Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وسبب تسمية سورة الفاتحة بأم الكتاب، وشرح رواية البيت بأن الخمسين سُميت أمًا لأنها جامعة ما دونها من العدد، فسماها أمًا للذي قد بلغها. (1) وهذه الرواية أبلغ في الدلالة على المراد.
في حين رواها كلُّ رواة هذا البيت لأبي محمد عبد الله بن أيوب التيمي:
إذا كانتِ الخمسونَ سِنَّكَ لَمْ يَكُنْ … لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ (2)
ولم ينسبها لحُميد بن ثور غير الطبري فيما اطلعت عليه، وليس هذا البيت في ديوان حُميد المطبوع، ولم يشر إليه جامع الديوان، مع وجود قصيدةٍ لهُ على وزن البيت وقافيته. (3) ولم أجد من رواها قبل الطبري بهذه الرواية، ووردت في الحماسة البصرية كما رواها الطبري منسوبةً للتيمي. (4) فقد يكون الطبري رواها عن شيوخه، وقد يكون وَهَمًا منه لمشابَهته قصيدةَ حُميدٍ البائية.
- ومن الأمثلة أيضًا على انفراد الطبري بروايات للشاهد الشعري، أنه عند تفسيره لمعنى الآية في القرآن، وأنها تحتمل وجهين في كلام العرب، أولهما: العلامة، «والآخر منهما القصة، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى:
أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ آيةً … أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ
يعني بقوله: «آية». رسالة مني وخبرًا عني، فيكون معنى الآيات القصص التي تتلو قصة بفصول ووصول». (5) وهذه الرواية مخالفة لرواية الديوان، حيث ورد في الديوان:--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 107 - 108.
(2) انظر: البيان والتبيين 3/ 195، عيون الأخبار 2/ 322، أمالي القالي 3/ 1، محاضرات الأدباء 2/ 198، وتعليق محمود شاكر في تفسير الطبري 1/ 108 حاشية رقم 4.
(3) انظر: ديوان حميد بن ثور الهلالي 50 - 60.
(4) انظر: الحماسة البصرية 2/ 887.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)

أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ أَنَّهُ … أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ (1)
وهي رواية ضعيفة، ورواية الطبري أقوى في الدلالة على المراد منها، لأن كعبًا يرد على مزرد بن ضرار الذبياني أخي الشماخ الذي غضب لما لم يذكره كعب في شعره حينما قال استجابة لطلب الحطيئة:
فَمَنْ للقوافي شأنُها مَن يَحُوكُها … إذا ما مضَى كعبٌ وفَوَّزَ جَرولُ
فذكر الحطيئة، ولم يذكر مزرد، فغضب مزرد. (2) وهناك فائدة جليلة في رواية الطبري لهذا البيت، وهي ورود الآية في اللغة بمعنى القصة، وهذا معنى لم تذكره كتب اللغة، مع كثرة شواهده من الشعر كما أشار إلى ذلك محمود شاكر رحمه الله. (3)
ومن المواضع التي انفرد فيها الطبري برواية شعرية أجود وأصح من غيرها، ما ورد في تفسيره لمعنى «التفجُّر» في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} [البقرة: 74] (4) قوله: «والتفجر: التفعل من تفجر الماء، وذلك إذا نزل خارجًا من منبعه، وكل سائل شخص خارجًا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماءً كان ذلك أو صديدًا أو غير ذلك، ومنه قول عمر بن لجأ:
ولَمَّا أَنْ قُرِنتُ إلى جَريرٍ … أَبى ذُو بَطنهِ إِلَّا انفِجارا
يعني: إلا خُروجًا وسيلانًا». (5) والبيت ورد في المصادر الأخرى: «إلا انحدارا». (6) ورواية الطبري أدل على المعنى، وأقرب إلى لغة الشعر. (7) لأن دلالة الانفجار في البيت على الحال التي يقصدها الشاعر في هجاء جرير أبلغ من دلالة الانحدار، مع عدم استعمال الانحدار--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 64.
(2) انظر: شرح ثعلب للديوان 64.
(3) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 106 حاشية 3.
(4) البقرة 74.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 238.
(6) طبقات فحول الشعراء 1/ 369، الأغاني 8/ 72.
(7) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 432 حاشية 3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)

التعبير عن الماء ونحوه. وأكتفي بهذه الأمثلة. (1) للدلالة على مكانة ابن جرير الطبري خاصة، وتفرده دون غيره بروايات
أخرى للشواهد، ذات مضامين أجود من الروايات المشهورة في كتب الشعر، وهي ذات قيمة كبيرة لتقدم الطبري، وهو لاشك كان يتخير من الروايات التي يحفظها للشواهد ما يتناسب مع المفردات القرآنية التي يفسرها.

