أكتافهم لم يدركوه بعدُ فهو ثِقلٌ عليهم، وبصيرتي أَي ذحلى قد أدركتُ به» (1). وقوله: إِنَّ البَصيْرَةَ طريقةُ الدمِ، يعني بِها ما استدارَ من الدمِ مِقدارَ الدرهمِ (2).
الاختلاف في شرح الشاهد الشعري:
يرجع الاختلاف في شرح المفسرين للشاهد الشعري إلى عدة عوامل، منها الاختلاف في رواية البيت في موضعٍ يتغير بتغيره المعنى، أو يكون راجعًا إلى وقوع التصحيف في الشاهد، أو يكون الاختلاف راجعًا إلى الاختلاف في تفسير الآية وحَملِ الشاهد عليها، أو نحو ذلك، وسيأتي أمثلة ذلك.
وقد تعقب المفسرون بعضًا في شرح الشواهد الشعرية، وأكثرُ مَن رأيته عُنِيَ بذلك الإمامُ الطبري، وابن عطية في تفسيريهما. فأما الطبري فقد أكثر من تعقب أبي عبيدة في فهمه للشواهد، كما تعقب الفراء في مواضع قليلة، وأما ابن عطية فقد تعقب أبا عبيدة، وابن قتيبة، والأخفش والطبري، وأكثر من ذلك في تفسيره مع بيان وجه الاختلاف أحيانًا، وعدم بيانه في مواضع.
أولًا: الاختلاف في معنى الشاهد.
من أمثلة الاختلاف في معنى الشاهد بسبب الاختلاف في رواية البيت أن أبا عبيدة روى شاهدًا شعريًا نسبه لعمرو بن حني التغلبي وهو قوله:
وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ … أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّما
وشرح غريبه فقال: «والصَّعَرُ داءٌ يأخذُ البعيرَ في عُنقهِ أو رأسه--------------------------------------------
(1) المعاني الكبير 2/ 1013.
(2) انظر: الأصمعيات 141 حاشية المحقق رقم 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)
فيُشبَّهُ به الرجلُ الذي يتكبَّرُ على الناس» (1)، ورواه الطبري كذلك (2)، غير أنَّ ابن عطية استشهدَ به فقال: «والصَّعَرُ الميلُ … ومنه قول عمرو بن حني التغلبي:
وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ … أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّمِ
أَيْ: فتقوَّمْ أنتَ، قالهُ أبو عبيدةَ (3)، وأنشدَ الطبريُّ «فتقوَّمَا»، وهو خطأٌ؛ لأن قافية الشعرِ مَخفوضةٌ» (4). فيتغير المعنى من الغائب للحاضر.
وقد روى المرزبانيُّ هذا البيت مع عدة أبياتٍ مخفوضةٍ كما ذكر ابن عطية وهي:
نُعاطي المُلوكَ الحقَّ ما قَصَدُوا بِنَا … وليسَ عَلينا قَتْلُهُمْ بِمُحرَّمِ
أَنِفتُ لَهُمْ مِنْ عَقلِ عَمرِو بنِ مَرْثَدٍ … إذا وَردوا ماءً ورُمْحِ ابنِ هَرْثَمِ
وكُنَّا إذا الجبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ … أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمِ
قال: يريدُ فتقوَّمْ أنتَ» (5).
ثم عقَّبَ على ذلك المرزباني مشيرًا إلى أن هذا البيت يروى لغيره فقال: «وهذا البيت يروى من قصيدة المتلمس التي أولها:
يُعَيّرني أُمِّي رِجَالٌ ولَنْ تَرى … أَخَا كَرَمٍ إِلَّا بِأَنْ يَتَكَرَّما (6)
وبعده البيت، وآخره:
.......................... … أَقمنَا لَه من مَيلهِ فتقوَّمَا
وأبو عبيدة وغيره يروون هذه الأبيات لجابر بن حُنَيِّ التغلبيِّ» (7).
وهذا الذي ذكره المرزباني يعني به رواية أبي عبيدة في «مجاز--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 2/ 127.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 18/ 559.
(3) ما في «مجاز القرآن» 2/ 127 خلاف ذلك، فالرواية فيه كما عند الطبري (فتقوَّما)، فإما أن يكون ابن عطية قد وَهِمَ، وإما أن يكون البيت في المطبوع أصابه تَحريفٌ.
(4) المحرر الوجيز 13/ 18.
(5) معجم الشعراء 13.
(6) انظر: ديوانه 62.
(7) معجم الشعراء 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
القرآن»، وأما في ديوان المتلمس فقد رواه أبو عبيدة له بالفتح. (1) وتعقب ابن عطية لرواية الطبري مبني على الخلاف في رواية الشاهد وهي قد تتعدد كما في كثير من روايات الشعر، وإن كان موضع الشاهد لم يتأثَّر بِهذا الاختلاف وهو لفظة: «صَعَّرَ»، حيث ساق المفسرون الشاهد من أجلها.
ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند قوله تعالى: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] (2): «وحكى الطبريُّ أنَّ «لا» زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول الراجز (3):
فَمَا أَلُومُ البِيضَ أَلَاّ تَسْخَرا (4)
أرادَ: أَنْ تسخَر. وفي قول الأحوص:
ويَلْحِيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ لا أُحِبَّه … ولِلَّهوِ داعٍ دَائبٌ غَيْرُ غَافِلِ (5)
وقال الطبري: يُريدُ ويَلْحَيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ أُحبَّه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبيتُ الأحوص إِنَّما معناه: إرادةَ أَنْ لا أُحبَّهُ، فـ «لا» فيه متمكنة» (6).
فقد اعترض على شرح الشاهد بما شرحه به الطبري، وذهب به مذهب
ثانيًا: الاختلاف في دلالة الشاهد.
قد يكون معنى الشاهد متفقًا على صحة روايته عند المفسرين، غير أَنَّهم يَختلفونَ في معناه، ودلالته على الآية، فيكون الخلاف في معنى الشاهد، لا في تفسير الآية. ومن ذلك أن أبا عبيدة أنشد قول ابن مقبل:--------------------------------------------
(1) انظر: ديوان المتلمس الضبعي 24 - 25 وأبو عبيدة أحد رواة الديوان.
(2) الفاتحة 7.
(3) هو أبو النجم العجلي.
(4) انظر: ديوانه 87.
(5) انظر: شعر الأحوص الأنصاري 224.
(6) المحرر الوجيز 1/ 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 504)
أَفسدَ النَّاسَ خُلوفٌ خَلفُوا … قَطعوا الإِلَّ وإِعرَاقَ الرَّحِمْ (1)
وفسَّرَ الإِلَّ فيه بأَنَّها القَرابة (2). واعترض ابن عطية على ذلك فقال: «أنشده أبو عبيدة على القرابة وظاهره أنه في العهود». (3) فالخلاف هنا في دلالة اللفظة في الشاهد على المعنى، واعتراض ابن عطية مبني على فهمه للمفردةِ من خلال سياق البيت، وإن كان بيتُ ابنِ مقبل يَحتملُ الأمرين، وفهم أبي عبيدة غير بعيد، ومعرفته بالشعر أوسع، ولم أجد البيتَ في ديوان الشاعر لأتبيَّنَ ما قبلَهُ وما بعده.
ومثله قول ابن عطية أيضًا: «وقال الطبري: {يُضِلُّونَكُمْ} [آل عمران: 69] 4) معناه: يُهلكونَكم، واستشهدَ ببيت جرير (5):
كُنتَ القَذى في مَوجِ أَخضرَ مُزبدٍ … قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فضلَّ ضلالا (6)
وقول النابغة:
فآبَ مُضلوهُ بِعَينٍ جَليَّةٍ … البيت (7)
وهذا تفسيرٌ غيرُ خاصٍ باللفظةِ، وإنَّما اطَّردَ له هذا الضلالُ في الآية، وفي البيتين اقترنَ به هلاكٌ، وأَمَّا أَن تُفسَّرَ لفظةُ الضلالِ بالهلاكِ فَغَيْرُ قَويمٍ» (8).
واعتراضُ ابنِ عطيَّةَ هنا على تفسير الطبري للضلال بمعنى الهلاك مطلقًا، ولم يعترض على تفسير الضلال في الآية والشاهدين بالهلاك لتوفر القرينة على ذلك. قال في اللسان: «قال أَبو عمرو: وأَصلُ الضَّلالِ--------------------------------------------
(1) لم أجده في ديوانه.
(2) لم أجد البيت ولا تفسير أبي عبيدة له في مجاز القرآن.
(3) المحرر الوجيز 8/ 137.
(4) آل عمران 69.
(5) البيت للأخطل وليس لجرير، والطبري نسبه للأخطل. انظر: تفسير الطبري (هجر) 5/ 490.
(6) رواية الديوان والطبري: «في موج أكدر». انظر: ديوان الأخطل 252.
(7) انظر: ديوان النابغة الذبياني 119.
(8) المحرر الوجيز 3/ 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)
الغَيْبوبة، يقال ضَلَّ الماءُ في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافرُ إذا غاب عن الحُجَّة، وضَلَّ الناسي إذا غابَ عنه حِفْظه، وأَضْلَلْت بَعيري وغيرَه إذا ذهَب منك … وضَلَّ الشيءُ يَضِلُّ ضَلالًا أَي ضاع» (1). فالهلاك أحد معاني الضلال إذا اقترنت به قرينة، وأما أصل معنى الضلال فكما قال ابن فارس: «الضاد واللام أصلٌ صحيحٌ يدل على معنى واحد، وهو ضياع الشيء وذهابه في غير حقه» (2).
ثالثًا: الاختلاف في وجه الاستشهاد:
قد يكون الاختلاف والاعتراض متجهًا إلى وجه الاستشهاد لا إلى الشاهد، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: الرَّفَثُ اللغا من الكلام، وأنشد:
ورُبَّ أَسرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ … عَن اللَّغَا ورَفَثِ التكَلُّمِ (3)
قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا البيت». (4) ولم يبين ابن عطية سبب عدم الحجية في الشاهد، وأن الرفث فيه يعني اللغو من الكلام، والظاهر أن وجه اعتراض ابن عطية على الاستشهاد بالبيت أن الشاعر قد عطف اللغا على رفث الكلام، والعطف يعني المغايرة بين المعنيين.
