Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير.
بعد الحديث عن منهج المفسرين في إيراد الشواهد الشعرية وطريقتهم في عرضها عند الاستشهاد بها في التفسير، يصل البحث إلى مكانة الشاهد الشعري بين غيره من الشواهد عند المفسرين، وهل اعتمد المفسرون اعتمادًا كليًا على الشاهد الشعري في التفسير؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كان المفسرون قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن معرفة مقدار هذا الاعتماد؟ هذا ما سوف أعرض له في هذا المبحث.

‌‌أولًا: اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري.
-‌‌ أهمية الشاهد:
رُوي عن الإمام مالك أنه قال: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (1)، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الزناد عن أبيه قال: «ما تزندقَ مَنْ تزندقَ بالمشرقِ إِلَّا جهلًا بكلامِ العَربِ» (2). ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (3)، وقد عني بذلك المفسرون--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 160.
(2) الفرائد الجديدة للسيوطي 1/ 16.
(3) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 160.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)

في كتب التفسير. ويدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. وقد ذُكِرَ أنَّ عمرو بن عبيد (1) أتى أبا عمرو بن العلاء فقال: «أفرأيت من وعده الله على عمله عقابًا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أَمِنْ العُجْمَةِ أُتيتَ أَبَا عُثمان؟ إن الوعدَ غيرُ الوعيدِ … والله عز وجل إذا وَعَدَ وفَّى، وإذا أوعدَ ثُمَّ لم يفعلْ كان ذلك كَرَمًا وتفضلًا، وإنَّما الخُلْفُ أنْ تَعِدَ خيرًا ثم لا تفعله، قال: وأَجِدُ هذا في كلامِ العَربِ؟ قال: نعم، أما سَمعتَ قولَ الأولِ (2):
وَلا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ مَا عِشْتُ صَولَتِي … ولا أَخْتَفِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهدِّدِ
وإِنِّي وإِنْ أَوعَدُتُه أُو وَعَدتُهُ … لَمُخْلِفُ إيعَادِي، ومُنْجِزُ مَوعِدِي (3)» (4)
فأَرجعَ أبو عمرو بن العلاء عَدَمَ فهمِ عمرو بن عُبيدٍ إلى جَهلهِ بلغةِ العرب وعُجمتهِ، ولم يكن أبو عمرو بن العلاء يُجيبُ جوابًا إلا ويقرنه بِحُجةٍ وشَاهدٍ من الشعرِ، كما قال الأصمعي: «سألتُ أبا عمروٍ عن أَلفِ مسألةٍ، فأَجابني فيها بألفِ حُجِّةٍ» (5). ومن ذلك قول الأصمعي: «سألت أبا عمرو عن قوله تبارك وتعالى: {فَعَزَّزْنَا} [يس: 14] (6) مُثقَّلةً، فقال: شددنا، وأنشد:
أُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تَعَزَّزَ لَحْمُهَا … وإذا تُشَدُّ بِنِسْعِهَا لا تَنْبِسُ (7)» (8).--------------------------------------------
(1) هو أبو عثمان، عمرو بن عبيد التيمي بالولاء، ولد عام 80 هـ، ونشأ بالبصرة، وهو من أول من قال بقول المعتزلة مع واصل بن عطاء، مات سنة 144 هـ. انظر: وفيات الأعيان 3/ 460، سير أعلام النبلاء 6/ 104.
(2) هو عامر بن الطفيل.
(3) انظر: ديوانه 58.
(4) إنباه الرواة 4/ 139، إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه 1/ 54، طبقات النحويين واللغويين 39، تاريخ بغداد 12/ 175.
(5) إنباه الرواة 4/ 133.
(6) يس 14.
(7) البيت للمتلمس الضبعي، انظر: ديوانه 180.
(8) أخبار النحويين البصريين 46.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (1).
والشاهد له أهمية في جميع شؤون الحياة لأن الله رتب على الشاهدِ الأحكامَ الشرعية كما في آية المداينة (2)، وآيات اللعان (3)، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في إثبات دخول شهر رمضان ونحوه (4). وأصبح من يأتي بالشاهد خارجًا عن المؤاخذة، يثق الناس بعلمه كما قال الجاحظ: «ونحن - حفظك الله - إذا استنطقنا الشاهدَ، وأَحَلْنَا على المَثَلِ، فالخصومة حينئذٍ إِنَّما هي بينهم وبينها» (5). وكما قال ابن جني: «وإذا قام الشاهدُ والدليلُ، وضَحَ المنهجُ والسبيلُ» (6).
ولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً» (7). وكان يرجح قولًا على آخر لوجود الشاهد من الشعر على أحدهما دون الآخر كما قال: «والقول الآخر أحق بالصواب لمكان الشاهد» (8). والجاحظ--------------------------------------------
(1) الإيمان 111.
(2) البقرة 282.
(3) النور 4 - 13.
(4) انظر: صحيح سنن النسائي للألباني 2/ 95.
(5) الحيوان 3/ 325.
(6) الخصائص 1/ 12.
(7) البرصان والعرجان والعميان والحولان 104، وانظر ص 115.
(8) المصدر السابق 179.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)

