما قاله السلف في التفسير من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم معرفته الواسعة باللغة، وجَمعهِ ما قاله قبله هؤلاء العلماء في مصنفاتهم، أن يتخذ لنفسه منهجًا متكاملًا في التفسير، أصبح سِمَةً بارزةً بعده، جَمَعَ فيه بين أقوال السلف في التفسير، والاحتجاج لها بلغة العرب وشعرها، وإعماله لرأيه الخاص في هذه الثروة العلمية التفسيرية بطريقة منهجية منظمة، فاستحق بذلك أن يكون شيخ المفسرين، ولذلك وصف تفسيره بأنه أجل التفاسير وأعظمها (2)، وقيل عنه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا. (3) وتتبع السيوطي كتب التفسير حتى وصل إلى الطبري فجعله طبقةً وحده، ثم قال: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يُعوِّلَ عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المُعتَبَرون أَنَّهُ لم يؤلف في التفسير مثله». (4)
وجاء بعده الزمخشري فبدأ في تفسيره عام 526 هـ وفرغ منه عام 528 هـ (5)، وصنف ابن عطية تفسيره عام 540 هـ، وصنف القرطبي تفسيره قبل عام 670 هـ.
وهذا السبق في التصنيف ليس منهجًا وإنما هو عُذْرٌ وربما سبب في المبالغة في التعويل على الشاهد الشعري عند المتقدمين كما فعل أبو--------------------------------------------
(1) انظر: معجم الأدباء 18/ 42.
(2) انظر: الإتقان في علوم القرآن 4/ 242.
(3) انظر: تاريخ بغداد 2/ 163.
(4) الإتقان في علوم القرآن 4/ 244.
(5) انظر: الكشاف 1/ 3، 2/ 570.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 730)

عبيدة وغيره، ولذلك ذكرته هنا لمعرفة طبيعة الاستشهاد عن هؤلاء العلماء، ومدى تأثر المفسرين بهم بعد ذلك.

‌‌ثانيًا: رواية أصحاب الغريب والمعاني للشعر عن العرب.
وهذا أيضًا يدخل تحت العنصر السابق، وهو تقدم زمن أصحاب الغريب والمعاني، حيث كان من أوجه تفرد هؤلاء المصنفين أنهم أدركوا كثيرًا من الأعراب الفصحاء الذين روى عنهم اللغويون لغة العرب، واستشهدوا بشعرهم الذي يروونه ويقولونه في اللغة، وتميز أبو عبيدة والأخفش والفراء بذلك.
في حين لم يدرك المفسرون الذين شملتهم الدراسة منذ الطبري حتى القرطبي أحدًا مِمّن يُحتجُّ بقوله ويرجع إلى كلامه في اللغة. وهذا ما جعل للشواهد الشعرية التي رواها أصحاب الغريب والمعاني قيمةً احتجاجيةً كبيرةً استفاد منها المفسرون بعد ذلك، وهذا جانب يحسب لأصحاب المعاني والغريب حيث حفظوا للمفسرين ثروة كبيرة من الشواهد اللغوية من الشعر والنثر، تم توظيفها بعد ذلك من قبل المفسرين في كتبهم.

‌‌ثالثًا: الشواهد الشعرية في كتب التفسير أكثر منها في كتب الغريب والمعاني.
يعد هذا نتيجة لما تقدم من الحديث عن سبق أصحاب الغريب والمعاني للمفسرين زمنيًا، فجاء المفسرون بعد ذلك وأودعوا هذه الشواهد في تفاسيرهم مع زيادة الشرح والبيان، وإيراد معظم شواهد المتقدمين والإضافة عليها كما فعل الطبري في تفسيره. وأكثر من استشهد بالشواهد الشعرية من أصحاب الغريب والمعاني هو أبو عبيدة فقد بلغت شواهده 952 شاهدًا، في حين كان الزمخشري أقل من استشهد بشواهد الشعر قد بلغت شواهده ما يقارب هذا العدد، أما أقل أصحاب الغريب فهو ابن قتيبة 182 شاهدًا، وأكثر المفسرين وهو القرطبي بلغت شواهده 4807 شواهد شعرية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 731)

