وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر». (1) فأدخل ابنَ عباسٍ مع أهل المعاني، وهو من الصحابة ولم ينسبه أحد إلى أهل المعاني ممن ترجم له، ولكن لأَنَّه ممن تكلم في معاني الآيات وتفسيرها، صح إطلاق ذلك عليه باعتبار ما نقل عنه من التفسير والنظر الدقيق.
وربما أطلقوها على مفسري التابعين، كما في قول القرطبي: «وقال جَماعةٌ من أهلِ المعاني منهم الضحاكُ والفراء في قوله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] (2) على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء». (3) والضحاك (ت 105) متقدمُ الوفاةِ، ويُعدُّ في طبقة مفسري التابعين (4) ولكن لكلامه عن معاني الآيات أدخله مع أهل المعاني كالفراء.
وربما قصدوا بها عموم أهل التفسير، كما في قول السمعاني: «وذكر الفراء عن بعض أهل المعاني أن معنى الآية يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يستمعونَ، وسائرُ النحاةِ أنكروا تقدير الباء ها هنا». (5)
وعندما رجعت لقول الفراء إذا هو يقول: «وقوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] (6) على وجهين: فَسَّرهُ بعضُ المفسرين: يُضاعفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعونَ السمع ولا يفعلون». (7)
وكثيرًا ما ينسب السمعاني قولًا لأهل المعاني، وهو قول المفسرين، ومن ذلك قوله: «قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] (8) قال أبو عبيدة: معناه إِلَّا الذينَ ينتسبونَ إلى--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير 31/ 100.
(2) آل عمران 55.
(3) الجامع لأحكام القرآن 4/ 99.
(4) انظر: البرهان للزركشي 2/ 294، تفسير الضحاك للدكتور محمد شكري 1/ 6.
(5) تفسير السمعاني 2/ 421.
(6) هود 30.
(7) معاني القرآن 2/ 8.
(8) النساء 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
قومٍ، وأنشد فيه قول الشاعر (1):
إذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ … وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (2)
يعنى إذا انتسبت تلك القبيلة. وأنكرَ أهلُ المعاني هذا على أبى عبيدةَ، وقالوا هذا لا يستقيم في معنى هذا الاستثناء المنعُ من القتلِ، وما كان المنعُ لأجلِ النسبةِ فإِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقاتل المشركين من قريش وإن كانوا من نسبه بل معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ} [النساء: 90] أَي: يُخالطونَ ويتصلونَ بقومٍ كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعةٌ وعهدٌ». (3) والذين أنكروا هذا على أبي عبيدة هم المفسرون كالطبري. (4)
3 - اللغويين والنحويين.
رُبَّما يعبر المفسرون كالسمعاني بأهل المعاني بما يوحي أنه يعني به النحويين خاصة في مثل قوله: «قال أهل المعاني من أرباب النحو» (5) ومثل ذلك قول ابن جُزَيٍّ الكلبي: «وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس». (6) وقال الرازي: «وهذا قولُ جَميعِ أهل المعاني والعربية». (7) ولذلك عَرَّفت مُحققةُ «معاني القرآن» للأخفش معانيَ القرآنِ بأَنَّهُ: «التفسير النحوي للقرآن». (8)
4 - البلاغيين.
وربما عنى المفسرون بأهل المعاني أهل العناية بالبحث في بلاغة القرآن خاصة، ولا سيما ما سُمِّي بعلم المعاني منه، وكثيرًا ما ينقل--------------------------------------------
(1) هو الأعشى.
(2) انظر: ديوانه 81
(3) تفسير السمعاني 1/ 459 - 460.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 7/ 293، المحرر الوجيز 4/ 201 - 202.
(5) تفسير السمعاني 2/ 83، 3/ 75.
(6) التسهيل لعلوم التنزيل 1/ 10.
(7) المصدر السابق 21/ 70.
(8) مقدمة تحقيق معاني القرآن للأخفش لهدى قراعة 1/ 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
المفسرون عن أهل المعاني استنباطات بلاغية من تعبير القرآن تدل على إعجاز القرآن البلاغي، ومن أدلة ذلك قول الرازي عند تفسير قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] (1): «اتفق المفسرون على أن كلمة «عسى» من الله واجبٌ، قال أهلُ المعاني: لأَنَّ لفظة «عسى» تفيدُ الإطماعَ، ومن أطمعَ إنسانًا في شيءٍ ثم حَرَمَهُ كان عارًا، والله تعالى أكرمُ مِنْ أَنْ يُطمعَ أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك». (2)
وأما المفسرون المتأخرون فمِمَّن كرَّر هذه العبارة الإمام الشوكاني (ت 1250)، في سبعة مواضع من تفسيره، وهو ناقل لأكثرها من عبارات المتقدمين، وفيها مواضع عَنَى بِها أهلَ «علم المعاني» أحدِ علومِ البلاغة الثلاثة كما تقدم. (3)
ثم جاء الألوسي (ت 1270) في تفسيره، فكرر هذه العبارة ستًا وعشرين مرةً وهو يريدُ بِها أهلَ عِلمِ المعاني أحدِ عُلومِ البلاغةِ دون غيرهم. (4)
5 - أهل الاستنباط.
من خلال التأمل في المقصود بعبارة «أهل المعاني» في كتب التفسير المكثرة من استعمالها، ما يؤكد أن المقصود بها أهل الاستنباط للمعاني الدقيقة من الآيات القرآنية من أهل اللغة والنحو وأهل التفسير على حد سواء. (5) وأغلب من ينصرف له إطلاق الرازي لهذا المصطلح--------------------------------------------
(1) الإسراء 79.
