Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
قول من ذهب إلى أن الهبوط في الآية ليس على حقيقته، وإنما هو ضَرْبٌ من المَجاز، فقال: «وقال آخرون: يهبط من خشية الله كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] (1) ولا إِرادةَ له. قالوا: وإنما أريد بذلك أَنَّه مِن عِظَمِ أمر الله، يُرَى كأَنَّهُ هابطٌ خاشعٌ من ذُلِّ خشية الله، كما قال زيد الخيل:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حجراتهِ … ترى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوافرِ (2)
وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوًا له:
ساجدَ المِنْخَرِ لا يرفعهُ … خاشعَ الطَّرْفِ أَصمَّ المُستَمَعْ (3)
يريد أنه ذليل، وكما قال جرير بن عطية:
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الرسولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ (4)» (5).
ثم يعرض رأي بعض المفسرين الذين حَملوا الآيةَ على المَجازِ العقليِّ، فيقول: «وقال آخرون: معنى قوله: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: : ناقة تاجرة، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها كما قال جرير بن عطية:
وأَعورُ مِنْ نبهانَ أَمَّا نَهَارُهُ … فأَعمى وأَمَّا لَيلهُ فَبَصيرُ (6)
فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه من أجل أَنَّه فيه كانَ ما وصفه به» (7). ثم يعقب الطبري على هذه--------------------------------------------
(1) الكهف 77.
(2) سبق تخريجه.
(3) المفضليات 201.
(4) رواية الديوان:
لَمَّا أتى خَبَرُ الزُّبَيرِ تَواضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
انظر: ديوانه 2/ 913.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 242.
(6) أي هو أعور بالنهار عن الخيرات، بصير بالليل بالسوءات. انظر: ديوانه 2/ 877.
(7) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 242 - 243.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)

الأقوال فيقول: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مِمَّا تَحتمله الآية من التأويل، فإِنَّ تأويل أهل التأويل من علماء السلف بِخلافها، فلم نستجز صرفَ تأويل الآية إلى معنى منها» (1).
فالطبري لا يستبعد التفسير الذي حُمِلَت عليه الآية من المَجاز، لكنه لا يرى القول به لمخالفته لقول السلف، وقد نقل شواهد الشعر التي استدل بها المفسرون وشرح بعضها شرحًا موجزًا.
2 - ومن الأمثلة على شرح المفسرين للشواهد الشعرية شرحًا بلاغيًا ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد: 14] (2) حيث أشار إلى أنَّ «العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلًا، بالقابض على الماء، قال بعضهم (3):
فإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ … كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه (4)
يعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده» (5). وهذا أحد أنواع التشبيه.
3 - ومن الأمثلة ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] (6) حيث قال: «وهذا مثل، يقال للرجل إذا كان مقبلًا عليه ما يحبه ويسر به: الريح مقبلة عليه، يعني بذلك ما يحبه، ومن ذلك قول عَبِيْدِ بنِ الأبرص:
كمَا حَمَيناكَ يومَ النَّعْفِ مِن شَطِبٍ … والفضلُ للقوم مِن ريحٍ ومن عددِ (7)--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 243.
(2) الرعد 14.
(3) هو ضابئ بن الحارث البرجمي.
(4) مجاز القرآن 1/ 327، خزانة الأدب 9/ 323.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 16/ 399.
(6) الأنفال 46.
(7) النَّعْف: أسفل الجبل، شَطِبْ: جبل في ديار بني أسد، ضبطت طاؤه بالفتح والكسر. انظر: ديوانه 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)