وقال ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: البعض في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة، وأنشد أبو عبيدة شاهدًا على قوله بيت لبيد:
ترَّاكُ أَمكنةٍ إذا لم أَرْضَهَا … أَو يَخْتَرِمْ بعضَ النفوسِ حِمَامُها
وليست في البيت له حجة؛ لأن لبيدًا أراد نفسه فهو تبعيض صحيح» (5).--------------------------------------------
(1) لسان العرب 8/ 80 (ضلل).
(2) مقاييس اللغة 3/ 345، وانظر: المحرر الوجيز 12/ 16.
(3) انظر: ديوان العجاج 128.
(4) المحرر الوجيز 2/ 122.
(5) المحرر الوجيز 3/ 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 506)
وقد يكون سبب الخلاف هو الخلاف في تفسير الآية، لا في معنى البيت أو حجيته، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم بعضُ أهل العربية أن معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ} [النساء: 90] (1): إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق. من قولهم: اتَّصَلَ الرجلُ، بِمعنى: انتمَى وانتسَب. كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قومٍ:
إذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ … وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (2)
يريدُ بقوله: اتصلتْ انتَسَبت» (3). ثُمَّ اعترض الطبري على هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو عبيدة فقال: «ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع؛ لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة والعهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم مالهم … لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتل قريشًا وهم أنسباء السابقين الأولين، ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش … الدليل الواضح أن انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم لم يكن موجبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه» (4). ولَخَّص ابنُ عطية رأي الطبري واختاره (5).
ومن أمثلة تعقب الطبري للفراء في فهمه للشواهد وشرحه لها قول الطبري: «واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب «الباء» في قوله: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112] (6) فقال بعض نحويي الكوفة: الذي جلب «الباء» في قوله: {بِحَبْلٍ} فعل مضمر قد ترك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا--------------------------------------------
(1) النساء 90.
(2) انظر: ديوانه 81.
(3) تفسير الطبري (هجر) 7/ 293، المحرر الوجيز 4/ 201 - 202.
(4) تفسير الطبري (هجر) 7/ 294.
(5) انظر: المحرر الوجيز 4/ 202، 6/ 76، 89، 4/ 207، 4/ 13.
(6) آل عمران 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
بحبل من الله فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر (1):
رأَتْنِي بِحَبْلَيها فَصَدَّتْ مَخَافةً … وفي الحَبْلِ رَوعاءُ الفُؤادِ فَروقُ (2)
وقال: أرادَ: أَقبلَت بِحَبلَيها. وبقول الآخر (3):
حَنَتْنِي حَانياتُ الدهرِ حتى … كأَنِّي خَاتِلٌ أَدنُو لِصَيدِ
قريبُ الخَطْوِ يَحسبُ مَن رآني … ولستُ مُقيَّدًا أَنِّي بِقَيدِ (4)
يريد: مقيَّدًا، فأوجبَ إعمالَ فعلٍ مَحذوفٍ، وإظهارَ صلته وهو متروك» (5).
ثم أخذ الطبري في رده لفهم الفراء للشواهد، وشرحه لها، فقال: «وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دال على صحة دعواه؛ لأن في قول الشاعر: «رأتني بِحَبليها» دلالةً بينةً في أنها رأتهُ بالحبل مُمسكًا، ففي إخباره عنها أَنّها رأتهُ بِحبليها، إخبارٌ منه أنها رأته مُمسكًا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك، وكانت الباء صلة لقوله رأتني» (6).
وقد يكون التعقب لفهم الشاهد ودلالته على الآية، وليس لشرحه، ومن ذلك قول الطبري في رده على أبي عبيدة: «وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن الذي في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] (7) بمعنى: الذين، كما قال جل ثناؤه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ--------------------------------------------
(1) هو حميد بن ثور الهلالي.
(2) انظر: ديوانه 35.
(3) هو أبو الطمحان حنظلة بن الشرقي من بين القين، شاعر مخضرم.
(4) معاني القرآن للفراء 1/ 230، ديوان المعاني للعسكري 2/ 161، وقد اقتصرت طبعة البابي الحلبي 4/ 49 على البيت الأول دون الثاني، وهو محل الشاهد، وهو منقول من كلام الفراء في المعاني، ولعله سهو من الناسخ، وقد أثبته محمود شاكر في طبعته، وكذا الدكتور التركي. انظر: الحاشية التالية.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 7/ 113 - 114، (هجر) 5/ 684 - 685.
(6) المصدر السابق 7/ 114.