(2) التفسير الكبير 21/ 26.
(3) انظر: فتح القدير 2/ 86، 4/ 145، 170، 5/ 87، 160، 351، 434.
(4) روح المعاني 1/ 147، 309، 4/ 136، 5/ 110، 7/ 95، 9/ 83، 185، 11/ 41، 12/ 116، 163، 13/ 27، 160، 190، 192، 14/ 20، 193، 15/ 140، 147، 229، 16/ 60، 18/ 164، 239، 19/ 111، 26/ 186.
(5) انظر: تفسير السمعاني 1/ 205، 2/ 343، 353 - 354، 404، 412، 3/ 402.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
هو من تنسب له أقوال في استخراج المعاني الدقيقة من الآيات سواء عن طريق اللغة أو غيرها، ويدخل أصحاب كتب المعاني في ذلك دخولًا أوليًا لعنايتهم بذلك.
وفي تعبير مكي بن أبي طالب ما يدل على ما تقدمَ مِنْ أنَّ أهلَ المعاني ليس مُختصًا بأهلِ اللغةِ خاصةً، وإنما يشمل مَنْ تكلَّم في لغة القرآن وإعراب الآيات ومعانيها وأحكامها حيث قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] (1) الآية: «قال مكيُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآياتُ عند أهل المعاني مِنْ أَشكَلِ ما في القرآن إعرابًا ومعنىً وحكمًا». (2)
وقد أدخل المصنفون في معاني القرآن إعراب القرآن في مصنفاتهم، وبعضهم نص على ذلك في عنوانه كالزجاج، وبعضهم لم يشر إلى ذلك كأبي عبيدة، والأخفش. مما يعني دخول إعراب القرآن في معاني القرآن. (3)
أما النَّحاسُ فقد أفرد لكلٍّ منهما كتابًا مختصًا به، ولعله أول من فعل ذلك بشكل ظاهر، فقد خصص كتابه «معاني القرآن» لبيان المعاني وقد سبق نقلُ كلامهِ في تقديم الكتاب، وخصَّ «إعراب القرآن» بإعرابِ القُرآنِ ومسائلِ النحو فيه، فقال في مقدمته: «هذا كتابٌ أذكرُ فيه - إن شاء الله- إعرابَ القرآن، والقراءات التي تَحتاجُ أن أُبيّنَ إعرابَها والعِللَ فيها، ولا أُخليه من اختلاف النحويين، وما يُحتاجُ إليه من المعاني، وما أجازه بعضهم ومنعه بعضُهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن--------------------------------------------
(1) المائدة 106.
(2) المحرر الوجيز (قطر) 5/ 77 ولم أجد كلام مكي في المطبوع من كتبه، ولعل قوله هذا في تفسيره «التحصيل لفوائد التفصيل الجامع لعلوم التنزيل» وهو من مصادر ابن عطية المهمة في تفسيره، ولم يُطبَع بعد فيما أعلم. وانظر في تفسير هذه الآية: معاني القرآن للزجاج 2/ 216، معاني القرآن للنحاس 2/ 380.
(3) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة 1/ 145 - 148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
الجموع واللغات، وسَوقِ كلِّ لغةٍ إلى أصحابها». (1)
ومِمّا يؤكدُ تفريقه بين إعراب القرآن ومعانيه إشارته إلى أنه ذكر في إعراب القرآن «ما يُحتاجُ إليه من المعاني» دون الاستطراد فيها، وقوله بعد ذلك: «ولعلَّه يَمرُّ الشيءُ غَيْرَ مُشْبَعٍ، فيتوهمُ متصفحهُ أنَّ ذلك لإغفالٍ، وإنما هو لأَنَّ له موضعًا غير ذلك، ومذهبُنا الإيجازُ، والمَجيءُ بالنُّكتةِ في موضعها من غير إطالةٍ، وقصدنا في هذا الكتابِ الإعراب وما شاكلَه». (2) وهذا تفريق واضح بين إعراب القرآن ومعاني القرآن، وكأنه يعني بالمواضع اللائقة التي ترك التفصيل فيها في كتابه هذا ما فَصَّلَه في كتابه الآخر «معاني القرآن»، حيث قد صنف «معاني القرآن» قبل «إعراب القرآن»، بدليل أنه قد وردت إحالات كثيرة في «إعراب القرآن» إلى «معاني القرآن». (3)
- المطبوع من كتب «معاني القرآن»:
أفرد المؤلفون في أسماء الكتب معاني القرآن بالذكر، وذكروا عددًا من المصنفات فيه طُبع منها عددٌ قليلٌ، وفُقِد أكثرُها. فمِمّا طبع منها الكتب التالية:
- معاني القرآن للفراء (ت 207 هـ). (4).
- معاني القرآن للأخفش (ت 215 هـ) (5).
- معاني القرآن وإعرابه للزجاج (ت 311 هـ) (6).--------------------------------------------
(1) إعراب القرآن للنحاس 1/ 165.
(2) إعراب القرآن 1/ 165.
(3) انظر: إعراب القرآن 1/ 344، 2/ 133.
(4) طبع بتحقيق أحمد يوسف نجاتي، ومحمد النجار، وعبد الفتاح شلبي في ثلاثة مجلدات.
(5) حقق ثلاث مرات أولها تحقيق عبد الأمير الورد في رسالته للدكتوراه، ثم تلاه فايز فارس، ثم هدى قراعة، وتميز التحقيق الأخير بإحصاء نقول الطبري عن الأخفش.
(6) طبع في خَمسة مجلدات بتحقيق عبد الجليل شلبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
- معاني القرآن للنحاس (ت 338 هـ) (1).
