عبيدة وابن قتيبة على نسبة الشواهد للشاعر باسمه الأول الذي اشتهر به لعدم وجود من يشاركه في هذا الاسم من الشعراء المعروفين.
وربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال محمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ». (1) فذكر اسم الشاعر كاملًا باسمه واسم أبيه ونسبته لثقيف لعدم شهرته. وقال أبو عبيدة: «قال سحيم بن وثيل اليربوعي». (2) وقال الفراء: «وقال حسان بن ثابت». (3) ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال أَوسُ بنُ حَجَر». (4)
وقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة: «قال عوف بن الأحوص بن جعفر». (5) وقد يكون الشاعر مغمورًا، فيزيد المؤلف في الدلالة عليه، كما في قول أبي عبيدة: «وقال الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي من بني فراص من باهلة:
رماني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالدِي … بَرِيئًا ومِنْ دُونِ الطَّويِّ رَماني». (6)
وربما كان الشاعر مشهورًا بلقب من الألقاب، عُرِفَ به بين الشعراء، فيكتفي أبو عبيدة وغيره بنسبة الشعر إليه بذكر لقبه.
ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال الأخطل … وقال الفرزدق». (7) فقد اكتفى أبو عبيدة بنسبة الشواهد للشاعرين بِذِكْرِ اللَّقَبِ الذي اشتُهِر بهِ كُلٌّ منهما.
وقال ابن قتيبة: «قال الأعشى». (8) والأعشى إذا أطلق - كما تقدم - هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس أبو بصير. وقال ابن قتيبة: «قال--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 365، 1/ 61.
(2) مجاز القرآن 1/ 332.
(3) معاني القرآن 1/ 21.
(4) غريب القرآن 221.
(5) مجاز القرآن 1/ 194.
(6) المصدر السابق 1/ 161.
(7) المصدر السابق 1/ 277.
(8) غريب القرآن 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 662)
النابغة». (1) والنابغة إذا أطلق فهو لقب لزياد بن معاوية الذبياني الشاعر الجاهلي، وإذا أريد به غيره قُيِّدَ، كالنابغة الجعدي. (2)
وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوّتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإنما سَمَّاهُ الخنوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأنَّ الأحنفَ كلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبَكم هذا لَخِنَّوت. والخِنَّوتُ: المُتَجَبِّرُ الذاهب بنفسه، المستصغرُ للناسِ، فيما أخبرني أبو عبيدة محمد بن حفص بن محبور الأسيدي:
وأَهلُ خِباءٍ صَالحٍ ذات بينِهم … قد احتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آَجِلُهْ». (3)
وقد يُنسبُ الشاهدُ لقائله بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «كقول ابن الرعلاء». (4) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه». (5) وقول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر». (6) وقوله: «وقال ابن هرمة». (7)
فيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به، أو كنيته إن كانت أشهر.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 303.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 379.
(3) مجاز القرآن 1/ 162 - 163.
(4) المصدر السابق 1/ 148.
(5) المصدر السابق 1/ 148.
(6) المصدر السابق 1/ 149.
(7) المصدر السابق 1/ 149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 663)
- إغفال عزو الشاهد:
ربما أَبْهَمَ المؤلف اسم الشاعر، ولهذا الإبهام صور متعددة بعضها شديد الإبهام، وبعضها يعد إبهامًا يدل على قبيلة القائل أو زمنه أو جنسه. والفراء في أغلب شواهده يبهم اسم القائل، ولا يذكره.
فمن صور الإبهام الاكتفاء بنسبة الشاعر لقبيلته، كقول أبي عبيدة: «قال رجل من عبيد القيس». (1) وقول ابن قتيبة: «قال الهذلي». (2)
وربما ذكروا الشاعر بقولهم: قال الشاعر (3)، أو قال الراجز إن كان الشاهد من بحر الرجز (4)، أو قال بعضهم. (5) أو قال، أو وقوله. ونحو هذه العبارات المبهمة. (6)
ونسبة الشاعر إلى قبيلته يعين في معرفة لغة هذه القبيلة، وإن لم يكن دالًا على الشاعر، وكذلك تحديد زمن القائل كقول أبي عبيدة: «وقال رجل من بني عدي جاهلي». (7) فإنه يطمئن القارئ أن الشعر قديم، وإن كان مجهول القائل، مما يجعل الاستشهاد به مقبولًا.
رابعًا: بيان مناسبة الشاهد الشعري قبل إيراده:
من أوجه العناية بالشاهد الشعري عند إيراده، حتى يتضح معناه بيان مناسبته وموضوعه الذي قيل فيه، فربما لا يفهم القارئ للشاهد معناه دون معرفته لموضوعه. ومن الأمثلة على ذلك:
1 - قال أبو عبيدة: «وقال رجلٌ من عبد القيس، جاهلي، يَمدحُ بعضَ الملوك:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 35.
(2) غريب القرآن 271.
(3) انظر: مجاز القرآن 1/ 35، 114، معاني القرآن للفراء 1/ 27، 66، 87، 90، 100.
(4) انظر: مجاز القرآن 1/ 87، 119.
