لشعراء الجاهلية. يقول الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عَشْرَ حِجَجٍ، فلم أسمعهُ يَحتجُّ ببيتٍ إِسلاميٍّ (1). وقد تأثر المفسرون بمنهج أبي عمرو فقدموا شعراء الجاهلية، وأكثروا من الاستشهاد بشعرهم. ورغبة في موازنة منهج المفسرين بمنهج أهل اللغة عمدت إلى «لسان العرب» (2) لابن منظور لأنظر نصيب شعراء الجاهلية من شواهده الشعرية، فوجدت أن ابن منظور قد استشهد بما يزيد عن اثنين وثلاثين ألف شاهد من الشعر، المنسوب منها لقائله بلغ واحدًا وعشرين ألفًا، وأغفل الباقي، وقد درس أحد الباحثين هذا فظهر له أن الشعراء الذين نسبت إليهم هذه الشواهد وأمكن معرفة عصورهم الأدبية بلغوا ثلاثمائة شاعر، جاءت نسبتهم لعصورهم كما يأتي:
40 % ينتمون للعصر الجاهلي، و 10 % من طبقة الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الإسلام، و 15 % من شعراء صدر الإسلام، و 30 % من الشعراء الأمويين، ونسبة ضئيلة جدًا تقارب 0.5 % ينتمون للعصر العباسي (3). وهذا يعني أن نسبة شعراء الجاهلية تقارب النصف، والنصف الآخر ينتمي للعصر الإسلامي والأموي، وهذه نتيجة مقاربة لما في كتب التفسير أيضًا.
ثانيًا: يأتي الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية عند الطبري، فقد استشهد له الطبري بمائة وثمانية عشر شاهدًا، واستشهد له القرطبي بمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا، ولعل هذا نتيجة عناية العلماء قديمًا بشعره،--------------------------------------------
(1) انظر: إنباه الرواة 4/ 133.
(2) اخترت لسان العرب لأَنَّه جَمع خَمسةَ معاجم لغوية متقدمة هي تَهذيب اللغة للأزهري، والمُحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، مع حواشي ابن بري عليه، والنهاية لابن الأثير. ولم يكن لابن الأثير إلا النقل، دون أن يغير شيئًا منه كما ذكر في مقدمته. انظر: لسان العرب 1/ 18 - 19.
(3) انظر: معجم الشعراء في لسان العرب للدكتور ياسين الأيوبي 23 - 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
فقد كان أبو عمرو بن العلاء يحث تلاميذه على العناية بشعر الأعشى للاستشهاد به، حيث يقول: «عليكم بشعر الأعشى» (1). وكان أهل الكوفة - وهم أهل رواية الشعر - يُقدِّمونَ الأعشى على غيره (2)، وقد تضمنت كتب التفسير كثيرًا من شعره، بل تكاد تجد قصائد له استشهد المفسرون بغالب أَبياتِها، مثل قصيدته الرائية التي مدح بها عامر بن الطفيل في المنافرة بينه وبين عمرو بن علاثة، ومطلعها:
شَاقَتْكَ مِنْ قَتْلَةَ أَطْلالُهَا … بِالشَّطِّ فَالوِتْرِ إلى حَاجِرِ (3)
فقد استشهد المفسرون بأكثر أبياتها على مسائل لغوية، وصرفية وغيرها (4)، كما ورد كثير من أبيات معلقته في كتب التفسير (5).
ويأتي بعده النابغة الذبياني الذي استشهد له بثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، أكثرُها من معلقته التي مطلعها:
يا دَارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وطَالَ عليها سَالفُ الأَبَدِ (6)
ثم يأتي في المرتبة الثالثة بين شعراء الجاهلية عند الطبري امرؤ القيس بن حجر، فقد استشهد له الطبري بثلاثين شاهدًا شعريًا، معظمها من معلقته، وقصيدته اللامية التي لا تقل جودة عن معلقته، والتي مطلعها:
أَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البَالي … وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي (7)--------------------------------------------
(1) انظر: جمهرة أشعار العرب 1/ 201 وما بعدها.
(2) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 52.
(3) انظر: ديوانه 189.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 2/ 433، 9/ 173، 2/ 20، 10/ 308، 1/ 504، 24/ 113، 9/ 145، 146، 4/ 618، 17/ 466، 20/ 556، 24/ 114، مجاز القرآن 1/ 36، 187، 219، 2/ 89، 153، 202، 286.
(5) انظر: تفسير الطبري (هجر) 4/ 673، 10/ 203، 15/ 77، 305، 18/ 470، 471، 21/ 156، 571.
(6) انظر: ديوانه 19.
(7) انظر: ديوانه 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
في حين جاء امرؤ القيس في مقدمة الشعراء جَميعًا عند القرطبي في تفسيره، فقد استشهد له القرطبيُّ بِمائةٍ وثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، ثم يتسلسل الشعراء الجاهليون بعد ذلك فيأتي زهير، وعنترة، وطرفة الذين يبين الجدول مقدار شواهدهم الشعرية عند الطبري وعند غيره.