يعني من البأس والكثرة» (1).
وقد ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهب الطبري مع الاختلاف في التعبير، فقال الزمخشري: «الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها» (2). وقال ابن عطية: «والجمهور على أن الريح هنا مستعارة، والمراد بها النصر والقوة» (3).
وهذا يعود إلى عدم استقرار مصطلحات البلاغة على عهد الطبري فسمى الاستعارة مَثَلًا، بخلافها عند المتأخرين.
ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] (4): «والسَّلَمُ هو الاستسلام، وإنما هذا مَثَلٌ، كما يقول الرجلُ للرجلِ: أعطيتُكَ قِيادي، وألقيتُ إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره، وكذلك قوله: {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} إنما هو ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحًا منهم لكم وسلمًا، ومن السَّلَمِ قولُ الطرمَّاحِ:
وذاكَ أَنَّ تَميمًا غَادَرَتْ سَلَمًا … للأُسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وعثةِ اللَّبدِ (5)
يعني بقوله: سَلَمًا، استسلامًا» (6).
4 - ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:
عَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها … تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (7)--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 13/ 575 - 576.
(2) الكشاف 2/ 162.
(3) المحرر الوجيز 8/ 83.
(4) النساء 90.
(5) رواية الديوان: للأَزْدِ كُلَّ كَعابٍ وعثةِ اللِّبَدِ، والكعاب: الفتاة التي كعب ثديها، ووعثة اللبد: لينة كثيرة اللحم، واللبد: جمع لِبْدة وهي باطن الفخذ. انظر: ديوانه 123 ولم أر محقق الديوان قد التفت إلى رواية الطبري لمثل هذا البيت، حيث كان الطبري من المتفردين بحفظ شعر الطرماح وشرحه.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 9/ 23 - 24.
(7) قال أبو عبيدة: أي تَفْسِيرُ حُبها أنه كان صغيرًا في قَلْبِه، فلم يَزَلْ يَثْبُتُ حتّى صار كبيرًا، كهذا السَّقْبِ الصَّغيرِ - وهو ولد الناقة، لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى صار كبيرًا مثلَ أُمِّه، وصار له وَلَدٌ يَصْحَبُهُ. انظر: ديوانه 163، مجاز القرآن 1/ 87، الصاحبي 315، تهذيب اللغة 15/ 460.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)

وأصله من آَلَ الشيءُ إلى كذا إذا صَار إليه ورجعَ، يَؤُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أنا صَيَّرْتُه إليه … ويعني بقوله: تأَوُّلُ حُبِّهَا: تَفسيرُ حُبِّها ومرجِعِه. وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرًا في قلبه، فآل من الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يزل ينبت حتى أَصْحَبَ، فصار قديمًا، كالسَّقْبِ الصَّغيرِ الذي لم يزل يَشِبُّ حتى أَصحبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّهِ. وقد يُنشد هذا البيتُ:
على أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها … تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا» (1).

‌‌التأثير المتبادل بين المفسرين وشراح الشعر:
حرصًا على الحجة والدليل اللغوي، فإن المفسرين قد عنوا بالشعر كما تكرر في أكثر من موضع في هذا البحث، ومثلهم شراح الشعر، فقد كانوا من حرصهم على الحجة والدليل يستشهدون في شرحهم للشعر وبيانهم لمعانيه بالقرآن الكريم في كل لفظة أو تركيب يكون له في القرآن الكريم شاهد، ولو رجعت إلى فهارس شروح الشعر كشرح المفضليات والحماسة ونحوها لوجدت عددًا كبيرًا من الآيات ساقها شراح الشعر للاستشهاد على تفسيرهم للشعر، وهذا كله من الحرص على الحجة والدليل. ولذلك فإن هناك تأثيرًا متبادلًا بين المفسرين وشراح الشعر في المادة والمنهج، وإن كان لكل منهما غايته، مع أن شراح الشعر قد أشاروا في مقدمات شروحهم إلى أنهم لم يتكلفوا شرح الشعر إلا بغية الاستعانة به في فهم كتاب الله ومعانيه (2)، وسأضرب لذلك مثالًا.
استشهد المفسرون عند تفسيرهم لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان: 62] (3) بقول زهير:--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 6/ 204 - 205.
(2) انظر: مقدمة جمهرة أشعار العرب للقرشي.
(3) الفرقان 62.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)

بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً … وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ
فاستشهد به أبو عبيدة ولم يشرحه (1)، واستشهد به ابن قتيبة فقال في شرحه: «الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي إذا ذهب فوج الوحش جاء فوج» (2).
واستشهد به الطبري فقال في شرحه: «يعني بقوله: يَمشينَ خِلْفةً: تذهب منها طائفةٌ، وتَخلُفُ مكانَها طائفةٌ أخرى، وقد يُحتملُ أنْ يكون زُهير أراد بقوله: خِلفةً، مختلفاتِ الألوان، وأَنَّها ضروبٌ في أَلوانِها وهيئاتِها، ويُحتملُ أن يكون أرادَ أنَّها تذهب في مَشيها كذا، وتَجيءُ كذا» (3).
وأما شراح الشعر، فقال ثعلب في شرح هذا البيت: «وقوله: خلفة إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62]، والخلفة: اختلاف الألوان، والخلفة: أن ينبت الرطب في أصل اليابس» (4).
وقال ابن الأنباري في شرح البيت: «قال يعقوب في قوله: خلفة: معناه إذا مضى فوج جاء فوج آخر، واصله إذا ذهب شيء خلفه مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش. قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله عَزَّوَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة الليل صلاها بالنهار .... وحكى يعقوب عن بعض أهل اللغة أنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه، وقال أبو جعفر: معناه في أمن وخصب» (5).--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 2/ 80.
(2) غريب القرآن 314 - 315.
(3) تفسير الطبري (هجر) 17/ 488.
(4) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى 6.
(5) شرح القصائد السبع الطوال 239 - 240.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)

وقال أبو جعفر النحاس: «ومعنى خلفة: فوج بعد فوج، هذا قول الأصمعي، وقال الله عَزَّوَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً}، وقال غير الأصمعي: معنى خلفة: أن هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة، وهذه نازلة، وخلفة: في موضع الحال بمعنى مختلفات» (1). وبِمثل ذلك شرحها التبريزي (2).
فالذين شرحوا البيت من المفسرين ومن شراح الشعر كانوا يأخذون عن بعضهم، وكُلُّهم يعول على الأصمعي وطبقته كما صرح النحاس. والطبري مُتأثرٌ بِمَا شرح به ثعلبُ اللفظةُ لأنه شيخه الذي أخذ عنه الشعرَ، ومثله ابن الأنباري. فالمفسرون يستشهدون ببيت زهير، وشراح بيت زهير يستشهدون بالآية الكريمة، فكلهم يدور في ميدان واحد، ويبحثون في حقل متقارب لخدمة القرآن والتفسير واللغة. ولو تصفحت صنيع شراح الشعر لوجدت مصداق ذلك (3).--------------------------------------------
(1) شرح القصائد المشهورات للنحاس 100.
(2) انظر: شرح القصائد العشر 152.
(3) انظر: شرح أبي عبيدة وغيره لديوان المتلمس 181 - 182، شرح ابن السكيت لديوان الحطيئة 30، 245، 253، شرح الحماسة للتبريزي 1/ 376، 4/ 214.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)

‌‌المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري.
التوثيقُ مصدرٌ للفعل وَثَّقَ بالتشديد، يقال: وثّقَه توْثيقًا فهو موَثَّقٌ: أحْكَمَه وإنه لموثَّق الخلْقِ، أي: مُحْكَمُه. ويقال: وَثِق به ثقةً، أي: ائْتَمَنَه (1). وأصل مادة «وَثِقَ» يدل على العَقْدِ والإِحكامِ (2).
والمراد بتوثيق الشاهدِ إحكامُ نسبتهِ، سواءً كانت هذه النسبةُ لقائلهِ، أو قَبيلتهِ أو راويهِ، أو من أنشده من المتقدمين، وتوثيقُ الشاهد لدى المعاصرينَ إِحكامُ ورودهِ عندَ المُتقدمين منسوبًا لشاعر أو قبيلة (3).
وقد عُنِي المتقدمون من المفسرين وعلماء اللغة بنسبة الشعر إلى قائليه عند الاستشهاد به على مسائل اللغة والتفسير؛ إذ البيت المجهول القائل تضعف مرتبته عن المنسوب إلى قائله، ومع هذا لا تخلو كتب اللغة والتفسير من الأبيات المجهولة القائل، وقد وقع كثير من المؤلفين في الوهم في نسبة الشواهد الشعرية، فنسبوها لغير قائليها، وممن رأيته شدد في ذلك الإمام الصَّغاني حيث أشار إلى وهم كبار علماء أهل اللغة في نسبة شواهد الشعر فقال عن الأزهري: «وهذا أبو منصور الأزهري شيخ عهده وزمانه، وإمام عصره وأوانه، والمشار إليه في كثرة النُّقَلِ، والمضروب إليه أكباد الإبل، أنشد في «كلل» (4) للعجاج:
حتى يَحُلُّونَ الرُّبى كلالا (5)--------------------------------------------
(1) انظر: تاج العروس (وثق).
(2) انظر: مقاييس اللغة 6/ 85.
(3) انظر: المعجم الوسيط 1011 - 1012.
(4) انظر: تهذيب اللغة 9/ 451.
(5) انظر: ديوانه 122.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)

