Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الشعر، وإن كان قد رَدَّ هذا القولَ الزمخشريُّ وابنُ الأنباري وغيرهما، وقالوا إن هذا الشاهد روي مع أبيات منصوبة أيضًا، ومنها:
أَديروهَا بَنِي حَرْبٍ عليكُمْ … ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعيدا (1)
والشاهد ما تقدم من أهمية معرفة أبيات القصيدة التي منها الشاهد، مع ما قد يكون في هذا المثال من خلاف، والغرض التمثيل.
ومن الأمثلة كذلك ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] (2) حيث قال: «وقالت فرقةٌ: سِجيّل معناه: شديد، وأنشد الطبري في ذلك لابن مقبل:
.......................... … ضربًا تواصَى بهِ الأبطالُ سجيلا (3)
والبيت في قصيدةٍ نونيةٍ سِجِّينَا». (4)
فمعرفة أبيات القصيدة التي تسبق بيت الشاهد وتلحقه تدل على صواب الاستشهاد وصحته، فلأن قافية الأبيات نونية فاللفظة إذا: «سجينا». وهي كذلك في الديوان، وذكروا أن أصلها «سجيلا»، غير أنها «أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ». (5) وقد أورد البطليوسي عددًا من الأمثلة على مثل هذه المسألة. (6)

-‌‌ الجهل بِموضوع الشاهد ومناسبته.
فقد يكون سببُ الحاجة للشرح الجهلَ بِمُناسبة الشاهد، وعدمَ معرفة الموضوع الذي يدور حوله، فيحتاج المفسر أن يبين ذلك قبل الشاهد أو بعده ليتضح معنى الشاهد، ووجه الاستشهاد.--------------------------------------------
(1) انظر: الإنصاف للأنباري 343، خزانة الأدب 1/ 344.
(2) الحجر 74.
(3) عجز بيت، وصدره:
ورَجْلَةً يَضربونَ البَيْضَ عن عُرُضٍ … ..................................
انظر: ديوانه 236، النوادر لأبي زيد 209، مقاييس اللغة 3/ 137.
(4) المحرر الوجيز 3/ 98.
(5) الجامع لأحكام القرآن 20/ 198.
(6) انظر: الاقتضاب 3/ 5 - 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

ومن ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] (1)، وذكر أن بعض المفسرين قد فسَّر «العلمَ» بِمعنى «الرؤية» فقال: «وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أنَّ العربَ تضعُ «العلمَ» مكان «الرؤية»، و «الرؤية» مكان «العلم» … كما قال جرير بن عطية:
كأَنَّكَ لم تشهدْ لَقِيطًا وحَاجِبًا … وعَمرَو بنَ عمرٍو إذْ دعَا يالَ دَارِمِ (2)
بمعنى: كأنك لم تعلم لقيطًا؛ لأنَّ بين هُلكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يخفى بُعْدُه من المُدةِ. وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجرير كان بعد بُرهةٍ مضت من مَجيء الإسلام». (3) ولعل الطبري يعني أن الفرزدق لم يشهد مهلك هؤلاء لأنه هو المخاطب بالبيت، وقد استعان الطبري بمعرفته التاريخية بموت هؤلاء من بني دارم في الجاهلية، ولا يمكن فهمه إلا بهذا البيان، ولو جهل هذا التاريخ لما صح تفسير الشهادة بالعلم في البيت، لاحتمال أن الفرزدق أدرك مهلك لقيط وحاجب.
ومن أمثلة ذلك أن القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50] (4) ذكر أن من معاني التغريق القتل، فقال: «والتَّغْريقُ: القتلُ، قال الأعشى:
....................... … أَلا ليتَ قَيسًا غَرَّقتهُ القَوابِلُ (5)
وذلك أَنَّ القابلةَ كانت تُغَرِّقُ المولودَ في ماء السَّلَى عام القَحْطِ،--------------------------------------------
(1) البقرة 143.
(2) رواية الديوان: «إذْ دعوا». ولقيط هو ابن زرارة الذي قتل يوم جبلة، وأسر في ذلك اليوم حاجب بن زرارة، وعمرو بن عمرو بن عدس الدارمي. انظر: ديوانه 2/ 1004.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 160.
(4) البقرة 50.
(5) عجز بيت، وصدره: أَطَورينِ في عَامٍ غَزَاةٌ ورِحْلَةٌ … انظر: ديوانه 233.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)

ذَكَرًا كان أو أنثى حتى يَموت، ثم جُعِلَ كُلُّ قتلٍ تغريقًا». (1)
فالقرطبي ذكر أن التغريق معناه القتل، وكان هذا كافيًا لفهم الشاهد، لكنه أتى بما وراء ألفاظ الشاهد وهي ما كان يفعله بعض العرب من تغريق المولود في زمن القحط في ماء السَّلَى، فزاد هذا الشاهدَ وضوحًا وجلاءً. وقد ذكر أهل اللغة مثل ذلك. (2)

-‌‌ خفاء معنى كثير من لغة العرب لموت أهلها.
وذكر ابن فارس أنَّ من أسباب الحاجة إلى شرح اللغة ذهاب كثير من لغة العرب، وذهاب من يحسنها، ويفهم معانيها، وأنه قد بقيت مفردات وتراكيب كثيرة خفي معناها على العلماء، ولم تفسر تفسيرًا يطمئنُّ إليه (3)، ولكنني لم أعثر في كتب التفسير على مثال من هذه المفردات التي ذكرها ابن فارس. هذه أهم الأسباب - فيما يظهر - التي دعت المفسرين إلى شرح شواهد الشعر في كتب التفسير.