ثالثًا: أما الشعراء المخضرمون فقد استشهد الطبري بشعر سبعةٍ وستين شاعرًا مُخضرمًا، وهم يُمثلون 21.6% من مجموع الشعراء لدى الطبري، وقد استشهد لهم بِمائتين وثلاثة وسبعين شاهدًا شعريًا، وأوفرهم حظًا في الاستشهاد بشعره عند الطبري هو لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه فقد استشهد له باثنين وأربعين بيتًا من الشعر، ثم يأتي بعده أمية بن أبي الصلت وله من الشواهد الشعرية أربعة وعشرون شاهدًا، ثم يأتي حسان بن ثابت رضي الله عنه وله سبعة عشر بيتًا، وهكذا بقية الشعراء المخضرمين كما هو في الجدول.
رابعًا: أما الشعراء الإسلاميون فيقاربون المخضرمين من حيث النسبة، فقد استشهد الطبري بشعر أربعةٍ وستين شاعرًا أي 20.6 % من مجموع شعراء الطبري، وأورد لهم من الشواهد ثلاثمائة وتسعة وسبعين شاهدًا شعريًا.
ويأتي على رأس شعراء الإسلام عند الطبري من حيث عدد الشواهد الشعرية العَجَّاجُ الراجز حيث أورد له أربعة وأربعين شاهدًا شعريًا، ثم يأتي بعده جرير بن عطية وله سبعة وثلاثون شاهدًا شعريًا، ومثله الفرزدق وله ستة وثلاثون شاهدًا وهكذا كما هو مبين في الجدول. ويبقى بعد ذلك ما يقارب 19% من شعراء الطبري لم أستطع تحديد عصرهم الزمني، ولعل البحث يكشف مستقبلًا عن تحديد عصورهم الزمنية فتكون النتائج أكثر دقة.
خامسًا: تَبَيَّنَ من خلال الجدول التزام المفسرين بِما قرره العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
في الاحتجاج بشعر الشعراء، حيث لم يستشهد الطبري بشعر أحد من الشعراء المُحدثين، وتوقف في استشهاده عند ثلاثة شعراء كان العلماء يجعلونهم آخرَ الحُججِ، وهم إبراهيم بن هَرْمة (ت 176 هـ)، حيث استشهد له بثلاثة شواهد (1)، وابن ميادة الذبياني (ت 149 هـ) استشهد له بشاهد واحد (2)، وأبو نخيلة الراجز (ت 145 هـ) استشهد له بثلاثة شواهد (3)، وقد أدخلت هؤلاء الثلاثة في الإسلاميين لأنهم عاشوا أكثر حياتهم في الدولة الأموية في البادية، ولذلك يقول الأصمعي (216 هـ): «سَاقَةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادةَ (ت 149 هـ)، وابنُ هَرْمَةَ (ت 176 هـ)، ورُؤبَةُ (ت 145 هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ (150 هـ)، ومَكينُ العُذريُّ (160 هـ)، وقد رأيتُهم أجْمعين» (4).
وأما الزمخشري فقد استشهد ببيت مفرد لأبي تمام ولم يقرنه بغيره وقد تقدم، ورأيته عند تفسيره لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] (5)، وذكر ما روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه في فهمه للآية، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له: «إِنَّكَ لَعَريضُ القَفَا». فأشار الزمخشري إلى أن هذا القول يشار به إلى قلة الفطنة، فقال: «قلتُ: غَفَلَ عن البَيَانِ، ولذلك عَرَّض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل، وقلة فطنته، وأنشدتني بعض البدويات لبدويِّ:
عَريضُ القَفَا مِيْزَانُهُ في شِمَالِهِ … قَدِ انحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَراريطِ شَارِبُه (6)» (7).
فقد يُفهم من هذا أن هذه البدوية أنشدته لشاعر متأخر، وربما--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 6/ 211، 13/ 410، 16/ 278.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 7/ 384.
(3) انظر: تفسير الطبري (هجر) 1/ 447، 19/ 394.
(4) الشعر والشعراء 2/ 753، وخزانة الأدب 1/ 8، 425.
(5) البقرة 187.
(6) لم أعثر عليه ولا على قائله.
(7) الكشاف 1/ 390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
تكون أنشدته لشاعر بدوي متقدم يحتج بشعره، وعلى كلا الحالين فإن الزمخشري لم يستشهد بهذا الشاهد على لغة القرآن، وإنما أراد أن يوضح معنى الكناية في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه وهذا خارج عن المؤاخذة (1).
وأما ابن عطية فقد توقف عند شعراء الاحتجاج المجمع عليهم عند العلماء، ولم يستشهد للمولدين إلا نادرًا مع النص على ذلك، وعدم إفراد شواهدهم، بل يقرنها بشواهد لشعراء الاحتجاج. ومن ذلك قوله: «وقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] (2) هو أن العرب أجرت الرسول مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي (3):
أَلِكْنِي إليها وخَيْرُ الرَّسولِ … أَعلمُهمْ بنِوَاحي الخَبَرْ (4)
وقولُ الشاعرِ وإن كان مولَّدًا:
إِنَّ الَّتي أَبصَرتَها … سَحَرًا تُكَلِّمُني رَسولُ (5)» (6).