وهو لرؤبة لا للعجاج، والرواية «قومًا يَحلون»، وأنشد في «رك ض» لرؤبة:
والنسرُ قد يركضُ وهو هافِ (1)
وهو للعجاج لا لرؤبة.
وأنشد في «ك د س» (2) لعبيد:
وخيلٍ تكدَّسُ بالدَّراعين … كمَشي الوُعولِ على الظاهرَة (3)
وهو لمهلهل لا لعبيد» (4).
وأخذ على الجوهري وهمه في نسبة شاهد من الشعر لابن مقبل أوقعه في الخطأ في تقرير المادة اللغوية فقال: «وأما أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، الذي تخر له جباه أهل الفضل، وحكم له بحيازة السبق والنصل، فإنه قال في تركيب (س ع ب) (5)، قال ابن مقبل:
يعلونَ بالمردقوشِ الوردِ ضاحيةً … على سَعابيبِ ماءِ الضالةِ اللَّجزِ
ثم قال: «أرادَ اللِّزِج فَقَلَبَه». وذكر في فصل اللام من باب الزاي: اللَّجِز قَلْب اللِّزج، وأنشد البيت (6). فلو كان هذا المقبل اطلع على ديوان شعر ابن مقبل لعلم أنه ليست له قصيدة زائية وأنها نونية، وأول القصيدة:
قد فرَّقَ الدهرُ بين الحيِّ بالظَّعَنِ … وبينَ أهواءِ شرْبٍ يومَ ذي يَقنِ (7)
وقبل البيت الذي ذكره:
يثنينَ أعناقَ أُدْمٍ يَختلينَ بِها … حَبَّ الأَراكِ وحَبَّ الضَّالِ مِنْ دَنَنِ
يعلون …--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة 10/ 39.
(2) انظر: نهذيب اللغة 10/ 46.
(3) البيت لمهلهل، انظر: ديوانه 37.
(4) العباب الزاخر واللباب الفاخر 34.
(5) انظر: الصحاح 1/ 147.
(6) انظر: الصحاح 2/ 891.
(7) ديوان ابن مقبل 301.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)

فقد أخطأ في اللغة حيث قال: اللجز، وفي الإنشاد حيث جعل القافية النونية زائية». (1) ثم ذكر ما وهم في نسبته ابن السكيت في «إصلاح المنطق»، وأحمد بن فارس في كتابيه «المُجمل» و «الصاحبي».
وقد اتبع المفسرون في نسبة الشاهد الشعري طرقًا متعددة، تهدف إلى التوثق من صحته، وصحة الاحتجاج به، وحتى لا يدخل الخلل في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير فقد نص المفسرون على شروط لا بد من توافرها في شواهد التفسير، حتى تكون محل ثقةٍ وقبول، وسُأبَيّنُ في هذا المبحثِ تلك الشروطَ، ثم أبين بعد ذلك المنهج الذي اتبعه المفسرون في توثيق الشاهد الشعري، موردًا على كل ذلك أمثلة متعددة من كتب التفسير مع إيثار الاختصار.