‌‌منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى:
الشَّرحُ هو الكشفُ والتبيينُ والتوضيح (4)، ويُعَدُّ الشاهدُ الشعري في كتب التفسير جزءًا من التفسير والبيان الذي يؤتى به لتوضيح معاني المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، بل إن الشاهد الشعري يعد عند أهل اللغة شارحًا للمفردات، فقد سئل الأصمعي عن معنى الألمعي، فأنشد بين أوس بن حجر:
الأَلمعيُّ الذي يَظُنُّ بكَ الظنَّ … كأَنْ قد رأَى وقد سَمِعَا (5)--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 1/ 388 - 389.
(2) انظر: لسان العرب 10/ 56 (غرق).
(3) انظر: الصاحبي 58 - 65، المزهر 1/ 66.
(4) انظر: لسان العرب 7/ 73 (شرح).
(5) انظر: ديوانه 98.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)

ولم يزد على ذلك. (1) كما أَنَّ المفسرين لا يتوسعون في شرح الشواهد الشعرية إلا في مواطن الخلاف والردود على غيرهم في فهم الشاهد أو الاستشهاد به. ولذلك فإن المفسرين لم يقصدوا إلى تفسير الشعر على نحو ما يفعل شراح الدواوين، وإنما كانوا يقصدون إلى تفسير القرآن الكريم، والاستدلال على صحة هذا التفسير بالشعر، فشرح الشعر يأتي تبعًا في كتب التفسير، وليس على وجه الاستقلال، ويكون ذلك بقدر حاجة التفسير، وبيانه لمعاني القرآن الكريم.
وقد مرَّ شرحُ الشعرِ بِمراحل منذ نشأته على يد شعراء الجاهلية أنفسهم، حتى استقر على يد أمثال أبي عبيدة والأصمعي ومن في طبقتهم، وأصبح له أعلامه المعروفون، ومنهجه الذي يسير عليه. ثم جاء أبو سعيد السكري فجمع دواوين القبائل والشعراء وشرحها، وليس له في هذا الباب نظير، وأما شرح شواهد الشعر فمن أبرز من تصدى لذلك أبو محمد يوسف السيرافي (ت 385 هـ)، فقد صنف عدة كتب في شرح شواهد الشعر التي وردت في عدة كتب مشهورة بين الناس، فشرح أبيات كتاب سيبويه، وشرح أبيات «إصلاح المنطق»، وشرح أبيات «مَجاز القرآن» لأبي عبيدة، وأبيات «معاني القرآن» للزجاج، وشرح أبيات «الغريب المصنف» لأبي عبيدة القاسم بن سلام إلى غير ذلك. (2)
وقد قمتُ بِجمعِ كُلِّ الشواهد الشعرية التي شرحها المفسرون، لاستخلاص الأسس المنهجية العامة التي كان يعتمدها المفسرون في شرح الشاهد الشعري، ووازنت بين شرح المفسرين لها وشرح غيرهم لمعرفة حجم الحهد الذي قدمه المفسرون في هذا الباب، وقمت باختيار نماذج من تلك الشروح وعرضتها كأمثلة، وهي تعبر تعبيرًا صحيحًا عن--------------------------------------------
(1) انظر: الكشاف 3/ 489 - 490.
(2) انظر: وفيات الأعيان 7/ 72 - 73.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)

بقية المواضع، وقد تبين لي أن شرح المفسرين للشاهد الشعري لا يخلو من ثلاثة أحوال:
- إما أن يشرحوا المفردات.
- وإما أن يشرحوا التراكيب.
- وإما أن يتناول شرحهم أمرًا حول الشاهد الشعري كالتعريف بقائله، والإبانة عمَّا يعرض فيها من أعلام الأماكن والشخوص، وسرد بعض الأحداث والوقائع التي يرد ذكرها.

‌‌أولًا: شرح المفردات.
تُعدُّ دلالة المفردات في اللغة أكثر العناصر اللغوية قابلية للتغير في اللغات الإنسانية (1)، ولذلك فقد كانت عناية المفسرين بشرح المفردات الغريبة في القرآن الكريم والشعر المستشهد به هي الغالبة على الجهد اللغوي في كتب التفسير؛ وذلك للتغير الذي طرأ على معاني المفردات باتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتنوع أوجه الحضارة فيها، وغير ذلك من الأسباب التي باعدت بين الناس وبين اللغة العربية الفصيحة. كما إن معرفة معاني الألفاظ على جهة الإفراد هو مما يجب على المفسر البداءة به، وليس ذلك في التفسير فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع. (2)
ويشبه شرحُ المفسرين للمفردات شَرْحَ أصحاب شروح الشعر والشواهد، كما يشبهُ
تناولَ أصحابِ المَعاجمِ اللغوية للمفردات في بعض المواضع. فالمفسر قد يتناول غريب الشاهد الشعري فيبين كل لفظة بمعناها ولا يزيد على ذلك، وقد يتوسع قليلًا في شرح المفردة فيبين--------------------------------------------
(1) انظر: الجوانب الدلالية في نقد الشعر للدكتور فايز الداية 119.
(2) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 313 - 314.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)

اشتقاقها، وقد تكون هذه اللفظة غير مألوفة فيستشهد على بيان معناها بشواهد شعرية أخرى. وهم في ذلك يعتمدون على العلماء الثقات من أهل اللغة فيما نقلوه عن العرب كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وغيرهم.