ممن عني بشواهد الشعر، والتأكيد على العناية بها في كتبه.
وإذا كان هذا في جانب الأخبار والرواية فإن للشاهد في كتب المفسرين شأن آخر، فإن المتناول لكلام الله بالتفسير والبيان يكون في غاية الاحتياط والحذر، وقد بالغ المفسرون في الاحتياط والحذر لفهم معاني القرآن الكريم، فاستشهدوا بالقرآن وقراءاته، والحديث النبوي، والأخبار وكلام العرب شعرًا ونثرًا، غير أنَّ اعتمادهم على هذه الأساليب كان متفاوتًا من مُفسرٍ إلى آخر، كما يختلف في طبيعته، إذ يمكن التمييز فيه بين اتجاهين: اتجاهِ الاحتجاجِ والتقعيد عند المفسرين القدماء والعناية بتقوية أوجه الاستدلال، واتِّجاه توضيحيّ عند المتأخرين من المفسرين، يرى أنه قد فَرغَ القدماءُ من الاحتجاج، وأنَّهُ يُكتفى بالتوضيح لشواهدِ القُدماء (1).
والشعر مِن أهمِّ ما استشهد به أهل العربية والمفسرونَ في بيان الدلالة اللغوية والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد احتلَّ في كتب التفسير مَنْزِلةً هامةً، زادت من حيثُ الكمُّ عن غيرها، حيث بدا الشعرُ لديهم مادة غنيةً، وموئلًا واسعًا، يُعتمدُ عليه في الاحتجاج، والتوضيح، والتدليل، والترجيح. وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها تفسيره، إذ كان بعضهم يكثر الاعتماد عليه، وبعضهم يقتصد، وآخر يستأنس به استئناسًا.

-‌‌ حاجة المفسر إلى الشاهد الشعري:
ليس هناك شواهد شعرية في كتب التفسير لكل لفظ في القرآن--------------------------------------------
(1) ما زال هذا المنهج متبعًا حتى العصر الحاضر، فقد ذكر محمد كرد علي أن معروف الرصافي كان حريصًا على حفظ شعر الشواهد حتى لقبه شيخه الألوسي بالشواهدي نسبة لشواهد الشعر. انظر: المعاصرون 440، وذكر محمد الأصمعي عن عبدالرحيم محمود مثل ذلك في كتابه عن أبي الفرج الأصبهاني 301.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)

الكريم لعدم الحاجة إلى ذلك، فهناك مسائل كثيرة ظاهرة لم يكن بالمفسرين حاجة للاستشهاد لها بالشاهد الشعري أو غيره، فلم يكونوا يستشهدون إلا فيما يَحتاجُ إلى شاهدٍ، من لفظٍ غريبٍ، أو تركيبٍ مُشكلٍ أو نحو ذلك. كما أن هناك ألفاظٌ لم ترد إلا في القرآن الكريم، وأخذ أهل اللغة معناها عن المفسرين، كلفظةِ «التَّفَثِ» في قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] (1) فليس لها شاهد من الشعر مع غرابتها، قال ابن دريد: «قال أبو عبيدة (2): هو قصُّ الأظافر، وأَخذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحْرِمِ إِلَّا النكاح، ولم يَجئْ فيه شِعْرٌ يُحتج به» (3)، ويقول الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يعرفونَهُ إِلَّا من التفسير» (4). فقول ابن دريد: ولم يَجئ فيهِ شعرٌ يُحتجُّ بهِ، مِمَّا يدل على بَحثهِ وتطلبه للشاهدِ من الشِّعرِ، ولكنَّه لم يَجد. وقال ابن العربي أيضًا: «وهذه اللفظةُ لم يَجدْ أهلُ العربيةِ فيها شِعرًا، ولا أَحاطوا بِها خُبْرًا» (5)، وعدم وجود شاهد لهذه اللفظة منقول عن أبي عبيدة، وقد وجد غيره شواهد لهذه اللفظة من شعر أمية بن أبي الصلت وغيره، وستأتي.
وأما ما لا حاجة إلى الاستشهاد عليه لظهوره وبيانه، فإنهم لا يطلبون له الشواهد، وهو لا يَخرج عن إحدى الصور الآتية:
- ألفاظ ظاهرة المعنى، لا لبس فيها ولا غموض، فلا يرى المفسر حاجةً إلى أن يأتي بشواهد من شعر العرب يوضح بها معنى هذه اللفظة. ومن ذلك قول الطبري بعد أن استشهد لمِجَيء الظنِّ بِمَعنى اليقين: «فأَمَّا الظنُّ بِمَعنى الشكِّ، فأكثرُ مِنْ أَن تُحصى شواهدُه» (6). فلم يَرَ حاجةً إلى أن يورد شواهدَ من الشعرِ على أنَّ الظنَّ يأتي بمعنى الشك، لأنه هو--------------------------------------------
(1) الحج 29.
(2) انظر: مجاز القرآن 2/ 50، وليس فيه قوله: «ولم يجئ فيه شعر يحتج به». فكأنه من قول ابن دريد، أو نقل من غير مجاز القرآن.
(3) جمهرة اللغة 1/ 422.
(4) معاني القرآن 3/ 422.
(5) أحكام القرآن 3/ 1270.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 145.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