‌‌4 - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف:
من العيوب التي تصيب الشعر، وتكون سببًا لكثير من الاختلاف فيه عيب التصحيف، وهو مصدر صَحَّفَ يُصَحِّفُ الكلمةَ: إذا أَخطأَ في قراءتِها ورِوايتِها في الصَّحيفةِ لاشتباهِ الحروفِ، وهي لفظةٌ مُولَّدة (2)، وهو مأخوذ من الصُحُفِ، وقد عرفه الأصفهاني فقال: «هو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراده كاتبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته». (3)
وقد صنف فيه العلماءُ كحمزة الأصفهاني (4)، والحسن العسكريِّ (5) وغيرهما، ولا يؤمنُ التصحيفُ إلا بالرواية عن الأثبات من العلماء مشافهة، وتوثيق ضبط الكلمةِ المُحتملةِ للتصحيفِ بالعبارةِ حتى لا يقع الناسخ في الخطأ والتصحيف. وقد نَبَّه المفسرون على بعض العبارات المحتملة للتصحيف في الشواهد الشعرية، ووثقوها بضبطهم لها بالعبارة خوفًا من تصحيفها.--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 140، 2/ 476 - 477.
(2) انظر: لسان العرب 7/ 291 (صحف).
(3) التنبيه على حدوث التصحيف 3.
(4) هو أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني (280 - 360 هـ)، كان متفننًا في الأدب واللغة، عاش ببلده أصفهان ولم يغادرها إلا لبغداد، له مصنفات منها التنبيه على حدوث التصحيف. انظر: إنباه الرواة 1/ 370.
(5) هو الحسن بن عبد الله العسكري (293 - 382 هـ)، اشتهر بالأدب والشعر، وعرف بكتابه الصناعتين، ومن كتبه شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. انظر: معجم الأدباء 8/ 258.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)

ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] (1) وهو يبين القراءات في قوله: {يَنْقَضَّ}: «وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعكرمة: (أنْ ينقَاصَ) بالصاد غير منقوطة (2)، بِمَعنى: ينشق طولًا، يقال: انقاصَ الجِدارُ، وطيُّ البئرِ، وانقاصَتْ السنُّ إذا انشقت طولًا، وقيل: إذا تصدعتْ كيف كانَ، ومنه قول أبي ذؤيب:
فِراقٌ كَقيصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّهُ … لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ (3)
ويُروى البيتُ: عَبْرَةٌ وحُبُورُ بالباء والحاء». (4) وقال الزمخشري: «انقاصَ البناءُ والبئرُ والرملُ وغيرُها، وتقيَّصتْ: انهارت» (5).
فقد حرص ابن عطية على ضبط الكلمة في الشاهد بالعبارة، وأنها بالباء والحاء المهملتين، حتى يتضح معنى الشاهد على الروايتين. ولم أجد من نبه على هذه الرواية للبيت غير ابن عطية (6).
ومن الأمثلة أيضًا على توثيق الشاهد بضبط عبارته قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} [الأعراف: 126] (7) وهو يُبَيّنُ القراءات في قوله: {تَنْقِمُ} وأن الجمهور قرأ بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وغيره بفتحها: «وهما لغتان. قال أبو حاتم: الوجه في القراءةِ كسرُ القافِ، وكلُّ العُلماءِ أنشدَ بيت ابنِ الرُّقيَّات:
ما نقَمُوا من بني أمية … .......................... (8)--------------------------------------------
(1) الكهف 77.
(2) انظر: مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه 84.
(3) انظر: ديوان الهذليين 1/ 138.
(4) المحرر الوجيز (قطر) 9/ 373 - 374.
(5) أساس البلاغة 531 (قيص).
(6) انظر: شرح أشعار الهذليين 1/ 66.
(7) الأعراف 126.
(8) والبيت بتَمامه:
ما نَقَمُوا مِن بني أميَّةَ إِلَّا … أَنَّهمْ يَحْلُمونَ إِنْ غَضِبوا
انظر: ديوانه 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)

بفتحِ القاف» (1). في حين ذكر الأزهري أن بيت ابن الرقيات «يُروى بالفتح والكسر نَقَموا ونَقِموا» (2)، ونقلَ الأزهري عن الزجاج قوله: «يُقالُ: نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجودُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وهو الأكثر في القراءة». (3) فربما يكون ابن عطية لم يسمع برواية الكسر، وأنها لغة كما قال الكسائي: «نَقِمْتُ بالكسر لغة» (4).
وقد أورد ابن عطية الشاهد هنا لتقوية القراءة الشاذة، والذي يعنيني هنا هو حرص ابن عطية على ضبط الشاهد بالعبارة، حتى لا يدخل الوهم على القارئ، حيث ذكر أن جميع العلماء أنشد هذا البيت بفتح القاف، وهو كما قال (5). والشواهد الشعرية المحتملة للتصحيف قليلة في كتب التفسير، ولم أصادف إلا القليل من الأمثلة.--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز (قطر) 6/ 41.
(2) تهذيب اللغة 9/ 202، لسان العرب 14/ 272 (نقم).
(3) تهذيب اللغة 9/ 202.
(4) انظر: الصحاح 5/ 2045.
(5) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 533، البيان والتبيين 3/ 361، الشعر والشعراء 1/ 524، الأغاني 4/ 93، 159، اللآلي 1/ 295، شرح نهج البلاغة 2/ 208، شرح شواهد المغني 211، خزانة الأدب 7/ 289.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)