‌‌1 - شرح المفردات الغامضة:
يُعدُّ شرح المفردة الغريبة في الشاهد الشعري شرحًا لغويًا أكثر ما يعنى به المفسرون وأصحاب المعاني وغريب القرآن، حيث إن الشواهد اللغوية أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير كما تقدم. وشرح المفردة الغريبة قد يكون ببيان معناها بلفظة مرادفة أوضح منها، أو ببيان أصل اشتقاقها والتوسع فيه قليلًا أو نحو ذلك. وربما جاء بيان المفسرين لمعنى المفردة أجودَ من بيان بعض أصحاب المعاجم. (1) وقد تنبه إلى ذلك بعض المستشرقين وأشار إلى أنَّ «ما اضطلع به الطبريًّ في تفسيره للقرآن مما يتصل بالناحية اللغوية لهو رِكَازٌ لا تُقدَّرُ نَفاسته في بَحثِ مفردات اللغة». (2)
وقد تفاوت شرح المفسرين وأصحاب المعاني للمفردات بحسب منهج كل منهم، غير أنه لم يكن هذا التفاوت كبيرًا عند المتقدمين، وإنما تفاوت عند المتأخرين كالزمخشري ومن بعده. فأما أبو عبيدة والطبري فقد عنيا عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري، وقدما في ذلك ما اعتمد عليه من بعدهما من المفسرين.
فأما أبو عبيدة فقد عني عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري الذي يورده، والأمثلة على ذلك في كتابه كثيرة. ومن أمثلة قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] (3):--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 17، 106، 131، 151.
(2) مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر 115.
(3) البقرة 144.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)

«أي: قصد المسجد الحرام، قال الهذلي (1):
إِنَّ العَسيرَ بِهَا دَاءٌ مُخامِرُها … فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنينِ مَحسورُ (2)
العَسِيْرُ: الناقة التي لم تُرْكَب، شطرُها: نَحوُها. وقال ابن أحمر:
تَعدو بنَا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عَاقِدَةٌ … قد كاربَ العقدُ من إِيفَادِها الحُقُبَا (3)
إيفادُها: سُرعتها». (4)
فقد بَيَّنَ معاني المفردات الغامضة، باختصار شديد، وقد نقل شرحه أصحاب المعاجم فقال في اللسان في شرح البيت: «العسير الناقة التي لم تُرَضْ، ونصب شطرها على الظرف أي نحوها». (5) وشرح البغدادي بيت عمرو بن أحمر فقال: «وتعدو، أي: الناقة، من العدو، وهو ما قارب الهرولة، وهو دون الجري. وبنا، أي: بي وبغلامي؛ فإنه كان زميلي على الناقة. والشطر هنا بمعنى الجهة. وجمع: اسم المزدلفة. وسميت به إما لأن الناس يجتمعون بها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. والعاقدة: الناقة التي قد أقرت باللقاح، لأنها تعقد بذنبها فيعلم أنها حملت. وقيل: العاقدة: التي تضع عنقها على عجزها. والإيفاد: الإسراع، مصدر أوفد بالفاء، أي: أسرع. والحقب، بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ثِيلَهُ، أي: ذكره، كي لا يجتذبه التصدير. تقول منه: أحقبت البعير». (6) وهنا يلاحظ الفرق بين شرح أبي عبيدة وشرح البغدادي، فقد اكتفى أبو عبيدة بشرح مفردة واحدة في البيت وهي الإيفاد، في حين شرح البغدادي وهو من المتأخرين (ت 1093 هـ) جميع مفردات الشاهد الشعري.--------------------------------------------
(1) هو قيس بن خويلد الهذلي.
(2) الكامل 2/ 503، لسان العرب 3/ 168 (حسر).
(3) انظر: ديوانه 38.
(4) مجاز القرآن 1/ 60، وانظر: مجاز القرآن 1/ 411.
(5) لسان العرب 3/ 168 (حسر).
(6) خزانة الأدب 6/ 255.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)

وأما الطبري في تفسيره فقد استفاد من شرح أبي عبيدة للشواهد، وتعقبه في شرح بعضها، وزاد عليه شواهد لم يذكرها أبو عبيدة، وهو في منهجه في شرح الشاهد الشعري لا يختلف عن أبي عبيدة كثيرًا، وإن كان قد يستطرد في شرح بعض الشواهد.
ومن أمثلة شرح الطبري للشواهد قوله عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)} [البقرة: 56] (1): «وأصلُ البَعْثِ: إِثَارةُ الشيء من مَحلّهِ، ومنه قيل: بَعَثَ فلانٌ راحلته، إذا أثارها من مَبْرَكِهَا للسَّيرِ. كما قال الشاعر:
فَأَبْعَثُها وهِيَّ صَنيعُ حَولٍ … كَرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبةً وَقَاحا (2)
والرَّعْنُ: منقطع أنف الجبل، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوقاح: الشديدةُ الحافر أو الخُفِّ». (3)
فيُلحظ هنا أن الطبري شرح معنى البعث في الآية قبل إيراده للشاهد الشعري، ثم بعد إيراده للشاهد الذي اشتمل على مفردات غريبةٍ لِقلةِ من يستعمل هذه الألفاظ في زمنه شرح بعباراتٍ موجزةٍ معنى هذه المفردات، فشرح معنى «الرَّعْن» و «الذِّعْلِبَة» و «الوقاح»، وهذه المفردات وإن لم تكن محل الشاهد إلا أن معناه لا يفهم بدون بيانها، فشرحها الطبري من أجل ذلك.
ومما يتميز به شرح الطبري لمفردات الشاهد الشعري، أنه يشير إلى تفسير أهل اللغة، وتفسير السلف من أهل التفسير، ويقدم تفسير السلف للفظة على تفسير اللغويين، ومن أمثلة ذلك قوله: «والشُّحُّ في كلام العرب: البُخلُ، ومنعُ الفضل من المال، ومنه قول عمرو بن كلثوم:--------------------------------------------
(1) البقرة 56.
(2) لم أجده عند غير الطبري، ولم أهتد إلى قائله، وقوله: «وهيَّ». بتشديد الياء لغة همدان.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 84.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)