الأكثر في معناه (1).
- أساليب ظاهرة من أساليب العرب، اشتهرت في كلامهم، ووردت في أشعارهم، وفي القرآن والسنة، حتى أصبحت معروفة واضحةً، والسامع لا يلتبس عليه المقصود، فلا يطلب المفسر لها شواهد من الشعر أو غيره. وقد ذكر ابن جني أسلوب حذف المضاف في اللغة، وذكر أن في القرآن منه ما يزيد على ألف موضع، ثم قال: «والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له، أو شاهد عليه» (2).
ومن ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246] (3) وهو يتحدث عن دخول «أن» في هذه الآية، وعدم دخولها في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} [الحديد: 8] (4): «هما لغتان فصيحتان للعرب، تحذفُ «أَنْ» مرةً مع قولِهَا: مَالَكَ .... وهذا هو الكلام الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ إلى الاستشهاد على صحتهِ، لفشو ذلك على أَلْسُنِ العربِ» (5). ثم ذكر الوجه الآخر. فهو لا يرى حاجةً للشاهد إذا كان هذا الأسلوب شائع الاستعمال.
ومن ذلك قول أبي جعفر النحاس وهو يوجِّه القول بأَنَّ مَجيء قولهِ تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} [الفاتحة: 3] (6) مِن بابِ التوكيد: «وهو كثيرٌ في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد» (7). وهو يعني أن مثل هذا التوكيد أسلوب معروف عند العرب، مستغنٍ عن الاستشهاد له بشواهد من كلامهم شعرًا أو نثرًا.
ومن ذلك قول أبي جعفر النحاس أيضًا وهو يفسر معنى قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] (8)، وأن--------------------------------------------
(1) انظر: لسان العرب 8/ 271 (ظن).
(2) الخصائص 1/ 192.
(3) البقرة 246.
(4) الحديد 8.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 5/ 300.
(6) الفاتحة 3.
(7) معاني القرآن 1/ 54.
(8) الفاتحة 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

المغضوب عليهم والضالين وإن كان لفظهما عامًا، إلا أن المقصود بهما اليهود والنصارى بدليل الحديث (1)، فَعَقَّبَ النحاسُ على ذلك بقوله: «فعلى هذا يكون عامًّا يُرادُ به الخاصُّ، وذلك كثير في كلام العرب، مُستغنٍ عن الشواهد لشهرته» (2).
- القواعد المشتهرة، بحيث تكون من مُسَلَّمَاتِ اللغة، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، فهذا لا يطلب له المفسرون شواهد من الشعر لظهوره واشتهاره. ولذلك أمسك النحاة عن الاستشهاد على الفاعل بأنه اسم، أو أنه مرفوع، وأن المبتدأ يكون اسمًا، معرفةً ونحو ذلك من المسائل الظاهرة. ومن قواعدهم «أَنَّ مَن تَمسَّكَ بالأَصلِ خَرجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصلِ افتقرَ إلى إقامةِ الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة» (3).
- مِمَّا أجْمعَ السلفُ على تفسيره فلا حاجة إلى الاستشهاد عليه لوجود الإجماع، ومن ذلك قول الطبري: «مع أن إجماع الأمة من منع التسمي به - أي الرحمن- جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره» (4). فوجود الإجماع على التفسير يلغي الحاجة إلى الاستشهاد بالشواهد الشعرية، لتقديم تفسير السلف وإجْماعهم. ولو تعارض تفسير الصحابي مع تفسير علماء اللغة فإن المفسرين يقدمون قول الصحابي، لكونه أعلم بالتفسير واللغة من المتأخرين، ولذلك يقول الطبري عند كلامه عن قولهم عن الشمس:--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 187، الدر المنثور 1/ 84.
(2) المصدر السابق 1/ 69.
(3) الإنصاف للأنباري 1/ 300، وانظر: معاني القرآن للفراء 2/ 102، لمع الأدلة 141، الاقتراح للسيوطي 113 - 114، القواعد الكلية والأصول العامة للنحو العربي للدكتور غريب نافع 17.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 134.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

«دَلَكَتْ بِرَاحٍ» بكسر الباء: «فَمَن روى ذلك بكسر الباءِ فإنه يعني أَنه يضعُ الناظرُ كفَّه على حاجبهِ من شُعَاعها لينظرَ ما بَقي من غيابها، وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ: أَبي عُبيدة، والأصمعيِّ، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم. وقد ذكرتُ في الخَبَر الذي رويتُ عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال حين غَربت الشمسُ: دَلكتْ بِرَاحٍ، يعني بِرَاحٍ مَكَانًا. ولستُ أدري هذا التفسير - أَعني قولَه: بِرَاحٍ مَكانًا - مِن كلامِ مَن هو مِمَّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلام عبد الله؟ فإن يكنْ من كلام عبد الله فلا شكَّ أنه كان أعلمَ بذلك من أهل الغريب الذين ذكرتُ قولَهم، وأن الصواب في ذلك قولُه دون قولهم. وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك» (1). فهو يذهب إلى تقديم قول ابن مسعود وطبقة الصحابة والتابعين على علماء اللغة في أمور اللغة أيضًا، لسبقهم وعلمهم.
والعرب ليسوا في فهم القرآن، والعلم به على درجة واحدةٍ، كما أنهم في معرفة لغتهم متفاوتون، فبعضهم أعلم بها من بعض، ومِنْ ثَمَّ احتيجَ إلى التفسير، ولذلك عندما سُئِل ابن قتيبة عن ذلك أجاب بأَنَّ «العربَ لا تستوي في المعرفة بِجَميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضلُ في ذلك على بعضٍ .... ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم» (2).