(5) انظر: المصدر السابق 1/ 1/ 137.
(6) انظر: المصدر السابق 1/ 172، 173، 250، 402، 404.
(7) المصدر السابق 1/ 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 664)
ولَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لَمْلأَكٍ … تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماءِ يَصُوبُ». (1)
2 - وقال أبو عبيدة أيضًا: «وقال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان:
يا ويحَ أَنصارِ النَّبِيِّ ونَسلهِ … بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ». (2)
3 - وقال الفراء: «وأنشدني بعض بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ:
عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها». (3)
4 - وقال الفراء: «قال الشاعر وهو يذم امرأة له:
عنجرد تَحْلِفُ حينَ أَحْلِفُ … كَمِثْلِ شَيطانِ الحَماطِ أَعْرَفُ (4)» (5)
5 - قال ابن قتيبة: «وقال حُميدُ بن ثور يصفُ إِبِلًا:
رَعَيْنا المُرَارَ الجَوْنَ مِنْ كُلِّ مِذْنَبٍ … شهورَ جُمادَى كُلَّها والمُحَرَّما (6)» (7)
6 - وقال ابن قتيبة أيضًا: «قال الشاعر (8) يذم رجلًا:
يَرى الخَمْصَ تَعذِيبًا وإِنْ يَلْقَ شَبْعَةً … يَبِتْ قَلْبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَما (9)» (10)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 33، والشاهد سبق تخريجه.
(2) المصدر السابق 1/ 50، والشاهد سبق تخريجه.
(3) معاني القرآن 1/ 14.
(4) ذكر هذا الشاهد على أن تشبيه شجرة الزقوم برؤوس الشياطين (الصافات 65) قد يكون لأَنَّ العرب تُسمِّي بعضَ الحيَّاتِ شيطانًا، وهو حيَّةٌ ذو عُرْفٍ وهو الشعر النابت في محدب رقبتها، وهذا معنى قوله أَعْرَفُ أي ذو عُرْف، ونسبته للحماط وهو نوع من الشجر لأنه أشد أنواع هذه الحيات سمًا.
(5) معاني القرآن 2/ 387.
(6) المرار: شجر مر إذا أكلته الإبل قلصت عنه مشافرها، والجون: النبات الذي يضرب إلى السواد من شدة خضرته، والمذنب: مسيل الماء، والمعنى أنها رعته ستة أشهر أولها المحرم وآخرها جمادى حتى سَمِنَت. انظر: ديوانه 9
(7) غريب القرآن 185 - 186.
(8) هو حاتم الطائي.
(9) الخَمْص: الجوع، والشبعة: الأَكلَةُ المُشبِعَةُ، والمُبْهَمُ: قليلُ الهم. انظر: ديوانه 225، ولهذا الشاهد قصة طريفة مع بلال بني أبي بردة وذي الرمة في طبقات فحول الشعراء 2/ 569، الأغاني 18/ 32.
(10) غريب القرآن 141.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 665)
فقد أَبْهَم ذكر الشاعر، وذكر موضوع الشاهد حيث قاله حاتم الطائي (يذمُّ رجَلًا)، وهو يصفُ الصعلوكَ، ويَمدحهُ ولا يَذمُّهُ، وظاهر الشاهد مقتطعًا من بقية القصيدة لا يدل على المدح، وإنما يظهر منه الذم، فاختصر ابن قتيبة الغرضَ لعنايته بِمَوضع الشاهد دون بقية القصة في هذا الموضع، وهذا من العيوب التي توقع في سوء فهم الشاهد الشعري في كتب التفسير، وقد سبق بيانه في الباب الأول.
وهذه الإشارات الموجزة إلى موضوع الشعر ومناسبته، توضح معناه، وتعد جزءًا من شرح الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه وهي الفقرة التالية.
خامسًا: شرحهم للشاهد الشعري:
في مواضع كثيرة تكون ألفاظ الشاهد الشعري في حاجة إلى بيان وشرح، فلا يكتفي المؤلف بإيراد الشاهد الشعري وتجاوزه إلى ما بعده، وإنما يتوقف المؤلف عند معنى الشاهد ويشرح ما غمض فيه من الألفاظ أو المعنى الإجمالي للبيت. ومن أمثلة شرح أصحاب غريب القرآن للشاهد الشعري:
1 - قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] (1): «التأويل: التفسير، والمرجع: مصيره. قال الأعشى:
على أَنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها … تأَوُّلَ رِبْعيّ السِّقابِ فأَصْحَبا (2)
قوله: تَأوُّلُ حُبِّها: تفسيرهُ ومرجعهُ، أي إِنَّه كانَ صغيرًا في قلبه، فلم يَزَلْ يَنبُتُ، حتى أَصْحَبَ فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرًا مثل أمه». (3)--------------------------------------------
(1) آل عمران 7.
(2) انظر: ديوانه 163.