والشاعر المولد الذي يعنيه هو أبو نواس. كما استشهد ببيتٍ للشافعي، واعتذر بأَنَّ أبا عبيدةَ قد استشهد به (7). كما استشهد ببيتين للمتنبي على المعنى (8).
وأما القرطبي فقد استشهد بشعر عدد من الشعراء العباسيين يزيدون عن خَمسةَ عشر شاعرًا، كأبي نواس، وبشار، وأبي العتاهية، وأبي تَمَّام، والمتنبي، وغيرهم، إلا أنه لم يحتج بهم في مسائل اللغة ولا الغريب ولا النحو إلا في موضع واحد استشهد فيه ببيت لأبي تمام مع--------------------------------------------
(1) انظر استشهاد الزمخشري بابن الرومي 1/ 552.
(2) الشعراء 16.
(3) هو أبو ذؤيب الهذلي.
(4) انظر: ديوان الهذليين 1/ 146.
(5) انظر: ديوان أبي نواس 289.
(6) المحرر الوجيز (قطر) 11/ 96.
(7) انظر: المحرر الوجيز (قطر) 11/ 449.
(8) انظر: المحرر الوجيز (قطر) 15/ 132، 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
بيت للفرزدق (1) فلم يفرده بالاستشهاد، وأمَّا الأصل في إيراده شواهد المحدثين من الشعراء أن يستشهد بها في مسائل البلاغة والأدب (2).
ومن ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)} [إبراهيم: 49] (3)، حيث ذكر أن الإصفاد يأتي في اللغة بِمعنى العطاء، ويأتي بمعنى القيد، فقال: «وقيل: صَفَدتُهُ وأَصْفَدتُهُ جاريانِ في القَيدِ والإعطاءِ جَميعًا، قال النابغة:
........................ … فَلَمْ أُعَرِّضْ أَبيتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (4)
فالصَّفَدُ العَطاءُ؛ لأَنَّهُ يُقَيّدُ ويُعْبِدُ، قال أبو الطيب:
وقَيّدْتُ نَفسي في ذَرَاكَ مَحبَّةً … ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيدًا تَقيَّدَا (5)» (6).
فالقرطبي هنا لم يستشهد ببيت المتنبي لمعنى لغوي للكلمة، وإنما استشهد به استشهادًا معنويًا، وهو أَنَّ العطاءَ سُمِّي صَفَدًا لأَنَّه يُقيّدُ الآخذَ بِمعروفِ المُعطي قَيدًا مَعنويًا، لأنهُ يكون أسيرًا لمعروفه، إِنْ كان حُرًّا يَحفظُ المعروفَ، ولذلك قال المتنبي قبل هذا البيت:
ومَا قَتَلَ الأحرارَ كالعَفْوِ عنهمُ … ومَنْ لكَ بِالحُرِّ الذي يَحفظُ اليَدَا
إذا أنتَ أَكْرمتَ الكريمَ مَلكتهُ … وإِنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تَمرَّدا
فالقرطبي لم يستشهد بشعر المتنبي على أنه حجة في اللغة، ولا بغيره من الشعراء المُحدَثِين، وإنما كان يستأنس بشعرهم في مثل هذه المسائل (7).--------------------------------------------
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 269.
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 162، 3/ 284، 306، 334، 4/ 159، 313، 5/ 92، 251، 8/ 170، 268، 11/ 25، 13/ 179، 16/ 37، 335، 18/ 95، 19/ 142.
(3) إبراهيم 49.
(4) عجز بيت، صدره: … هذا الثناءُ فَإِنْ تَسمعْ بهِ حَسَنًا … انظر: ديوانه 27.
(5) انظر: ديوانه 2/ 195.
(6) الجامع لأحكام القرآن 9/ 384.
(7) انظر: الجامع لأحكام القرآن 5/ 174، القرطبي ومنهجه في التفسير للقصبي زلط =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
سادسًا: رغبةً في موازنةِ عملِ المفسرين بعملِ أهلِ اللغة، عمدتُ إلى «لسان العرب» لابن منظور؛ لأرى أبرز مَن احتجَّ بشعره من الشعراءِ، فكانوا على هذا النحو (1):
الشاعر … عصره … قبيلته … عدد شواهده
ذو الرمة … إسلامي … الرباب … 975
الأعشى … جاهلي … قيس … 877
رؤبة بن العجاج … إسلامي … تَميم … 698
لبيد بن ربيعة … جاهلي … عامر … 660
أبو ذؤيب الهذلي … إسلامي … هذيل … 604
العجاج … إسلامي … تَميم … 563
الكميت بن زيد … إسلامي … أسد … 495
امرؤ القيس … جاهلي … كندة … 440
جرير … إسلامي … تَميم … 438
الراعي النميري … إسلامي … نُمَيْر … 434
الفرزدق … إسلامي … تَميم … 396
النابغة الذبياني … جاهلي … ذبيان … 374
تَميم بن مقبل … مخضرم … قيس … 347
عمرو بن أحمر … مخضرم … باهلة … 318
الطرماح … إسلامي … طي … 315
الأخطل … إسلامي … تغلب … 304
زهير … جاهلي … غطفان … 300--------------------------------------------
= 283، أبو عبد الله القرطبي وجهوده في النحو واللغة في كتابه الجامع لأحكام القرآن لعبد القادر الهيتي 300 - 301.