(7) البقرة 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)} [الزمر: 33] (1). وكما قال الشاعر (2):
فإِنَّ الذي حانَتْ بِفَلجٍ دماؤُهُم … هُمُ القومُ كُلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ (3)
قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول لما وصفنا من العلة، وقد أغفل قائل ذلك فرقَ ما بين (الذي) في الآيتين وفي البيت؛ لأن الذي في قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وكذلك (الذي) في البيت، وهو قوله (دماؤهم)، وليست هذه الدلالة في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] فذلك فرق ما بين الذي في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معنى (الذي) في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} بِمعنى الجماعة. وغيرُ جائزٍ لأحد نقلَ الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجةٍ يجبُ التسليم لها» (4).
وقد كانت ردود الطبري على أبي عبيدة في فهمه لمعاني القرآن بسبب عدم عناية أبي عبيدة بتفسير السلف، واعتماده فيما يفسر على اللغة والشعر، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم أيضًا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنَّ الرحمنَ مَجازهُ: ذو الرَّحمةِ، والرحيمَ مَجازهُ الرَّاحمُ، ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظٍ، والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: نَدْمَانُ ونَدِيْمُ، ثم استشهد ببيت برج بن مسهر الطائي:
ونَدمانٍ يزيدُ الكأسَ طيبًا … سَقَيتُ إذا تغوَّرَتِ النُّجومُ (5)--------------------------------------------
(1) الزمر 33.
(2) هو الأشهب بن رميلة. .
(3) انظر: شعراء أمويون 231، الحماسة البصرية 2/ 755، أمالي بن الشجري 3/ 57، خزانة الأدب 2/ 509
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 320 - 321، وانظر: 1/ 432، تفسير الطبري (هجر) 2/ 471.
(5) انظر: ديوان الحماسة 383، شرح الحماسة للمرزوقي 3/ 1272، ونُسِبَ لعمرو بن شأس الأسدي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
واستشهد بأبيات نظائر له في النديم والندمان ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله الرحمن ذو الرحمة والرحيم الراحم وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيهما على صحته … ». إلى أن قال منتقدًا لمسلك أبي عيدة: «ولكن القول إذا كان على غير أصلٍ معتمدٍ عليه كان واضحًا عَوَارهُ» (1). فهو يرد قول أبي عبيدة لمخالفته لتفسير السلف. وقال في موضع آخر بعد ترجيحه لقول مفسري السلف على تفسير أهل اللغة وهو يشير إلى أبي عبيدة: «وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذرَ. فأما الذين قالوا في ذلك غير ما قلنا مِمَّن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلى إمامٍ من الصحابة أو التابعين، وعلى وجه تَحميلِ الكلام غير وجهه المعروف فإنهم اختلفوا في معناه بينهم … » (2). فظهر أن الطبري يعيب تفسير أهل اللغة بأنهم لا يتلفتون إلى تفسير الصحابة والتابعين، ويقولون في معاني القرآن بما ورد في اللغة والشعر، دون نظر إلى خصوصية القرآن الكريم، وتقدم الصحابة والتابعين في معرفة معانيه على غيرهم.
ومن الأمثلة على اختلاف المفسرين في معاني الشاهد الشعري اختلافهم في قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
وأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا (3)
فقال الطبري: «وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم، ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم:
وأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 132.
(2) تفسير الطبري (هجر) 16/ 38 - 39.
(3) انظر: ديوانه 370.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
وقال: فقد يكون إنما جعلها غرًا طوالًا، لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5] (1) بنعم الله، ثم قال: وقد يكون تسميتها غُرًّا لعلوهم على المَلِكِ وامتناعهم منه، فأيامهم غُرٌّ لهم، وطِوَالٌ على أعدائهم.
قال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القائل من أن في هذا البيت دليلًا على أن الأيام معناها النعم وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف من الأيام بأنها غرٌّ لعز عشيرته فيها، وامتناعهم على الملك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول بعض الناس: ما كان لفلان قط يوم أبيض، يعنون بذلك أنه لم يكن له يوم مذكور بخير، وأما وصفه إياها بالطول، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدة، كما قال النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُميمةُ نَاصِبِ … ولَيلٍ أُقاسيهِ بِطيءِ الكَواكِبِ (2)
فإنما وصفها عمرو بالطول لشدة مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك غير ما قلتُ» (3).
ومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية كذلك عند تفسير قوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} [البقرة: 147] (4) حيث قال: «الخطابُ للنبيِّ، والمرادُ أمته. وامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (5) شاهدًا على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى:
تَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ … ـنَ رَكْضًا إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ (6)
ووهِم في ذلك؛ لأنَّ أبا عبيدةَ وغيره قالوا: الممترين في البيت:--------------------------------------------
(1) إبراهيم 5.
(2) انظر: ديوانه 15.
(3) تفسير الطبري (هجر) 13/ 595 - 596.
(4) البقرة 147.
(5) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 3/ 191.
(6) انظر: ديوانه 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
هم الذينَ يَمْرُونَ الخيلَ بأرجلِهم هَمْزًا لتجري (1)؛ كأنهم يحتلبون الجريَ منها، فليس في البيت معنًى من الشَّكِّ كما قال الطبريُّ» (2).
وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية، فقال: «معنى الشَّكِّ فيه موجودٌ؛ لأنه يحتملُ أن يختبِرَ الفرسَ صاحبُه، هل هو على ما عهده منه من الجري، أم لا؛ لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه، فيُجريه، ليعلم مقدار جريه … » (3). والأمثلة على تعقبات المفسرين بعضهم في فهم الشواهد الشعري أو شرحها، أو إعرابها كثيرة (4).
تغليط المفسرين للشعراء:
وهناك من المفسرين من يرد بعض ما ورد من اللغة في الشواهد الشعرية، وهذا من باب تغليط الشاعر، ومن الأمثلة ما ما ذكره ابن عطية في تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] (5)، حيث قال: «والسَّلوى طيرٌ، بإجماعٍ من المفسِّرينَ … وقد غلطَ الهذليُّ (6)، فقال:
وَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم … ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا (7)
ظنَّ السَّلوى العسلَ» (8). ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه--------------------------------------------
(1) شرحه الطبرسي في مجمع البيان في تفسير القرآن 2/ 21، حيث ذكر البيت، ثمَّ قال: «يعني الشَّاكينَ في درورها، لطول سيرها، وقيلَ: المستخرجينَ ما عندها … ».
(2) المحرر الوجيز 1/ 21 - 22.
(3) الجامع لأحكام القرآن 2/ 164.
(4) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 320، 2/ 20 - 21، 2/ 294، 330، 3/ 283 - 284، 4/ 171، 5/ 47 - 48، 5/ 302 - 303، 6/ 171 - 172، 7/ 99، 9/ 414 - 415، 11/ 198، 12/ 324، 12/ 444 - 445، 13/ 144 - 145، 13/ 219 - 220، 13/ 519، 15/ 323 وغيرها، المحرر الوجيز 3/ 199، 99، 12/ 154 - 155، 12/ 135 - 136، 16، 10/ 72، 120، 2/ 122.
(5) البقرة 57.
(6) هو أبو ذؤيب الهذلي، وبعضهم ينسبه لخالد بن زهير الهذلي كالطبري، وهو ابن أخت أبي ذؤيب.
(7) نشورها: نأخذها، والشَّورُ: أخذ العسل من موضعها. انظر: ديوان الهذليين 1/ 158.
(8) المحرر الوجيز 1/ 306.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)
ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا من تخطئة العلماء للشعراء، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد صنَّفَ فيه المرزباني كتابه «الموشَّحُ في مآخذ العلماء على الشعراء»، وذكر أمثلة كثيرة لتعقبات العلماء للشعراء.
وقال الزجاج: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ، وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلَاّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة» (1).
وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجماعِ لايصح، وقد قال المؤَرِّجُ (2) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكر أنه كذلكَ بلغة كنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد:
لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ … ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (3)
وقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (4)، وذكر بيت الهذلي:
.............................. … ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها
ولم يذكر غَلَطًا» (5).
وربما رد ابن عطية تخطئة بعض العلماء للشعراء، ومن الأمثلة على ذلك قوله: «وأيضًا فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج، فيجيء الإخراج منهما جميعًا. قال القاضي أبو محمد: وقد خطئ أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر:--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز (قطر) 5/ 459، وانظر: معاني القرآن وإعرابه.
(2) هو مؤرج بن عمر السدوسي البصري، أحد أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة 195 هـ. انظر: بغية الوعاة 2/ 305.
(3) للعجاج كما في ديوانه 406.
(4) انظر: الصحاح 6/ 2381.
(5) الجامع لأحكام القرآن 1/ 407 - 408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 513)
فَجاءَ بِها ما شِئتَ مِن لَطَمِيَّةٍ … يَدومُ الفُراتُ فَوقَها وَيَموجُ (1)
وليس ذلك بخطأ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة» (2).
ثانيًا: الاضطراب في شرح الشاهد الشعري عند المفسر الواحد.
قد يَختلف شرحُ المفسر للشاهدِ الشعري في موضعين مُختلفين. ومن أمثلة ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65] (3) قال في تفسير الغرام: «إن عذاب جهنم كان غرامًا ملحًا دائمًا ملازمًا غير مفارق من عذب به من الكفار، ومهلكًا له، ومنه قولهم: رجل مغرم، من الغرم والدين، ومنه قيل للرجل المولع بالنساء إنه لمغرم بالنساء، وفلان مغرم بفلان إذا لم يصبر عنه، ومنه قول الأعشى:
إِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا وإِنْ … يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي (4)
يقول: إن يعاقب يكن عقابه عقابًا لازمًا، لا يفارقه صاحبه، مهلكًا له» (5).
في حين قال عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)} [الواقعة: 66] (6) في تفسير الغرام أيضًا: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب، ومنه قول الأعشى:
إِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا … وإِنْ يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي
يعني بقوله: يكن غرامًا: يكن عذابًا» (7).