- إيجاز البيان في معاني القرآن للنيسابوري (ت 553). (2)
وأما المفقودة فكثيرة أولُها لواصلِ بن عطاء المعتزلي (ت 131)، وأبان بن تغلب (ت 141)، وغيرهم. (3)
ويُعدُّ كتاب «معاني القرآن» ليحيى بن زياد الفراء (ت 207) من أهم كتب المعاني التي طُبعت، وهو أقدمُ كتابٍ مطبوعٍ يُمثِّلُ المذهبَ الكوفيَّ في النحو، وقد اعتمد عليه الدارسون للمدارس النحوية لتبين معالم منهج المدرسة الكوفية (4)، ونظرًا لمكانة مؤلفه، وكثرة شواهده الشعرية التي بلغت (785) شاهدًا، فقد خصصته بدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري، ومدى اعتماده على شواهد الشعر، وأغراض الاستشهاد بالشعر فيه، وبيان أثره في كتب التفسير التي صُنِّفتْ بعدَه فيما يخص الاستشهاد بالشعر في بيان معاني القرآن.
وهناك كتاب آخر قريب الصلة بكتب معاني القرآن، وهو كتاب «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة، وهو حافلٌ بالشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده (339) شاهدًا شعريًا، مِمّا جعلني أضيفه للكتب التي درستها في هذا البحث، لعلاقته بها من حيث بيان معاني الآيات المشكلة على وجه الخصوص، وكثرة الاستشهاد على ذلك بالشعر.
ومُشْكِلُ القرآن ما أَشْكَلَ فهمُه والتبَسَ لدخولهِ في شَكْلِ غَيْرِه، وهو--------------------------------------------
(1) طُبِعَ ناقصًا لنقص مخطوطته الوحيدة بتحقيق محمد الصابوني، في جامعة أم القرى في ستة مجلدات.
(2) حققه الدكتور علي العبيد، وطبعته مكتبة التوبة بالرياض في مجلدين.
(3) انظر: الفهرست 53، النحو وكتب التفسير لرفيدة 1/ 112 - 130، إيجاز البيان للنيسابوري 1/ 13
(4) انظر: دراسة في النحو الكوفي من خلال معاني القرآن للفراء للمختار أحمد ديره 109 - 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
مأخوذ من الشَّكْلِ الذي هو المِثْلُ والشِّبْهُ. (1) ثم يقال لما غمض وإن لم يكن غموضه لإشكاله مُشكِلًا. وقد صنفت كتب مشكل القرآن للرد على الطاعنين في القرآن لسوء فهمهم لبعض آياته التي قد يلتبس فهمها على من لا علم عنده، ولذلك صنف أبن قتيبة وغيره من العلماء كتبًا في بيان مشكل القرآن. وقد اخترت كتاب ابن قتيبة لوفرة شواهده، وتقدمه، واعتماد العلماء عليه في مصنفاتهم وتفاسيرهم. (2)
ثانيًا: كتب غريب القرآن.
من أول الدراسات القرآنية التي صنف فيها العلماء غريب القرآن الكريم، وهو يُعنى ببيان مُفردات القرآن، وفيما يلي بيان للمقصود بالغريب في اللغة ثم بيان المقصود باصطلاح غريب القرآن، وإشارة إلى أهم المصنفات فيه.
أ - التعريف اللغوي:
الغريبُ في اللغة هو الرجلُ البعيدُ عن وطَنِهِ (3)، ومن الكلامِ الغامضُ المُعمَّى لبُعْدِه عن الفَهْمِ والإدراك. (4) قال الأزهريُّ: «الغريبُ من الكلامِ: العُقْمِيُّ الغامض». (5) وذكر أهلُ اللغة أنَّ الكلامَ العُقْميَّ هو غَريبُ الغريبِ (6) لشدةِ غُموضهِ، وفي هذا إشارة أنَّ للغرابة والخفاء درجات متفاوتة، وأن منه ما غاب المراد منه، وانقطع استعماله.
وقال الخطَّابيُّ في تعريفه: «الغريبُ من الكلام إنما هو الغامضُ البعيدُ من الفهم، كالغريب من الناسِ إِنَّما هو البعيدُ عن الوطنِ، المنقطعُ--------------------------------------------
(1) انظر: لسان العرب (شكل) 7/ 176.
(2) انظر: تأويل مشكل القرآن 77.
(3) انظر: لسان العرب 10/ 33 (غرب).
(4) انظر: العين 4/ 411، تهذيب اللغة 8/ 115.
(5) تهذيب اللغة 8/ 115.
(6) انظر: تهذيب اللغة 1/ 288، الصحاح 5/ 1988، المحكم 1/ 149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
عن الأهلِ، ومنه قولك للرجلِ إذا نَحَّيتَهُ وأقصيتَه: اغْرُب عَنّي، أَي: ابعد، ومن هذا قولهم: نَوىً غَرْبَةٌ، أي بعيدةٌ … وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر». (1) وليس للفظةِ «غَرَبَ» قياسٌ واحدٌ تدلُّ عليهِ مشتقاتها، وإنما هي عبارات متفاوتة المعنى، ولذلك قال ابن فارس فيه: «الغَين والراء والباء أصلٌ صحيحٌ، وكلمُهُ غيرُ مُنقاسةٍ، لكنَّها مُتجانسةٌ، فلذلك كتبناه على جهته مِنْ غير طلبٍ لِقياسِهِ». (2) غير أن المعاجم لا تكاد تختلف في المقصود بالغريب من الكلام كما تقدم. (3)
ب- دلالة الغريب:
ألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى وغموضه، قال أبوحيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين:
- قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت.
- وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (4)
والتعريف المختار لغريب القرآن هو الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (5)
وكتب غريب القرآن لم تقتصر على اللفظة الغامضة البعيدة عن الفهم، وإنما تجاوزتها فذكرت مُعظَم الألفاظ التي وردت في القرآن،--------------------------------------------
(1) غريب الحديث للخطابي 12.
(2) مقاييس اللغة 4/ 420.
(3) انظر: المحكم 5/ 299، أساس البلاغة 2/ 159، تاج العروس 1/ 411، المعجم الوسيط 2/ 653.
(4) تحفة الأريب 27.
(5) انظر: تفسير غريب القرآن لزيد بن علي، مقدمة المحقق 10، دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج 1/ 70 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)
وربما ذكر بعضُهم ألفاظًا لم ترد في القرآن. (1) ولعل إطلاق مصطلح الغريب على هذه الألفاظ التي يختلف سبب غرابتها كان بسبب بدء تدوين العلوم، والتفنن فيه، وخاصة في اللغة وعلوم القرآن، فكلما ظهرت لفظة لا يستعملها عامة الناس في آية أو حديث لأي سبب من الأسباب كأن يقتصر استعمال هذه اللفظة على جماعة من العرب لم يكن هذا المؤلف منهم فإنه يطلق عليه كلمة غريب، وبمواصلته البحث يجد له مثالًا في الشعر يؤكد عروبته، وكثرة شواهد الشعر التي تدل على معنى الغريب تدل على عدم الغرابة. وهكذا حتى تكونت هذه المصنفات المتعددة في غريب القرآن والحديث (2).
وذكر الزركشيُّ أن معرفة غريب القرآن هي معرفةُ المَدلولِ (3) أي مدلول الألفاظ دون تخصيصِ الغامضِ منها، وهذا ما صنعهُ المتأخرونَ في تصانيفهم، فلم تقتصر كتب غريب القرآن على اللفظة الغريبة دون غَيْرِها، بل توسع المؤلفون في بيان المفردات التي ليست من الغَريبِ، مستشهدين على ذلك بشواهد الشعر والنثر، وربما توسعوا فتكلموا عن أساليب القرآن، وأكثر هذه الأساليب في كتب الغريب أسلوب التقديم والتأخير. (4)
وللغرابةِ سببٌ لا بُدَّ من مراعاتهِ عند تعريف غريب القرآنِ، وقد أشارَ إلى ذلك الخطابيُّ عندما ذكر أَنَّ الغريب من الكلام تكون غرابته لأحد سببين:--------------------------------------------
(1) انظر: أغفل الأصفهاني في المفردات المواد التالية: زَبَنَ، غَوَطَ، قَرَشَ، كَلَحَ، هَلعَ، لَجَأَ، سَرْدَقَ، حَصَبَ، سَفَحَ، نَضَخَ، قَدوَ، مع ورودها في القرآن. انظر: عمدة الحفاظ للسمين الحلبي 1/ 38 - 39.
(2) انظر: دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج 1/ 77 - 78.
(3) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 388.
(4) انظر: المفردات للأصفهاني 26 من المقدمة، دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج 1/ 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 630)
أحدهما: أن يكون بعيدًا عن الفهم، لغموض معناه، فلا يتناوله الفهم إلا عن بُعْدٍ ومُعاناة فِكْرٍ، فيكون شبيهًا بالإلغاز.
والآخرُ: قلةُ الاستعمال، فيكونُ خاصًا بِمَن بَعُدت دارُه من قبائل العرب، ونأى به المَحلُّ منهم، فإذا وقعت الكلمة من كلامهم لغيرهم من العرب في الحواضر استُغرِبت، وإنما هي كلام القوم وبيانهم. (1) ولذلك فاختلاف اللهجات سبب من أسباب الغرابة، وكذلك التغير الدلالي للفظة، وغير ذلك من الأسباب التي يمكن استخراجها بتتبع كتب الغريب، ومعرفة السمات المشتركة بين ألفاظ الغريب. (2)
والغموض في ألفاظ القرآن يزداد بمرور الوقت، فالغريب في وقت نزول الوحي كان قليلًا جدًا، حتى إنه لم يُحفظ من أسئلة الصحابة عن معاني ألفاظ القرآن إلا القليل، ثم لم تزل الحاجة إلى معرفة ألفاظ القرآن تزداد شيئًا فشيئًا، فكانت المصنفات الأولى صغيرة الحجم، وجيزة العبارة، ثم توسعت حتى أطالت الشرح والبيان في الكتب المتأخرة منها كالمفردات للأصبهاني، وعمدة الحفاظ للحلبي، مِمّا يعني أنَّ الزمنَ له تأثيرٌ في الحكم بغرابة الألفاظ، وشيوعها.
والتنبه للزمنِ والمكانِ في تعريف غريب القرآن يُفسرُ قلةَ المُفرداتِ التي رُويت عن مفسري السلف كابن عباس (ت 68) وعكرمة (ت 105) ثم زيادتها عند زيد بن علي (ت 120) في كتابه المنسوب إليه، ثم زيادتها عند أبي عبيدة (ت 210) وابن قتيبة (ت 276) وغيرهم، واستمرت في الزيادة حتى شَملت جُلَّ ألفاظ القرآن عند الأصفهاني، بل إن السمين الحلبيَّ أَخَذَ على الراغب الأصفهاني إغفاله بعض المفردات التي وردت في القرآن الكريم، مما يعني أنه كان عليه الاستقصاء.--------------------------------------------
(1) انظر: غريب الحديث للخطابي 1/ 13، الصاحبي 69 - 70.