(1) اعتمدت في هذا الإحصاء على نتائج دراسة الدكتور ياسين الأيوبي لشعراء لسان العرب وعدد شواهدهم في كتابه: «معجم الشعراء في لسان العرب». 498 - 550.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
الشاعر … عصره … قبيلته … عدد شواهده
كثير عزة … إسلامي … خزاعة … 300
النابغة الجعدي … مخضرم … جعدة … 297
ساعدة بن جؤية … جاهلي … هذيل … 244
طرفة … جاهلي … بكر … 243
أوس بن حجر … جاهلي … تَميم … 234
الشماخ بن ضرار … مخضرم … غطفان … 228
عدي بن زيد … جاهلي … عِباد … 200
أبو النجم العجلي … إسلامي … بكر … 200
المتنخل الهذلي … جاهلي … هذيل … 197
حميد بن ثور … مخضرم … هلال … 178
القطامي … إسلامي … تغلب … 172
حسان بن ثابت … مخضرم … الأزد … 165
بشر بن أبي خازم … جاهلي … أسد … 145
كعب بن زهير … مخضرم … غطفان … 144
عنترة … جاهلي … عبس … 122
الحطيئة … مخضرم … عبس … 120
أبو كبير … جاهلي … هذلي … 106
وهذا الجدول يظهر بشكل عام أن أبرز الشعراء الذين احتج بهم اللغويون في إثبات اللغة، هم أبرز الشعراء الذين احتج بهم المفسرون أيضًا في كتب التفسير، كالأعشى، والنابغة الذبياني، والعجاج ورؤبة وجرير والفرزدق ولبيد، وإن كان هناك اختلاف طفيف في عدد الشواهد للشعراء هنا وهناك؛ مِمَّا يدل على وحدة المعايير والمصادر التي اعتمد عليها علماء اللغة والنحو والتفسير في دراسة لغة القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
- قبائل شعراء الشواهد عند المفسرين:
تقدم أن المفسرين قد تقيدوا زمنيًا بشعراء عصور الاحتجاج، وقد أظهر إحصاءُ الشعراء وعدد شواهدهم وعصورهم الزمنية دِقَّةَ المفسرين في الالتزام بتلك الضوابط، وقد أضاف العلماء قيدًا ثالثًا للاستشهاد وهو القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل، وقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب التفسير، وقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استشهد المفسرون بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة:
م … القبيلة … الشعراء … الشواهد
1 … تَميم … 58 … 294
2 … كنانة … 26 … 71
3 … بكر … 23 … 181
4 … الأزد … 21 … 94
5 … هذيل … 17 … 50
6 … أسد … 15 … 34
7 … هوازن … 13 … 56
8 … تغلب … 9 … 46
9 … غطفان … 8 … 66
10 … طيء … 8 … 38
11 … عبس … 5 … 35
12 … سليم … 5 … 16
13 … عبد القيس … 5 … 6
14 … قضاعة … 4 … 8
15 … مزينة … 3 … 39
17 … الرِّباب … 3 … 34
18 … كندة … 3 … 31
19 … عكل … 38 ..
20 … باهلة … 3 … 10
21 … مازن … 3 … 5
22 … غني … 3 … 3
23 … حمير … 2 … 7
24 … فزارة … 2 … 6
25 … خثعم … 2 … 4
26 … لخم … 2 … 3
27 … بلحارث … 2 … 2
28 … ضبة … 2 … 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان، وعدد هذه القبائل ست وعشرون قبيلة.
ومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية:
أولًا: أن المفسرين قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها.
ثانيًا: أَنَّ قبيلة تَميمٍ قد استحوذت على النصيب الأكبر من حيث عدد الشعراء وعدد الشواهد، فقد استشهد المفسرون بثمانية وخمسين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعة مائتين وأربعة وتسعين شاهدًا شعريًا مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم في الجاهلية أوس بن حجر، وأمَّا في الإسلام فقد اشتهر عدد من شعراء تميم مثل جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ المفسرون معظم شواهد التفسير من تميم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد.
يأتي بعد تميم قبائل كنانة، وقد أدخلت فيهم شعراء قريش، ثم يأتي بعد هاتين القبيلتين قبيلة بكر ببطونها المختلفة، ومنهم شعراء قيس، وغيرهم من بطون بكر، وأشهر شعرائهم الأعشى ميمون بن قيس الذي يعد أوفر شعراء الجاهلية حظًا لدى المفسرين كما تقدم، وطرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، ثم تأتي بقية القبائل كما هو ظاهر في الجدول السابق.
ثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع المفسرين هذا في استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى شعر قريش ونثرها للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها، وقد فصل العلماء هذه المسألة (1).
رابعًا: سبق الحديث عن كلام الفارابي في الباب الأول، وقوله: «والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أخذ أكثر ما أخذ ومعظمه. وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكانِ البَراري مِمَّن كان يسكنُ أطرافَ بلادهم المُجاورةِ لسائر الأمم الذين حولهم» (2).
غير أني أضيف هنا بعد هذا الحصر للقبائل والشعراء، أن الفارابي أصاب في معظم ما ذكره، حيث لم يكن حكمه فيما يبدو لي مبنيًا على استقراء دقيق، وإنما هو بطبيعته الفلسفية أراد أن يُنَظِّرَ لمثل هذا الأمر، وهو الاحتجاج، فرأى أن الأولى أن يكون أخذ اللغة عن هؤلاء دون غيرهم، ونظر في أكثر ما نقل فوجده عن قبائل تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبعض الطائيين، فقال هذا القول.
ويُمكن أَن يُستدركَ عليه عدم ذكره لشعراء الأزد، ولا شعراء كنانة،--------------------------------------------
(1) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 8/ 624 - 670.
(2) الحروف للفارابي 124.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
ولا سيما شعراء قريش وهم أهل الحضر، فقد استشهد المفسرون بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جميعًا خمسة وعشرين شاعرًا، وورد لهم واحد وستون شاهدًا في كتب التفسير غير ما جهلت نسبته.
كما ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة: «لا مِن لَخْمٍ، ولا من جُذام؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ وغَسانَ، ولا من إِيادٍ؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهل الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلبَ ولا النَّمر؛ فإنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبدالقيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم» (1). وكل القبائل التي ذكر الفارابي أنه لم يؤخذ عنها وردت شواهد لشعرائها في كتب التفسير كما هو في جدول الشعراء. كقبيلة كنانة، وثقيف، والأزد وغيرهم.
رابعًا: كثيرًا ما يقول المفسرون قبل إيراد الشاهد الشعري «قالت العرب» أو «هكذا قالت العرب»، ونحو هذه العبارات، التي لا تعتد بقبيلة الشاعر، وإِنَّما تُسمِّي كل ما قاله شعراء القبائل المُحتج بشعرهم عربيةً، ولعل هذا لأن اللغة التي كان الشعراء ينظمون بها شعرهم لم يبق فيها فوارق تذكر بين اللهجات، وتضاءلت تلك الفوارق بين اللهجات بعد نزول القرآن الكريم.--------------------------------------------
(1) الاقتراح 44 - 45، والمزهر 1/ 211 - 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
المبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى.
كان علماءُ السلفِ شيوخَ لغةٍ وشعرٍ وروايةٍ، وكانوا يقدمون دراسة اللغة والشعر على غيرها، ويستقصون في تتبع شعر العرب؛ لأن الشعر كان أصلًا للعلمِ بالكتاب والسنة، ففهمُهُما مترتبٌ على فهمِ لُغتِهما، وفُهمُ اللغةِ أصلهُ فهمُ شعرِ العَربِ ونثرِها، حتى إذا بلغ أحدهم من العلم مبلغًا انصرف للتصنيف في التفسير وغيره بعد أن يكون قد استحكمت آلته، وقويت ملكته العلمية، ولذلك تجد للواحد منهم ترجمةً في طبقات اللغويين والمفسرين والفقهاء والأدباء وغيرهم لكثرة مصنفاته، وتنوع معارفه ومن هؤلاء الإمام الطبري (1)، والزمخشري (2)، وابن عطية وغيرهم. ودليل ذلك أن بعض المفسرين تصدَّى لشرح دواوين الشعراء، كالطبري والواحدي (3)،
فقد ذُكر عن الطبري أنه كان «يحفظُ من الشعر للجاهلية والإسلام ما لا يجهله إلا جاهل به» (4)، وذُكرَ عن ثعلب أنه قال: «قرأ عليَّ أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس--------------------------------------------
(1) قال القفطي في صدر ترجمته له: «العالم الكامل الفقيه المقرئ النحوي اللغوي الحافظ الإخباري جامع العلوم لم ير في فنونه مثله». انظر: إنباه الرواة 3/ 89، وترجم له الحموي في معجم الأدباء ترجمة مطولة لم يترجمها لغيره 5/ 341، وهو يعد شيخ المؤرخين الثقات بكتابه تاريخ الأمم والملوك.
(2) له من شروح الشعر شرح لامية العرب، وشرح شواهد سيبويه الشعرية.
(3) شرح الواحدي ديوان المتنبي شرحًا مستوعبًا، يعد أمثل شروح الديوان، وله عدة طبعات أجودها طبعة دار الرائد العربي، بيروت في خمسة مجلدات.
