وصَنَعَ مثلَهُ الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» فأورد الكثير من شواهد النحو الشعرية التي نقلها النحويون عنه بعد ذلك، وكانت هي وشواهد سيبويه عُمدةً لدى النحويين حتى اليوم. ومن أمثلة شواهد النحو في كتب معاني القرآن ما يلي:
1 - في تفسير قوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96] (1) أجاز الفراء في قراءة: (وجَاعِلُ اللَّيلِ سَكَنًا) نصب "اللَّيلِ" في المعنى، فقال: «الليل في موضع نصب في المعنى. فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما بقوله: فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يجوز أن ينصب وإن لم يُحَلْ بينهما بشيء، أنشد بعضهم:
وبَيْنا نَحنُ نَنْظُرُهُ أَتانا … مُعَلِّقَ شَكْوةٍ وزِنادَ راعِ (2)». (3)
والشاهد في قوله: «زِنادَ رَاعِ»، حيث عطفه على موضع قوله: «شَكْوةٍ»؛ لأن معناه: يُعَلِّقُ شكوةً وزِنادَ راعِ. (4)
2 - عند تفسير قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] (5) تكلم الفراء عن تعدية الفعل شكر بحرف الجر فقال: «العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون نصحتك، وربما قيلتا». ثم استشهد على تعدي الفعل (شَكَرَ) بقول عمرو بن لجأ التميمي:
هُمُ جَمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ … فَهلَاّ شَكَرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (6)--------------------------------------------
(1) الأنعام 97.
(2) الشَّكْوَةُ: وِعَاءٌ من أدَم يُجْعَلُ فيه الماءُ واللَّبَنُ كأنَّه الدَّلْوُ، والبيت لنصيب بن رباح كما في ديوانه 140، ونُسِبَ لرجلٍ من قيس عيلان كما في الكتاب 1/ 171، وشرح شواهد المغني 2/ 798، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه 1/ 405، لسان العرب 7/ 181 (شكو).
(3) معاني القرآن 1/ 346.
(4) انظر: شرح أبيات سيبويه 1/ 405.
(5) البقرة 152.
(6) انظر: البحر المحيط 1/ 447، وليس في ديوان عمرو بن لجأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 742)
والشاهد في البيت قوله: «شكرت القوم»، حيث تعدى الفعل شكر بنفسه، والأفصح تعديته باللام. قال أبو حيان: «الفعلُ (شَكَرَ) من الأفعال التي ذُكِرَ أَنَّها تارةً تتعدى بحرف جَرٍّ، وتارةً تتعدَّى بنفسها». (1) ثم استشهد أبو حيان ببيت عمرو بن لجأ الذي استشهد به الفراء، علمًا أن الفراء لم ينسبه لقائله.
واستشهد الفراء على تعدية الفعل (نصح) بقول النابغة الذبياني:
نَصَحْتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلوا … رَسُولي ولَمْ تَنْجَحْ لَديهمْ وَسائِلي (2)
والشاهد فيه قوله: «نصحتُ بَنِي عوفٍ»، حيث تَعدَّى الفعلُ (نَصَحَ) بنفسه على لغةٍ، والأفصح تَعدِّيهِ باللام. وقد تَحدَّثَ النحويون عن هذه المسألةِ في باب تعديةِ الفِعْلِ بِحرفِ الجَرِّ، وتعديتهِ بِنفسهِ «قالوا: وحَذفُ اللامِ مع (كالَ) و (وَزَنَ) أفصحُ، وإثباتُها مع (شَكَرَ) و (نَصَحَ) أفصحُ، وبذلك جاء التنْزِيلُ العزيز». (3)
3 - وأَمّا الأمثلة في كتاب «معاني القرآن» للأخفش فهي غالب شواهده الشعرية، فنادرًا ما تَجِدُ في كتابه شاهدًا لغويًا.
ومن أمثلة هذه الشواهد النحوية في معاني القرآن له قوله عند تفسير قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150] (4) قال الأخفش: «هذا بِمعنى: لَكِنْ … نَحو قولِ الشاعر (5):
وأَرَى لَها دَارًا بِأَغْدِرَةِ السِّيـ … ـدانِ لَمْ يَدْرُسْ لَها رَسْمُ
إِلاّ رَمادًا هَامِدًا دَفَعَتْ … عَنْهُ الرِّياحَ خَوالِدٌ سُحْمُ (6)
أراد: أرى لها دارًا ورمادًا». (7)--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 1/ 447.
(2) سبق تخريجه.
(3) الكتاب لسيبويه 1/ 28، البحر المحيط 2/ 117.
(4) البقرة 150.
(5) هو المخبل السعدي.
(6) انظر: المفضليات 114.