(3) مجاز القرآن 1/ 86 - 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 666)
وأبو عبيدة ممن يعنى بأخبار الشعراء، وظهر ذلك في تعليقاته على بعض الشواهد الشعرية في كتابه المجاز، ومن ذلك قوله: «وقال عمرو بن معد يكرب:
أَمِنْ رَيْحانةَ الدَّاعي السَّمِيعُ (1) .........................
يريد: المُسمع. ريحانة: أخت عمرو بن معد يكرب، كان الصمة أغار عليها وذهب بها، وقال أبو عبيدة: كانت ريحانة أخت عمرو فسباها الصمة، وهي أم دريد وخالد». (2) فهنا يوضح أبو عبيدة بعض أخبار الشاهد الشعري مما يزيد معناه وضوحًا، وإن لم يكن متعلقًا بموضع الشاهد منه.
2 - وقال ابن قتيبة: «{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} [المائدة: 2] (3) أي: لا يكسبنكم. يقال: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، وكذلك جريمتهم. وقال الهُذليُّ (4) وَوصفَ عُقابًا:
جَريِمَةُ ناهضٍ في رأسِ نِيقٍ … ترى لِعِظامِ ما جَمَعتْ صَلِيبا (5)
والنَّاهضُ: فَرخُها، يقول: هي تَكْسِبُ لَهُ، وتأتيهِ بقُوتِه». (6)
3 - وقال ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] (7): «والتَّصْدِيَةُ: التصفيقُ. يقالُ: صَدَّى إذا صَفَّقَ بيدهِ، قال الراجز:
ضَنَّتْ بِخَدٍّ وثَنَتْ بِخَدِّ … وإِنِّيَ مِنْ غَرو الهَوى أُصَدِّي (8)--------------------------------------------
(1) عجزه:
........................... … ........ يُؤرقني وأَصحابي هُجوعُ
انظر: ديوانه 140.
(2) مجاز القرآن 1/ 282.
(3) المائدة 2.
(4) هو أبو خراش الهذلي.
(5) النيق: أرفع موضع في الجبل، والصليب: الودك. انظر: المعاني الكبير لابن قتيبة 1/ 280.
(6) غريب القرآن 139.
(7) الأنفال 35.
(8) صدره مثله في أرجوزة بشار الدالية، ولم أجده عند غير ابن قتيبة. انظر: ديوان بشار 301.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 667)
الغَرْوُ: العَجَبُ. يقال: لا غَرو من كذا وكذا، أي: لا عَجَبَ منه». (1)
وقد استفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يُغفلُ الإشارةَ إلى أبي عبيدة.
ومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)} [يوسف: 49]: «{وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (2) {يَعْصِرُونَ}: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (3):
....................... … وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (4)
أي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (5)
ومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة: رسولٌ بِمعنى رِسالةٍ، وأنشد:
لقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ … بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (6)
أي: برسالة». (7)
غير أن استفادة ابن قتيبة من أبي عبيدة لم تمنعه من تعقبه في بعض ما ذهب إليه، وقد اشتملت كتب غريب القرآن ومعانيه على الكثير من--------------------------------------------
(1) غريب القرآن 179.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 313.
(3) هو أبو زبيد الطائي.
(4) عجز بيت، وصدره:
صاديًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغاثٍ … ....................................
انظر: ديوانه، تفسير القرطبي 9/ 205.
(5) غريب القرآن 218.
(6) البيت لكثير عزة، كما في ديوانه 189.
(7) غريب القرآن 316، وانظر: 340، 346.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 668)
التعقبات لبعضهم على بعض، في فهم وشرح بعض الشواهد الشعرية. وقد كان لابن قتيبة النصيب الأكبر من ذلك حيث تعقب أبا عبيدة في استشهاده ببعض الشواهد الشعرية، فخالفه في وجه الاستشهاد في بعضها، وخالفه في شرح بعضها. وسبقت الإشارة في الفصل السابق إلى تعقبات المفسرين وخاصةً الطبري وابن عطية لأبي عبيدة أيضًا.
ومن أمثلة ذلك عند ابن قتيبة قوله عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] (1): «قال أبو عبيدة (2): يتشاورون فيك ليقتلوك، واحتج بقول الشاعر (3):
أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ … ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (4)
وهذا غَلَطٌ بَيّنٌ لِمَن تدبّر، ومضادةٌ للمعنى. كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمُشاورةُ بَرَكَةٌ وخَيْرٌ؟ وإنما أراد: يعدو عليهِ ما هَمَّ به للناس من الشرِّ. ومثله قولهم: مَنْ حَفَرَ حُفرةً وَقَعَ فيها. وقوله: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ} أي: يَهُمُّونَ بك. يدلك على ذلك قول النمر بن تولب:
اعْلَمَنْ أَنْ كُلّ مُؤْتَمِرٍ … مُخطئٌ في الرأي أَحيانا
فإِذا [ما] لَمْ يُصِبْ رَشَدًا … كان بعضُ اللَّومِ ثُنْيانا (5).