‌‌المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.
الأغراضُ جَمعُ غَرَضٍ، وهو الشيءُ يُنصبُ فيُرمى فيه، وهو الهدف (1).
والمقصود بيان الأهداف التي أرادها المفسرون من إيرادهم شواهد الشعر في تفسير القرآن الكريم. وقد تعددت أغراض المفسرين الخاصة من إيراد شواهد الشعر، وسبقت الإشارة في الباب الأول من البحث إلى أنواع الشاهد الشعري في كتب التفسير مع ضرب الأمثلة لكل نوعٍ، وهذا المبحث يتعلق به من حيث إن الأغراض التي وردت لها الشواهد هي الأنواع التي صنفت تحتها الشواهد الشعرية من وجه آخر، مع شيء من الاختلاف في زاوية عرض المسألة.
وقد تتبعتُ كتب التفسير مَحل الدراسة وحاولت تحديد الأغراض العامة والخاصة التي أورد المفسرون الشعر في كتبهم لتحقيقها، ورتبتها بحسب كثرة شواهدها في كتب التفسير، فوجدتُها لا تخرجُ في أغراضها العامة عن الاستشهاد، والتمثل، في حين كان لغرض الاستشهاد الذي عليه مدار الرسالة تفصيلات متنوعة، وسأفصل القول فيها في هذا المبحث، موردًا الأمثلة الدالة على ذلك من كتب التفسير، وسأكتفي في كل مسألة بمثالٍ واحدٍ لدى كل مفسرٍ متى وجدت لديه ما يصلح التمثيل به، والإحالة في الحاشية لمزيد من الأمثلة، إلا إن اقتضى المقام إضافة بعض الأمثلة لبيان مسألة من المسائل الداخلة في البحث.--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة 8/ 7، لسان العرب 10/ 53 (غرض).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)

‌‌الغرض الأول: الاستشهاد.
هذا أوسع أغراض ورود الشاهد الشعري في كتب التفسير. وهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها (1).
وهذا الغرض ينتظم تحته صورًا كثيرة، وجزئيات متناثرة، وتسهيلًا لعرضه ودراسته يُمكنُ تقسيمه إلى الأقسام التالية:

‌‌أولًا - الاستشهاد اللغوي.
وهو الاستشهاد بالشعر في إثبات الدلالة اللغوية، وهذا يتعلق ببيان معاني الألفاظ في القرآن الكريم بصفة عامة، ومنه شواهد غريب القرآن وهي أكثر الشواهد الشعرية ورودًا في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي، ومنه بيان أصول اشتقاق المفردات اللغوية، وكذلك بيان درجة فصاحة بعض اللغات وأصالتها، وما يتعلق بمسائل الصرف ونحو ذلك من قضايا اللغة في كتب التفسير. وشواهد المفسرين في باب اللغة لا تَخرجُ عن شواهد الشعر المنقولة عن شيوخ اللغة المتقدمين كالخليل وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيباني، وأصحاب كتب المعاني وغريب القرآن كأبي عُبيدة، والأصمعي، وأبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة وغيرهم رحمهم الله أجْمعين.
ويتميز الإمام الطبري دون غيره من المفسرين بإضافته شواهد كثيرة في باب اللغة، لم ترد في كتب المعاني والغريب، بل زاد عليها من مروياته ما يساوي النصف تقريبًا، وقد تقدم بيان عدد الشواهد في كتب المفسرين، فأغنى عن إعادته. وقد انفرد المفسرون بشواهد لم يستشهد بها من سبقهم في كتبهم المطبوعة، كما انفردوا ببعض الروايات لشواهد--------------------------------------------
(1) انظر: لسان العرب 7/ 223 (شهد).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)

معروفة، وقد سبقت الإشارة إلى بعض الشواهد التي انفرد بها الإمام الطبري. ومن الأمثلة القليلة التي عثرت عليها لتفرد ابن عطية في تفسيره استشهاده بقول علوان بن قيس (1):
ولَيلٍ دَجِيٍّ قد تَنَفَّسَ فَجرهُ … لَهم بعدْ أَنْ خالوهُ لنْ يتنَفَّسَا (2)
وقد استشهد به على معنى قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} [التكوير: 18] (3) وأن معنى تنفس الصبح أي استطار واتسع ضوءه. (4)
والاستشهاد اللغوي في كتب التفسير له صور كثيرة، رأيت تقسيمها وإيراد الأمثلة على كل صورة منها من كتب التفسير؛ ليتضح الغرض الدقيق من الشاهد الشعري، والمعنى الذي ساق المفسر له هذا الشاهد. وأهم صور الاستشهاد اللغوي في كتب التفسير ما يلي:

-‌‌ الاستشهاد لبيان معاني المفردات.
وهذه الصورة هي أكثر صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، وقد سار المفسرون في هذا على منهج أصحاب غريب القرآن، ومعاني القرآن، الذين استخدموا الشعر في بيان معاني المفردات، وتأصيلها في اللغة أكثر من أي غرض آخر. وأمثلة هذه الصورة كثيرة، ولا تكاد تمر بك صفحة أو أكثر إلا وتعثر على شاهد شعري يستشهد به المفسر لبيان معنى لفظة من ألفاظ القرآن الكريم. وشواهد أصحاب غريب القرآن، ومفرداته من هذا الباب. وسأقتصر على الأمثلة التالية:
1 - استشهد الطبري لبيان معنى كلمة «أواب» في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)} [ص: 17] (5) وأَنَّه بِمعنى التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، بقول عبيد بن الأبرص:--------------------------------------------
(1) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المصادر.
(2) لم أقف عليه عند غير ابن عطية.
(3) التكوير 18.
(4) انظر: المحرر الوجيز 16/ 242.
(5) ص 17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)