(7) معاني القرآن 1/ 162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 743)
وللعلماء في بيان نوع الاستثناء في هذه الآية ثلاثة أقوال:
الأول: أنه استثناء متصلٌ، وهذا اختيار الطبري (1)، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره. قال الزمخشري: «ومعناه: لئلا يكون حجةٌ لأَحدٍ من اليهود إلا للمُعاندين منهم، القائلين: ما ترك قِبْلتَنا إلى الكعبة إِلاّ مَيلًا لِدِين قومه، وحُبًّا لهم. وأطلقَ على قولهِم (حُجَّةً)؛ لأَنَّهم ساقوه مَساقَ الحُجَّةِ». (2) وقال ابن عطية: «المعنى أنه لا حُجَّةَ لأَحدٍ عليكم إِلاّ الحجةُ الداحضةُ للذين ظلموا من اليهودِ وغَيرِهم الذين تكلموا في النازلة، وسَمّاها حُجَّةً، وحَكَمَ بفسادها حين كانت مِنْ ظالمٍ». (3)
الثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيُقدَّرُ بـ (لكنْ) عند البصريين، وبـ (بل) عند الكوفيين؛ لأَنه استثناءٌ مِن غَير جِنْسِ المستثنى منهُ. والتقديرُ: لكنْ الذين ظَلَموا فإِنَّهم يتعلَّقونَ عليكمْ بالشُّبْهَةِ يَضعونَها مَوضعَ الحُجَّةِ.
وسببُ الخلاف في هذه الآيةِ هو كما قال السمين الحلبي: «هَل الحجةُ هو الدليل الصحيحُ، أو الاحتجاجُ صحيحًا كان أو فاسدًا؟ فعلى الأول يكون مُنقطعًا، وعلى الثاني يكونُ مُتَّصِلًا». (4)
الثالث: أَنَّ (إِلاّ) بمعنى الواو العاطفة. وهذا القول قد انفرد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (5)، وهو من أمثلة المسائل التي استشهد عليها أبو عبيدة بشاهدٍ نَحويٍّ، وهو من المواضع القليلة في كتب غريب القرآن التي وردت فيها شواهد نحوية. وقد استشهد أبو عبيدة على صحةِ قوله هذا بشاهدين من الشعر، أولهما قول عمرو بن معد يكرب:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخوهُ … لَعَمْرُ أَبيكَ إِلاّ الفَرْقَدانِ (6)
والآخر قول الفرزدق:--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطري (شاكر) 3/ 204.
(2) الكشاف 1/ 322.
(3) المحرر الوجيز 1/ 452.
(4) الدر المصون 2/ 178.
(5) انظر: مجاز القرآن 1/ 60.
(6) انظر: ديوانه 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 744)
ما بِالمدينةِ دارٌ غَيْرُ واحدَةٍ … دارُ الخليفةِ إِلاّ دَارُ مروانا (1)
وتقدير ذلك عنده: ولا الذين ظلموا - والفرقدان - ودار مروان. وقد تعقبه النحويون وخطأوه في ذلك. وقد رد الفراء قول أبي عبيدة بقوله: «فهذا صواب في التفسير، خطأ في العربية، إِنَّما تكونُ إِلاّ بِمَنْزِلة الواو إذا عطفتها على استثناءٍ قبلَها، فهنالك تصيرُ بِمَنْزِلةِ الواو». (2) وقد استشهد الفراء بشاهد أبي عبيدة الثاني وهو قول الفرزدق، وقال في تأويله: «كأنه أراد: ما بالمدينة دارٌ إلا دار الخليفة ودار مروان». (3)
وزاد الطبري قول الفراء أيضاحًا فقال: «فَبَيّنٌ خطأُ قولِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150]: ولا الذين ظلموا منهم، وأَنَّ (إِلا) بِمعنى الواو؛ لأَنَّ ذلك لو كان معناه، لكان النفي الأولُ عَن جَميع الناسِ أَنْ يكونَ لهم حجةٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحولهم نحو الكعبة بوجوههم مبينًا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} إِلَّا التلبيسَ الذي يتعالى عن أن يضاف إليه أو يوصف به». (4)
ثالثًا: الاستشهاد البلاغي.
وهو إيراد الشعر للاستشهاد على المسائل البلاغية في القرآن. وأساليب البلاغة يُستشَهدُ لَها بشعر المتقدمين والمتأخرين على حَدٍّ سواء لتعلُّقِ الأمر بالمعاني لا بالألفاظ، والمعاني مشاعةٌ بين الجميع. (5)
والشواهد البلاغية في كتب معاني القرآن وغريبه قليلةٌ، موازنة بالشواهد اللغوية والنحوية. وذلك أن البلاغة لم تكن قد اتضحت--------------------------------------------
(1) انظر: الكتاب 1/ 373، المقتضب 4/ 425، الجامع لأحكام القرآن 2/ 169 وليس في ديوان الفرزدق.
(2) معاني القرآن 1/ 89 - 90.
(3) المصدر السابق 1/ 90.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 204.
(5) انظر: الخصائص 1/ 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 745)
معالمها، وفصلت مسائلها كما حدث للنحو. ولكن المؤلفين في معاني القرآن وغريب القرآن من النحويين واللغويين قد ذكروا في تضاعيف كلامهم وشروحهم للشعر وآي القرآن الكريم ملاحظات مختلفة في بلاغة الكلام، وصوره البيانية والتعبيرية، بحيث يمكن أن يقال: إنهم قدموا خدمة جليلة لعلم البلاغة حتى أوائل القرن الثالث الهجري.