تَرى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ … عَليهِ لِمَالهِ فيها مُهِينا (1)
يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إِنَّه لَشَحِيحٌ بَيّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ، وفيه شَحَّةٌ شَديدةٌ وشَحَاحَةٌ. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق». (2) والعلماء الذين عناهم الطبري هم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الصحابة، وعبدالرحمن بن زيد من مفسري السلف. مما يعني أن المفردة اللغوية في القرآن قد تفسر على غير معهود اللغة في بعض الآيات.
ومثل ذلك عند تفسير قوله تعالى: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ} [الصافات: 91] (3) حيث ذكر الطبري معنى: {فَرَاغَ} في اللغة وأنه بمعنى: حاد، واستشهد بقول عدي بن زيد:
حينَ لا يَنفعُ الرَّوَاغُ ولا يَنفعُ إِلَّا المُصادقُ النِّحريرُ (4)
وقال في شرح الشاهد: «يعني بقوله: لا ينفع الرواغُ: الحيادُ». ثم ذكر تفسير المفسرين فقال: «أَمَّا أهلُ التأويلِ فإِنَّهم فسَّروهُ بِمعنى فَمَالَ». (5) وهذا مما تميز به شرح الطبري للمفردات في الشاهد الشعري وفي غيره، حيث يقدم تفسير السلف، ولا يغفله حين يورد الأقوال في معنى المفردات.
وقد يفيض الطبري في شرح المفردة في الشاهد الشعري بحيث يستقصي معانيها، ويوفيها حقها من الشرح والبيان، ومن ذلك ما أورده عند تفسيره لمعنى الرَّبِّ حيث قال: «وأما تأويل قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] (6) فإن الرَّبَّ في كلام العرب منصرف على معانٍ … ومن ذلك قيل: إِنَّ فلانَ يربُّ صنيعته عند فلان، إذا كان يُحَاولُ إصلاحَها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 309.
(2) تفسير الطبري (هجر) 22/ 529.
(3) الصافات 91.
(4) انظر: ديوانه 198.
(5) تفسير الطبري (هجر) 19/ 570.
(6) الفاتحة 2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)

فَكُنتُ امرأً أفضتْ إليكَ رِبَابَتِي … وقبلَك رَبَّتني - فَضِعْتُ - رُبُوبُ
يعني بقوله: «أَفْضَتْ إليك» أي وصلت إليك ربابتي، فسرت أنت الذي تَرُبُّ أمري فتصلحه، لمَّا خَرجتُ من ربابةِ غيرك من الملوك، كانوا قبلك عليَّ فضيعوا أمري وتركوا تفقده، وهم الرُّبُوبُ، واحدهم رَبٌّ». (1)
وشرح الطبري لهذا الشاهد أجود من شرح اللغويين في معاجِمهم (2)، وقد شرحه الأعلم بقوله: «وقبلكَ ربَّتْنِي: ملكتني أربابٌ من الملوكِ حتى سرتُ إليك، والرُّبُوبُ جَمعُ رَبٍّ، وهو المالك». (3) ومعاجم اللغة عند مادة «رَبب»، ذكروا المعاني التي فصلها الطبري، ولم يوردوا الشواهد التي أوردها وشرحها، وبعضهم أوردها ولم يشرحها كما شرحها الطبري. (4) ويلاحظ أن لفظة الرب التي وردت في الشعر الجاهلي تفتقر إلى ما تحمله اللفظة في القرآن الكريم من معاني اللطف والتدبير والإحكام والرحمة لجلالة معاني القرآن الكريم، غير أن هذه اللفظة في الشعر الجاهلي تدل على أصل المعنى في اللغة فحسب. (5)
ومما يدل على حسن توظيف الشاهد الشعري عند الطبري أنه استشهد ببيت علقمة هذا في تفسيره لقوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] (6) فقال في شرحه للفظة القرآنية: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين) أنهم جَمعُ رَبَّاني، وأَنَّ الربَّانيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ الذي يَرُبُّ الناسَ، وهو الذي--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 141، المحرر الوجيز 1/ 65، يلاحظ في إشارة الطبري هنا إلى ما كتب فيه من بعده أحمد ابن فارس (ت 395 هـ) في مقاييس اللغة، وهو ما يسمى بالاشتقاق الكبير.
(2) انظر: الصحاح 1/ 133، ومقاييس اللغة 2/ 383.
(3) شرح ديوان علقمة 43.
(4) تهذيب اللغة 15/ 176 - 184، مقاييس اللغة 2/ 383، الصحاح 1/ 133، لسان العرب (ربب) 5/ 94 - 102.
(5) انظر: جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للمالكي 150.
(6) آل عمران 79.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)