ففسَّر الغرامَ في البيت في المرة الأولى بالمُلازمةِ، وفي الثانية--------------------------------------------
(1) انظر: ديوان الهذليين 57، ديوانه 52.
(2) المحرر الوجيز 13/ 163.
(3) الفرقان 65.
(4) انظر: ديوانه 59.
(5) تفسير الطبري (هجر) 17/ 495، وانظر: 22/ 352.
(6) الواقعة 66.
(7) تفسير الطبري (الحلبي) 27/ 199 - 200 هذا الموضع ساقط من نسختي من الطبري طبعة دار هجر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 514)
بالعذابِ. وليس بين التفسيرين تعارض، فالغرام هو العذاب الملازم، وقد اقتصر الطبري في الموضع الثاني على تفسيره بالعذاب دون تقييده بالملازم، فكان ظاهر هذا ما يشبه أن يكون اختلافًا في شرح الشاهد. وقد فُسِّرَ الغرامُ في اللغة بأنه العذاب الملازم، وأنَّ مادة «غَرِمَ» أصل صحيح يدل على مُلازمةٍ ومُلازَّةٍ (1). وقد سبق أبو عبيدة إلى الاستشهاد بهذا الشاهد وشرحه بأنه بمعنى الهلاك (2). والعذاب سبب للهلاك.
أنواع شروح الشاهد الشعري:
يعتمد شرح المفسر للشاهد الشعري على نوع المسألة التي ورد فيها الشاهد الشعري، فإن كانت مسألة لغوية معجمية فإنه يشرح الشاهد الشعري شرحًا معجميًا، وإن كانت مسألأة نحوية فإنه يشرح الشاهد شرحًا نحويًا، وهكذا. وبناء على قسمت أنواع الشروح للشاهد الشعري إلى الأقسام الآتية:
أولًا: الشرح اللغوي.
ومن الأمثلة قول الطبري: «وهو مصدرٌ من قول القائلِ: رابني الشيءُ يُريبني رَيْبًا. ومن ذلك قولُ ساعدةَ بن جؤية الهُذليّ:
فقالوا: تَركنَا القَومَ قَدْ حَصِرُوا بِهِ … فَلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (3)
ويُروى: حَصَرُوا وحَصِرُوا والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ. يعني بقوله: «حَصَروا بهِ» أطافوا به، ويعني بقوله: «لا ريب فيه» لا شكَّ فيه. وبقوله: «أنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ» يعني قتيلًا، يقال: قد لَحِمَ إذا قُتِلَ» (4).
وقال الزمخشري: «وقرأ الأشهب العقيلي (بعد إمةٍ) بكسر الهمزة، والإمة النعمة. قال عدي:--------------------------------------------
(1) انظر: مقاييس اللغة 4/ 419.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 326.
(3) انظر: ديوان الهذليين 1/ 232.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
ثُمَّ بعدَ الفَلاحِ والمُلكِ … والإِمَّةِ وارتْهُمُ هُناكَ القُبورُ (1)
أي: بعد ما أنعم عليه بالنجاة» (2). والأمثلة على ذلك كثيرة (3).
ثانيًا: الشرح النحوي.
ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وإذ كان ذلك معنى الكلام، فمعلوم أن قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] (4) يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين:
فأما أحد وجهي الرفع، فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم، فتنصب وترفع، وإن كان خبرًا عن معرفة، كما قال الشاعر:
لا يَبْعُدَنْ قَومي الذينَ هُمُ … سُمُّ العُدَاةِ وآَفَةُ الجُزْرِ
النَّازِلينَ بِكُلِّ مُعتَرَكٍ … والطَّيبينَ مَعَاقدَ الأُزُر
فيُروى: النازلون، والنازلين، وكذلك الطيبون والطيبين على ما وصفت من المدح» (5).
ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: « … فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] (6) الإبهامَ على مَنْ خَاطبهُ، فهو عالمٌ أَيَّ ذلك كانَ … كما قال أبو الأسود الدؤلي:
أُحِبُّ مُحمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا … وعبَّاسًا وحَمْزةَ والوصِيَّا
فإِنْ يَكُ حُبُّهُم رُشْدًا أُصِبْهُ … ولستُ بِمُخطيءٍ إِنْ كانَ غَيَّا (7)
قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمى رشدٌ، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما--------------------------------------------
(1) لعدي بن زيد العبادي من قصيدته المشهورة. انظر:
(2) الكشاف 2/ 475.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 476 - 477.
(4) البقرة 18.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 329.
(6) البقرة 74.
(7) انظر: ديوانه 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
قال هذه الأبيات قيل له: شككتَ؟ فقال: كلَاّ والله! ثُمَّ انتزَعَ بقول الله عَزَّوَجَلَّ: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] (1) فقال: أَوَ كانَ شاكًّا مَنْ أخبرَ بِهذا في الهَادي من الضلال؟ » (2).
وقال الطبري: «وأما على قراءة من قرأه: بل ادارك، بكسر اللام وتشديد الدال، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل أم، إذا كان في أول الكلام استفهام، كما قال الشاعر:
فواللهِ ما أدري أَسلمى تَغوَّلَتْ … أَمِ النومُ أمْ كُلٌّ إليَّ حبيبُ
يعني بذلك: بل كُلٌّ إليَّ حبيب» (3).