يعني أَنَّ كُلَّ مَنْ ركبَ هواه، وفَعَلَ ما فَعَلَ بغير مُشاورةٍ، فلا بُدَّ من أن يُخطئَ أحيانًا، فإذا لم يُصِب رَشَدًا لامَهُ الناسُ مرتين: مرةً لركوبهِ الأمرَ بغير مشاورة، ومرةً لِغَلَطِهِ. ومِمَّا يدلك على ذلك أيضًا قوله عَزَّوَجَلَّ: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6] (6) لم يُرِد: تشاوروا، وإنَّما أراد: هُمُّوا بهِ، واعتزموا عليه. وقالوا في تفسيره: هو أَنْ لا تضرَّ المرأةُ بزوجها، ولا الزوجُ بالمرأة. ولو أراد المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيدة، لكان--------------------------------------------
(1) القصص 20.
(2) انظر: مجاز القرآن 2/ 100.
(3) هو ربيعة بن جُشَم النَّمَريُّ.
(4) انظر: ديوانه 243.
(5) انظر: ديوانه 135 - 136.
(6) الطلاق 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 669)
أولى به أن يقول: «إن الملأ يتآمرون فيك». أي: يستأمرُ بعضهم بعضًا». (1)
وهذا الذي ذهب إليه ابن قتيبة هو ما قاله أبو عبيدة أيضًا، وقد وافقه عليه غيره كالطبري مع كثرة تعقبه لأبي عبيدة (2)، وقد اختصرَ ابنُ قتيبة كلامَ أبي عبيدة فلم يُفْهَم على وجههِ، وتَمامُ كلام أبي عبيدة: «{إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} [القصص: 20] مَجازهُ: يَهُمُّون بكَ، ويوامرون فيك، ويتشاورون فيك ويرتئون، قال النَّمِرُ بن تَوْلَب:
أَرى الناسَ قَدْ أَحْدثُوا شِيمةً … وفي كُلِّ حادثةٍ يُؤْتَمَرْ (3)
وقال ربيعةُ بنُ جُشمَ النَّمَريُّ:
أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ … ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (4)
ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك». (5)
فأبو عبيدة لم يقتصر على تفسير الموامرة بالمشاورة فحسب، ولكنه فسرها بالهَمِّ والمشاورة، واستشهد عليها ببيت للنمر بن تولب أيضًا. وشرح ابن قتيبة لمعنى بيت ربيعة بن جشم بقوله: «وكيف يعدو على المرء ما شاور فيه … الخ فهم غير سديد للبيت، وفهم أبي عبيدة أجود وهو قوله: «ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك».--------------------------------------------
(1) غريب القرآن 330 - 331.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 18/ 201.
(3) انظر: ديوانه 64.
(4) هذا الشاهد مما اختلف في نسبته، فنُسِبَ لامرئ القيس كما في ديوانه 154، وخزانة الأدب 1/ 374، المقاصد النحوية للمرادي 1/ 95، ونُسبَ للنمر بن تَولَب كما في ملحق ديوانه 404، ونسبه ابن قتيبة في «المعاني الكبير» 3/ 1259 لربيعة بن جشم كما ذكر أبو عبيدة.
(5) مجاز القرآن 2/ 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 670)
والغالب على شرح الشواهد الشعرية في كتب غريب القرآن ومعانيه الاختصار والإيجاز، ولا يطيلون الشرح إلا للأبيات التي تكون موضع خلاف.
ومن ذلك قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] (1): «أي نصيبًا. ويقال: شِبْهًا ومِثْلًا؛ إذ عبدوا الملائكةَ والجنَّ. وقال أبو إسحاق [الزجاجُ] (2): إِنَّ معنى جُزءًا ههنا: بناتٌ. يُقال: لهُ جُزءٌ مِن عيالٍ، أَي: بنات. قال: وأنشدني بعضُ أهل اللغة بيتًا يدل على أَنَّ معنى (جُزء) معنى إِناث، قال: ولا أدري البيتُ قديمٌ أم مصنوع؟ :
إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ … قَدْ تُجْزئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحيانا
فمعنى: إن أجزأت، أي: آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعضُ أهلِ اللغةِ: أَجزأَ الرجلُ، إذا كان يُولَدُ لَه بناتٌ. وأجزأت المرأةُ: إذا ولدت البناتِ. وأنشد المفضَّلُ:
زُوِّجتُها مِنْ بناتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً … لِلعَوسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ». (3)
وقد كان أبو عبيدة في شرحه للغريب يعتمد كثيرًا في الاستدلال على الشعر، ولذلك كان ابن قتيبة يسلك المسلك نفسه في تعقب أبي عبيدة، فيصيب أحيانًا ويخالفه الصواب أحيانًا أخرى. ومن ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [إبراهيم: 9] (4) قال في تفسير قوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (5) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا--------------------------------------------
(1) الزخرف 15.
(2) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 406 - 407 والزجاج متوفى 311 هـ.
(3) غريب القرآن 396.
(4) إبراهيم 9.