يصلح أمورهم، ويَرُبُّها ويقومُ بِهَا … ومنه قول علقمة» ثم يورد الشاهد ويشرحه بقوله: «يعني بِقَولهِ رَبَّتنِي: وَلِيَ أمري والقيامَ به قَبلكَ مَنْ يَرُبُّه ويُصلحهُ، فلم يُصلحوه ولكنهم أضاعوني فَضِعْتُ». (1) وهذا الشرح يختلف من حيث التعبير عن شرحه الأول، مما يدل على حسن تصرفه وتوظيفه للشاهد الشعري بحسب اللفظة المشروحة وسياقها. (2)
وأما الزمخشري في تفسيره فلم يشرح الشواهد الشعرية إلا نادرًا، سواء مفرداتها الغامضة أو تراكيبها، مما دفع بعض العلماء إلى التصدي لشرح شواهد الكشاف الشعرية (3)، ولم يتعرض لشرح الشاهد إلا في موضع الرد والمنازعة، ومن ذلك أنه فَسَّرَ القُروءَ في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] (4) بِمعنى العِدَّةِ، ثم في معرضِ رَدِّهِ على الأقوال الأخرى قال: «فإن قلتَ: فما تقول في قول الأعشى:
........................... … لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُروءِ نِسَائِكَا (5)
قلتُ: أرادَ لِمَا ضاعَ فيها من عِدَّةِ نسائك؛ لِشهرة القُروءِ عندهم في الاعتداد بهنَّ، أي: من مدةٍ طويلةٍ كالمدةِ التي تعتد فيها النساءُ، استطال مدة غَيبته عن أهله كل عامٍ لاقتحامه في الحروب والغارات، وأنه تَمرُّ على نسائه مدةٌ كمدةِ العدةِ ضائعةً لا يضاجعن فيها. أو أرادَ: من أَوقاتِ نسائكَ؛ فإِنَّ القُرءَ والقارئَ جاءَ في معنى الوقت، ولم يُرِدْ لا حَيضًا ولا--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 6/ 542.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 10/ 552.
(3) منها: تَنْزِيلُ الأبياتِ على الشواهد والآيات لمحمد أفندي، مشاهدُ الإنصاف على شواهد الكشاف لمحمد عليان المرزوقي، الإسعاف شرح شواهد القاضي والكشاف لخضر الموصلي (ألفه عام 994 هـ).
(4) البقرة 228.
(5) عجز بيت، صدره: وفي كُلِّ عَامٍ أنتَ جَاشِمُ غَزْوةٍ … ........................................
انظر: ديوانه 91.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)

طُهرًا». (1) فقد أطال الزمخشري هنا في شرح معنى البيت لما كان في معرض الرد، وأهمل شرحه في سائر التفسير، وقد أشار الطبري إلى أنه قد يكون القرء في الشاهد بِمَعنى الوقت (2)، ومثله ابن عطية (3)، والقرطبي (4)، غير أن شرح الزمخشري لهذه اللفظة في الشاهد جاء مفصلًا دون بقية المفسرين. حيث جاء في معرض رده على مخالفيه.
وأما ابن عطية فقد شرح المفردات في الشواهد شرحًا موجزًا كشرح الطبري وغيره، وله في شرحه للشواهد الشعرية نظرات دقيقة تدل على سعة علمه ومعرفته بالشعر ومعانيه.
ومن أمثلته ما جاء في قوله: «وقولهم: سَنَنْت السِّكينَ، وسننت الحَجَرَ، إذا أحكمت تَمليسَهُ، ومن ذلك قول الشاعر (5):
ثُمَّ دافعتُها إِلى القُبَّةِ الخَضَرا … وتَمشي في مَرمرٍ مَسنونِ (6)
أي: مُحْكَمُ الإملاسِ والسَّنِّ». (7)
والقرطبي كذلك عُنِيَ بشرح المفردات الغامضة في الشاهد الشعري، ومن أمثلة ذلك أنه أورد بيتًا للحطيئة عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] (8) وهو قوله يصف الخيل:
عَوابس بالشُّعثِ الكُمَاةِ إذا ابتَغَوا عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ (9)
ثم شرح معنى أصرتِ فقال: «أي: ثَبَتَت على عَدْوِها». (10)--------------------------------------------
(1) الكشاف 1/ 441 - 442.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 4/ 512.
(3) انظر: المحرر الوجيز 2/ 194.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 3/ 113.
(5) هو أبو دهبل الجمحي.
(6) الشعر والشعراء 2/ 485، الأغاني 7/ 123.
(7) المحرر الوجيز 10/ 125.
(8) آل عمران 135.
(9) رواية الديوان: أضرت، انظر: ديوانه 162.
(10) الجامع لأحكام القرآن 4/ 211.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)

ومن الأمثلة عند القرطبي أنه أورد بيت ذي الرمة:
إذَا غَرِقَتْ أَرْبَاضُها ثَنْيَ بَكْرَةٍ … بِتيهَاءَ لَم تُصْبِحْ رَءُومًا سَلُوبُها (1)
ثم شرح مفرداته بعده فقال: «والأرْبَاضُ: الحِبَالُ، والبَكْرة: الناقة الفتيَّة، وثِنْيُها: بطنها الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لِمَا لَحِقَها من التعب». (2)
فالمفسرون وأصحاب الغريب، كانوا يشرحون المفردات الغامضة في الشواهد الشعرية بإيجاز، ويكون ذلك ببيانها بمرادفها المشهور أو نحو ذلك، من غير توسع، وإنما بقدر الحاجة.

‌‌2 - بيان اشتقاق المفردة.
ربما عرض المفسرون في شرحهم للشاهد من الشعر لبيان اشتقاق المفردة في الشاهد وهو قليل في كتب التفسير.
ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأَمَّا ثُبَةُ الحَوضِ وهي وسطهُ الذي يثوب الماءُ إليه، فالمَحذوف منها العينُ، وأَصلُها ثَوبَةٌ، وتصغيرها ثُوَيْبَةٌ، وهي من ثَابَ يَثُوبُ، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب:
فلمَا جَلاها بالأَيَامِ تَحيَّزَتْ … ثُباتٌ عليها ذُلُّهَا واكتئَابُها
أنه اسم مفرد ليس بجمع، سيق على الأصل؛ لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال». (3)
ومن الأمثلة أن القرطبي بعد أن أورد قول الشاعر:
أَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن أمرِ الله … يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ
ذكر رواية أخرى لَه أنشدها النحاس ثم نقل شرحًا اشتقاقيًا لمفردة--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 2/ 701.
(2) الجامع لأحكام القرآن 1/ 389.
(3) المحرر الوجيز 4/ 172.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)