‌‌المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن
الغَرَضُ في اللغة هو الشيءُ الذي يُنصبُ فيُرمى فيه. (1) والمقصود به هنا بيانُ الأهداف التي أرادها أصحابُ كتبِ غَريبِ القرآن ومعاني القرآن من إيرادهم شواهد الشعر في كتبهم عند تفسيرهم للآيات القرآنية.
وقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب الكلام عن أغراض المفسرين من إيراد الشاهد الشعري في كتب التفسير بشيءٍ من التفصيلِ، وهي الأغراض نفسها التي أورد أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه الشاهد الشعري من أجلها في كتبهم. فلذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث لتلك الأغراض تجنبًا للتكرار، مع إيراد الأمثلة من كتب الغريب والمعاني.

‌‌الغرض الأول: الاستشهاد.
وهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها. (2)
وهذا الغرض هو أوسع الأغراض التي ورد الشاهد الشعري من أجلها في كتب غريب القرآن ومعانيه، نظرًا لطبيعة هذه الكتب والحاجة--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة 8/ 7، لسان العرب 10/ 53 (غرض).
(2) انظر: لسان العرب 7/ 223 (شهد).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 732)

الماسة للاحتجاج فيها سواء كان هذا الاحتجاج بالشعر أو بغيره. لأنها كتب تشرح المعاني اللغوية للألفاظ والتراكيب، والحاجة قائمة للرجوع في ذلك إلى ما يعتبره العلماء حجة تؤيد هذا القول أو ذاك. فحرص المصنِّفُ على أن يكون قوله الذي يقوله في معنى الآية أو اللفظة مقرونًا بالحجة المقبولة عند العلماء على مثل هذه المسألة. ويدخل تحت غرض الاستشهاد بالشعر في كتب الغريب والمعاني، الصور التالية:

‌‌أولًا: الاستشهاد اللغوي.
والمقصود به الشاهد الشعري الذي يستشهد به في إثبات الدلالة اللغوية. وشواهد الشعر في كتب غريب القرآن معظمها من هذا النوع، مثل غريب القرآن لابن قتيبة، فالشواهد الشعرية التي وردت فيه شواهد لغوية، وعددها 182 شاهدًا. وأَمّا شواهد الشعر في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فنسبة الشاهد اللغوي فيها أكثر من 95 % من شواهده، وقد تقدم أن الشاهد الشعري اللغوي يُمثِّلُ أغلب شواهد المفسرين أيضًا كالطبري، وابن عطية، والقرطبي. ومن أمثلة الاستشهاد اللغوي في كتب غريب القرآن:
1 - عند بيان أبي عبيدة لمعنى قوله تعالى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] (1) قال شارحًا للمقصود بالبنان: «وهي أطرافُ الأصابعِ، واحدتُها بَنانَةٌ، قال عباس بن مرداس:
أَلا لَيْتَني قَطَّعْتُ مِنِّي بَنانَةً … ولا قيتُهُ في البيتِ يقظانَ حاذِرا
يعني أَبا ضَبٍ رجلًا من هذيلٍ قتلَ هُريْم بنَ مِرْداسٍ وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع». (2) فقد شرح المقصود بالبنان، وأنه أطراف الأصابع، ثم استشهد بشاهد من الشعر يشهد لهذه الدلالة اللغوية، ويشهد أيضًا أن المفرد منها «بنانة».--------------------------------------------
(1) الأنفال 12.
(2) مجاز القرآن 1/ 242 - 243.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 733)