-‌‌ عناية المفسرين بالشعر وحفظه للاستشهاد.
كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء السلف أهل عناية بلغة العرب وشعرها، بل كانت عائشة رضي الله عنها، وابن عباس رضي الله عنهما من أحفظ الصحابة للشعر، وأكثرهم روايةً له، وقد استمر هذا النهج العلمي بعد ذلك، غير أنه قد أخذ في الاتجاه إلى التخصص، فَبَرزَ من بين العلماء--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (هجر) 15/ 28.
(2) المسائل والأجوبة 48 - 50.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)

من عُنِيَ بالشعر الذي يشتمل على شواهد اللغة، وشواهد القرآن، وشواهد النحو وغيرها، حتى قال الجاحظ: «لم أَرَ غايةَ النحويين إِلا كُلُّ شِعْرٍ فيه إعرابٌ، ولم أر غايةَ رواة الأشعارِ إِلَّا كل شعرٍ فيه غريبٌ أو معنى صعبٌ يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعرٍ فيه الشاهد والمثل» (1). مما يشير إلى ظهور التخصص في حفظ الشواهد وطلبها مبكرًا، وقد حرصوا على هذه الشواهد، وتنافسوا في تدوينها، وسافروا في طلبها إلى البوادي، كل ذلك خدمةً للغة القرآن الكريم، ورغبة في تقعيد قواعدها خوفًا عليها من الاختلال.
وقد ذكر أصحاب التراجم شيئًا من أخبارهم في ذلك، فقد ذُكِرَ أنَّ أَبانَ بن تغلب (ت 141 هـ) كان لغويًا قارئًا، لقي العربَ وسَمِعَ منهم، وصنَّفَ كتابَ الغريب في القرآن وذكر شواهدَه من الشِّعر (2)، وذكر الأزهريُّ أَنَّ عليَّ بن المباركِ الأَحْمر (ت 194 هـ) كان يحفظُ ثلاثين ألفَ بيتٍ من الشعر من المعاني والشواهد (3)، وقد أخذها عنه ورواها أبو مسحل الأعرابي، وكان العلماء يأخذونها عنه، وقد ندم ثعلب أن لم يكن أخذها عن أبي مسحل (4).
وذكر أبو علي القالي أَنَّ محمدَ بن القاسم الأنباريِّ (ت 328 هـ) كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ شاهدًا في القرآن (5)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ. وفي ترجَمة عبد الله بن عطية الدمشقي (ت 383 هـ) أنه كان يَحفظ خَمسين ألف بيتِ شِعْرٍ في الاستشهاد على معاني القرآن (6).
وذَكَرَ مُحمدُ بن أحمدَ الشَّنَّبوذِيُّ (ت 388 هـ) عن نفسهِ أنه يَحفظُ--------------------------------------------
(1) البيان والتبيين 4/ 24.
(2) انظر: معجم الأدباء 1/ 67 - 68.
(3) انظر: تهذيب اللغة 1/ 18.
(4) انظر: إنباه الرواة 4/ 170.
(5) انظر: معرفة القراء الكبار 1/ 281.
(6) انظر: غاية النهاية 1/ 433، طبقات المفسرين للسيوطي 45، طبقات المفسرين للداوودي 1/ 246، طبقات المفسرين للأدنه وي 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)

خَمسينَ ألف بيتٍ من الشِّعرِ شواهد للقرآن (1)، وذكر الذهبيُّ أنَّ عبد الوهاب بنَ مُحمدٍ الشيرازيَّ (ت 500 هـ) صنَّفَ تفسيرًا للقرآن، ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (2)، وذكر السهيلي أنه رآه، وسمع ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكدة لفصاحته (3).
ومع ما قد يكون في هذه الأخبار من المبالغة، إلا أنها تدل على عناية المفسرين، واحتفالهم بشواهد الشعر، لتكون عونًا لهم في تفسير القرآن، وشرح غريبه، والاحتجاج لقواعد اللغة ونحوها وصرفها. وقد أَكَّدَ المفسرون في كتبهم - ولا سيما في مقدمات التفاسير - على أهمية العناية بشعر العرب المُحتج به، في فهم القرآن الكريم، ومعرفة معاني ألفاظه من حيث العربية، ووجوب العناية به وفهمه للتمكن من فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ومن ذلك قول الطبري في معرض حديثه عن أولى المفسرين بإصابة الحق في تفسيره: «فأحق المفسرين بإصابة الحق .... أوضحهم حجة فيما تأول وفسر .... وأصحُّهم برهانًا - فيما ترجم وبَيَّنَ مِن ذلك - مِمَّا كان مُدركًا علمهُ مِنْ جِهَةِ اللسانِ إِمَّا بالشواهدِ مِن أَشعارِهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (4). فبَيَّنَ الطبريُّ أهمية اعتضاد المفسر بالشواهد التي تصحح تفسيره، وتُبَرْهِنُ على صحة قوله، وقد سار الطبري على هذا النهج وسيأتي لذلك مزيد بيان.
وقد ذكر الإمام الواحدي (ت 468 هـ) المُفَسِّرُ أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من--------------------------------------------
(1) انظر: معرفة القراء الكبار 1/ 333، طبقات المفسرين للسيوطي 97، طبقات المفسرين للداودي 2/ 60.
(2) انظر: سير أعلام النبلاء 19/ 249، طبقات المفسرين للداوودي 2/ 370.
(3) انظر: طبقات المفسرين للأدنه وي 151.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 93.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)

الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي رحمه الله يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تُبْقِ ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله. فقلتُ: يا أبتِ إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أُحْكِمِ الأدب بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب … » (1). وقد ظهر أثر إجادة الواحدي للغة، وعنايته بدواوين الشعر في مصنفاته في التفسير، ولا سيما كتابه «البسيط» فقد أورد فيه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية يستشهد بها في تفسير القرآن (2).
ويقول مَجْدُ الدين الرُّوذْرَاوَرِيُّ (3): «ومَنْ ظَنَّ أَنَّ القرآنَ يُفهمُ كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب، وتتبع أشعارهم، وتدبرها كما يجب فهو مُخطِئٌ. كان ابن عباس رضي الله عنهما حَبْرَ هذه الأمة، ومفتيها، ومفسِّرَ القرآن، وقد قال تلميذه عكرمة: أنه كان إذا سئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه ببيت من شعر العرب، ثم يقول: الشعر ديوان العرب» (4).
وليس المفسرون فحسب مَن اعتمدَ على الشعر في فَهمِ القرآن الكريم، بل شاركهم في ذلك غيرهم من أهل الحديث،--------------------------------------------
(1) مقدمة تفسير البسيط للواحدي 1/ 228 - 229، معجم الأدباء 3/ 560.
(2) انظر: الواحدي النحوي من خلال كتابه البسيط للفراج 739.
(3) هو مَجْدُ الدين عبدالمَجيد بن أبي الفرج الرُّوذْرَاوَرِيُّ نسبة إلى رُوذرَاوَر ناحية قرب نهاوند من بلاد فارس، المتوفى سنة 667 هـ، كان لغويًا مفسرًا، فصيحًا، حافظًا لأشعار العرب ولا سيما الشواهد منه. انظر: تذكرة الحفاظ 1476، شذرات الذهب 5/ 324.
(4) مسألة {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ضمن كتاب بحوث ودراسات في اللغة العربية وآدابها، الجزء الثالث 1413 هـ ص 141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)

والسيرة (1)، واللغة، وقد جعل السيوطيُّ من آداب طالبِ اللغةِ العنايةَ بِحفظِ أشعارِ العرب، مبينًا قيمة هذا الحفظ في التفسير فقال: «وَلْيَعْتَنِ بِحفظِ أشعارِ العَربِ؛ فإن فيه حِكَمًا ومواعظ وآدابًا، وبه يُستعانُ على تفسير القرآن والحديث» (2).

-‌‌ عدم الالتفات إلى موضوع الشواهد:
لم يعتن المفسرون بموضوعات الشواهد ومضامينها، بقدر ما كانت عنايتهم بلغتها ونَظْمِها، ومن مظاهر اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري تجوزهم في الاستشهاد بكثير من الشواهد الشعرية التي تتضمن معنى لا يليق ذكره، وقد فسر العلماء ألفاظ القرآن الكريم، ووضحوا معانيه بأبيات بعض الشعراء التي فيها ذكرُ الفُحشِ والفِعْلِ السيء، ولم تكن غايتهم من هذا الاستشهاد أن ينصروا باطلًا، أو يظهروا قبحًا، وإنما كان غرضهم من ذلك لغويًا، وهو تفسير غريب القرآن بالشعر، وقد سبق قول الجرجاني: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات التي فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يُعِبْهُم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (3). وقال الشنقيطي (ت 1393) بعد استدلاله بشاهد فيه معنى قبيح على تفسير آية قرآنية: «وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يستفاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مفرغًا في معاني خسيسة تافهة، فنحن نقصد مطلق اللغة، لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها» (4).--------------------------------------------
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/ 218، وانظر فهارسه لمعرفة مواضع تفسيره للغريب واستشهاده بالشعر.
(2) المزهر 2/ 309.
(3) دلائل الإعجاز 10.
(4) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 3/ 960.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)

وقد دافع الجرجاني عن رأيه هذا، بأن الشعراء وإن ذُمُّوا في القرآن فإن ذلك لا يكون سببًا في ذم الشعر وعدم الاستشهاد به في تفسير غريب القرآن؛ لأنه يبعد عن الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أُرِيدَ وله دُوِّنَ، وأن ذاك يلزم منه أن يعيبَ العلماءَ في استشهادهم بشعر امرئ القيس، وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبة وغريب الحديث (1).
ويقول الألوسي: «وقد ذم العلماء جريرًا والفرزدق في تهاجيهما، ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان» (2)، ولذلك لم يبال الرواة - في الغالب- بما اشتملت عليه الأشعار من سفاهات في معانيها، إذا كانت من حيث اللغة حجةً، ولذلك يقول الرافعي: «ولا يبالي الرواة في هذه الشواهد إلا باللفظ، فيستشهدون بكثير من كلام سفهاء الأعراب وأجلافهم، ولا يأنفون أن يعدوا من ذلك أشعارهم التي فيها الخنا والفحش؛ لأنهم يريدون منها الألفاظ وهي حروف طاهرة» (3).
وهناك فريق من العلماء لم يكن يرى التساهل برواية مثل هذه الشواهد، فقد كان أبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) وهو إِمامُ العلماء الرواة لا يرى رواية شعر أبي نواس، ويعزو سبب ذلك إلى مضمون شعره لا إلى لغته، حيث يقول: «لولا ما أخذَ فيه أبو نواس من الإِرفاثِ لاحتَجَجْنَا بِشعرهِ» (4)، وقال أبو عمرو الشيباني: «لولا أَنَّ أبا نواس أَفسد شعره بهذه الأقذار لاحتججنا به، لأَنَّهُ مُحكمُ القَول لا يُخطئ» (5)، غير أن شعرهم روي لقيمة شواهده، ولم يغلب هذا الرأي المخالف في رواية--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 27.
(2) روح المعاني 19/ 151.
(3) تاريخ آداب العرب 1/ 355.
(4) نقد الشعر لقدامة 81.
(5) خزانة الأدب 1/ 348.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)