في الشاهد فقال: «قال المبرد: المُغِلَّةُ ذاتُ الغُلَّة. وقال غيره: المُغِلَّة التي يَجري الماءُ في غُلَلِها، أَي في أُصولهِا. ومنه تَغَلَّلْتُ بالغَالية، ومنه تَغَلَّيتُ، أَبدلَ من اللام ياءً، ومن قال: تَغَلَّفتُ فمعناه عنده جعلتها غلافًا». (1) فهذا كله بيان لاشتقاق مفردة في الشاهد الشعري يستطرد المفسر أحيانًا فيبينها ويشرحها، ويقلبها على وجوهها الاشتقاقية.

‌‌3 - العناية باختلاف روايات الشاهد وشرح مفرداتها.
ومن الأمثلة التي شرح فيها المفسرون الشاهد، وذكروا رواياته وفضلوا بعضها على بعض بحسب المعنى الذي تؤديه ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لمعنى «الرهبان» في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82] (2) حيث قال: «وأمَّا الرُّهبانُ فجَمْعُ رَاهِبٍ، وهذه تسميةٌ عربيةٌ، والرَّهَبُ الخوفُ، ومن الشواهد على أَنَّ الرُّهبانَ جَمعٌ قول الشاعر (3):
رُهبانُ مَديَنَ لَو رَأوكِ تَنَزَّلوا … وَالعُصمُ مِن شَعَفِ العُقولِ الفادِرِ (4)
وقد قيل: الرُّهبانُ اسمٌ مُفردٌ، والدليل قول الشاعر:
لو عَايَنَتْ رُهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ … تَحَدَّرَ الرّهبانُ يَمْشِي ونزلْ (5)
قال القاضي أبو محمد: ويُروى «ويَزِلّ» بالياء من الزلل، وهذه الرواية أبلغ في معنى غَلَبَةِ المرأة على ذِهنِ الراهب». (6) وهذا نظر نقدي جيد من ابن عطية، حيث يبدي رأيه في أن الرواية بالياء أبلغ من حيث المعنى.--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 18/ 242 - 243.
(2) المائدة 81.
(3) هو جرير بن عطية.
(4) العُصْمُ: الوعولُ، سُميت عُصمًا لبياضٍ في يديها، الفادر: المُسِنُّ. انظر: شرح الديوان لابن حبيب 1/ 308.
(5) أنشده ابن الأعرابي كما في لسان العرب 5/ 338 (رهب).
(6) المحرر الوجيز 5/ 170.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)

ومن أمثلة العناية بروايات الشاهد التي تختلف فيها معاني المفردات، ما ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سبأ: 13] (1) حيث قال: «وقال مجاهد: الجوابي جمع جوبة، وهي الحفرة العظيمة في الأرض. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى:
نَفَى الذمَّ عن آَلِ المُحلَّقِ جَفْنَةٌ … كَجَابيةِ الشيخِ العِراقيِّ تَفْهَقُ
وأنشده الطبري: تَروحُ على آلِ المُحلَّقِ جَفنةٌ
ويُروى: السَّيح، بالسين من غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضًا، وهو الماء الجاري على وجه الأرض. ويروى بالشين والخاء منقوطتين. فيقال: أراد كسرى، ويقال: أراد شيخًا من فلاحي سواد العراق غير مُعيَّنٍ، وذلك أنه لِضعفهِ يدَّخرُ الماء في جابيتهِ، فهي تَفْهَقُ أبدًا، فشُبِّهت الجَفنةُ بِها لِعِظَمِها». (2)
فقد ذكر ابن عطية الروايات المختلفة للبيت، وشرح معنى المفردات على كل رواية، ثم بين معنى البيت إجمالًا.
ومن هذا الباب أو قريب منه ما يصنعه المفسرون من ضبط لموضع الشاهد بالعبارة حتى لا يفهم على غير وجهه، وهذا نوع من شرح البيت، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقرأ الجمهور: {تَدَّخِرُونَ} [آل عمران: 49] (3) بدال مشددة وخاء مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت، أصله تذخرون، استثقل النطق بالذال والتاء لتقاربهما في المخرج، فأبدلت التاء دالًا، وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في مُدَّكِر، ومُطَّلِع، بِمعنى مُضطلع، وغير ذلك نحو قول الشاعر (4):
إِنَّ الكريمَ الذي يُعطيكَ نَائِلَهُ … عَفوًا ويُظْلَمُ أحيانًا فَيَطَّلِمُ (5)--------------------------------------------
(1) سبأ 13.
(2) المحرر الوجيز 13/ 117.
(3) آل عمران 49.
(4) هو زهير بن أبي سلمى.
(5) رواية الديوان:
هو الجواد الذي يُعطيكَ نائلَهُ … عَفوًا ويُظلَمُ أحيانًا فيظَّلِمُ
انظر: ديوانه 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)

بالطاء غير منقوطة». (1) وهذه إحدى روايات هذه اللفظة في البيت، وقد ذكرها الأَعْلَمُ وقال: يَظَّلِمُ: يحتملُ الظلم، وأصله يظطلم، وهو يفتعل من الظلم، فقلبت التاء طاء لمجاورتها الظاء، فإذا أدغم فمنهم من يقلب الظاء طاء ثم يدغم الطاء في الطاء على القياس فيصير يَطَّلِمُ بطاء غير معجمة، وهذه هي الأكثر والأقيس، ومنهم من يكره أن يدغم الأصلي في الزائد فيقول أظلم بظاء معجمة، والبيت يروى على الوجهين. (2) وابن عطية قد ذهب مذهب الأعلم في هذه اللفظة وضبطها.