ومن الأمثلة عند ابن عطية قوله تعقيبًا على رواية ابن جني لقول أبي النجم:
قد أَصْبحتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي … عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (4)
برفع «كُلّ». قال: «وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنوب، ولو نصبَ «كُلَّ» لكان ظاهرُ قوله أَنَّه صَنَعَ بعضَه. وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح. التقدير: يبغونَهُ ولم أَصنعه، وإنما يحذف الضمير كثيرًا من الصلة … ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين:
أحدهما: أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ} [المائدة: 50].
والثاني: أن في البيت عوضًا من الهاء المحذوفة، وذلك حرف--------------------------------------------
(1) سبأ 24.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 235 - 236.
(3) تفسير الطبري (هجر) 17/ 25، وانظر تفسير الطبري (شاكر) 11/ 209.
(4) انظر: ديوانه 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)
الإطلاق، أعني الياء في أصنعِ» (1).
ثالثًا: الشرح الأدبي.
وأعني به النظر إلى الشاهد الشعري نظرة أدبية نقدية، يبدي فيها المفسر رأيه في جمال البيت من حيث المعنى، أو من حيث اللفظ، على عادة نقاد الشعر. وتجد لذلك أمثلة في كتب التفسير، على أن المفسرين لم ينظروا إلى الشاهد الشعري نظرة فنية في كتب التفسير، ولم يكن ذلك من أغراضهم، وإنما نظروا للشاهد الشعري على أنه حجة يحتج بها في اللغة ونحوها، ووسيلة ضرورية لغاية أسمى وهي فهم معاني القرآن وتفسيرها. بل إن أكثر علماء اللغة كانت اهتمامهم بالشعر للمحافظة على ثبات اللغة، والاستعانة به في فهم القرآن، والاحجاج له. فكانت الغاية دينية في حركة جمع الشعر وشرحه (2).
ومن ذلك قول ابن عطية: «قول الشاعرِ (3):
ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ … إِنَّما المَيْتُ مَيّتُ الأَحياءِ (4)
استراحَ من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ … وأمَّا قولُ الشاعرِ (5):
إذا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَميمٍ … فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِئْ بِزَادِ (6)
فالأبلغُ في الهجاءِ أَنْ يريدَ الميتَ حقيقةً، وقد ذهب بعضُ الناس إلى أَنَّه أرادَ مَنْ شارفَ الموتَ، والأولُ أَشعرُ». (7) وأضاف في موضع آخر شرحًا لهذا الشاهد فقال: «وقد تأول قومٌ «استراحَ» في هذا البيت--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 5/ 124.
(2) انظر: جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للمالكي 18 - 19.
(3) هو عدي بن الرعلاء الغساني.
(4) الأصمعيات 152.
(5) هو يزيد بن الصعق الكلابي كما في معجم الشعراء للمرزباني 480، وقيل لأبي مهوش الفقعسي كما في حواشي الكامل 1/ 224.
(6) البيان والتبيين 1/ 190، الكامل 1/ 224.
(7) المحرر الوجيز 2/ 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
بِمعنى: اكتسبَ رائحةً؛ إذ قائلُهُ جاهليٌّ، لا يرى في الموت راحةً» (1).
وفي هذا توظيف لمعرفته بعصر قائل الشعر ودينه في فهم الشاهد الشعري وترجيح بعض معانيه على بعض، كما إن فيه دلالة على حسن تذوقه للأدب، وبراعته في ترجيح العبارات بحسب معانيها، وهذا جزء من عمل الناقد الأدبي.
ومن الأمثلة قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)} [طه: 118، 119] (2): «وجعل الله تعالى الجوعَ في هذه الآية مع العُري، والظمأَ مع الضحاءِ، وكان عُرْفُ الكلامِ أن يكون الجوعُ مع الظمأِ المتناسب، والعريُ مع الضحاءِ؛ لأنها تتضادُ إذ العُريُ يَمسُّ بسببه البردُ، والحَرُّ يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيعٌ في كلام العرب، أَن تُفرقَ النِّسَبَ، ومنه قول امرئ القيس:
كأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلذَّةٍ … ولَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذاتَ خَلْخَالِ
ولم أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أَقُلْ … لِخَيليَ كُرِّيْ كَرَّةً بعدَ إِجْفَالِ (3)
وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظةٌ لنسبٍ، وأنَّ ركوبَ الخيل للصيدِ وغَيره من الملاذِ يُناسبُ تبطنَ الكاعب» (4). وقد ذكر المرزباني هذا التوجيه لأبيات امرئ القيس (5).
ومن الأمثلة كذلك لإشارات المفسرين للجوانب الأدبية في شرح الشاهد الشعري أن ابن عطية ذكر قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلْمَعنَ بالضُّحى … وأَسيَافُنَا يَقْطُرنَ مِنْ نَجْدةٍ دَما (6)
واستدل به على أن الجفنات هنا أتت للتكثير لا للتقليل فقال: «فلم--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 5/ 20.