(5) مجاز القرآن 1/ 336.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 671)
أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فيه إذا أمسك عن الشيء، والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عَضُّوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (1)
يَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (2)
يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي:
قَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ … فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا
يقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ عز وجل في موضعٍ آخر: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119] (3)». (4) فابن قتيبة قد استشهد بالشعر لإثبات صواب ما ذهب إليه، وخطأ ما ذهب إليه أبو عبيدة في تفسيره لهذه الآية، مع إن أبا عبيدة قد فسر الآية تفسيرًا إجماليًا وهو تفسير قال به قتادة، حيث فسرها بقوله: «قومهم كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردوا عليهم بأفواههم». (5) وقد رد تفسير أبي عبيدة الإمام الطبري أيضًا، وذهب إلى أنه قول لا وجه له، ورجح القول الذي ذهب إليه ابن قتيبة، وهو تفسير عبد الله بن مسعود فقال: «وأشبه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عَزَّوَجَلَّ به إخوانهم من المنافقين، فقال: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم مِنْ رَدِّ اليدِ إلى الفم». (6)--------------------------------------------
(1) لم أعثر عليه.
(2) لم أقف عليه عند غير ابن قتيبة، ولم يورد غير هذا الشطر هنا، وفي كتابه المعاني الكبير 834.
(3) آل عمران 119.
(4) غريب القرآن 230 - 231.
(5) انظر: تفسير الطبري (هجر) 13/ 608.
(6) المصدر السابق 13/ 609.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 672)
المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند مؤلفي كتب معاني القرآن وغريب القرآن
بعد بيان منهج أصحاب المعاني والغريب في إيراد الشواهد الشعرية، ودراسة طريقهم في عرضها عند الاستشهاد بها، من المناسب بيان مكانة الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبة، ومَنْزلته بين الشواهد الأخرى، وهل اعتمدوا على الشاهد الشعري في بَحثهم في تفسير الآيات؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كانوا قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن قياس مقدار هذا الاعتماد؟ وهذا ما يتناوله هذا المبحث.
أولًا: اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري.
يدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. ولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً». (1)
وللشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه ظهور واضح،--------------------------------------------
(1) البرصان والعرجان والعميان والحولان 104، وانظر ص 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 673)
ومكانة خاصة، فقد كان أصحاب هذه المصنفات من رواة الشعر الأوائل أو من طبقة تلاميذهم، ولذلك كان الشعر أهمَّ ما استشهد به أهلُ المعاني والغريب في بيان الدلالة اللغوية، والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها كتابه، إذ كان بعضهم يعتمد عليه اعتمادًا كليًا حتى عيب به كأبي عبيدة في «مجاز القرآن»، وبعضهم يقتصد كالأخفش والفراء، وسيأتي تفصيل ذلك.
وقد تقدم بيان أنه لا يشترط وجود شواهد من الشعر لبيان كُلِّ لفظٍ في القرآن الكريم؛ لعدمِ الحاجة إلى ذلكَ، لأن أغلب ألفاظ القرآن ظاهرة لا تحتاج في بيانها إلى الاستشهاد بالشعر أو غيره. ولم يكن أهلُ اللغةِ يعتمدون في بيان المفردات في الغالب إلا على شعر العرب وكلامهم، دون الرجوع لتفسير الصحابة والتابعين للقرآن مع أنهم أعلم بالقرآن ولغته على حد سواء، وذلك «لأَنَّهم إمَّا عَرَبٌ تُنقلُ عن مثلهم اللغةُ، كالصحابةِ وكبار التابعين، الذين عاصرهم اللغويون الذين نقلوا اللغةَ ودونوها، وأَقلُّ حالِ مُفسري أتباعِ التابعين أنْ يكونوا بِمنْزِلةِ هؤلاء اللغويين في نقلِ اللغة». (1) والمفردات التي أخذها اللغويون عن المفسرين كثيرة، وقد أفردها بعض العلماء بالذكر. (2)
أهل المعاني من اللغويين واستشهادهم بالشعر:
وقد كان اللغويون المتقدمون أهلَ عنايةٍ بحفظِ الشعر عامة، وشعر الشواهد خاصة، واشتهر من اللغويين وأهل المعاني بحفظ شواهد الشعر محمدُ بن القاسم الأنباريِّ (ت 328 هـ) فذكر تلميذه أبو علي القاليِّ أنه--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم 560.
(2) انظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله للسمرقندي 98 باب ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصل عند النحويين ولا في اللغة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 674)
كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ من الشعر شواهد في تفسير القرآن (1)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ من أهل اللغة والتفسير، وهذا يستحق الوقوف عنده، لمناسبة الحديث عن أصحاب معاني القرآن وغريبه وهو منهم، ولمعرفة حقيقة هذه الكثرة من الشواهد التي كان يحفظها، ومنهجه الذي كان يسلكه في الاستشهاد بها.