وكُلُّ ذِي غَيبةٍ يَئُوبُ … وغَائبُ الموتِ لا يَئُوبُ (1)
وهذا استشهاد للمعنى اللغوي، وأن العرب تعني بهذه اللفظة هذا المعنى، ومنه شاهد عَبيد، وقد استشهد بهذا الشاهد غيره من المفسرين لهذا المعنى (2)، ولغيره. (3) ولم أر أصحاب غريب القرآن استشهدوا به مع كثرة ورود مادة «أوب» في القرآن. (4)
2 - استشهد ابن عطية بقول الأعشى:
فبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤادِ … صَدْعًا على نأَيِها مُستطِيرا (5)
على أَنَّ السؤرَ هو البقيةُ من الشيء (6)، والقطعة منه تسمى سؤرًا أيضًا، فمعنى البيت: أن صاحبته قد تركته وأبقت في فؤاده صَدْعًا بسبب فراقها، واستدل ابن عطية بهذا الشاهد على أَنَّ مَن هَمَز لفظَ السورةِ فقال «سؤرة»، فإنه يعني بها القطعة من الشيء، فكذلك السورة من القرآن، سميت بذلك لأنها قطعة منه. (7)
3 - أراد القرطبي أن يبين معنى قوله: {الْخَاشِعِينَ} في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: 45] (8)، فذكر أن الخاشعين جَمعُ خاشعٍ، وهو المتواضع، ثم نقلَ قول الزجاج: «الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، كخشوع الدار بعد الإقواء. هذا هو الأصل». (9) ثم استشهد لهذا المعنى بقول النابغة:--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 143.
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن 15/ 159.
(3) انظر: المحرر الوجيز (قطر) 8/ 59.
(4) انظر: المفردات للراغب 97، عمدة الحفاظ للسمين 1/ 154، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن 123، 124.
(5) انظر: ديوانه 13.
(6) انظر: تهذيب اللغة 13/ 47، لسان العرب 6/ 132 (سأر).
(7) انظر: المحرر الوجيز 1/ 46، مجاز القرآن 1/ 5.
(8) البقرة 45.
(9) الجامع لأحكام القرآن 1/ 374.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 570)

رَمَادٌ كَكُحلِ العينِ لأَيًا أُبِينُه … ونُؤيٌ كَجِذْمِ الحوضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (1)
وهذا شاهد لغوي على أَنَّ النؤيَ - وهو الحاجز من التراب الذي يقام حولَ الخِبَاءِ حتى لا يدخله الماء (2) - إذا درست معالمُه يُوصفُ بالخُشوعِ. قال الأزهري: «وجدارٌ خاشعٌ إذا تدَاعى واستوى مع الأرض». (3) فكذلك المؤمن الخاشع في صلاته وُصِفَ بذلك لأنه يرمي ببصره إلى الأرض وتسكن جوارحه، قال الليثُ (4): «خَشَعَ الرجلُ يَخشَعُ خُشُوعًا إذا رَمَى ببصره إلى الأرض». (5) وهو قريب المعنى من الخضوع (6)، إلا أنَّ الخضوعَ في البدن، والخشوع في البدن والصوت والبصر. (7)
4 - وقد يستعين المفسر بالشعر ليتعرف على عُرفِ العَربِ في استعمال لفظةٍ وردت في القرآن الكريم، لتحديد مدلولها الدقيق في الاستعمال القرآني، نظرًا لعمومية تفسير المفسرين للفظة في القرآن. وهذا منهج يتخذه بعض المفسرين عند البحث في معاني بعض المفردات التي كان تعبير المفسرين عن معناها غير دقيق. وأكتفي بمثالٍ في تفسير ابن عطية.
ذكر ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 30.
(2) انظر: شرح القصائد السبع الطوال 243، المذكر والمؤنث لابن الأنباري 1/ 225، شرح القصائد المشهورات لابن النحاس 101، المخصص 16/ 185، شرح القصائد العشر 102.
(3) تهذيب اللغة 1/ 152، لسان العرب 4/ 100 (خشع).
(4) هو الليث بن المظفر اللغوي، من علماء اللغة المتقدمين، نسب له الأزهريُّ وغيره وضعَ كتاب العين المنسوب للخليل بن أحمد، انظر: تهذيب اللغة 1/ 28، إنباه الرواة 3/ 42، معجم الأدباء 17/ 43.
(5) تهذيب اللغة 1/ 152.
(6) انظر: مقاييس اللغة 2/ 182.
(7) انظر: تهذيب اللغة 1/ 152، لسان العرب 4/ 100 (خشع).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)

يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: 92] {(1) أنَّ معنى «يَغْنَوا فيها»، أي: يقيموا ويسكنوا. وذكر ذلك غيره من المفسرين (2)، غير أن ابن عطية أضاف تفصيلًا جيدًا لمعنى هذه اللفظة بعد أن استقرى شِعْرَ العرب فقال: «وغَنِيْتُ في المكانِ إنَّما يُقال في الإقامة التي هي مُقترنةٌ بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، هذا الذي استقريتُ من الأشعارِ التي ذكرت العربُ فيها هذه اللفظةَ. فمِن ذلك قولُ الشاعرِ (3):
وقد نَغْنَى بِها ونَرى عُصُورًا … بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا (4)
ومنه قول الآخر (5):
ولقد يَغْنَى بِها جِيْرانُكِ الْـ … ـمُمْسِكو مِنكِ بعهدٍ وَوِصالِ (6)
أنشده الطبري (7). ومنه قول الآخر (8):
أَلا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المَغَانِيا (9) … ..............................
ومنه قول مُهَلْهِلٍ:--------------------------------------------
(1) الأعراف 92.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 10/ 325، معاني القرآن للزجاج 2/ 396، معاني القرآن للنحاس 3/ 55، الجامع لأحكام القرآن 7/ 251 - 252، تفسير ابن كثير 3/ 445.
(3) هو المرار الأسدي كما في الكتاب 1/ 78، ونسبت خطأ لابن أبي ربيعة في بعض المصادر. انظر: شرح أبيات الجمل للبطليوسي 104.
(4) بها أي بالمنْزِل، أَنَّثهُ لما أَنَّه في معنى الدار، والعصور: الدهور، نصبه على الظرف، يقتدننا: يَمِلن بنا إلى الصبا، والخُرُد: جَمعُ خريدة، وهي الخَفِرَةُ الحَيَّية، والخِدالُ: جَمعُ خَدلة، وهي الغليظة الساق الناعمة. الكتاب 1/ 78، المقتضب 4/ 76 - 77، الجمل 128، شرج جمل الزجاجي لابن هشام 197.
(5) هو عبيد بن الأبرص. .
(6) انظر: ديوانه 115.
(7) انظر: تفسير الطبري (هجر) 10/ 325.
(8) هو أبو حية النميري.
(9) صدرُ بيتٍ، وعجزه:
......................... … لَبِسْنَ البِلى مِمَّا لَبِسْنَ اللياليا
انظر: أمالي القالي 2/ 185، العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 555.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 572)

غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَّهْـ … ـرِ وفيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا (1)
ويُشبهُ أن تكونَ اللفظةُ من الاستغناءِ. وأَمَّا قولهُ: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] (2) ففيه هذا المعنى؛ لأَنَّ المراد: كأَنْ لَم تكن ناعمةً نضرةً مستقلةً، ولا توجدُ - فيما علمتُ - إلا مقترنةً بهذا المعنى، وأما قول الشاعر (3):
غَنِينا زَمانًا بالتصعلكِ والغِنَى … وكُلًا سَقانَاهُ بِكأسيهِما الدَّهرُ (4)
فمعناهُ: استغنينا بذلكَ، ورضيناه، مع أَنَّ هذه اللفظة ليست مقترنةً بمكانٍ». (5)
فقد تتبع ابنُ عطية معنى هذه اللفظة الدقيقَ في أشعار العرب، واستخرج المعنى الدقيق الملازم للفظة، وأنه لا يقال: «غَنِيَ بالمكان» إلا في الإقامة المُقترنة بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، وأَنَّ العرب لا تقول لمن أقام بعيشٍ مُضْنٍ أنه غَنِيَ بالمكان. وهذا التتبع لمعنى هذه اللفظة لم أجده في معاجم اللغة، كما وجدته هنا، مما يدل على جهد المفسرين في بيان عدد من الألفاظ اللغوية، بيانًا معجميًا أغنوا به المادة المعجمية العربية. (6)
وهذا يعطي اللفظة في القرآن معنى إضافيًا فوق مجرد الإقامة، وهو أن هؤلاء الأقوام الذين كذبوا الرسل جاءهم العذاب الذي استأصلهم من أرضهم التي كانوا يتنعمون فيها، ويتقلبونَ في نعيمِها فكان هذا أبلغ في عذابهم، ولم يبق من الحياة الناعمة، والعيش الرغد أثر، ولم يُغْنِ عنهم من الله شيئًا.--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 65.
(2) يونس 24.
(3) هو حاتم الطائي.
(4) انظر: ديوانه 48.
(5) المحرر الوجيز (قطر) 6/ 10 - 12.
(6) انظر: تهذيب اللغة 8/ 201، الصحاح 6/ 2449، مقاييس اللغة 4/ 397، لسان العرب 10/ 134 - 138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)

5 - ربَّما يورد المفسرون شاهدًا من الشعر، لا للاستشهاد به على معنى المفردة، وإنما لنفي توهم دلالته على معنى بعينه.
ومن ذلك أَنَّ ابنَ عطية عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68] (1) ذكر اختلاف العلماء في معنى الآية، وأن منهم من ذهب إلى أنها ثلاث نَفْخاتٍ بدليل حديثِ أبي هريرة أَنَّ للمَلكِ في الصور ثلاثُ نفْخاتٍ: نفخةُ الفَزَعِ وهو فَزعُ الحياة الدنيا، وليس بالفَزِع الأكبرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيامِ من القبور. (2)
ومنهم مَنْ ذكرَ أَنَّهما نفختانِ، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} وقالوا: إن «أخرى» لا تُقالُ إلا في الثانيةِ. فقال ابن عطية: «والقول الأول أصحُّ، وأُخرى يُقالُ في الثالثةِ، ومنه قولُ ربيعةَ بن مُكدّم:
ولقد شَفَعْتُهُما بآخرَ ثَالِثٍ (3) … .............................
ومنه قوله تعالى: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} [النجم: 20] (4)». (5)
غير أَنَّ هناك شاهدًا من الشعر قد يدل على غير ما ذهب إليه ابن عطية فأورده للتنبيه على أنه لا يُعارِضُ ما ذهب إليه فقال: «وأَمَّا قولُ الشاعر:
جَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ … نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (6)
فيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (7)
فقد أورده ابن عطية لغرض التنبيه على أنه لا يعارض ما ذهب إليه--------------------------------------------
(1) الزمر 68.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره (هجر) 20/ 256.
(3) صدر بيت، وعجزه:
....................... … وأَبى الفِرارَ لِيَ الغَداةَ تَكَرُّمِي
انظر: الأغاني 16/ 67 (ط. دار الكتب).
(4) النجم 20.
(5) المحرر الوجيز 12/ 135 - 136.
(6) تقدم تخريجه وهو لعبيد بن الأبرص.
(7) المحرر الوجيز 12/ 135 - 136.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)

في تفسيره لقوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} [الزمر: 68]، وليصرفه عن الدلالة على خلاف قوله الذي ذهب إليه.