(2) انظر: دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج 1/ 70 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 631)
ومراعاةُ الزمنِ والمكانِ يُشكِّكُ فيما نَسبهُ الفيروزأبادي لابن عباس في كتابه «تنوير المقباس»، من تفسير ألفاظ لم تكن غريبةً في زمن ابن عباس وبيئته التي عاشها. مع ملاحظة ثبات المعنى للفظة الغريبة، فالعبرة بمعناها الذي دلت عليه وقت نزول الوحي لا بعده، وقد ذكر أحد الباحثين أنَّ اللفظة الغريبة «يَختلفُ مدلولهُا مِنْ جيلٍ إلى جيلٍ، ومن بيئة إلى بيئة» (1)، ورُبَّما صح لَهُ ذلك في غير ألفاظ القرآن كما ينبغي أن تفهم وتُفسَّر (2)،
أما ألفاظ القرآن فلا تفهم إلا على معناها وقت نزوله، ولا تحمل على المعاني الحادثة بعد ذلك، وهذا هو سبب وقوف العلماء في قبولهم للشواهد اللغوية من الشعر وغيره على عصر متقدم دون الاستمرار في الاستشهاد بكلام المتأخرين عنه من العرب، حرصًا منهم على الاستشهاد بمن سلمت لغته وسليقته حفظًا لمعاني لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وهذا يفسر تشدد أبي عمرو بن العلاء والأصمعي في الاحتجاج بأشعار شعراء الإسلام كجرير والكميت ونحوهم كما تقدم، وإن كان العلماء خالفوهم في ذلك، واستشهدوا--------------------------------------------
(1) انظر: علم الفصاحة العربية للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي 89، 230.
(2) قام بعض المتأخرين بتفسير ألفاظ القرآن على معاني حادثة لم تعرفها العرب من قبل، فحرفوا معاني القرآن عن وجهها، وأدخلوا على الناس شبهات كثيرة. انظر: الكتاب والقرآن لمحمد شحرور (معنى الترتيل 197، معنى الليل 206، شهر 207) وغيرها ومن ذلك قوله ص 208 في تفسير قوله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} [القدر: 5] أَي أَنَّ هذا الموسم موسم إشهارِ القرآنِ سلمه الله لنا وهو سالم يتجدد كل عام ما دام هذا الكون قائمًا وسينتهي هذا الموسم بالنفخة الأولى في الصور وقيام الساعة حيث يحصل الانفجار الكوني الثاني ليتشكل على أنقاضه كون جديد فيه البعث والحساب والجنة والنار ولذا قال: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} أمّا فَهْمُ {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} على أنه فجرُ الشمسِ (الصبح) فهو فهم ساذج». أهـ. وهذا الفهم الساذج -كما زعم - هو تفسير جميع المفسرين، فمن يكون هو بمقابلة الطبري والقرطبي وأمثالهم من المفسرين .. انظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 548، تفسير القرطبي 20/ 134، التحرير والتنوير 30/ 466.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 632)
بشعرهم فيما بعد. (1)
وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وجه صحيح، ورَدٌّ للأمرِ إلى نِصابِه؛ ذلك أن القرآن الكريم أنزل باللسان العربي على ما هو عليه وقت نزول القرآن لا على ما آل إليه بعد ذلك. ولذلك كان اعتماد المفسرين وأصحاب غريب القرآن ومعانيه على الشعر الجاهلي دليلًا على صحة منهجهم في الاستشهاد، وحرصهم على القرآن.
وقد تَحرَّج العلماءُ من القول في غريب القرآن، خوفًا من الوقوع في الخطأ، فكان الواحدُ منهم يُسألُ فلا يُجيبُ مع سعة روايته للغة كالأصمعي (2)، ولذلك قال الزركشي عند
الحديث عن غريب القرآن: «وهذا البابُ عظيمُ الخَطَرِ، ومن هنا تَهيَّبَ كثيرٌ من السلف تفسير القرآن». (3) وقال السيوطي: «وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفنِّ، وعدم الخوض بالظنِّ، فهذه الصحابةُ - وهم العَربُ العَرْباءُ، وأصحابُ اللغة الفصحى، ومَنْ نَزَلَ القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا». (4)
ويُعَدُّ «غريبُ القرآن» من أسبق العلوم المتعلقة بالقرآن التي صنَّفَ فيها العلماءُ (5)، فقد نُسِبَ كتابٌ في غريب القرآن لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما،--------------------------------------------
(1) انظر: الشاهد المحتج به في الباب الأول ص 82، التنبيهات لعلي بن حمزة البصري 247 - 250.
(2) اشتهر هذا عن الأصمعي، وقد أثنى على علمه العلماء، وكان سنيًا حسن الاعتقاد، وشكَّك في ذلك بعض الطاعنين عليه من المخالفين له في المذهب، كأبي رياش، وعلي بن حمزة البصري - وهما من الشيعة الزيدية - الذي عزا ذلك إلى سوء عقيدة الأصمعي ونفاقه ورغبته في التدليس على الناس. (كما في التنبيهات له 248)، وقد رد عليه أبو الطيب اللغوي ودافع عن الأصمعي في مراتب النحويين 84.
(3) البرهان في علوم القرآن 1/ 398.
(4) الإتقان في علوم القرآن 1/ 354.
(5) انظر: المعجم العربي لحسين نصار 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 633)
من رواية عطاء بن أبي رباح (ت 114) (1)، كما تقدمت الإشارة لمسائل نافع بن الأزرق التي سأل عنها ابن عباس في الباب الأول من هذا البحث.