2 - وعند أبي عبيدة أيضًا في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ} [التوبة: 58] (1) قال: «أي: يعيبون». ثم استشهد على صحة هذا التفسير بقول زياد الأعجم:
إذا لَقيتُكَ تُبْدي لي مُكاشَرةً … وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ العائبُ اللُّمَزَهْ (2)
ففَسَّر اللَّمْزَ بأَنَّه العيبُ، واستدلَّ بقولِ زياد الأعجم على صحة تفسيره، وقد استشهد أبو عبيدة مرة أخرى بهذا الشاهد مع تغيير طفيف في الرواية لا تَمَسُّ موضعَ الشاهد هنا، عند تفسيره لقوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)} [الهمزة: 1] (3)، حيث فَسَّرَ الهُمَزَةَ فقال: «الهُمَزَةُ: الذي يغتابُ الناسَ ويَغُضُّهُم. قال الأعجم:
تُدْلي بُودِّي إذا لا قَيتَنِي كَذِبًا … وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ». (4)
فقد اختلف صدر الشاهد تمامًا، وأضاف في عجزه كلمة «الهامز» بدلًا من «العائب» ليستشهد على معنى الهُمَزَة. وأبو عبيدة وغيره يكررون الشواهد الشعرية بروايات متقاربة في مواضع من مصنفاتهم، مما يشير إلى أنهم كانوا يعتمدون على حفظهم في تصنيف هذه المؤلفات، ولا يرجعون فيها إلى دواوين مكتوبة إلا نادرًا. فالأخفش والفراء والطبري أملوا كتبهم على تلاميذهم كما ذكر الذين ترجموا لهم.
3 - وأَمّا ابن قتيبة فمن أمثلة الشاهد اللغوي عنده أنه عند تفسيره لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] (5) قال: «أي بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جعلَ لي عَهْدًا؛ قال الحطيئة:
قَومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهِمُ … شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا (6)». (7)
وقد استشهد المفسرون واللغويون بهذا الشاهد الشعري للحطيئة--------------------------------------------
(1) التوبة 58.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 263، والبيت في الأغاني 14/ 98.
(3) الهمزة 1.
(4) مجاز القرآن 2/ 311.
(5) المائدة 1.
(6) انظر: ديوانه 15.
(7) غريب القرآن 138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 734)

على أنَّ العَقْدَ في اللغةِ هو العَهْدُ والميثاق. فاستشهد به أبو عبيدة، والطبريُّ، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، والأزهري، وابن منظور وغيرهم. (1) وهو من الشواهد التي تعاقب العلماء على الاستشهاد بها على هذا المعنى، وأمثلتة توارد العلماء على الاستشهاد بشاهد واحد على معنى كثيرة، فهم ينقلون الشاهد عن بعضهم، مما يدل على وحدة مصادر الاستشهاد بالشعر عن الرواة الأوائل كأبي عبيدة والأصمعي وغيرهما كما تقدم تفصيل ذلك في بيان مصادر الشاهد الشعري.
4 - ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في بيان معنى {الْمِحَالِ} في قوله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] (2): «أَي: الكيدُ والمَكْرُ. وأَصلُ المِحالِ: الحِيْلَةُ، والحَوْلُ: الحِيلةُ. قال ذو الرمة:
وَلَبَّسَ بَيْنَ أَقوامٍ فَكلٌّ … أَعَدَّ لَهُ الشَّغازِبَ والمِحالا (3)». (4)
قال الباهلي شارح ديوان ذي الرمة في شرح هذا البيت: «اللَّبْسُ: الاختلاط … والمِحالُ: الجِدالُ، قال الله عَزَّوَجَلَّ: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}، وأصلهُ المُكاظَّةُ والأَخذُ بالنَّفَسِ». (5) فقد استشهد شارح الشاهد بالآية، واستشهد ابن قتيبة في شرح الآية بالشعر، وهذا دليل على ترابط العلوم اللغوية والتفسير، وحاجة كل منهما للآخر. والأمثلة كثيرة على الشاهد الشعري اللغوي عند ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن.--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 145، غريب القرآن لابن قتيبة 138، تفسير الطبري (هجر) 8/ 7 - 8، الجامع لأحكام القرآن 6/ 32، المحرر الوجيز 5/ 8، الكشاف 2/ 190، تهذيب اللغة 1/ 197، لسان العرب 9/ 309 (عقد)
(2) الرعد 13.
(3) في غريب القرآن المطبوع «وليَّسَ» بالياء، وفي بقية المصادر والديوان «ولبَّسَ». ورواية الديوان:
ولَبَّسَ بين أقوامٍ فَكُلٌّ … أَعَدَّ لَهُ السِّفارَةَ والمِحالا
انظر: ديوانه 3/ 1544.
(4) غريب القرآن 226.
(5) شرح الباهلي لديوان ذي الرمة 3/ 1544.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 735)