وكتاب أبي عبيدة في غريب القرآن الذي سَمَّاه «مجاز القرآن» ما يوهم أنه في فنُّ المَجاز بمعناه البلاغي، وحقيقةُ الأمر أَنَّ كلمةَ المَجازِ عنده تَعني الدلالةَ الدقيقةَ لِصيغِ التعبيرِ القرآنيةِ المختلفة، وقد تنبَّه لذلك القدماء، فقال ابن تيمية: «أولُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ تكلَّم بلفظِ المَجازِ أبو عبيدة مَعْمَرُ بنُ المُثنى في كتابه، ولكن لم يَعْنِ بالمَجازِ ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَى بِمجازِ الآية ما يُعَبَّرُ به عن الآية». (1) أو بعبارةٍ أخرى، عَنَى بهِ تفسيْرَها وتأويلها. وقد تعرض أبو عبيدة إلى ما في الآيات من استعارةٍ وتشبيهٍ وكنايةٍ وتقديمٍ وتأخيرٍ وحذفٍ وتكرارٍ وإضمارٍ، وتوسعَ في تصوير الخصائص التعبيرية كالدلالةِ بلفظِ الخصوصِ على معنى العموم، وبلفظ العموم على معنى الخصوص، وكمخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والعكس وغير ذلك من مسائل البلاغة. (2)
وعاصره الفراء، وصنف كتابه معاني القرآن الذي تغلبُ عليه المسائل النحوية، والشواهد النحوية، ولكنه لم يُخْلِ كتابَهُ من التعرض لعددٍ من مسائلِ البلاغة ذات الصلة بالآيات القرآنية التي يفسرها. فقد تحدث عن التقديم والتأخير في الألفاظ، وتكلم عن الإيجاز والإطناب والمعاني التي تخرج إليها بعض الأدوات كأداة الاستفهام، كما أشار إلى بعض الصور البيانية مثل التشبيه والكناية والاستعارة، وفي أكثر ذلك يستشهد بالشواهد الشعرية البلاغية، حتى عَدَّهُ بعضُ الدارسين رائدًا في--------------------------------------------
(1) كتاب الإيمان 35.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 746)
مبحث الاستعارة. (1)
ويُعَدُّ كتابُ «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة أحفل الكتب - التي شملتها هذه الدراسة - بالشواهد البلاغية، وقد صنف كتابه هذا للرد على الملاحدة وأشباههم الذين يطعنون على القرآن الكريم، فيقولون: إن به تناقضًا وفسادًا في النظم، واضطرابًا في الإعراب، وهو طعن مرده إلى جهلهم بأساليب العربية، ومن ثَمَّ ألف كتابه، ليحق الحق ويبطل الباطل، عارضًا فيه بعض آيات القرآن، مستشهدًا لتفسيرها بالشواهد الشعرية الكثيرة التي بلغت ثلاثمائة وواحد وستين شاهدًا شعريًا، غالبها شواهد بلاغية اعتمدها البلاغيون في كتب البلاغة بعد ابن قتيبة، وستأتي أمثلة لهذه الشواهد. وقد تعرض ابن قتيبة في كتابه هذا لموضوعات بلاغية مثل المجاز والاستعارة والكناية والتعريض والمقلوب، وتكرار الكلام والزيادة فيه، والحذف والاختصار، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه.
وفيما يلي أمثلة للشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن، ومعاني القرآن، ثم أختم بذكر أمثلة للشواهد البلاغية في كتاب ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن.
أولًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الغريب.
1 - عند تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة: 2] (2) فسره بأن معناه: هذا القرآن، ثم قال: «وقد تخاطب العرب الشاهد فتظهر له مخاطبة الغائب، قال خفاف بن ندبة السلمي، وهي أمه، كانت سوداء حبشية، وكان من غربان العرب في الجاهلية:
فإِنْ تَكُ خَيْلي قَدْ أُصِيْبَ صَمِيمُها … فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيمَّمْتُ مالِكا--------------------------------------------
(1) انظر: أثر النحاة في البحث البلاغي لعبد القادر حسين 145.
(2) البقرة 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 747)
أَقولُ لَهُ والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ … تَأَمَّلْ خُفافًا إِنَّنَي أَنا ذَلكا
يعني مالك بن حَمّاد الشَمْخِيَّ. وصميمُ خَيلِه معاويةُ أخو خنساء، قتله دُريد وهاشم ابنا حَرْملة المُرِيَّان». (1)
وهذا شاهدٌ بلاغيُّ على أَنَّ العربَ تُخاطبُ الشاهدَ بِخطابِ الغائبِ البعيدِ، لِتفخيمهِ، وقد جاء الخطاب في الآية بصيغة الغائب لتفخيم أمر القرآن الكريم، وعلو قدره، وجاء الخطاب بصيغة الغائب في الشاهد لتفخيم الشاعر لأمر نفسه.
2 - وقال أبو عبيدة عند تفسيره للتشبيه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد: 14] (2): «مجازه: إن الذي يبسط كفه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم له ذلك، ولا تَسِقْهُ أَناملهُ، أي: تَجمعهُ». (3) ثُمَّ استشهدَ بشاهدٍ بلاغي فيه معنى الآية من حيث التشبيه، وهو قول ضابئ بن الحارث البُرْجُمي:
فَإِنِّي وإِيَّاكمْ وشَوقًا إِليكمُ … كقابضِ ماءٍ لَم تَسِقْهُ أَنامِلُهْ (4)
ثم شرحه فقال: «يقول: ليس في يدي من ذلك شيءٌ، كما أَنَّه ليسَ في يدِ القابض على الماء شيءٌ». (5) وهذا مَثَلٌ تَضربهُ العربُ لِمَن سعى فيما لا يدركه. (6)
3 - عند تفسير قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)} [آل عمران: 127] (7) ذكر أنَّ أبا عبيدة فسر قوله تعالى: {يَكْبِتَهُمْ} بأنه من الكبت وهو الإهلاك. وقال غير أبي عبيدة أَنَّ معناهُ من--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 28 - 29.