ومِمَّا يؤسَفُ عليه أَنَّ كتابيه في معاني القرآن، وغريب القرآن من المفقودات (2)، وقد ذُكِرَ أنه يبلغ خمسًا وأربعين ألف ورقة، ولو عُثِرَ عليهِما لتبيَّنَ منهجهُ في الاستشهاد على غريب القرآن وبيان معانيه، غير أنَّ في مصنفاته التي طُبعت (3) ما يدلُّ على شيء من ذلك، فقد تجاوز عدد شواهده في كتاب «المذكر والمؤنث» ألفَ شاهدٍ من الشعر، مع صغرِ حجمهِ، وهو في هذا الكتابِ رُبَّما استشهد على بعض المسائل بتسعة شواهد من الشعر، كاستشهاده على لفظة «المَنُونِ»، و «الكَبِدِ»، و «سرى وأسرى» وغيرها. (4) وفاقت شواهد الشعر في كتاب «الأضداد» الثمانمائة شاهد (5)، وأما شواهد «الزاهر» فقاربت الثلاثة الآف شاهد (6)،
وبلغت شواهد «إيضاح الوقف والابتداء» ما يقارب الثلاثمائة شاهد من--------------------------------------------
(1) انظر: معرفة القراء الكبار 1/ 281.
(2) انظر: تاريخ بغداد 3/ 184، إنباه الرواة 3/ 204، معجم الأدباء 18/ 312 وأجمعوا على أنه لم يتمه.
(3) طُبِعَ من كتبه: الأضداد، إيضاح الوقف والابتداء، شرح الألفات، شرح خطبة عائشة في أبيها، شرح ديوان عامر بن الطفيل، شرح القصائد السبع الطوال، الزاهر في معاني كلمات الناس، المذكر والمؤنث، ومجلس من أماليه، ورسائل صغيرة.
(4) انظر: المذكر والمؤنث بتحقيق الدكتور محمد عضيمة رحمه الله 1/ 15، 273، 348، 432.
(5) انظر: الأضداد، فهارس الشعر 463 - 483.
(6) قمت بعد الشواهدِ فبلغت 2940 شاهدًا، حيث لا يوجد فهرس لطبعة مؤسسة الرسالة المُحققة التي عندي، وأخبرني فضيلة الشيخ المشرف بوجود فهرس للكتاب غير أني لم أجده بعد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 675)
الشعر (1)، بل إن مجلسًا من أماليه في ست ورقات، بلغت الشواهد فيه ثمانية عشر شاهدًا (2)، وقد روى أبو علي القالي كثيرًا من شواهده الشعرية في تفسير القرآن (3).
ومن سعة حفظه للشواهد كان يكثر من إيرادها في مصنفاته، ويرى الإخلال بها في مواضعها نقصًا ينبغي تداركهُ، ولذلك عندما رأى كتاب المفضل بن سلمة «الفاخر» خاليًا من شواهد الشعر، شرع في تصنيف كتابه «الزاهر»، وبناه عليه (4)، وزاد فيه من الشعر ما زاد به حجم الكتاب، مع إيراده مسائل متفرقة من نحو الكوفيين. وقد دفع هذا الإكثارُ من الشواهد في الكتاب، وما في الكتاب من نصرة مذهب الكوفيين معاصره أبا إسحاق الزجاجي إلى اختصاره، وقال في بيان سبب اختصاره: «هذا كتاب جمعت فيه جمل الألفاظ التي ذكرها أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الموسوم بالزاهر، فشرحتها مختصرة موجزة، وحذفت عنها الشواهد وما تعلق بها من كلامه المطول، ليقرب حفظها على من أرادها». (5)
وكان يُكثرُ تخطئةَ ابنِ قتيبة (ت 276)، وشيخه أبي حاتمٍ السجستانيِ (ت 255)، وصنَّفَ في ذلك كتبًا، وقد أشار إلى ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية فقال: «وابن الأنباري … من أكثر الناس كلامًا في معاني الآي المتشابهات، يذكر فيها من الأقوال ما لم ينقل عن أحد من السلف، ويحتج لما يقوله في القرآن بالشاذ من اللغة، وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة، وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث، وأتبع--------------------------------------------
(1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 2/ 1044 - 1059.
(2) انظر: مجلس من أمالي ابن الأنباري، بتحقيق إبراهيم صالح 38.
(3) انظر: أمالي القالي 1/ 4، 9، 27، 29، وغيرها.
(4) انظر: الفاخر للمفضل بن سلمة 1.
(5) مقدمة محقق الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 676)
للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه في ذلك، وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة، لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة». (1)
ولعل هذا يُفسِّرُ قلة احتفال العلماء بكتب التفسير التي ذكر أنها اشتملت على عدد كبير من شواهد الشعر، خرجت به عن المقصود كما ذكر الذهبيُّ عن تفسير عبد الوهاب بن مُحمدٍ الشيرازيّ (ت 500 هـ)، الذي ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (2)، وذكر السهيليُّ أنه رآه، وسَمِعَ ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكِّدةِ لفصاحته. (3) حيث إن في كثرة إيراد الشواهد الشعرية على الألفاظ ما يدعو للملل، ويزهد في القراءة، ولذلك كان المنهج الذي سار عليه الطبري وأمثاله من المفسرين، وأصحاب المعاني والغريب، من الاكتفاء بما يؤدي الغرض في الاستشهاد هو المنهج الأمثل في الاستشهاد في تفسير القرآن الكريم. وقد كتب لهذه المصنفات القبول، وحفظت للناس، وتناقلها العلماء جيلًا بعد جيل.