-‌‌ الاستشهاد لإيضاح غريب التفسير لا غريب القرآن:
قد يُفسر المؤلفُ لفظةً قرآنية، ويرد في أثناء كلامه وشرحه لها لفظة غريبة، فيستطرد المؤلف يشرحها وإيراد شاهد من الشعر يؤيد شرحه. وقد صنع ذلك أبو عبيدة وغيره، فإنه يشرح اللفظةَ الغريبة بكلامٍ من عنده، غير أنه يرد في شرحه لفظةٌ غريبةٌ، فيشرحها مستشهدًا على ذلك بالشعر.
ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة في شرح قوله تعالى: {أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] (1): «شديد الخصومة، ويقال للفاجر: أَبَلُّ وأَلَدُّ، ويقال: قد بلَلْتَ ولَدِدْت بعدي، مصدرهُ اللَّدَدُ، والجميع: قَومٌ لُدُّ، قال المُسيَّبُ بن عَلَس:
أَلا تَتقونَ اللهَ يا آلَ عامرٍ … وهلْ يَتَّقي اللهَ الأَبَلُّ المُصَمِّمُ (2)». (3)
فهو قد شرح معنى (الأَلَدِّ) في الآية بأَنَّهُ شديد الخصومة. غير أَنَّهُ شرح قول العرب للفاجر: أبلّ ألدّ مستشهدًا على ذلك بالشعر.
وأما أصحاب كتب معاني القرآن فقد ورد الشاهد الشعري اللغوي كثيرًا في كتبهم، ولكنه لم يكن غالبًا عليها، كما في معاني القرآن للفراء والأخفش والزجاج. ومن أمثلة الشاهد اللغوي في كتب المعاني ما يلي:
1 - في تفسير الإيفاض في قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)} [المعارج: 43] (4) قال الفراء: «الإيفاض: الإسراع. وقال الشاعر (5):
لأَنْعَتَنْ نَعامَةً مِيْفاضا … خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطلبُ الإِضاضا (6)
قال: الخَرْجاءُ في اللَّونِ، فإذا رُقِعَ القميصُ الأبيضُ برُقعةٍ حَمراءَ--------------------------------------------
(1) البقرة 204.
(2) انظر: ديوانه 135.
(3) مجاز القرآن 1/ 71.
(4) المعارج 43.
(5) لم أقف عليه.
(6) انظر: تهذيب اللغة 12/ 82، تفسير الطبري (هجر) 23/ 285.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 736)

فهو أَخْرَج، تطلبُ الإضاضا: أَي تطلبُ مَوضعًا تدخلُ فيه، وتلجأُ إليه». (1)
2 - وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)} [الرحمن: 35] في تفسير معنى النحاس: «الشُّواظُ: النارُ المَحضَةُ، والنُّحاسُ: الدُّخانُ. أنشدني بعضهم:
يُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ … ـطِ لَمْ يَجْعلِ اللهُ منهُ نُحاسا (2)». (3)
3 - ومن أمثلة الشاهد اللغوي في معاني القرآن للأخفش قوله: «قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)} [الغاشية: 25] (4)، وهو الرجوع، قال الشاعر (5):
فأَلْقَتْ عصاها واستَقرَّتْ بِها النَّوَى … كما قَرَّ عَيْنًا بالإِيابِ المُسافِرُ (6)». (7)
وهناك غرض يدخل في هذا وهو الاستشهاد بالشعر لغرض تأكيد الفهم الصحيح لشاهد شعري آخر، يكون عرضة لاختلاف الرواية في بعض مفرداته، ويمكن التمثيل له بقول ابن قتيبة عندما روى عن أبي حاتم السجستاني قول أمية بن أبي الصلت:
عَسَلٌ ما ومِثْلُهُ عُشَرٌ مَا عائِلٌ ما وعالتِ البَيْقُورا (8)
فعقَّب ابن قتيبة على رواية أبي حاتم بقوله: «هكذا رواهُ «عَسَلُ ما»، وإِنَّما هو «سَلَعٌ ما» … والدليلُ على أَنَّ الروايةَ «سَلَعٌ ما»، قولُ الآخرِ (9):
أَجاعِلٌ أنتَ بَيقُورًا مُسَلَّعَةً … ذَريعةً لكَ بَيْن اللهِ والمَطَرِ (10)». (11)--------------------------------------------
(1) معاني القرآن 3/ 186.
(2) البيت للنابغة الجعدي.
(3) تقدم تخريجه.
(4) الغاشية 25.
(5) هو مُعَقِّرُ بن حِمار البارقي.
(6) انظر: الأغاني 11/ 160.
(7) معاني القرآن 1/ 213.
(8) تقدم تخريجه وشرحه ص 375.
(9) هو الشاعر الورل الطائي.
(10) انظر: لسان العرب 5/ 140، شعراء طي وأخبارها 2/ 496.
(11) تأويل مشكل القرآن 94 - 65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 737)