(4) معجم الأدباء 5/ 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
عندي بمدة طويلة» (1)، وقد لقيه ابنُ سُريجٍ في مصر «فوجده فاضلًا في كل ما يذاكره به من العلم، ويجيب في كل ما يسأله عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلًا بارعًا فيه، فسأله عن شعر الطرماح - وكان من يقوم به مفقودًا في البلد - فإذا هو يحفظه، فسئل أن يمليه حفظًا بغريبه» (2).
وتفسير القرآن الكريم وتفسير الشعر لا يكادان في جانب اللغة يحتلفان وإن كان للقرآن الكريم خصوصيته، كما قال الطبري: «فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المُنَزَّلِ على نبينا صلى الله عليه وسلم لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها مُلائِمًا، وإِنْ بَايَنَه كتابُ الله بالفضيلة التي فَضَلَ بِهَا سائرَ الكلام والبيان» (3).
وقد كان من أهم دوافع شرح العلماء للشعر والعناية به هو الرغبة في خدمة معاني القرآن الكريم وتفسيره، مما جعل دراسة الشعر وتفهمه بابًا من أبواب حفظ لغة القرآن الكريم، وتقوية تفسيره، وقد تقدم شيء من أقوال العلماء في وجوب تعلم اللغة العربية قبل الكلام في تفسير القرآن الكريم، وحسبك بقول مجاهد تلميذ ابن عباس: «لا يَحِلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب» (4)، وقول الإمام مالك: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (5)، وهذا كلامٌ يُدْخِلُ المسألةَ بابَ الحِلِّ والحُرمةِ، ويُحرِّمُ على من لم يفهم اللغة والنحو أن يفسرَ القرآنَ.
وقد وظَّفَ المفسرون علمَهم بالشعر ومعانيه وأقوال العلماء فيه في تفاسيرهم، فجاءت مليئةً بأرائهم ونظراتهم في الشعر، ومعانيه، وإعرابه، ومناسباته، وذكر بعض أحوال الشعراء، وسأبين في هذا المبحث منهج--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 5/ 254.
(2) معجم الأدباء 5/ 250.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 12.
(4) المصدر السابق 1/ 396.
(5) البرهان في علوم القرآن 1/ 396.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
المفسرين وأصحاب كتب التفسير اللغوي وهي كتب المعاني والغريب في شرح الشعر؛ لأَنَّ كتبَ معاني القرآن وغريبه «هي الصورةُ الأولى لكتبِ التفسير» (1)، ولتشابه المنهج مِمَّا يجعل تكرارَ دراسته في مبحث آخر ضَربًا من التكرار.
أسباب الحاجة إلى شرح الشاهد الشعري:
هناك أسبابٌ تدفع المفسرين وغيرهم لشرح الشعر عندما يوردونه في كلامهم، ويمكن إرجاع الحاجة إلى شرح الشعر إلى الأسباب الآتية أو أحدها:
أولًا: غرابة الألفاظ.
الغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (2). وعند المفسرين: ما غَمُضَ لَفظُهُ، وبَعُدَ معناهُ، أو أَشْكَلَ من ألفاظ القرآن (3)، وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (4) وستأتي أمثلة للغريب الوارد في الشاهد الشعري، وأكتفي هنا بالإشارة إلى أن اللفظة في الشاهد الشعري قد تكون معروفة من حيث اللفظ عند العرب، غير أن الشاعر يستعملها في معنى لا تعرفه العرب، كالمعاني التي تتعلقُ بالغيبياتٍ واليوم الآخر، وهي أمرو لا يعرفها إلا من كان على اطلاعٍ--------------------------------------------
(1) المعجم العربي لحسين نصار 5.
(2) انظر: العين 4/ 411، تهذيب اللغة 8/ 115.
(3) انظر: معاجم غريب الحديث والأثر للسيد الشرقاوي 19.
(4) تحفة الأريب 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
على الأديان السابقة، ويظهر ذلك في شعر أمية بن أبي الصلت كثيرًا، وقد كان هذا سببًا في ترك كثير من العلماء الاستشهاد بشعر أمية كما ذكر ابن قتيبة (1) ومن أمثلة ذلك قول أمية بن أبي الصلت:
رَجُلٌ وثَورٌ تَحتَ رِجْلِ يَمِينهِ … والنّسْرُ للأخرى ولَيثٌ مُرْصَدُ (2)
فألفاظ هذا البيت واضحة، ولكن المعنى الذي يتحدث عنه من المعاني الغيبية؛ لأنه يصف حَمَلَةَ العَرشِ الذين يحملون عرشَ الرحمن، ولذلك صَدَّقَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في وصفه هذا، وقال: «صَدَقَ، هذه صفاتُ عرش الرحمن». (3) وقد ذكر الطبري هذا البيت في معرض تفسيره لمعنى البرق في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] (4)، وأنَّ من المعاني التي فُسِّرَ بها البَرْقُ أنه صوتُ حَمَلةِ العرش من الملائكة. (5) وهذه معانٍ غيبية متعلقة بالآخرة، لم يكن يستوي العرب في معرفتها، بل لا يكاد يعرفها إلا القليل، وأكثر شواهد شعر أمية بن أبي الصلت من هذا القبيل، لاطلاعه على كتب أهل الكتاب. (6) وقد ذكر ابنُ سلَّام أميةَ فقال: «وكان أمية بن أبي الصلت كثيرَ العجائب، يذكر في شعره خلقَ السموات والأرض، ويذكرُ الملائكةَ، ويذكرُ مالم يذكره أحدٌ من الشعراء، وكان قد شامَّ أهلَ الكتاب» (7). وذكر الأصفهاني أنَّ «أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله عَزَّوَجَلَّ الأول، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب». (8) ولذلك كانت بعض أبياته--------------------------------------------
(1) انظر: الشعر والشعراء 1/ 461.