‌‌الاستشهاد للتفريق بين المعاني المشتركة.
قد يورد المفسر الشاهد الشعري للتفريق بين معاني مشتركة ورد بعضها في القرآن الكريم.
1 - من ذلك قول الطبري: «ولا نعرفُ «انظرنا» في كلام العرب إلا بمعنى: انتظرنا، وانظر إلينا.
- فأَمَّا «أَنظِرنا» بِمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:
وقد نَظَرْتُكُمُ لو أَنَّ دِرَّتَكُم … يومًا يَجيءُ بِها مَسْحِي وإِبْساسِي (1)
- وأَمَّا «انظُرنا»، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:
ظَاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ … نَ كما يَنظرُ الأَرَاكَ الظِّباءُ (2)
بمعنى: كما ينظرُ إلى الأَراك الظباءُ». (3)--------------------------------------------
(1) هذا الشاهد ملفق من بيتين، وقد خلط الطبري هنا بينهما، لطبيعة الإملاء لتفسيره، فقد رواه على وجهه في تفسيره من قبل كما في 2/ 467، 468، ورواية البيتين في الديوان:
لقد مَرَيتُكُمُ لو أَنَّ دِرَّتَكُمْ … يومًا يَجيءُ بِها مَسْحي وإِبْساسِي
وقد نَظَرْتُكمُ إعشاءَ صادرةٍ … للخِمْسِ طال بِها حَوزي وتَنْسَاسي
قال محمود شاكر تعليقًا على هذا الوهم: «وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت، وأثبته على حاله؛ لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره، ودليل على حفظه الشعر، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط … ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه، لألغيت البيت المذكور في المتن، ولوضعت هذا البيت … ». … انظر: تفسير الطبري (شاكر) 8/ 437 حاشية رقم 5، وديوان الحطيئة 45 - 46.
(2) رواية الديوان: «ظاهرات الجمال والسَّروِ .. ». وهي أجود، والسَّروُ هو الشَّرفُ. … انظر: ديوانه 88.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 8/ 437 - 439.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)

فالطبريُّ قد أَوردَ شاهدين من الشعر للتفريق بين معنى انظرنا من الإنظار، وانظرنا من النظر بالعين الباصرة، وأَنَّ هذين المعنيين هما المعروفان من معاني هذه اللفظة في العربية، وهذا غرض من أغراض الشاهد الشعري اللغوي في الاستدلال به على المعاني الدقيقة، واستعمال العرب لها.
2 - ومن أمثلة ذلك عند الطبري في تفسيره لمعنى {الْهُونِ} في قوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93] (1) حيث فَرَّقَ بين الهُونِ بضم الهاء وفتحها فقال: «العرب إذا أرادت بالهُونِ معنى الهَوان، ضَمَّت الهاء، وإذا أرادت به الرِّفقَ والدَّعةَ وخِفةَ المؤونةِ، فتحت الهاء». (2) ثم استدل بقول جندل بن المثنى الطهوي (3):
ونَقْضَ أَيَّامٍ نقَضنَ أَسْرَهُ … هَونًا وأَلْقَى كُلُّ شيخٍ فَخْرَهُ (4)
على فتح الهاء، وبقول ذي الجدنِ الحميريّ:
هَوْنَكُما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا … لا تَهْلِكا أَسفًا في إِثْرِ مَنْ ماتا (5)
واستدرك الطبري فقال: «وقد حُكِيَ فتحُ الهاء في ذلك بِمعنى الهوانِ، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوين:
يُهينُ النُّفوسَ وهَوْنُ النُّفُوسِ عند الكريهةِ أَغْلى لَها (6)
والمعروفُ من كلامهم، ضمُّ الهاء منه، إذا كان بمعنى الهَوانِ والذُّلِّ، كما قال ذو الإصبع العدواني:--------------------------------------------
(1) الأنعام 93.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 11/ 541.
(3) شاعر إسلامي راجز، كان يهاجي الراعي النميري. انظر: سمط اللآلي للميمني 2/ 644.
(4) لم أعثر عليه عند غير الطبري. .
(5) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 39، الأغاني 16/ 70.
(6) لم أجد من نسبه لعامر غير الطبري، والمشهور أنه للخنساء، وهو في ديوانها 215، والحيوان 6/ 427، وعيون الأخبار 1/ 125، وقواعد الشعر لثعلب 87، والأغاني 13/ 142 وغيرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)