فاستدل بشاهد شعري على صحة رواية شاهدٍ آخر، ومثل هذا المثال ليس بالكثير في كتب المعاني.
ومثله قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)} [الأعراف: 201] (1) حيث فسر الطائف بأَنَّهُ اللَّمَمُ، واستشهد بقول الأعشى:
وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وكأَنَّما … أَلَمَّ بِها مِنْ طائفِ الجِنِّ أَولَقُ (2)
ثم بين أن اسم الفاعل طائف مأخوذ من الفعل طاف يطيف، لا من طاف يطوف، فقال: «وهو من طفت أطيف طيفًا، قال (3):
أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخيالُ يَطِيفُ … ومَطافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُغُوفُ (4)». (5)
فقد استشهد أبو عبيدة بشاهد شعري آخر ليبين أصل اشتقاق كلمة في شاهد شعري آخر، وهذا غرض من أغراض إيراد الشواهد الشعرية لإيضاح بعضها.
- كثرة إيراد الشاهد الشعري:
من المواطن التي يكثر فيها أهل المعاني والغريب الاستشهاد بالشعر:
1 - مواطن الخلاف أو المناظرة العلمية، أو الردود. ومن ذلك قول الأخفش: «وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)} [فصلت: 37] (6) لأَنَّ الجماعةَ منْ غَيْرِ الإنس مؤنثةٌ، وقال بعضهم: للذي خلق الآيات، ولا أراه قال ذلك إلا لجهله بالعربية. قال الشاعر (7):
إِذْ أَشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعو بعضَ أُسْرَتِهِ … إلى الصِّياحِ وهُمْ قومٌ مَعازِيلُ (8)--------------------------------------------
(1) الأعراف 201.
(2) انظر: ديوانه 271.
(3) هو كعب بن زهير رضي الله عنه.
(4) انظر: ديوانه 113.
(5) مجاز القرآن 1/ 236 - 237.
(6) فصلت 37.
(7) هو عبدة بن الطبيب.
(8) انظر: المفضليات 143.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 738)

فجعل الدجاج قومًا في جواز اللغة، وقال الآخر وهو يعني الذئب:
وأَنْتَ امرؤٌ تَعْدو على كُلِّ غِرَّةٍ … فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصيبُ (1)
وقال الآخر (2):
فَصَبَّحَتْ والطَّيْرُ لَمْ تَكَلَّمِ … جابيةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفْعَمِ (3)». (4)
2 - ومن مواطن إكثار الاستشهاد بالشعر غرابة اللفظة، وقد بَيَّنَ الزجاجُ في كتابه «معاني القرآن وإعرابه» عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 25] (5): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (6) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: {أَلا يا سْجُدوا} بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ:
أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا … ولا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (7)
وقال الأخطل:
أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ … وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ (8)
وقال العجاج:--------------------------------------------
(1) البيت لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني. انظر: خزانة الأدب 9/ 153.
(2) لم أقف عليه.
(3) الجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. انظر: دلائل الإعجاز 136.
(4) معاني القرآن للأخفش 1/ 394 - 395.
(5) النمل 25.
(6) قرأ بها من العشرة أبو جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب، وقرأ بها ابن عباس والزهري وغيرهم. انظر: السبعة 480، الكشف عن وجوه القراءات 2/ 156، حجة القراءات 526.
(7) الجَرْعَاءُ من الرَّمْلِ رَابيَةٌ سَهْلَةٌ لَيّنَةٌ. ديوانه 1/ 559 - 560.
(8) انظر: ديوانه 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 739)

يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي … عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (1)
وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (2) وهو يعني بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة مَعْمَرَ بنَ المُثَنَّى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (3)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (4)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (5)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده. (6) غير أَنَّ الشواهد اللغوية في كتب «معاني القرآن» ليست كثيرة، ولا سيما في معاني القرآن للأخفش، فيغلب عليها الشاهد النحوي كما سيأتي.