‌‌ثانيًا: شرح التراكيب:
المعنى الذي يفهمه المفسرون من الشواهد الشعرية إما أن يكون معنى حقيقيًا لا يحتمل الشاهد غيره، وإما أن يكون معنى مجازيًا يحمل عليه الشاهد بوجه من وجوه الدلالة. وللمفسرين في استخراج هذه المعاني طرق يأتي الحديث عنها، غير أني قبل ذلك أشير إلى طريقتين يسلكهما المفسرون في الاستشهاد بالشعر:

‌‌الأولى: الاكتفاء بذكر الشاهد.
لم يشرح المفسرون كل شاهدٍ يَمرُّ بِهم، وإن اشتمل على الغريب؛ وقد يكون ذلك خشيةَ إطالة الكتب، ولأنه لا يتكلف قراءة كتب التفسير المطولة إلا العلماء ومثل هؤلاء لا يستغلق عليهم فهمه، وقد ذكر الجاحظ شيئًا من الشواهد ولم يشرحها ثم اعتذر لصنيعه فقال: «وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي، لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا تفسير هذا الغريب، ولكني إن تكلفت ذلك، ضُعِّفَ مقدارُ كُلِّ كتابٍ منه، وإذا طال جدًا ثقل، فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء والله المعين». (3) فكذلك المفسرون تركوا كثيرًا من شواهد الشعر التي--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 3/ 97 - 98.
(2) انظر: تحصيل عين الذهب 592.
(3) البرصان والعرجان والعميان والحولان 77.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)

استشهدوا بها غُفْلًا من الشرح. وقد تتبعت هذه الشواهد التي لم يتعرض المفسرون لشرحها فوجدتها لا تَخلو من حالين:
الأولى: أن يُعرفَ معناها، والمعنى المُسْتَشهدُ عليه من خلال ظاهر ألفاظها، وسياقها، أو بالقرائن الدالة على ذلك وهذه كثيرة.
الثانية: أن لا يُعرفَ المقصودُ منها بِمُجردِ قراءتها، ولا بد من مراجعة شرحها لمعرفة المقصود.

‌‌أولًا: ما يُعرفُ معناهُ من مبناه وسياقه.
فأما ما يعرف معناه من ألفاظه الظاهرة، وتركيبه المفهوم فمن أمثلته قول الطبري: «والبُعُولةُ جَمعُ بَعْلٍ، وهو الزَّوجُ للمرأة، ومنه قول جرير:
أَعِدُّوا مع الحُلِي الملابَ فإِنَّمَا … جَريرُ لكمْ بَعْلٌ وأنتمْ حَلائِلُه». (1)
والطبري لم يشرح هذا الشاهد، والشاهد ظاهر لأنه جاء البعل في مقابل الحلائل وهن الزوجات، فدل على أن البعل هو الزوج، ويعني هذا أنَّ العربيَّ لو قرأ البيت بمفرده لعرفَ المعنى دون حاجة إلى شرح. وقد نبَّهَ إلى مثل هذه الشواهد ابن جني فقال: «مَنْ قالَ إنَّ اللغةَ لا تُعرفُ إِلَّا نقلًا فقد أخطأَ؛ فإنها قد تُعلمُ بالقرائنِ أيضًا، فإنَّ الرجلَ إذا سَمِعَ قول الشاعر (2):
قَومٌ إذا الشرُّ أَبدى ناجِذَيهِ لَهمْ … طاروا إليهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا (3)
يعلمُ أنَّ الزَّرَافَاتِ بِمعنى الجماعات». (4) وهو يعني بمعرفة اللغة، معرفة معاني المفردات خاصة، من خلال سياق الكلام كما في الشاهد السابق.
ومن الأمثلة أيضًا على هذا قول الزمخشري وهي يشرح معنى--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 4/ 526.
(2) أحد شعراء بلعنبر، وهو من الحماسية الأولى في ديوان الحماسة.
(3) شرح الحماسة للمرزوقي 1/ 15.
(4) المزهر 1/ 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)

السُّورةِ واشتقاقها: «وإما أَنْ تُسمى بالسورةِ التي هي الرُّتبة، قال النابغة:
ولِرَهطِ سَوَّارٍ وقَدٍّ سورةٌ … في المَجْدِ ليسَ غُرابُها بِمُطارِ (1)». (2)
ولم يشرح الزمخشري البيت، لأنه يمكن معرفة المقصود من خلال إضافة الشاعر السورة إلى المَجد، مما يعني أنها مكانة عالية، بدليل وصفها بأنه «ليسَ غُرابُهَا بِمُطارِ» مِمَّا يعني ثبات هذه الرتبة، وبقائها للممدوح.
وقد يشرح الشاعرُ المعنى في شعره فيكفي المفسرَ مؤونةَ شرح الشاهد، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الزمخشري في تفسيره لمعنى الختم في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] (3) فقال: «وقد جعل بعضُ المازنييّن الحُبْسَةَ في اللسانِ والعِيَّ خَتْمًا عليه فقال:
خَتَمَ الإلهُ على لسانِ عُذافرٍ … خَتمًا فليسَ على الكَلامِ بِقَادرِ
وإذا أَرادَ النُّطقَ خِلْتَ لِسَانَهُ … لَحْمًا يُحَرِّكهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ». (4)
فالمعنى في البيتين ظاهر يدل على أَنَّ المقصودَ بالختمِ الحُبْسَةُ في اللسان كما ذكر الزمخشري، لقول الشاعر «فليسَ على الكلامِ بقَادِر».
ومن الأمثلة عند ابن عطية أنه أورد شاهدًا من معلقة عنترة، وهو قوله:
وشَكا إِليَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ
ثم فسَّره ابنُ عطيةَ بِمَا قالَهُ عنترةُ بعده فقال: «وفُسِّرَ هذا المعنى بقوله:--------------------------------------------
(1) رواية الديوان:
ولِرَهطِ حَرَّابٍ وقَدٍّ سُورةٌ، وهما رجلان من بني أسد …
انظر: ديوانه 55.
(2) الكشاف 1/ 97.
(3) البقرة 7.
(4) الكشاف 1/ 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)