فيكون ابتداء التصنيف في غريب القرآن في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، غير أن مؤرخي العلوم ذكروا أن ابتداء التصنيف في غريب القرآن كان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري في عهد أتباع التابعين، وممن ذكر له تدوين في ذلك زيد بن علي (ت 120)، وأبان بن تغلب (ت 141)، وقد طُبع كتابٌ منسوب لزيد بن علي (ت 120) مؤخرًا. (2)
المطبوع من كتب «غريب القرآن»:
ما طُبِعَ مِنْ كُتبِ غريب القرآن أكثر مما طبع من معاني القرآن، ومنها:
1 - غريب القرآن لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68). (3)
2 - تفسير غريب القرآن لزيد بن علي (ت 120). (4)
3 - مجاز القرآن لأبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى (ت 210). (5)--------------------------------------------
(1) يوجد ضمن مجموع برقم 8/ 2815 بمكتبة عاطف أفندي بتركيا، وقد كتبت في القرن الثامن. انظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط - علوم القرآن - مخطوطات التفسير وعلومه 1/ 14.
(2) طبع بتحقيق الدكتور حسن الحكيم، وفي نسبته لزيد بن علي نظر؛ لأن الراوي عنه عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب متروك الحديث. انظر: الجرح والتعديل 6/ 230، التفسير اللغوي للقرآن الكريم 332.
(3) نشره إسماعيل جراح اوغلي عن نسخة عاطف أفندي رقم 2815/ 8 بمجلة كلية الإلهيات بجامعة أنقرة عدد 22، ص 25 - 104.
(4) طبع بتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم، عام 1412 هـ.
(5) طبع بتحقيق الدكتور فؤاد سزكين، في مجلدين، وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 634)
4 - غريب القرآن وتفسيره لليزيدي (ت 237). (1)
5 - تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت 276). (2)
6 - نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز لابن عزيز السجستاني (ت 330). (3)
7 - مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ت 425). (4)
8 - تفسير غريب القرآن العظيم لمحمد بن أبي بكر الرازي (666 هـ). (5)
9 - تُحفةُ الأريبِ بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الغرناطي (745). (6)
10 - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي (ت 756). (7)
11 - تفسير غريب القرآن لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت 1182). (8)
فأما كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فهو من أقدمِ كتب غريب القرآن، وأوفرها من حيث الشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده 952.--------------------------------------------
(1) حقق ثلاث مرات، الأولى كرسالة دكتوراه قدمها شكري أرسلان في إحدى جامعات تركيا، والثانية قام بها محمد سليم الحاج، وطبع ببيروت عام 1405 هـ، والثالثة للدكتور عبد الرزاق حسين في بيروت 1407 هـ. وكل هذه التحقيقات عن نسخة وحيدة محفوظة بمكتبة كوبرلي باستانبول برقم 205.
(2) طبع بتحقيق السيد أحمد صقر عام 1378 هـ.
(3) حققه الدكتور يوسف المرعشلي، وطبع بدار المعرفة ببيروت 1410 هـ، وحققه محمد جمران 1416 هـ.
(4) حقق مرات من آخرها تحقيق صفوان داوودي، الذي طبعته دار القلم عام 1412 هـ.
(5) طبع بتحقيق الدكتور حسين ألمالي، وطبع بأنقرة عام 1997 م.
(6) حققه الدكتور أحمد مطلوب، والدكتورة خديجة الحديثي، ونشر في بغداد عام 1977 م.
(7) حققه الدكتور محمد ألتونجي، وطبع بدار عالم الكتب عام 1414 هـ في أربع مجلدات.
(8) طبع بتحقيق محمد صبحي حلاق، وصدر عن دار ابن كثير بدمشق عام 1421 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 635)
شاهدًا، ولذلك اخترته لدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري.
وتسمية كتاب أبي عبيدة بمجاز القرآن قد أوقعت بعض الباحثين في الوهم حين ظنَّه كتابًا في البلاغة، وأَنَّ المقصود به دراسةُ مصطلحِ المَجازِ المعروفِ عند أهل البلاغة (1)، في حين ذكر مُحقق المَجاز أنَّ أبا عبيدة قد نُسبت لَهُ كتبٌ في «معاني القرآن» و «غريب القرآن» و «مَجاز القرآن»، وأَنَّ المقصود بها جميعًا كتابه مَجاز القرآن المطبوع، لأن كل النقول التي نسبت لأبي عبيدة في معاني القرآن وغريبه توجد في هذا الكتاب. وربما يوافق المحقق على أن غريب القرآن ومجاز القرآن واحد للأدلة التي ذكرها.
أما أن يكون «معاني القرآن» لأبي عبيدة هو نفسه «مجاز القرآن»، فقد يُضعفُ ذلك قولُ أبي حاتم: «أخذ الأخفش كتاب أبي عبيدة في المعاني، فأسقط منه شيئًا وزاد شيئًا، وأبدل شيئًا، قال: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع من هذا؟ مَنْ أَعرَفُ بالعربية؟ أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: الكتاب لمن أصلحه وليس لمن أفسده، قال: فلم يلتفت إلى كتابه وصار مطرحًا». (2) والموازنة بين الكتابين تُبعِدُ أن يكون معاني الأخفش مختصرًا أو تَهذيبًا لمَجاز القرآن لاختلاف المنهج والمضمون.