(2) الرعد 14.
(3) مجاز القرآن 1/ 327.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 13/ 487، خزانة الأدب 9/ 323.
(5) مجاز القرآن 1/ 327.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 13/ 487.
(7) آل عمران 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 748)
الغيظِ والحُزْنِ. ثم ذكر أن أهل النظر من العلماء - ولعله يعني الفراء - يرون أن التاء في قوله: {يَكْبِتَهُمْ} منقلبة عن دال، وأن الأصل فيه: يكبدهم، أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه قول العرب: فلان أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده. وهذه كناية عن شدة عداوته. واستشهد بشاهد بلاغي وهو قول الأعشى:
فما أُجْشِمْتِ مِن إِتيانِ قَومٍ … هُمُ الأعداءُ والأَكْبادُ سُودُ (1)
قال ابن قتيبة تعقيبًا على بيت الأعشى: «كأَنَّ الأكبادَ لَمّا احترقت بشدةِ العداوةِ اسودَّت». (2) والشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن قليلة.
ثانيًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب المعاني.
1 - أشار الفراء إلى ما يُسمَّى عند البلاغيين بالمَجازِ المُرسَلِ عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)} [الصافات: 28] (3) فقال في تفسيرها: «كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوة. وكذلك قوله: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)} [الصافات: 93] (4) أي بالقوة والقدرة». (5) ثم استشهد على صحة تفسيره هذا بقول الشمَّاخِ:
إذا ما رايَةٌ رُفعَتْ لِمَجْدٍ … تلقَّاها عَرابَةُ باليَمِيْنِ (6)
وقال في شرحه: «أي بالقدرة والقوة». (7) وقد اختلف العلماء في تفسير اليمين في الآيات التي ذكرها الفراء على قولين: الأول القول الذي ذكره الفراء وهو القوة والقدرة، وقال به عدد من العلماء. (8)--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 373.
(2) غريب القرآن 111.
(3) الصافات 202.
(4) الصافات 93.
(5) معاني القرآن 2/ 384.
(6) انظر: ديوانه 336.
(7) المصدر السابق 2/ 385.
(8) انظر: تفسير الطبري (هجر) 19/ 572 - 573، المُبَرِّد كما في الجامع لأحكام القرآن 15/ 278، الخصائص لابن جني 3/ 249، جمهرة اللغة 3/ 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 749)
والقول الثاني أنها بمعنى اليد اليمنى، وقال به عدد من العلماء أيضًا. (1) وجَمَعَ بعضُهم بين القولين. (2) وقد أطال عبد القاهر الجرجاني الوقوف عند هذا الشاهد، وأن قول الشمَّاخ جاء على المَثَلِ، أي لما كانت المكارم تنقاد له، وهو يحوزها، وأنها تحصل له، ولا تمتنع عليه، كأَنَّ المجدَ مَثلُ الشيءِ في قبضةِ الآخذِ لَهُ، والجامعِ يَدَهُ عليه، وخَصَّ اليمينَ لأَنَّها تكونُ أفخمَ للمَثَلِ. وهو لا يُقِرُّ ما ذهبوا إليه مِنْ أَنَّ المراد بِها القوةُ؛ لأَنَّ المقام مقامُ مدحٍ بالجودِ والسخاء، ويرى أَنَّ المَجْدَ الذي تطاولَ لَهُ عَرابَةُ ومَدَّ إليه يدهُ مِن المَجدِ الذي أَرادهُ أبو تَمَّام بقوله:
تَوَجَّعُ أَنْ رَأَتْ جِسْمي نَحيلًا … كأَنَّ المَجْدَ يُدركُ بالصِّرَاعِ (3)
فالمقامُ ليسَ مقامَ بأسٍ وشدةٍ، ولو كان كذلك لكانَ حَمْلُ اليمين على صريح القوة أشبه. (4)
2 - عند تفسير قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] (5)، فسَّر ابنُ قتيبة الأغلالَ بأَنَّها ما حَرَّمَهُ اللهُ على بني إسرائيل، وأَحَلَّهُ لأُمَّةِ محمدٍ، وسُمِّي التحريمُ غُلًا «لأنَّ التحريمَ يَمنعُ كما يقبضُ الغُلُّ اليدَ فاستُعِيْرَ». (6) ثم أورد شاهدًا شعريًا بلاغيًا يؤكد أن العرب تفعل ذلك في كلامها، وهو قول أبي خراش الهذلي:
فليسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ … ولكنْ أَحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ
وعادَ الفتى كالكَهْلِ ليسَ بِقائِلٍ … سِوى العَدْلِ شيئًا فاستراحَ العَواذِلُ (7)
ثم شرح ابن قتيبة الاستعارة في هذا الشعر فقال: «يقول: ليس الأمرُ كعهدكِ، إذ كُنّا في الدار ونَحنُ نَتَبسَّطُ في كلِّ شيءٍ ولا نَتَوَقَّى،--------------------------------------------
(1) انظر: مقاييس اللغة 6/ 158، الجامع لأحكام القرآن 5/ 20.
(2) انظر: شرح أدب الكاتب للجواليقي 59.