وأَمَّا أبو عبيدة فقد كان أكثر أصحاب المعاني والغريب اعتمادًا على الشعر في شرحه لغريب القرآن، ومن ذلك أنه عند قوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)} [الواقعة: 29] (4) قال: «زعم المفسرون أَنَّه الموزُ، وأمَّا العربُ، الطَّلْحُ عندهم شجرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوكِ، وقال الحادي:
بشَّرَها دليلُها وقالا … غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا (5)». (6)
وهذا القول مُخالفٌ لتفسير أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين، ولذلك ردَّ تفسيرَهُ هذا الطبري فقال: «وأمَّا الطلحُ فإِنَّ مَعْمَرَ بنَ المثنَّى--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 17/ 410 - 411.
(2) انظر: سير أعلام النبلاء 19/ 249، طبقات المفسرين للداوودي 2/ 370.
(3) انظر: طبقات المفسرين للأدنه وي 151.
(4) الواقعة 29.
(5) قائله هو النابغة الجعدي كما في الجامع لأحكام القرآن 17/ 208.
(6) مجاز القرآن 2/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 677)
كان يقول: هو عند العربِ شجرٌ عظامٌ، كثيرُ الشوكِ، وأنشد لبعض الحُداةِ:
بشَّرَها دليلُها وقالا … غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا
وأَمَّا أهلُ التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموز». (1) وكان في تفسير علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم له بالموز ما يكفي للقول بأنه قول العرب، والتفسير الصحيح للفظة، غير أن أبا عبيدة واللغويين لم يلتفتوا كثيرًا لتفسير السلف لألفاظ القرآن، فوقعوا في مثل هذا. (2)
في حين كان الفراءُ مع كثرة سَماعه من العرب، وسعةِ محفوظهِ ينظرُ للشعرِ على أنَّه أقلُّ مرتبةً في الاستشهاد من القرآن الكريم، فإذا وجدَ الشاهدَ من القرآنِ قدَّمَهُ. ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22)} [الواقعة: 20 - 22] (3) مبينًا القراءة في الآية الأخيرة: «فخفض بعضُ القراء، ورفع بعضهمُ الحُورَ العِيْنَ. قال الذين رفعوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على معنى قولهم: وعندهم حورٌ عينٌ، أو مع ذلك حُورٌ عينٌ، فقيل: الفاكهةُ واللحمُ لا يُطافُ بِهما إنما يُطافُ بالخَمر وحدَها والله أعلم، ثم أُتبِعَ آخرُ الكلامِ أَوَّلَه، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، وأنشدني بعضُ بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها (4)
والكتابُ أَعرَبُ وأقوى في الحُجةِ من الشعر». (5) وقال في موضع آخر: «ورُبَّما تركت العربُ جوابَ الشيء المعروفِ معناهُ، وإن تُرِكَ--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (هجر) 22/ 310 - 312، المحرر الوجيز (قطر) 14/ 245، الجامع لأحكام القرآن 17/ 208.
(2) انظر: غريب الحديث للحربي 2/ 631، التفسير اللغوي للقرآن الكريم 572.
(3) الواقعة 20 - 22.
(4) تقدم تخريجه.
(5) معاني القرآن 1/ 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 678)
الجوابُ، قال الشاعر (1):
فأُقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسُولُهُ … سِواك ولكنْ لَمْ نَجد لكَ مَدْفَعا (2)
وقال اللهُ تبارك وتعالى وهو أصدقُ مِنْ قولِ الشاعر: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} [الرعد: 31] (3) فلم يُؤتَ لَهُ بِجوابٍ، والله أعلمُ». (4)
وفي هذا دلالة على اهتمام الفراء بشواهد القرآن اللغوية، واعتداده بها، ولعلَّ هذا كان سببًا في قلة الشواهد الشعرية عند الفراء موازنةً بالشواهدِ من القرآن الكريم، فقد بلغت شواهد القرآن في كتابه أكثر من ألف وخمسمائة وأربعة وستين شاهدًا من القرآن الكريم وهو عدد كبير، إذا وازنته بموقف النحويين في عصره من الشاهد القرآني (5)، في حين بلغت شواهد الشعر (785) شاهدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه، وكأنه يرد بسلوكه هذا المنهج على من جعل الشعر هو الحجة والدليل، ولم يلتفت إلى شواهد القرآن ويتخذها أصلًا لبناء قواعده، وأحكامه في اللغة، كما فعل سيبويه في كتابه، وأبو عبيدة في مجاز القرآن.
وقد سار على هذا المنهج ابن الأنباري مع كثرة حفظه لشواهد الشعر، فقال وهو يحتج لقول الفراء: إن الفردوس هي البستان بالعربية أيضًا (6): «والدليل على صحة قول الفراء أنَّ العربَ قد ذكرت الفردوس في أشعارها، قال حسان في التأنيث:
وإِنَّ ثوابَ اللهِ كُلَّ مُوحِّدٍ … جِنانٌ من الفِرْدَوسِ فيها يُخَلَّدُ (7)--------------------------------------------
(1) هو امرؤ القيس بن حجر.