وقول أبي حاتمٍ يعضُدُ قولَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ لأبي عبيدة كتابًا في «المعاني» مؤلفًا قبل «المَجاز»، هو أصلُ «معاني القرآن» للأخفش الذي صنفه بطلب من الكسائيِ المتوفى سنة 189 هـ على الأرجح، و «المَجاز» مؤلَّف سنة 188 هـ (3). علمًا أن الكسائي قد احتذى في تصنيفه لكتابه «معاني القرآن» كتاب الأخفش (4)، مما يعني أَنَّ الأخفش قد صنَّف كتابه--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 18.
(2) إنباه الرواة 2/ 37 - 38.
(3) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة 1/ 118.
(4) انظر: إنباه الرواة 2/ 37، معجم الأدباء 11/ 26، طبقات المفسرين للداودي 1/ 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 636)
قبل وفاة الكسائي بِمدةٍ تسبقُ عامَ وفاة الكسائيِّ، وتُمَكِّنُ الكسائيَّ من قراءتهِ والنَّظرِ فيه ثم الاحتذاء على منواله، وقبل تصنيف أبي عبيدة لمَجاز القرآن أيضًا. (1) وكذلك فإن نص المترجمين لأبي عبيدة على تصنيفه كتابًا باسم معاني القرآن يؤكد هذا القول، ولا سيما مع تكرار نسبة هذا الكتاب وتمييزه عن مجاز القرآن. (2)
والمَجاز عند أبي عبيدة هو ما يجوز في لغة العرب من تعبيرٍ عن الألفاظ والأساليب. (3) وقد أراد أبو عبيدة من كتابه أن يفسر القرآن تفسيرًا قائمًا على اللغة، وقد ظهر هذا في اعتماده على الشواهد الشعرية في كتابه، مما دعا كثيرًا من معاصريه إلى انتقاده في منهجه هذا. فقد روي عن سلمة بن عاصم قوله: «سمعت الفراء يقول لرجلٍ: لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المجاز». (4) وقال التوزي: «بلغ أبا عبيدة أَنَّ الأصمعي يعيبُ عليه تأليفَه المَجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر القرآن برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي، فَنَزَل عن حِماره، وسَلَّم عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال له أبو عبيدة: فسَّرتَ كتاب الله برأيك، قال الله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا} [يوسف: 36] (5)، فقال له الأصمعيُّ: هذا شيءٌ بانَ لي فقلتُه، ولم أُفسِّره برأيي، فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، ثُمَّ قامَ فركبَ حِمَاره وانصرف». (6)
ويمكن أن يستنتج من النقد الذي وجه لكتاب أبي عبيدة ما يلي:
أولًا: صحة كونه أول من صنَّفَ في غريب القرآن بهذه الطريقة التي--------------------------------------------
(1) انظر: معجم الأدباء 19/ 158.
(2) انظر: الفهرست 37.
(3) انظر: مجاز القرآن 1/ 19.
(4) نزهة الألباء للأنباري 87.
(5) يوسف 36.
(6) نزهة الألباء 88، طبقات النحويين واللغويين 176، الأضداد لابن أبي حاتم 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 637)
تعتمد على اللغة، دون الرجوع إلى أقوال السلف، بدليل تعرضه للانتقاد من معاصريه، وقد خَفَّ هذا النقد بعد ذلك، واستفاد مَنْ بَعدَهُ من كتابه هذا استفادةً ظاهرةً. حتى إنَّ أحد تلاميذ أبي حاتم السجستاني - تلميذ أبي عبيدة - سأله عنهُ، كما ذكر الزبيدي: «قال مروان بن عبد الملك: سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يُقال له المَجازُ، فقال: ما يَحلُّ لأحدٍ أن يكتبه». (1) وقال في موضعٍ آخر: «ما يحلُّ لأحدٍ أن يقرأهُ إلا على شرطِ إذا مَرَّ بالخطأ أن يُبينه ويُغيّرَه». (2) ولكنه قرأه لتلاميذه بعد ذلك، وسمعوه منه. (3)
ثانيًا: أن كثيرًا من النقد يرجع إلى المنافسة الشخصية بين المعاصرين، لأنَّ أبا عبيدة لم يقل برأيه وإنما هو يروي عن العَربِ، وهو ثقةٌ فيما يرويهِ، فقد وثقه علي بن المديني وصححَ روايتَه. (4) وربما يكون قد انفرد لسعة روايته بشيء من الغريب، غير أن هذا ليس بقادحٍ في الثقة به، فقد انفرد غيرُه بأشياء من اللغة. كما أنه قد يجتهد فيقول برأيه شيئًا مبنيًا على ما عرفه من العرب، وهذا ظاهر من قوله للأصمعي: «وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا». وإن كان قد وقع في أخطاء بسبب اعتماده على اللغة دون الالتفات لتفسير السلف، إلا أنه قد رد العلماء عليه في ذلك وبينوا وجه الصواب فيها، كما انفرد ببعض الآراء الشاذة في النحو كقوله بالزيادة لبعض الأسماء، وقوله بحذف بعضها (5)، مما لم يوافقه عليه أحد، غير أن هذا لا يقلل--------------------------------------------
(1) طبقات اللغويين 194.
(2) طبقات اللغويين 194، إنباه الرواة 3/ 278.
(3) انظر: المصادر السابقة.
(4) انظر: تقريب التهذيب 962، نزهة الألباء 89.
(5) انظر: مجاز القرآن 2/ 250، 257، 1/ 60، 240، 282، النحو وكتب التفسير لرفيدة 1/ 156 - 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 638)
من قيمة كتابه، واعتماد المفسرين عليه، وقد اعتمد عليه البخاري في صحيحه عند كلامه عن غريب القرآن. (1)
ثالثًا: كل من جاء بعد أبي عبيدة اعتمد على كتابه، من المعاصرين له كالأخفش والفراء والكسائي، أو من جاء بعده كابن قتيبة والطبري وابن عطية والقرطبي وغيرهم. بل إن كتب الغريب والتفسير عِيالٌ عليه ولا سيما في شواهد غريب القرآن من الشعر، وهذا لثقتهم برواية أبي عبيدة.