(3) انظر: ديوانه بشرح التبريزي 2/ 336.
(4) انظر: أسرار البلاغة 360 - 361.
(5) الأعراف 157.
(6) تأويل مشكل القرآن 148.
(7) انظر: ديوان الهذليين 2/ 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 750)
ولكنْ أَسْلَمنا فَصِرْنا مِن موانِع الإسلامِ في مثلِ الأَغلالِ المُحيطةِ بالرقابِ، القابضةِ للأَيدي». (1)
3 - وعند تفسير قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22)} [الواقعة: 17 - 22] (2) ذكرَ أَنَّ الفاكهةَ واللحمَ والحُورَ العِيْنَ لا يُطافُ بِها، وإِنَّما يُطافُ بالأكوابِ والأباريقِ. وأَنَّ المراد: يؤتونَ بلحمِ طَيْرٍ وبِفاكهةٍ، ويُزوجونَ بِحُورٍ عِيْنٍ. وأن هذا أسلوب بلاغي عند العرب، وهو إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، ويضمر للآخر فعله المناسب له. ومثل هذه الآيات أيضًا - كما ذكر ابن قتيبة - قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] (3) حيث إنَّ معناها: أَجْمِعوا أمرَكم، وادعوا شركاءَكم، وهي كذلك في مصحف عبد الله بن مسعود. (4) ثم استشهد ابن قتيبة بشواهد من الشعر على هذا الأسلوب البلاغي عند العرب، فذكر قول الشاعر (5):
تَراهُ كأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ … وعَيْنَيهِ إِنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وَفْرُ (6)
قال ابن قتيبة: «أي: يَجدعُ أَنفَهُ، ويفقأُ عَينَيه». (7) وهذا الشاهد يستشهد به النحويون (8) والبلاغيون (9) على إضمار الفعل بعد حرف العطف، ويذهبون في تقديره مذهب ابن قتيبة. وذكر بعد ذلك ثلاثة شواهد من الشعر تدل على أن هذا الأسلوب شائع عند العرب قبل نزول القرآن.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 149.
(2) الواقعة 17 - 22.
(3) يونس 71.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 12/ 231.
(5) هو خالد بن الطيفان.
(6) ثاب: أي عاد ورجع، والوفر بالفتح: هو من المال والمتاع الكثير الواسع. انظر: الحيوان 6/ 40.
(7) تأويل مشكل القرآن 213.
(8) انظر: مجالس ثعلب 464، أمالي المرتضى 4/ 169.
(9) انظر: الصناعتين للعسكري 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 751)
هذه هي أهم الأغراض التي أورد أصحاب غريب القرآن ومعانيه الشواهد الشعرية من أجلها، ولم أجد أمثلة للتمثل بالشعر في كتب غريب القرآن ومعانيه، لإيجازها الشديد، وعدم الاستطراد في قضايا تستدعي التمثل بالشعر كما مر في أغراض المفسرين من إيراد الشواهد الشعرية.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 752)
الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير.
المبحث الأول: أثره في إيضاح المعنى.
المبحث الثاني: أثره في توجيه القراءات.
المبحث الثالث: أثره في الجانب العقدي عند المفسرين.
المبحث الرابع: أثره في الجانب الفقهي.
المبحث الخامس: أثره في الترجيح بين الأقوال.
المبحث السادس: أثره في بيان الأساليب القرآنية.
المبحث السابع: أثره في نسبة اللغات للقبائل.
المبحث الثامن: أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها.
المبحث التاسع: أثره في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات.
المبحث العاشر: أثره في معرفة الأماكن.
المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 753)
المبحث الأول: أثر الشاهد الشعري في إيضاح وبيان المعنى في التفسير.
الغرض من تصنيف كتب التفسير هو بيان معاني القرآن الكريم وإيضاحها، وبَيانُ أحكامِها وحِكَمِها (1)، وقد استعانَ المفسرون بوسائلَ كثيرةٍ، من أَهَمِّها اللغةُ العربية التي نزل القرآن بها، ولم تنشأ علوم اللغة في بدايتها إلا من أجل هذا الغرض النبيل، وهو بيان القرآن، والحفاظ على لغته نقيةً من العُجْمةِ التي طرأَتْ على أَلسنةِ العرب في ذلك الوقت. (2) ونظرًا لأن الشعر كان ديوانًا جامعًا لعلم العرب وبيان لغتها، فقد اتَّخذهُ العلماءُ شاهدًا لهم على كثيرٍ من معاني القرآن الكريم من حيثُ الدلالةُ اللغوية، لإيضاح تلك المعاني وتَجليتها؛ لأنَّ الشعر كان أقرب إلى فهمهم لتعودهم عليه وعلى حفظهِ وسَماعهِ، ومعرفتهم بأساليب الشعراء في الكلام.
ويصح في هذا المبحث إيراد الشواهد الشعرية التي وردت في كتب التفسير، حيث يصدقُ عليها أَنَّها كانت في سياقِ إيضاحِ المعاني وبيانِها، فشواهد اللغة من أَهمِّ أغراضها بيانُ معاني الألفاظ التي وردت في القرآن أو التفسير، وكذلك الشواهد النحويةُ وردت لأغراض متعددة من أَهمِّها بيانُ معاني التراكيب، وقُلْ مثلَ ذلك في بقيَّةِ الشواهد الشعرية، غير أَني سأقتصرُ على صورتينِ ظاهرتين في استشهاد المفسرين بالشعر لتوضيح--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 104 - 105، 2/ 276 وما بعدها.