اذهبْ إليكَ فما أُمِّي بِراعيةٍ … ترعى المَخاضَ ولا أُغْضِي على الهُونِ (1)
يعني: على الهَوانِ، وإذا كان بمعنى الرِّفْقِ، فَفَتْحُها». (2)
فقد أورد الطبري أربعة شواهد من الشعر للتفريق بين معنى الهَونِ بفتح الهاء وهو الرِّفقُ والسكينة، وبضمِّها بمعنى الهوان، وأن هذا هو المعروف المشهور من كلام العرب، وأنه قد يأتي الهَوْنُ بفتح الهاء بِمعنى الهَوَانِ كما في البيت الذي نسبه الطبري لعامر بن جوين ولكنَّ هذا قليلٌ في كلامهم.
وهذه صورة من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، ولكنها قليلة، وأكثر من يعنى بها الطبري وابن عطية في تفسيريهما. وما ذكره الطبري في التفريق بين المعنيين أجودُ مِمَّا ذكره أهل الغريب، من حيث كثرة الشواهد، ووضوح الدلالة، ومعرفة القائل (3)، والمعاجم اللغوية في التفريق بين المعنيين. (4)
3 - عند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] (5)، فسَّرَ الرفثَ بأنه كنايةٌ عن الجِماع؛ لأنَّ الله تعالى كريمٌ يُكنِّي، ثم قال تفريقًا بين معناه في الآية، ومعناه في سياقٍ آخر: «والرَّفَثُ في غير هذا ما فَحُشَ من القول، ومنه قولُ الشاعر (6):--------------------------------------------
(1) هذا من الشواهد الملفقة، التي رواها الطبري في تفسيره. والبيتان كما في المفضلية 31 هما:
عَفٌّ يؤوسٌ إذا ما خِفتُ مِنْ بَلَدٍ … هُونًا، فلستُ بِوقَّافٍ على الهُونِ
عَنِّي إليكَ فما أُمِّي بِراعيةٍ … تَرعى المَخاضَ، ومَا رأيي بِمَغبونِ
انظر: المفضليات 160، وقد رواه كما عند الطبري في لسان العرب 15/ 164 (هون).
(2) تفسير الطبري (شاكر) 11/ 541 - 542.
(3) انظر: مجاز القرآن 1/ 200، المفردات 848 - 849، عمدة الحفاظ 4/ 308.
(4) انظر: الجمهرة، تهذيب اللغة 6/ 440، مقاييس اللغة 6/ 21، لسان العرب 15/ 163 - 165 (هون).
(5) البقرة 187.
(6) هو العجاج، وسبق تخريج الشاهد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)

عن اللَّغا ورَفَثِ التكلُّمِ». (1)
فأورد الشاهد استشهادًا على معنى آخر غير المعنى الذي ورد في الآية الكريمة، للتفريق بين المعنيين.

‌‌الاستشهاد لبيان اشتقاق المفردات.
من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر، الاستشهاد به لبيان اشتقاق لفظة، أو الدلالة على لفظة مشتقة من لفظة أخرى وردت بمعنى آخر في الشِّعرِ، وهذا يعين المفسر على تتبع الدلالة الدقيقة للفظة القرآنية التي يفسرها. ومن أمثلة هذه الصورة في كتب التفسير ما يأتي:
1 - عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] (2) أراد الطبري تفسير معنى (الشِّيَةِ)، وبيانَ أصلِ اشتقاقِها فقال: «يعني بقوله: {لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا} لا لونَ فيها يُخالفُ لونَ جَلدِها، وأَصلُه مِن وَشْي الثوبِ، وهو تَحسينُ عُيوبِه التي تكون فيه، بضروبٍ مختلفةٍ من ألوان سُداهُ ولُحْمَتِه … ومنه قيل للساعي بالرَّجُلِ إلى السلطانِ أو غيره: واشٍ؛ لِكَذِبِه عليه عنده، وتَحسينِه كَذِبَهُ بالأباطيلِ. يقال منه: وَشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً، ومنه قول كعب بن زهير:
تَسعى الوُشاةُ جَنَابَيها وقَولهُمُ: … إِنَّكَ يا ابنَ أبي سُلْمى لَمَقْتولُ (3)
والوشاةُ جَمعُ واشٍ، يعني أنَّهم يتقولون بالأباطيلِ، ويُخبِرونَهُ أنه إِنْ لحقَ بالنبي صلى الله عليه وسلم قَتَلَه». (4)
فقد أبان عن أصل اشتقاق كلمة {شِيَةَ} في الآية، وأن كلمة (الواشي) مشتقة من هذا الأصل اللغوي، الذي هو أحد أصلين لهذه--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 2/ 88.
(2) البقرة 71.
(3) انظر: ديوانه 89.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 215.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)

اللفظة، التي يقول عنها ابنُ فارس: «الواو والشين والحرف المعتل: أصلان. أحدُهما يدل على تحسينِ شيء وتزيينه، والآخرُ على نَماءٍ وزِيادة.
الأول: وَشَيتُ الثوبَ، أَشِيهِ وَشْيًا، ويقولون للذي يكذبُ ويَنِمُّ ويُزخرفُ كلامَه: قد وَشَى، وهو واشٍ.
والأصل الآخر: المرأةُ الواشيةُ: الكثيرةُ الوَلَدِ … والوَشْيُ: الكثرةُ». (1)
2 - وقال الطبري عند تفسيره قوله تعالى: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] (2) مبينًا القراءات في قوله {بَئِيسٍ} والوزن الصرفي لها: «وقرأهُ بعضُ الكوفيين (بَيْئِس) (3) بفتح الباء، وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة على مثال «فَيْعِل»، وذلك شاذٌّ عند أهل العربية؛ لأنَّ «فَيْعِل» إذا لم يكن من ذواتِ الياء والواو فالفَتحُ في عَينهِ الفَصيحُ في كلام العربِ، وذلك مثلُ قولهم في نَظيرهِ من السَّالمِ: «صَيْقَل» و «نَيْرَب»، وإنَّما تُكْسَرُ العينُ من ذلك في ذوات الياء والواو، كقولهم: سَيِّد، ومَيِّت. وقد أنشد بعضُهم قولَ امرئ القيسِ بن عابسٍ الكِنْديِّ:
كِلاهُما كانَ رَئِيْسًا بَيْئِسا … يَضْرِبُ في يومِ الهِياجِ القَوْنَسا (4)
بكسرِ العينِ مِنْ «فَيْعِل» وهي الهمزة من «بَيْئِس»، فلعل الذي قرأَ ذلك كذلكَ قرأَهُ على هذه». (5)
وهذا فيه مع بيان الوزن الصرفي للفظة القرآنية، غرض آخر هو--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة 6/ 114.
(2) الأعراف 165.
(3) هذه قراءة عاصم في رواية نصر بن عاصم وأبي بكر وابن عباس وعيسى بن عمر والأعمش بِخُلْفٍ عنه. انظر: حجة القراءات 300، السبعة 296، الكشف عن وجوه القراءات 1/ 481.
(4) لم أعثر عليه.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 13/ 200 - 201.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)