شعرهم على العلماء من بعدُ، وقد اعتذر الجاحظ للشعراء بأنهم إنما يتكلمون بمثل هذا الشعر مع الغضب، وضيق الصدر، طلبًا للتشفي، وإدخال الغيظ على المقصود بالشعر، ولم يقدروا فيه أن الناس يجعلون قوله ذلك شاهدًا يستشهدون به (1)، وهذا اعتذار لطيف، وإذا تأملت الشواهد التي على هذه الشاكلة وجدتها لا تخرج عن باب الهجاء أو النسيب الفاحش الذي هو إلى الهجاء أقرب منه إلى النسيب.
وتظهر أهمية مثل هذا المنهج في أن كثيرًا من شعر أهلِ الجاهليةِ خاصة وبعض شعر الإسلام لا يَخلو من بعضِ الألفاظِ المستقبحةِ، فمَن استبعدها من شواهده فَرَّطَ في كثير من الحروف والشواهد التي يستدلُّ بِها على لغة القرآن وتفسيرها. والأمثلة على تجوز المفسرين في الاستشهاد بمثل هذا الشعر مبثوثة في كتب التفسير (2)، وإن كان بعض الرواة والعلماء قد يغيّر تلك اللفظة القبيحة بِمَا يَحفظ للبيت وزنه، وقد يذهب بِمَحلِّ الشاهد منه، تحرجًا من ذكر هذه الألفاظ (3). وقد حاول العسكريُّ ومن قبله ابنُ قتيبة والجاحظ تَسويغ عَملِ العلماءِ هذا، وروايتهم لمثلِ هذا الشعر فقال: «على أَنَّ العلماء لو تركوا روايةَ سخيفِ الشعرِ لَسقطتْ عنهم فوائدُ كثيرةٍ، ومَحاسنُ جَمَّةٌ موفورةٌ في مثل شعرِ الفرزدقِ، وجرير، والبُعيث، والأخطلِ وغيرهم» (4).
وقد ظهر لي من تتبع صنيع المفسرين في التعامل مع الشواهد التي--------------------------------------------
(1) انظر: البُرصان والعُرجان والعُميان والحُولان 162 - 163.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 4/ 197، تفسير الطبري (هجر) 2/ 119، 3/ 231، 5/ 551، المحرر الوجيز 14/ 109، طبقات فحول الشعراء 2/ 336 - 337، خزانة الأدب 7/ 388 - 389.
(3) انظر: الكتاب 1/ 48 - 49، المقتضب 4/ 94، شرح المفصل 7/ 94 - 95، خزانة الأدب 7/ 193 - 194.
(4) ديوان المعاني للعسكري 1/ 211، وانظر: رسائل الجاحظ 1/ 92، البيان والتبيين 1/ 164، تأويل مشكل القرآن 173، مقدمة عيون الأخبار ك، ي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)

اشتملت على ما لا يليق ذكره في تفسير القرآن، أن من المفسرين الأئمة الكبار من يذكرها ولا يتحرج من إيرادها، حيث تفوق رغبته في البيان والإيضاح، تحرجه من إيراد مثل هذه الشواهد في التفسير، ومنهم من يعرض عنها مع علمه بها من باب فعل ما يراه أولى وأليق بتفسير القرآن.
وأضرب لذلك مثالًا بِمَا فعله ابن جرير عند تفسيره (1) لقوله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: 266] (2) حيثُ استشهدَ ببيتٍ ليزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِميريِّ (3) فيه لفظٌ لَمْ تَجْرِ عادةُ أهلِ المروءاتِ بالتصريح به، وقد نقل المفسرون بعد الطبري عن تفسيره كثيرًا من شواهده الشعرية مع الإشارة إلى ذلك في أحيان كثيرة، وعدم الإشارة في أحيان كثيرة أيضًا، إلا أنهم قد أعرضوا عن ذكر هذا الشاهد، ولم يوردوه.
فأعرض عنه الزجاج (4)، وأبو جعفر النَّحاس (5)، والزمخشري (6)، وابن عطية (7)، والرازي (8)، والقرطبي (9)، وأبو حيان (10)، والسَّمينُ الحلبيُّ (11)، وكلهم من أهل العناية بشواهد الشعر في شرح غريب القرآن.--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 4/ 690.
(2) البقرة 266.
(3) البيت في ديوانه 136، وفي طبقات فحول الشعراء 2/ 692 وانظر تعليق محمود شاكر رقم 2، وتعليقه أيضًا في تفسير الطبري 5/ 551 رقم 3.
(4) انظر: معاني القرآن 1/ 349.
(5) انظر: معاني القرآن 1/ 295.
(6) انظر: الكشاف 1/ 498.
(7) انظر: المحرر الوجيز 2/ 319 - 322 وقد أشار في صدر تفسيره للآية إلى اختيار الطبري في تفسير الآية مما يدل على قرب نظره في شاهده الشعري وتركه.
(8) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) 7/ 64.
(9) انظر: الجامع لأحكام القرآن 3/ 319 - 320، وقد أفاض في شرح معنى الإعصار لغة، ولم يستشهد بالشاهد مع إشارته لاختيار الطبري في الآية.
(10) انظر: البحر المحيط 2/ 327، النهر الماد 1/ 390.
(11) انظر: الدر المصون 2/ 598 - 599، وقد عدل إلى ذكر شاهد آخر يؤدي المعنى الذي أداه شاهد الطبري دون أن يكون فيه ما في ذاك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)