(2) انظر: الإتقان في علوم القرآن 1/ 542.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 754)
معاني الآيات القرآنية، وإرجاءُ بقيَّةِ الصّورِ للمباحث التالية، وهاتان الصورتان هما:
أولًا: بيان معاني المفردات القرآنية.
يدخلُ تَحت هذه الصورة جَميعُ الشواهد اللغوية في كتب التفسير، وكتب غريب القرآن وهي الغالبة عليها، وكتب معاني القرآن وهي قليلة فيها كما تقدم. وأثر الشاهد اللغوي ظاهر في إيضاح معاني المفردات الغريبة التي وردت في القرآن الكريم أو التفسير أو بعض الشواهد الشعرية التي يستشهد بها المفسرون في التفسير، وتكون محتاجة إلى شرح بعض مفرداتها. وقد بلغت الشواهد اللغوية في كتب التفسير أكثر من النصف باستثناء تفسير الزمخشري الذي غلبت عليه الشواهد البلاغية والنحوية، بل إن الزمخشري قد وظف بعض الشواهد النحوية المشهورة توظيفًا بلاغيًا. وأما كتب غريب القرآن فقد كانت معظم شواهدها شواهد لغوية وردت لإيضاح معاني المفردات في الدرجة الأولى، وأثر هذه الشواهد في إيضاح المعاني لا يستغنى عنه.
ثانيًا: بيان معاني التراكيب القرآنية.
يدخلُ تَحتَ هذه الصورة الشواهدُ النحويةُ، والشواهد التاريخية في بعض المواضع لبيانها مناسبات بعض الحوادث ذات العلاقة بالقرآن الكريم وتفسيره. وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبيرٍ من الشواهد النحوية والبلاغية سَبَقَ بيانُها، مع تفاوت نسبة تلك الشواهد بين المصنَّفات، وقد تقدَّم بيانُ نسبة هذه الشواهد بين شواهد المفسرين في المباحث السابقة في هذه الدراسة، وأذكر هنا بعض الأمثلة التي تدل على أثر الشاهد الشعري المباشر في إيضاح معاني التراكيب النحوية في كتب التفسير، والعناية التي أولاها المفسرون لهذه الشواهد في تفسيرهم للقرآن، حتى إن بعض المفسرين كالقرطبي وأبي حيان الأندلسي والسمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 755)
الحلبي قد أودعوا تفاسيرهم معظم شواهد النحو المشهورة المتداولة عند النحويين في مصنفاتهم.
للمفسرين في إيضاح المعاني التي وردت في القرآن الكريم بالشاهد الشعري طرق متنوعة، من أهمها طريقتان:
الأولى: موازنة المعنى الذي تدل عليه الآيات القرآنية بالمعنى الذي يدل عليه الشاهد الشعري.
والشعر يعرفه العرب جيدًا لإلفهم للشعر، وخبرتهم به.
1 - ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري محاولًا إيضاح معنى قول القائلين بأَنَّ الحروف المقطعة في أوائل السور تدل على أسماء الله جل وعلا وصفاته، بقوله: «وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقطَّعةٌ بعضها مِنْ أسماءِ الله عز وجل، وبعضها من صفاته، ولكُلِّ حرفٍ من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر. فإِنَّهم نَحَو بتأويلِهم ذلك نَحوَ قولِ الشاعرِ (1):
قُلنا لَها: قِفي لَنا، قالتْ: قافْ لا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينا الإِيْجَافْ (2)
يعني بقولهِ: «قالتْ قاف»، قالت: قد وقفتُ. فدلَّت بإظهارِ القافِ مِنْ وَقفتُ على مُرادِها مِنْ تَمامِ الكلمةِ التي هي «وَقَفْتُ»، فَصرفوا قولَهُ {الم (1)} [البقرة: 1] (3) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى». (4)
فقد استعان الطبري بالشعر لتوضيح معنى قول القائلين بأن الحروف المقطعة في أوائل السور مأخوذة من أسماء الله وصفاته للدلالة عليها، كما دل قول الشاعر: «قاف». على كلمة: «وقفت». وهذه الموازنة تكون ذات قيمة دلالية إذا عرفت أن الشعر عند العرب علم مألوف مشهور،--------------------------------------------
(1) هو الوليد بن عقبة.
(2) الإيجاف: حث الدابة على سرعة السير. انظر: الصاحبي لابن فارس 161، شرح شواهد الشافية للبغدادي 4/ 271
(3) البقرة 1.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 756)
يعرفون دلالاته واختصاراته، ويفهمون ما تعنيه، وإذا أحيل العربي إليه فهمه دون عناء.