توجيه القراءات من حيث بيان وزن اللفظة المختلف في قراءتها بين القراء، وهو غرض سيأتي الحديث عنه على حدة. وهذه القراءة التي ذكرها الطبري عدها العلماء من شواذ القراءات (1)، لأن هذا البناء مختص بالمعتل كسَيِّدٍ ومَيِّتٍ، قال مكي بن أبي طالب: «وقد روي عن عاصم كسر الهمزة بيئس على فيعل، [و] هو بعيد؛ لأن هذا البناء إنما يكون فيما اعتلت عينه، مثل سيّد، وميّت». (2)

‌‌الاستشهاد للصيغة لا للمعنى.
من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، الاستشهاد من أجل توضيح صيغة بعض المفردات وتقريب نطقها وتعدد أبنيتها لتعدد لغات العرب فيها، دون أن يكون لذلك أثره في معنى اللفظة. وليست هذه الصورة بكثيرة الأمثلة في كتب التفسير.
ومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقولهُ: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 14] (3) يقول: وكانت الجبالُ رَمْلًا سائلًا مُتناثرًا. والمَهِيْلُ مَفعولٌ من قول القائلِ: هِلْتُ الرملَ، فأَنا أَهِيْلُه، إذا حُرِّكَ أَسفَلُهُ، فانْهالَ عليهِ مِنْ أعلاهُ، وللعرب في ذلك لغتانِ، تقول: مَهِيْلٌ، ومَهْيُولٌ، ومَكِيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قولُ الشاعر (4):
قد كان قَومُكَ يَحسَبُونَكَ سَيِّدًا … وإِخالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ (5)». (6)
وهذا شاهد لغوي على أن للعرب في مهيل وأمثالها لغتان، وقد أورد الشاهد للاستشهاد به على أَنَّ «مَعِيْن» يأتي على «مَعْيُون»، فكذلك--------------------------------------------
(1) انظر: المحتسب 1/ 264، البحر المحيط لأبي حيان 4/ 413، النشر 2/ 232.
(2) مشكل إعراب القرآن 290 - 291.
(3) المزمل 14.
(4) هو العباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه.
(5) انظر: ديوانه 156، الأغاني 6/ 342، أمالي المرزوقي 50.
(6) تفسير الطبري (هجر) 23/ 385.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)

«مَهِيل» يأتي على «مَهْيُول»، وهاتان لغتان لقبيلتين من قبائل العرب، في اسم المفعول من ذوات الياء، ومجيئه صحيحًا، مثل مَبِيع يأتي مَبْيُوع، ومخيط يأتي مخيوط، وقد أَتموا ذوات الياء خاصة لِخفَّتِها (1)، وعَدَّهُ بعضهم خطأً. (2)

‌‌الاستشهاد لبيان اللغة الفصيحة في اللفظة.
من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر الاستشهاد به لبيان اللغة الفصيحة في لفظة من الألفاظ التي وردت في القرآن، أو عرضت في أثناء التفسير. ومن أمثلة ذلك:
1 - ناقش الطبري عند قوله تعالى: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} [الأعراف: 150] (3) القراءات في قوله: {ابْنَ أُمَّ} فقال: «واختلفت القرأة في قراءة قوله: {ابْنَ أُمَّ}، فقرأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ المدينة وبعض أهل البصرة: {قَالَ ابْنَ أُمَّ} بفتح الميم، من الأَمِّ. (4) وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: {أُمِّ} بكسر الميم (5) من الأُمِّ». (6)
ثم ذكر اختلاف النحويين في توجيه النصب والكسر مع إجماعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب، وأنَّ مَنْ قرأ بفتح الميم فمرادٌ به النُّدبةُ (7)، أي: يا ابن أُمَّاه. ومَن قرأ بكسرها فمرادٌ به الإضافة، ثم--------------------------------------------
(1) انظر: أمالي المرزوقي 50.
(2) انظر: درة الغواص 259، التصحيف والتحريف للصفدي 461.
(3) الأعراف 150.
(4) قرأ بفتح الميم نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب. انظر: السبعة 295، التيسير 113، النشر 2/ 272.
(5) قرأ بكسر الميم حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم وابن عامر وخلف. انظر: الحاشية السابقة.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 13/ 128.
(7) النُّدْبَةُ اصطلاحًا هي نداءُ المُتَفَجَّعِ عليهِ أو المُتوجَّعِ منه بـ «وا» أو بـ «يا». انظر: عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك لمحمد محي الدين عبد الحميد 4/ 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)