ولم يذكره أصحاب كتب ألفاظ القرآن ومفرداته مع عنايتهم بالشواهد (1). ومِنْ قَبْلِ الطبري لم يذكره أبو عبيدة (2)، ولا ابن قتيبة (3)، ولا ابن الأنباري (4)، مع عنايتهم بالشواهد الشعرية.
ومِمَّا يؤكد منهج ابن جرير في مثل هذه الشواهد أنه كرر الاستشهاد بهذا الشاهد على معنى التبذير في قوله تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] (5)، مما يعني عدم تحرجه من ذكرها، وأن الهدف التعليمي أولى بالعناية، وأهم من هذا التحرج (6).
وإن كان المفسرون ربما تجوزوا في نقل الشاهد فيه اللفظة يستحيا منها، إذا لم يكن بُدٌّ من ذكره، كما نقلوا مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (7).

‌‌ثانيًا: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير.
تبين أن المفسرين قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في تفاسيرهم، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية:

-‌‌ عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير.
من المقاييس التي يمكن بها قياس مدى اعتماد المفسرين على--------------------------------------------
(1) انظر: مفردات الراغب 569، عمدة الحفاظ للحلبي 3/ 100 - 101.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 82.
(3) انظر: غريب القرآن 97.
(4) انظر: المذكر والمؤنث 1/ 541، وابن الأنباري استفاد من تفسير الطبري في كتبه ونقل منه أقوال المفسرين دون إشارة إلى ذلك. انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 64، 2/ 213.
(5) الإسراء 26.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 565.
(7) انظر: تفسير الطبري (هجر) 3/ 459 - 460، الكشاف 1/ 386، الجامع لأحكام القرآن 2/ 384، الدر المصون 2/ 294.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)

الشاهد الشعري معرفة عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير وتنوعها، وقد أحصيتُ الشواهدَ الشعريةَ في كتب التفسير التي درستها في هذه الرسالة، وأضفت إليها ما وجدته من غيرها من التفاسير المشهورة المعتمدة ليتضح لك حجم الرواية الشعرية في كتب التفسير، وعدد الشواهد فيها، فكانت على النحو الآتي:
م … الكتاب … المؤلف … عدد الشواهد
1 … جامع البيان في تأويل آي القرآن … أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) … 2260
2 … الكشاف … جار الله بن عمر الزمخشري (ت 538 هـ) … 901
3 … المُحرر الوجيز … عبدالحق بن غالب بن عطية (ت 541 هـ) … 1981
4 … زاد المسير في التفسير … عبدالرحمن بن علي بن الجوزي (ت 597 هـ) … 734
5 … الجامع لأحكام القرآن … أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) … 4807
6 … البحر المُحيط … أبو حيان الغرناطي (ت 745 هـ) … 723 (1)
7 … الدر المصون … أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت 756 هـ) … 4686 (2)
8 … أنوار التنْزِيل وأسرار التأويل … البيضاوي (ت 685 هـ) … 266

تَدلُّ كثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير على أهميته، وعناية المفسرين به كشاهدٍ على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومُعِينٍ على فهمها--------------------------------------------
(1) انظر: أبيات النحو في تفسير البحر المحيط لشعاع المنصور 9، وفي إحصاء شواهد أبي حيان في تفسيره للدكتور صبري السيد إبراهيم 652 - 653 بلغت الشواهد 501.
(2) انظر: الدر المصون 11/ 159، وقد رقَّمَ المُحقق د. أحمد الخراط الشواهد الشعرية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)

كما كانت العرب زمنَ نزول الوحي تفهمُها، وقد تقدم ما صنفه العلماء من تفاسير اشتملت على أكثر مما اشتملت عليه التفاسير المطبوعة التي بين أيدي الناس اليوم من شواهد الشعر.
غير أن هذه الكثرة للشواهد الشعرية لا تعني أَنَّهَا كانت مقصودةً لذاتِها في التفسير، وإِنَّمَا هي وسيلة ضمنَ وسائل يستعين بها المفسر على إيضاح معاني القرآن الكريم وتقريبها، إلا أَنَّها من أهم الوسائل، ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (1)، وقد عني بذلك المفسرون في كتب التفسير.
وليست مسائل اللغة والنحو دخيلة على كتب التفسير، غير أنها ليست من صميم مسائله، ولذلك أشار بعض المفسرين في مواضع إلى أنهم عندما يطيلون في المناقشات اللغوية في بعض الآيات فإنَّما يكون ذلك لخدمة معنى الآيات القرآنية وتوضيحها، وليس قصدًا إلى هذه العلوم وشرحها، مع حرصهم على الاختصار وعدم الاسترسال في ذلك، ومن ذلك قول الطبري عندما رأى أنه قد أطال في نقاشاته النحوية في مسألة من تفسيره: «وإِنَّما اعترضنا بِما اعترضنا في ذلك من بَيانِ وجوهِ إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويلِ آي القرآن - لِمَا في اختلاف وجوهِ إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوه إعرابه، لنكشفَ لطالب تأويلهِ وجوهَ تأويله، على قَدْرِ اختلافِ المُختلفةِ في تأويله وقراءته» (2). وهذا يعني أنه لم يتعرض للمسائل النحوية واللغوية إلا بمقدار ما يخدمُ بيانَ وإيضاحَ معاني الآيات المفسَّرة.--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 160.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 184.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)