لو كانَ يدري ما المُحَاورةُ اشتكى البيت … ...................... ».
البيت ...... (1)
فتفسيرُ الشكوى في بيت عنترة أنه لو كان هذا الحصان يستطيعُ المُحاورةَ لشكى ما به، ولكنه لا يدري ما المُحاورة. وحَمَلَ عليه ابنُ عطية معنى قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] (2) وقرَّرَ أن «جَميعَ الأفعال التي حقُّها أن تكون للحي الناطق متى أُسندت إلى جَمادٍ أو بَهيمةٍ فإنما هي استعارةٌ، أَي لو كانَ مكانَ الجمادِ إنسانٌ لكانَ مُمتثلًا لذلكَ الفعلِ». (3) وهذه المسألة بحثها العلماء تحت مُسمَّى «المَجاز»، واختلفوا في وقوعه في اللغة والقرآن. (4)
والأمثلة على مثل هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة. (5)

‌‌ثانيًا: ما لا يعرف معناه من ظاهر ألفاظه وتركيبه.
وأمَّا الثانية وهي أن لا يعرف المقصود من الشواهد بِمجردِ قراءتها، فإنك تجد أمثلةً متفرقةً لها في كتب التفسير، بحيث لا يعرف المعنى المقصود إلا بشرح شارحٍ، وهذه الشواهد في كتب التفسير وكتب الأدب وغيرها، غير أن المفسرين لم يشرحوها، ومن أمثلة هذه الشواهد قول عامر بن الطفيل:
فبِئسَ الفَتَى إِنْ كنتُ أَعورَ عَاقِرًا … جَبانًا فمَا عُذري لدَى كُلِّ مَحْضَرِ؟ (6)
فقد استشهدَ به ابنُ عطيةَ على أن العاقرَ هو الإنسانُ الذي لا يلد، وأن ذلك يقالُ للمرأة والرجل. (7) مع أنك لو قرأت البيت منفردًا لم--------------------------------------------
(1) المُحرر الوجيز 10/ 432.
(2) الكهف 77.
(3) المحرر الوجيز 10/ 432.
(4) انظر: المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع للدكتور عبدالعظيم المطعني، فقد فصل القول في المسألة.
(5) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 13/ 209 - 210، المحرر الوجيز 1/ 104، 108، 147، 2/ 1، 3/ 36، 10/ 146 - 147.
(6) انظر: ديوانه 64.
(7) انظر: المحرر الوجيز 3/ 79.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)

يظهر لك هذا المعنى منه، إلا إذا عرفت أن عامر بن الطفيل الشاعر كان عقيمًا لا يولد له، وأنه قد فُقِئَت عينُه في حَربٍ فأصبح أعورَ عَقيمًا، فحينئذٍ تفهم البيت على وجهه، وابن عطية لم يذكر ذلك، وإنما عُرِفَ هذا بالرجوع إلى شرح الديوان. (1) وهذا يعني أنه على من يقرأ في كتب التفسير أن يكون عارفًا بمعاني العرب، ومقاصدها وأحوالها، وأيامها، فإن ذلك معينٌ على فَهمِ القرآن الكريم وتفسيره.
القانية: تحليل تركيب الشاهد وشرحه وبيان علاقة معناه بالآية.
كان العلماء يذكرون وجه العلاقة بين المعنى في الآية القرآنية والشعر، ويكثرون منه في تفاسيرهم، حتى أن بعض اللغويين ممن لم يشتغل بالتفسير كان يخطر له الخاطر من ذلك كما قال ابن جني عن نفسه: «ومن طريف حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيتُ رأيًا جَمعتُ فيه بين معنى آيةٍ ومعنى قولِ الشاعر:
وكنتُ أَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعتدِلًا … فَصِرْتُ أَمْشِي عَلى أُخْرى مِن الشَّجَرِ (2)
ولم أثبت حينذٍ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَانُّ الخاطرَ وأَستَثْمِدُه، وأُفَانيهِ وأَتَوددهُ، على أن يسمح لي بما كان أَرانيهِ من الجمع بين معنى الآية والبيت، وهو مُعتاصٌ مُتأَبٍّ، وضَنِينٌ به غير مُعطٍ». (3)
وقال الراغب الأصفهاني: «قوله تعالى: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)} [آل عمران: 189]} (4) أتبع تكذيبهم فيما قالوا: إن الله فقير، وتبكيتهم فيما فعلوه، وما وعدهم به من العذاب بما--------------------------------------------
(1) انظر: شرح ثعلب للديوان برواية ابن الأنباري 61.
(2) نُسب لأبي حية النميري كما في الحيوان 6/ 483، ، ونُسب لابن أحْمر الباهلي في الموشح 118 وخزانة الأدب 9/ 359، ولعبدٍ من عبيد بَجيلة في الأمالي 2/ 16، وسِمْط اللآلي 785.
(3) الخصائص 1/ 207.
(4) آل عمران 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)