‌‌ثانيًا: الاستشهاد النحوي.
وهو الاستشهاد بالشعر لإثبات قاعدة نحوية، أو بيان ما خرج عنها أو غير ذلك. وهي الشواهد الغالبة في معاني القرآن للفراء، والأخفش. ومعظم شواهد الكوفيين النحوية هي التي أوردها الفراء في معاني القرآن، وعنه نقلت تلك الشواهد في كتب التفسير وكتب النحو. وقد نقل الطبري في تفسيره شواهد الكوفيين عن الفراء، ونقل أكثر شواهد البصريين عن الأخفش.
والفراء كان من أعلم الكوفيين بعد الكسائي بالنحو، وأبرعهم في علمهم (7)، وقد ذكر له ابن النديم كثيرًا من الكتب التي صنفها في النحو--------------------------------------------
(1) سَمْسَم بلد من بلاد تميم، أو كثبات رمل. ورواية الديوان للشطر الثاني من الرجز:
بِسَمْسَمٍ أو عَنْ يَميْنِ سَمْسَم
انظر: ديوانه 278.
(2) معاني القرآن 4/ 115 - 116.
(3) انظر: مجاز القرآن 2/ 93 - 94.
(4) انظر: معاني القرآن 2/ 465.
(5) انظر: معاني القرآن 2/ 290.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 18/ 41.
(7) انظر: نزهة الألباء 101، طبقات النحويين واللغويين 143.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 740)

مثل كتاب الحدود، والمقصود والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو، ومختصر في النحو، ومعاني القرآن، وغيرها. (1) ولذلك فإنه يعد زعيم المدرسة الكوفية في النحو بعد الكسائي، وقد جمع الفراء إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي، وعن يونس بن حبيب البصري، حتى لقب بأمير المؤمنين في النحو.
ويُعَدُّ كتابه «معاني القرآن» أوفى كتبه وأكبرها، وأجمعها لآرائه النحوية «فهو يُعْتَبَرُ - بِحَقٍّ - المرجعَ الأوفى لنحو الكوفيين ومذهبهم، وهو المرجع الباقي لهذا المذهب، ومسائل الخلاف بينهم وبين البصريين». (2) وهو ليس كتاب نحو مقسمًا على أبواب النحو ككتب النحو المتأخرة، ولكن القارئ لا يكاد يَمُرُّ بصفحةٍ منه لا يَجدُ فيها حديثًا عن النحو، وذِكْرِ قاعدةٍ من قواعدهِ، أو توجيهٍ من توجيهاتهِ، أو شاهدٍ شعريٍّ من شواهدهِ، وأصلٍ من أصوله. (3)
وقد عُنِي الفراءُ في كتابه بالقرآن الكريم كدليلٍ نحويٍّ في تأصيله للقواعد النحوية، فهو يحرص على أن يكون استشهاده بها تعبيرًا عن القيمة العظيمة التي يمثلها القرآن الكريم في فصاحته، ولغته. ومع ذلك فقد استشهد بالشعر في أكثر من أربعمائةٍ وخَمسين موضعًا، وبلغت شواهده 785 شاهدًا شعريًا. وقد استشهد بالشواهد النحوية للقواعد العامة التي أَجْمَعَ عليها النحويون، واستشهد بها لتأييد آرائه النحوية الخاصة، كما استشهد بها للاستدلال لأقوال المخالفين، وذكر بعض الشواهد الشعرية للضرورات الشعرية التي اختص بها الشعر دون النثر، واستشهد بالشعر أيضًا لبيان بعض لغات القبائل العربية ولهجاتها، والتي سمع الكثير منها بنفسه.--------------------------------------------
(1) انظر: الفهرست 100.
(2) النحو وكتب التفسير 1/ 185.
(3) انظر: النحو وكتب التفسير 1/ 185.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 741)