2 - ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لمعنى «السِّنَةِ» في قوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] (1): «والوَسَنُ: خُثُورةُ النَّومِ، ومنه قول عَدِيِّ بن الرِّقاعِ:
وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ … في عَيْنِهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ (2)
ثُمَّ استطرد الطبريُّ لإيضاحِ معنى الوَسَنِ في البيت، والاحتجاج لصحة تفسيره للآية، بشاهدين آخرين من الشعر (3)، وتتبع معنى السِّنَةِ والوَسَنِ حتى جَلَاّهُ وبَيَّنَهُ أحسنَ بيانٍ، بتتبعه للشواهد الشعرية التي يعضد بعضها بعضًا في إيضاح هذا المعنى، وقد أحسن الطبري التعبيَر عن معنى السِّنَةِ بالخُثُورةِ، وهيَ كلمةٌ تدلُّ على الثِّقَلِ والتجمُّعِ، تطلقُ في الأَصلِ على اللَّبَنِ والعَسلِ إذا ثقلَ وتَجمَّع بعضهُ على بعض. (4) قال محمود شاكر تعليقًا على قول الطبري هذا: «والمَجازُ منه قولُهم: فلانٌ خاثِرُ النَّفْسِ، أي: ثقيلُها، غَيْرُ طيبٍ ولا نشيطٍ، قد فَتَرَ فُتُورًا. واستعمله الطبريُّ استعمالًا بارِعًا، فجَعلَ للنَّومِ خُثُورةً، وهي شدةُ الفُتُورِ، كأَنَّهُ زالت رِقَّتُهُ واستغلظَ فَثَقُلَ، وهذا تعبيرٌ لَمْ أَجِدْهُ قبلَه». (5)
وقد فَسَّر الأصفهانيُّ معنى قولِ عديِّ بن الرقاعِ: «وسَنانُ أقصده النعاسُ» فقال: «والوَسْنانُ: النّائِمُ، والوَسَنُ: النَّومُ، الواحدةُ منهُ سِنَةٌ». (6) وتفسير الطبري للسِّنَةِ أَدَقُّ، فليست السِّنَةُ النومَ، وإِنَّما هي مُقدمتهُ من الخُثُورَةِ والثِّقَلِ كما عَبَّرَ الطبريُّ. ويؤيده الشاهد الثاني وهو--------------------------------------------
(1) البقرة 255.
(2) انظر: ديوانه 122.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 5/ 389 - 391.
(4) انظر: تهذيب اللغة 7/ 333، مقاييس اللغة 2/ 246، لسان العرب 4/ 27 (خثر).
(5) تفسير الطبري (شاكر) 5/ 389 حاشية رقم 1.
(6) الأغاني 9/ 312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 757)
قول الأعشى: «بُعَيدَ النُّعاسِ وقبلَ الوَسَنْ». ورواية الديوان للبيت: «وعندَ الوَسَنْ». (1) بل إِنَّ تفسير الطبري للبيت أدق من تفسير شيخه ثعلب حيث قال في شرحه: «الوَسْنانُ: النَّاعس». (2) والشاهد أن الطبري أخذ يتتبع المعنى ليتضح للقارئ بإيراده الشواهد الشعرية التي تدل على المعنى بدقة حتى اكتمل المعنى بتظافر هذه الشواهد الشعرية.
3 - ومن الأمثلة التي يوازن فيها المفسرون بين أسلوب الآية وأسلوب الشاهد الشعري لتوضيح المعنى المراد ما ذكره أبو عبيدة شارحًا معنى قوله تعالى على لسان الملائكة: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] (3): «جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها، وقد قال تبارك وتعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] (4) ولكنَّ معناها معنى الإيجاب، أي أَنَّكَ ستفعلُ. وقال جريرُ فأوجبَ ولم يستفهمْ لعبد الملكِ بن مروان:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا … وأَنْدَى العالَمِيْنَ بُطُونَ رَاحِ (5)». (6)
فقد تولى الشاهد الشعري إيضاح المعنى، وقد أضاف أبو عبيدة دليلًا آخر من واقع صنيع الممدوح بالشاعر حيث وهب عبد الملك بن مروان لجرير مائة من الإبل مكافأة له على مديحه، ولو كان استفهامًا فقط لم يعطه شيئًا. (7)
الثانية: إيضاح الآية بذكر الشاهد مباشرة.
في هذه الطريقة يشرح المفسر الآية أو المفردة بذكره للشاهد--------------------------------------------
(1) انظر: الديوان 67.
(2) شرح ديوان عدي بن الرقاع لثعلب 122. والطبري على الرغم من أخذه لدواوين العرب عن ثعلب، وقراءتها عليه، واشتهار ذلك عنه، إلا أنه لم يذكره في تفسيره، ولم ينقل عنه شرحه للشعر، وإن كان يوافقه في كثير منه بعد الموازنة بين شرحهما لكثير من الأشعار، ولم أجد جوابًا لصنيع الطبري هذا مع شيخه ثعلب.
(3) البقرة 30.
(4) البقرة 30.
(5) تقدم تخريجه.
(6) مجاز القرآن 1/ 35.
(7) انظر: المصدر السابق 1/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 758)
الشعري مباشرة، دون ربطٍ بينهما، أو شرح للشاهد بما يوضح المراد من الآية. وهذا يدل على أن الشاهد في نظر المفسر أوضح من الآية، فيُحيل القارئَ إلى الشاهد لوضوحه، دون أن يتدخل بين القارئ وبين فهمه للشاهد الشعري. وأكثر من رأيته يفعل ذلك الزمخشري في الكشاف، فإنه صنف كتابه للمتقدمين الذين شدوا شيئًا من علم اللغة والتفسير والبلاغة يؤهلهم للربط بين الآية القرآنية والشاهد الشعري واستخراج المعنى المراد من خلال ذلك.