وأما كتابُ «غريب القرآن وتفسيره» لليزيدي (ت 237) (2)، فليس كما وصفه من رآه، فقد ذكره القفطي في ترجمته لمؤلفه فقال: «صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن حَسَنًا في بابه، ورأيتهُ في ستةِ مُجلداتٍ، يستشهدُ على كُلِّ كلمةٍ من القرآن بأبياتٍ من الشِّعرِ، ملكته بخطه». (3) في حين يقع المطبوع في مجلد واحدٍ صغير، وليس فيه إلا تسعة شواهد من الشعر (4)، وهذا يعني أنه ليس كتاب اليزيدي الذي رآه القفطي، وإنما قد يكون مختصرًا منه، أو يكون ليزيدي آخر غير من نسب له الكتاب، فاليزيدون كثيرون، وصُنِّفَت في أخبارهم كُتبٌ.
وأما غريب القرآن لابن قتيبة فقد كان له أثر بارز في الكتب المصنفة في الغريب بعده، ورُزق هذا الكتاب قبولًا عند العلماء منذ تأليفه حتى اليوم، وقد استشهد فيه بمائةٍ وواحدٍ وسبعينَ شاهدًا من الشِّعرِ، وقد درستُ منهجه في الاستشهاد ضمن كتب غريب القرآن لمكانته بين كتب الغريب.--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 17، صحيح البخاري 4/ 1624 - 1900، بحوث وتنبيهات للمعصومي 1/ 95.
(2) هو عبد الله بن يحيى بن المبارك اليزيدي، كان أديبًا عارفًا بالنحو واللغة وغريب القرآن. انظر: إنباه الرواة 2/ 151.
(3) إنباه الرواة 2/ 151.
(4) انظر: 76، 108، 123، 152، 203، 255، 281، 293.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 639)
ثم لم يزل العلماء يصنفون في غريب القرآن حتى جاء الراغب الأصفهاني فصنف كتابه «المفردات في غريب ألفاظ القرآن»، ورتبه ترتيبًا بديعًا، جعل كثيرًا من الباحثين يضعه على رأسِ كتبِ غريبِ القرآن، ومرحلة النضج لهذه المؤلفات. ثم جاء بعد السمين الحلبي فبنى كتابه عليه، واستدرك عليه بعض المفردات التي فاتته، واستبعد بعض المفردات التي أوردها وليست في القرآن، فجاء كتابًا حافلًا في غريب القرآن.
ترتيب كتب الغريب:
سار المصنفون في غريب القرآن في ترتيب كتبهم على طريقتين:
الأولى: ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب السور في القرآن، مبتدأة بالفاتحة ومختتمة بالناس، وعلى هذا الترتيب سار أبو عبيدة في مجاز القرآن، وابن قتيبة في غريب القرآن، وغيرهما. وربما اختل ترتيب المفردات في السورة عند بعضهم فقدم بعض الآيات على بعض.
الثانية: ترتيب الألفاظ القرآنية على الحروف الهجائية، وغالبها سار على الترتيب الألفبائي، مثل كتاب مفردات الراغب الأصفهاني، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي، وغيرها.
وانفرد ابن عزيز السجستاني بترتيب مواد كتابه ترتيبًا لم يسبق إليه، حيث رتب كتابه على الحروف غير معتدٍّ بأصل الكلمة، فبدأ بالمفتوح، ثم المضموم، ثم المكسور، ورتب الألفاظ بحسب ورودها في السور، وهذه الطريقة يصعب فيها الوصول إلى اللفظ، ولم يتبعه أحد في ترتيبه هذا.
وأما الرازي - صاحب مختار الصحاح - في كتابه تفسير غريب القرآن فقد سار على نظام التقفية كما صنع أصحاب المعاجم اللغوية، وهو ترتيب المواد اللغوية على طريقة الباب والفصل، فرتبه بحسب الحرف الأخير من الكلمة، ثم ترتيب ما ورد فيها ألفبائيًا، هكذا (بدأ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 640)
برأ، بطأ، بوأ … الخ). (1)
وأَمّا من حيثُ معالجةُ الألفاظِ في هذه المُصنفاتِ فمِن المؤلفينَ من أطال في الشرح والاستشهاد بالأثر والشعر مثلِ ابنِ قتيبة، ومنهم مَنْ مال إلى الاختصارِ حتى اكتفوا ببيان اللفظة بِمثلها، كالمتأخرين ولا سيما أبو حيان في «تُحفة الأريب»، ومنهم من كان يأخذُ من المُفسرينَ من السلف كابن قُتيبةَ، وسائرهم غلبت عليه النظرة اللغويةِ، فاختفت من كتبِهم أسماء مفسري السلف كمجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم، كما اعتمدوا على الشاهد الشعري منذ أولهم أبان بن تغلب البكري، ثم اعتمد ابن قتيبة على الحديث أيضًا مع الشعر. (2)
وأمّا الفرق بين منهج كتب «معاني القرآن» وكتب «غريب القرآن»، فيظهر بالنظر في مضمون هذه المصنفات، وقد خُصص المبحث التالي لبيان هذا الفرق.--------------------------------------------
(1) انظر: المعجم العربي 1/ 41.
(2) انظر: المصدر السابق 1/ 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 641)