وهناك من المفسرين من يقتصد في التعرض لبعض المسائل النحوية ذات العلاقة بالتفسير، ويحيل القارئ إلى الكتب الموسعة في ذلك، كما قال الرازي: «لفظة «كان» قد تكون تامةً، وناقصةً، وزائدةً، على ما هو مشروح في النحو» (1). وقول أبي حيان -وهو من المكثرين من النقاشات النحوية في تفسيره - وهو يتحدث عن معنى «إِلَّا»: «إلا
حرفٌ، وهو أَصلٌ لأدوات الاستثناء، وقد يكونُ ما بعده وصفًا، وشرطُ الوصف به جوازُ صلاحية الموضع للاستثناء، وأحكام «إِلَّا» مُستوفاةٌ في علم النحو» (2)، ونحو ذلك من العبارات، مِما يدل على أن المفسرين - على تعدد مناهجهم - كانوا يحرصون على البقاء في دائرة التفسير، وعدم الخروج بالتفسير عن إطاره إلى الاستطراد في مسائل خارجة عن صلب التفسير.

-‌‌ كثرة الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل.
في مواضع متفرقة، ومسائل متعددة في كتب التفسير يكتفي المفسرون بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد، ويبنون عليه تفسيرهم ولا سيما تفسير الغريب، أو الوجه النحوي أو غير ذلك. وهذا يدل على اعتمادهم للشاهد الشعري، وأنه يستقل بالدلالة اللغوية وما يتصل بها. ولا سيما إذا لم يرد في القرآن الكريم ما يفسر الآية، أو لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين في ذلك تفسير، فيكون الأولى عند عدم وجود تفسير لهم المصيرَ إلى ما وردَ في لغة العرب التي يُعَدُّ الشاهدُ الشعريُّ من أهم صُورها، ولذلك يقول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] (3)، بعد إيراده لأقوال المفسرين فيها: «والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عَزَّوَجَلَّ: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحَديدةِ الرَّحى،--------------------------------------------
(1) تفسير الرازي 8/ 177.
(2) البحر المحيط 1/ 52.
(3) الأنبياء 33.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)

وكما ذكر عن الحسنِ كطاحونة الرحى، وجائزٌ أن يكونَ مَوجًا مَكفُوفًا، وأن يكونَ قُطبَ السماءِ؛ وذلك أَنَّ الفَلَكَ في كلامِ العربِ هو كُلُّ شيءٍ دائرٍ، فجمعه أفلاك. وقد ذكرتُ قولَ الرَّاجزِ (1):
بَاتَتْ تُنَاصِي الفَلَكَ الدَّوَّارَا (2)
وإذا كان كلُّ ما دار في كلامها فَلَكًا، ولم يكن في كتاب اللهِ، ولا في خَبَرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمَّنْ يقطعُ قولهُ العُذرَ، دليلٌ يدل على أَيِّ ذلكَ هو مِن أَيٍّ، كان الجوابُ أَن نقولَ فيه ما قالَ، ونسكتَ عمَّا لا علمَ لنا به» (3).
فقد بَيَّنَ الطبري أنه عند عدم وجود التفسير من القرآن أو السنة الصحيحة، أو الصحابي الحجة أو نحوه من التابعين، فإنه يصار إلى ما في اللغة الصحيحة بشواهدها الموثوقة، ويكتفى بذلك.
ويؤكد الطبري على هذا المعنى من وجه آخر عند تفسيره لقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} [الإخلاص: 2] (4) فيقول: «الصَّمَدُ عندَ العربِ هو السَّيدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فَوقهُ، وكذلك تُسمِّي أشرافَها، ومنه قولُ الشاعر (5):
أَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْريْ بَنِي أَسَدْ … بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (6)
وقال الزِّبْرِقَانُ:
ولا رهينةَ إِلَّا سَيّدٌ صَمَدُ (7)
فإن كان ذلكَ كذلك، فالذي هو أَولى بتأويل الكلمةِ، المعنى--------------------------------------------
(1) لم أعرفه.
(2) مجاز القرآن 2/ 38.
(3) تفسير الطبري (هجر) 16/ 266 - 267.
(4) الإخلاص 2.
(5) هو سبرة بن عمر الأسدي.
(6) مجاز القرآن 2/ 316، سمط اللآلي 2/ 932، وفي سيرة ابن هشام نسبه لهند بنت معبد بن نضلة 1/ 572.
(7) مجاز القرآن 2/ 316.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)