(2) انظر: ديوانه 242.
(3) الرعد 31.
(4) معاني القرآن 2/ 7، 82، 87، 3/ 94.
(5) بلغت شواهد القرآن عند سيبويه دون المكرر أربعمائة وخمسين شاهدًا، وشواهد المقتضب للمبرد من القرآن تجاوزت خمسمائة آية. انظر: منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن للدكتور سليمان خاطر 20، مقدمة تحقيق المقتضب 1/ 95.
(6) انظر: معاني القرآن 2/ 231.
(7) انظر: ديوانه 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 679)
وقال عبد الله بن رواحة:
ثُمَّ لا يُنْزَفُونَ عنها ولكنْ … تُذهِبُ الهَمَّ عنهمُ والغَليلا
في جِنانِ الفِرْدوسِ ليس يَخافونَ … خُروجًا منها ولا تَحويلا (1)
وقال الله تعالى - وهو أَصْدقُ قِيلًا: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} [المؤمنون: 11] (2)». (3) وقال في رده على أبي حاتم السجستاني أن معنى الفارض: التي ليست بصغيرة جدًا، ولا كبيرة جدًا، يعني بينهما في السن: «وهذا خطأ منه؛ لأن الفارض عند العرب المسنة الهرمة، الدليل على هذا قول أبي ذؤيب:
لَعَمْرِي لقد أَعطيتَ ضيفَكَ فارِضًا … تُساقُ إليهِ لا تقومُ على رِجْلِ
ولم تُعطهِ بِكْرًا - فَيَرضَى - سَمينةً … فكيف تُجازَى بالعطيَّةِ والبذلِ (4)
وقال الله جل وعلا - وهو أصدقُ قيلًا: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] (5) فالفارض: المسنة». (6)
وهذا دليلٌ على عناية الكوفيين بالاستشهاد بالقرآن الكريم، والنص على ذلك، وتقديمه على الاستشهاد بالشعر، مع كثرة محفوظهم من شواهد الشعر، غير أنهم لم يرتضوا منهج أمثال أبي عبيدة في كثرة اعتداده بشاهد الشعر دون القرآن على وجه الخصوص. (7) وقد أصبح هذا الأمر محل إجماع عند العلماء فيما بعد حتى قال ابن خالويه: «قد أجْمعَ الناسُ جَميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير--------------------------------------------
(1) فات جامع ديوانه وليد قصاب، ولم أجدهما عند غير ابن الأنباري، وانظر: الزاهر لابن الأنباري 1/ 503، 2/ 196.
(2) المؤمنون 11.
(3) المذكر والمؤنث 1/ 498 - 499، وانظر: 1/ 522، 526.
(4) البيتان ليسا في ديوان الهذليين ولا في التمام لابن جني، وهما في الأضداد لابن الأنباري 329.
(5) البقرة 68.
(6) المذكر والمؤنث 1/ 532 - 533.
(7) انظر: حياة الشعر في الكوفة ليوسف خليف 656.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 680)
القرآن، لا خلاف في ذلك». (1) غير أن العلماء الذين صنفوا في معاني القرآن وغريبه وإعرابه ونحو ذلك، وكلهم من أهل النحو واللغة - على الرغم من هذا الإجماع - قد غلب الشاهد الشعري على مصنفاتهم بصفة عامة، وهذا ما وصل إليه بعض الباحثين من «أنَّ الظاهرةَ الواضحة في كتب النحو العربي هي الاعتمادُ الأساسيُّ على الشِّعرِ، إذ يكونُ وحدَه العنصرَ الغالبَ في دراسات النحويين المتقدمين والمتأخرين من بين مصادر الاستشهاد». (2) والذين صنفوا في معاني القرآن ابتداء كالفراء والأخفش والزجاج وغيرهم قد قصدوا إظهار آرائهم النحوية سواء كانوا من البصريين أو الكوفيين، فجاءت كتبهم مشتملة على جل مسائل النحو، مما جعلها مصادر أساسية لدراسة النحو ونشأته، مما جعلها أقرب إلى كتب النحو منها إلى كتب الدراسات القرآنية. وقد كان كتاب معاني القرآن للأخفش أقرب كتب المعاني للدراسات النحوية الخالصة، وغلب على شواهده الشعرية الشواهد النحوية (3)، ثم يليه الفراء في ذلك (4)، ثم الزجاج.
ثانيًا: مدى اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري.
تقدم أنَّ أصحابَ المعاني والغريب قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في كتبهم، وكانوا أكثر اعتمادًا عليه من المفسرين، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية:--------------------------------------------
(1) المزهر للسيوطي 1/ 213، وهو منقول من شرح الفصيح لابن خالويه.
(2) الرواية والاستشهاد للدكتور محمد عيد 138.
(3) انظر: فهرس النحو في الجزء الثاني من معاني القرآن للأخفش بتحقيق هدى قراعة 2/ 765 - 802.
(4) انظر: فهارس معاني القرآن للفراء لفايزة المؤيد 115 - 163، 211 - 257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 681)