(2) انظر: ديوانه 185.
(3) مسند الإمام أحمد 4/ 88.
(4) البقرة 19.
(5) انظر: تفسير الطبري (هجر) 1/ 365.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 1/ 110، 321، 365، 473، 703، 2/ 103، 366، 408، 483، 4/ 528، 7/ 281، 10/ 569، 13/ 114، 553، 14/ 99، وغيرها.
(7) طبقات فحول الشعراء 1/ 262 - 263.
(8) الأغاني 4/ 121، وقد ذكر أمثلة من غريب شعر أمية، وقبله ابن قتيبة أورد عددًا من الأمثلة. وذكر الجواليقي في المعرب 240 أن لفظة (ساهور) وهي ما يدخل فيه القمر إذا كسف، لم يسمع عن العرب، ولم يسمع إلا في شعر أمية بن أبي الصلت؛ لأنه كان يستعمل السريانية في شعره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
تستعصي على فهم بعض العلماء الكبار كعيسى بن عمر. (1)
ثانيًا: غرابة التركيب.
ربما تكون غرابة معنى الشاهد، لتركيبه لا لألفاظه، فيحتاج المفسر إلى شرح الشاهد الشعري، وبيان معنى تركيبه ونظمه. ومن ذلك أن الطبري بعد إيراده قول امرئ القيس:
ولو أَنَّ مَا أَسعى لأَدْنى مَعيشةٍ … كَفَاني - ولم أَطْلُبْ - قَليلٌ مِن المالِ (2)
شرح تركيبه فقال: «يريد: كفاني قليلٌ من المالِ، ولم أطلب الكثير». (3) لأنه قد يفهم البيت على غير هذا الفهم، وهو أن يقف على قوله: «كفاني»، ثم يستأنف «ولم أطلب قليلًا من المال»، بنصب قليلًا. غير أن الطبري قد شرح تركيب هذا البيت، وبَيَّنَ أنَّ قوله: «ولم أطلب» اعتراضٌ في الكلام.
ومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني:
وقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزيدُ مَخَافَتِي … عَلى وَعِلٍ في ذِي المَطَارةِ عَاقِلِ (4)
فهو غريب التركيب، وقد شرح الطبري معناه فقال: «والمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوَعِل على مخافتي». (5) وقد استشهد به على أن العرب قد تضع الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، ولذلك نظائر. (6)--------------------------------------------
(1) انظر: المذكر والمؤنث لمحمد بن القاسم الأنباري 1/ 214.
(2) انظر: ديوانه 39.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 164.
(4) إنما خصَ الوعل لأنه أشد خوفًا من غيره، والعاقل: الذي عُقِل في الجبل، وذو المطارة: اسم جبل انظر: ديوانه 144
(5) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 311، 24/ 479.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 311، المحرر الوجيز 2/ 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
ثالثًا:
هناك أسبابٌ أخرى تدعو إلى شرح الشاهد الشعري في كتب التفسير وإن لم تكن كثيرة الأمثلة كالسببين السابقين، غير أنه يحسن الإشارة إليها. ومنها:
- انفراد الشاهد الشعري عند الاستشهاد به عن بقية أبيات القصيدة.
فإن من أبرز خصائص الشاهد الشعري في كتب التفسير وغيرها من كتب اللغة والنحو، أنه يأتي في سياق الاستشهاد به مفصولًا عن القصيدة التي هو منها، وهذا يعرضه لسوء الفهم، وتعدد التأويلات، ولذلك أشار عدد من العلماء الذين قاموا بشرح الشواهد الشعرية في مصنفات خاصة إلى ما في فصل الشاهد الشعري عن سوابقه ولواحقه من تعريضه لكثرة التأويلات في شرحه وفهمه.
ومن ذلك قول البَطَلْيُوسيِّ في شرحه لأَبياتِ كتاب «أدب الكُتَّاب»: «وغرضي أن أَقْرِنَ بكل بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشعر من قبلهِ ومن بعده، إلا أبياتًا يسيرةً لم أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعار التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصل بالشاهد ما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فإنا رأينا كثيرًا من المفسرين للأبيات المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها، لأن البيت إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً». (1) ونَبَّهَ إلى أنه ينبغي على المتكلم في معاني الأبيات المنقطعة عن صواحبها أن لا يقطع على مراد قائلها؛ لاحتمال اختلاف التأويل إذا عُرِفَ السَّابقُ أو اللاحق من الأبيات. (2) وفعل مثل ذلك شراح الشواهد كالسيرافي والبغدادي وغيرهم وإن لم ينصوا على--------------------------------------------
(1) الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 3/ 5.