وقد كانت هذه الطريقة في الاستشهاد شائعة عند علماء اللغة المتقدمين، فقد ذكر أبو عُمَر الجَرميُّ أن سائلًا جاء إلى يونس بن حبيب النحوي وهو في حلقته في المسجد، فسأله عن معنى (التَّناوش) في قول الله تعالى: {وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52)} [سبأ: 52] (1) قال: «فقال بيدهِ: التَّناولُ، وأنشدَ:
وهيَ تَنُوشُ الحَوضَ نَوْشًا مِنْ عَلا … نَوْشًا بهِ تَقطعُ أَجْوازَ الفلا (2)». (3)
فقد اكتفى يونس بعد بيانه للمفردة الغريبة في الآية، بذكر شاهدٍ شعري فهمه السائل دون شرح من يونس.
- ومن الأمثلة على ذلك عند الزمخشري قوله: «فإن قلت: لِمَ وَحَّدَ الراجعَ في قوله: {لِيَفْتَدُوا بِهِ} [المائدة: 36] (4) وقد ذُكِرَ شيئان؟ قلتُ: نَحو قولهِ:
فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيبُ». (5)
وهو يعني الضمير في {بِهِ}، حيث يعود على قوله: {مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} وهما اثنان، فكان يقال: «ليفتدوا بهما». غير--------------------------------------------
(1) سبأ 52.
(2) هذا البيت من شواهد سيبويه في الكتاب 3/ 453، ولم ينسبه أحد غير ابن بري حيث نسبه لغيلان بن حريث الربعي. انظر: خزانة الأدب 9/ 437.
(3) أخبار النحويين البصريين 85.
(4) المائدة 36.
(5) الكشاف 2/ 230 - 231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 759)
أنه وحد الضمير فقال: {لِيَفْتَدُوا بِهِ}. ولم يشرح الزمخشريُّ العِلَّةَ، وإنما أحالَ بيانَها إلى شطرِ شاهدٍ شِعريٍّ نَحويٍّ مشهورٍ، وهو قولُ ضابئ البُرْجُميِّ:
فَمَنْ يَكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُهُ … فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيْبُ (1)
والشاهدُ فيه عند الزمخشري قوله: «لغَريبُ»، وكان المتوقع أن يقول: «لَغريبان»، كما قال أبو زيد: «ولو قال: «لغريبان» لكان أجود». (2) غير أن الزمخشري اكتفى في إيضاح سببِ توحيد الضمير في قوله تعالى: {لِيَفْتَدُوا بِهِ} مع تعدد ما يعود عليه هذا الضمير بإيراده للشاهد الشعري، وعدم التعليق عليه بشيء، ثقةً في فهم القارئ بأن ذلك من أساليب العرب في كلامها، ودليلًا على أَنَّ الزمخشريَّ صنَّفَ كتابَه «الكشاف» لطلبة العلم المتقدمين.
وقد تقدمت في أثناء البحث أمثلة متعددة أخرى للشواهد اللغوية والنحوية التي استعان بها المفسرون وأصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه لإيضاح الدلالات اللغوية
للمفردات والتراكيب في القرآن الكريم، وكان لهذه الشواهد أثر واضح في تقريب المعاني وتوضيحها. ويتفاوت ظهور هذا الأثر للشواهد الشعرية في كتب التفسير، بحسب منهج المفسر الذي سار عليه، غير أن هذا الأثر كان جليًا في كتب التفسير والمعاني والغريب التي شملتها الدراسة، حيث وقع عليها الاختيار في بداية العمل لأسباب من أهمها عنايتها بالشاهد الشعري في مناهجها، وهناك من كتب التفاسير المختصرة من ظهر فيها أثر الشاهد الشعري ظهورًا متوسطًا كتفسير البيضاوي حيث كان مختصرًا من تفسير الزمخشري، وقد استبعد كثيرًا من شواهده، وأبقى منها 266 شاهدًا فقط، لم ير الاستغناء عنها--------------------------------------------
(1) انظر: الكتاب 1/ 38، خزانة الأدب 10/ 312.
(2) النوادر لأبي زيد 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 760)
في مختصره لأهميتها في إيضاح المعاني. (1)
وهناك كتب مختصرة مثل اختصار ابن صُمادِح التُّجَيْبِي لتفسير الطبري، حيث أَخلاهُ من الشواهد الشعرية، وأبقى على المعاني التي اعتمدها الطبري بناءً على شواهد الشعر التي استشهد بها. (2) وفَعَلَ مثلَ ذلك الثعالبيُّ الجزائري في اختصاره لتفسير ابن عطية حيث «وضع لنفسه - وهو يَختصرُ تفسير ابن عطية - منهجًا يقوم في أغلب الأحيان على حذفِ الشواهدِ الشعريةِ، والوجوه النحوية». (3) وفَعَلَ مثلَ ذلك مَنْ اختصرَ تفسيرَ القرطبي. (4) فتبقى قيمة هذه المختصرات في ارتباطها بالأصول، التي اعتمد أصحابها فيها على شواهد الشعر في تحقيق الدلالات اللغوية لمفردات القرآن الكريم وتراكيبه.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: القول الماضي في شرح شواهد تفسير القاضي للمحجوب بنسالك 1 - 2.
(2) انظر: مختصر تفسير الطبري لابن صمادح 1/ 2.
(3) منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للدكتور عبد الوهاب فايد 294.
(4) انظر: مختصر تفسير القرطبي لتوفيق الحكيم / المقدمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 761)