(2) طه 119.
(3) انظر: ديوانه 35.
(4) المحرر الوجيز 11/ 111.
(5) انظر: الموشح 38.
(6) انظر: ديوانه 371.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
يرد إلا كثرة الجفان» ثم علق تعليقًا أدبيًا على البيت فقال: «وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت» (1). وهو يقصد نقد النابغة الذبياني لا الأعشى، فقد رُويَ عن أبي عمرو بن العلاءِ قال: «كان النابغةُ الذبيانيّ تُضربُ له قُبَّةٌ من أَدَمٍ بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها، فأتاه الأعشى فأنشدهُ أَوَّل من أنشدَ، ثُمَّ أنشدهُ حسّانُ:
لنا الجَفَناتُ الغُرًّ يلمعن بالضُّحى … وأسيافُنا يقطرن من نجدة دَما
ولدنا بَنِى العنقاءِ وابنَىْ محرِّقٍ … فأكرِمْ بنا خَالًا وأكرمْ بِنَا ابنَمَا
قال النابغةُ: أنت شاعرٌ، ولكنَّك أَقلَلْتَ جِفَانَكَ وسُيوفَك، وفَخَرتَ بِمَن ولدتَ ولم تفخرْ بِمَن وَلَدك» (2). وهذه القصة يذكرها كثير من المفسرين والنقاد على أنها من أوائل النظرات النقدية للشعر عند العرب، وقد رَدَّ هذه النقدات التي ذكرها النابغة عدد من العلماء، منهم ابنُ الأثير فقد ذكر كلامًا طويلًا في تصويب قول حسان (3)، وأشار ابن أبي الإصبع (4) إلى أَنَّ «النابغةَ إِنَّما عاب على حسانَ تركَ المبالغة، والقصةُ مشهورة، والصوابُ مع حسان، وإِنْ رُويَ عنهُ انقطاعهُ في يد النابغةِ». (5) وأطال البغدادي في شرح هذا البيت، وجمع أقوال النقاد فيه بما لا مزيد عليه، وخلاصته تصويب قول حسان ورد كلام النابغة في نقده للبيت، لأن العبرة بالجمع دون كونه كثرة أو قلة، ولأنه قد ورد وزن جموع القلة في القرآن والشعر مرادًا به الكثرة، فسقط الاعتراض (6).--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 13/ 143.
(2) المصون في الأدب للعسكري 3.
(3) انظر: المثل السائر 2/ 308 - 309.
(4) هو زكي الدين عبدالعظيم بن عبدالواحد بن ظافر المصري، (585 - 654 هـ)، اشتغل بالبلاغة والكتابة وبرز فيها. من كتبه تحرير التحبير، وبديع القرآن. انظر: مقدمة تحرير التحبير للمحقق 50.
(5) تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن 148.
(6) انظر: خزانة الأدب 8/ 106 - 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
ويؤيدُ قولَ ابن عطية في فهمه لبيت حسان قولُ ابن الأنباري (ت 328) في معنى بيت حسان: «فالجَفَناتُ ههنا معناها الكثرةُ؛ لأنه لم يُرِدْ أنَّ لنا جفناتٍ قليلةً، لأنه لو أراد ذلك لم يكن مبالغًا في المدح» (1).
رابعًا: الشرح البلاغي.
من أنواع شروح الشاهد الشعري عند المفسرين الشرح البلاغي للشعر، وذلك إذا ورد في سياق بيان بلاغة الآيات المفسرة، وتضمنها لصورة بلاغية. فيأتي المفسر بشواهد من الشعر تؤيد ما ذهب إليه في تفسير الآية، ويشرحها شرحًا يوضح بلاغتها.
وقد تعرض المفسرون لكثير من الفنون البلاغية في شروحهم للشواهد الشعرية كالاستعارة والتشبيه والكناية ونحوها مما هو مشروح في كتب البلاغة. وقد تفاوت المفسرون في هذا الجانب، فالطبري قد ورد في تفسيره كثير من الشروح البلاغية، غير أنه في التعبير عن الفنون البلاغية لم يلتزم بتسميتها بمسمياتها التي استقر عليها الاصطلاح بعده لتقدمه، وأما الزمخشري فقد غلبت شواهد البلاغة في تفسيره على غيرها لعنايته بالبلاغة في تفسيره، وابن عطية له عناية بذلك مع إقلاله منها، وأما القرطبي فقد نقل معظم شواهد البلاغة وشرح الكثير منها بمثل ما شرحه المتقدمون من أهل التفسير والبلاغة على حد سواء. وفيما يلي بعض الأمثلة التي تدل على ما تقدمت الإشارة إليه.
1 - من الأمثلة ما أورده الطبري من الشواهد عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] (2) حيث فسرها أولًا بقوله: «يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط، أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته». (3) ثم ذكر--------------------------------------------
(1) المذكر والمؤنث 1/ 203.
(2) البقرة 74.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 239.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)