(2) انظر: المصدر السابق 3/ 8، الحلل في شرح أبيات الجمل 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
ذلك في مقدماتهم. (1) ولم يعتن بذلك الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد سيبويه. (2)
وقد ذكر المعري قصة تدل على أهمية معرفة ما قبل الشاهد ومابعده لفهم الشاهد فقال: «حدثني عبدالسلام البصري خازن دار العلم ببغداد - وكان لي صديقًا صدوقًا - قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي، وبعض أصحابه يقرأ عليه «إصلاح المنطق» لابن السكيت، فمضى بيت حميد بن ثور، وهو:
ومَطويَّةُ الأَقرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا … فَسَبْتٌ، وأَمَّا لَيلُها فَذَمِيلُ
فقال أبو سعيد: ومطويةِ، أَصلِحْهُ بالخفضِ، ثُمَّ التفتَ إلينا، فقال: هذه واو رُبَّ، فقلتُ: أطال الله بقاء القاضي، إِنَّ قبلَهُ ما يدلُّ على الرفعِ. فقال: وما هو؟ فقلت:
أَتاكَ بيَ اللهُ الذي أَنزلَ الهُدَى … ونُورٌ وإِسلامٌ عليكَ دَليلُ (3)
ومَطويَّةُ الأَقرابِ .....
فعاد وأصلحه». (4) وإنما وقع السيرافي في هذا لعدم تنبهه لما قبل الشاهد من أبيات.
ومن الأمثلة على ذلك مما جاء في كتب التفسير، قول الشاعر (5):
مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا (6)
حيث ذكر الطبري أن قوله جلَّ ثناؤه: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83] (7) عطفٌ على موضعِ «أَنْ» المَحذوفة في {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة: 83]،--------------------------------------------
(1) انظر: شرح السيرافي لأبيات سيبويه، خزانة الأدب، وشرح أبيات المغني كلاهما للبغدادي.
(2) انظر: شواهد الشعر في كتب سيبويه لخالد جمعة 95.
(3) ديوانه 116، إصلاح المنطق 11.
(4) وفيات الأعيان 7/ 72.
(5) هو عقبة أو عقيبة الأسدي، وقيل لعبدالله بن الزَّبير - بفتح الزاي - الأسدي.
(6) الكتاب لسيبويه 1/ 67، معاني القرآن للفراء 2/ 348، خزانة الأدب 1/ 343.
(7) البقرة 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى} [البقرة: 83] فكأن معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبالوالدين إحسانًا، فرفع {لَا تَعْبُدُونَ} لَمَّا حذفَ «أن»، ثم عطف: {وَبِالْوَالِدَيْنِ} على موضعها. واستشهد بقول الشاعر:
مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا
فنصبَ «الحديدَ» على العطف به على موضعِ «الجبال»؛ لأنَّها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبًا، فعطف بـ «الحديدِ» على معنى «الجبالِ» لا على لفظها، فكذلك قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. (1) وهذا الذي ذهب إليه الطبري في توجيه الشاهد الشعري أحد قولين للنحويين، وهو قول سيبويه. (2)
والقول الآخر أن رواية البيتِ بِجَرِّ «الحديد». قال العسكريُّ: «ومِمَّا غَلِطَ فيه النحويون من الشِّعْرِ ورووه موافقًا لما أرادوه، ما رُوِيَ عن سيبويه عندما احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وقد غلط على الشاعر، لأن هذه القصيدة مشهورة، وهي مخفوضة كلها. وهذا البيت أولها، وبعده:
فهبها مِدحةً ذهبتْ ضيَاعًا … يزيدُ أَميرُها وأبو يَزيدِ
أكلتُمْ أرضنَا فَجَرَدتُمُوها … فهلْ مِنْ قائمٍ أو مِنْ حَصيدِ». (3)
وهذا مثال يدل على أهمية معرفة الأبيات التي منها هذا الشاهد من--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 290 - 291.
(2) استشهد به في أربعة مواضع على جواز العطف على الموضع. انظر: الكتاب 1/ 67، 2/ 292، 344، 3/ 91.
(3) شرح ما يقع فيه التصحيف 421، خزانة الأدب 2/ 260 وقد نسبَ البغداديُّ للمُبرِّدِ رَدَّ رواية سيبويه، في حين قد استشهد المبرد بهذه الرواية أربع مراتٍ على جواز العطف على الموضع كما ذكر سيبويه كما في المقتضب 2/ 337، 3/ 281، 4/ 112، 371، تعليق المحقق الشيخ محمد عضيمة على الشاهد 2/ 337.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)