‌‌شروط قبول الشاهد الشعري:
تقدم في مبحث «الشاهد الشعري المحتج به» (2) ذكرُ الشروط التي وضعها العلماء الذين جمعوا لغة العرب، وتبين أن المفسرين قد التزموا بهذه الشروط في كتب التفسير، ولم يخرجوا عنها خروجًا ظاهرًا يستحق أن يفرد بالدراسة والبحث، وذكرت هناك ما صنعه الزمخشري من خروجه على هذا المنهج في مواضع قليلة جدًا ومخالفة العلماء له وردهم عليه في الاستشهاد بأشعار المحدثين من الشعراء.
غير أن المفسرين في كتب التفسير أشاروا في بعض المواضع إلى شروط خاصة يجب أن يتصف بها الشاهد الشعري المحتج به في تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه. وسأشير هنا إلى هذه الشروط مع ذكر من قال بها من المفسرين، وبيان أثر كُلِّ شرطٍ على الاستشهاد بالشعر، وهذه الشروط هي:--------------------------------------------
(1) العباب الزاخر 36.
(2) انظر: مبحث الشاهد الشعري المحتج به ص 82 من هذا البحث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)

‌‌1 - أن يكون القائل مِمَّن يُحتج بشعره.
وهؤلاء هم شعراء الجاهلية والمخضرمون الذين أدركوا الإسلام، وشعراء الإسلام كجرير والفرزدق، والوقوف حيث وقف العلماء عند آخر من يُحتجُّ به من الشعراء وهو إبراهيم بن هرمة القرشي المتوفى سنة 145 هـ. على قول أكثر العلماء. ولا يحتجُّ بِمَن بعدهم من الشعراء المولَّدين كما تقدم تفصيل ذلك، وإن خالف في ذلك الزمخشري وغيره. وهذا من أهم شروط قبول الشاهد، فإذا ثبتت نسبته لشاعر يحتج بشعره، اطمأن المفسرون إليه، واعتمدوه في التفسير. وقد طبق المفسرون هذا الشرط في شواهدهم اللغوية والنحوية، ولم يستشهدوا بشاهد من الشعر على سبيل الاستقلال لغير من ينطبق عليه هذا الشرط، إلا الزمخشري كما تقدم في مسألة واحدة.

‌‌2 - شهرة الشاهد وذيوعه بين العلماء.
بأن يكون من الشواهد المعروفة عند أهل العلم بالشعر، ولذلك نص العلماء على أنهم لا يعتمدون إلا على شواهد أشعار العرب المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتج بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها (1)، ولذلك فلا يُحتجُّ بالشاهدِ الشاذِّ الذي انفردَ به من لا يوثق بنقله. وقد كان أهل العلم يشترطون صحة الشواهد، في أقل من تفسير القرآن كمعرفة أحوال العرب قبل الإسلام ونحو ذلك، ولذلك عندما اختلف الجاحظ مع أحدهم حول بيت من الشعر لم يعرف قائله يثبت ما ينفيه الجاحظ من بعض عادات العرب فقال الجاحظ: «فإن اتَّهمت خَبَرَ أبي إسحاق - بأن البيت مصنوع - فسَمِّ الشاعرَ، وهات القصيدة؛ فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح الجوهر، من قصيدة صحيحة، لشاعر معروف، وإلا فإنَّ كلَّ مَن يقول الشعرَ يستطيعُ أن يقولَ خَمسينَ بيتًا، كُلُّ--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة 1/ 6.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)

بيتٍ منها أجودُ من هذا البيت». (1)
- وقد رد المفسرون شواهد من هذا القبيل لعدم معرفة العلماء لها، ومن ذلك قول الشاعر:
نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا … نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا (2)
فقد استدل به من يقول: إن معنى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] (3)، أي: لما رأينَهُ حِضْنَ، غير أن المفسرين ردوا هذا الاستدلال، وطعنوا في الشاهد الشعري، قال الطبري: «وقد زعم بعضُ الرواة أن بعض الناس أنشده في أَكْبَرنَ بِمعنى حِضْنَ بيتًا لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروف عند الرواة وذلك:
نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا … نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا
وزعم أَنَّ معناهُ: إذا حِضْنَ» (4). كما رده أيضًا ابن عطية وقال فيه: «والبيت
مصنوع مختلق، كذلك قال الطبري وغيره من المحققين». (5) كما ردَّهُ أَهلُ الشِّعرِ والأَدبِ (6). وإن كان الزمخشري قد حكى هذا القول، ولم يرده. (7)
وقد سبق أن ردَّ هذا التفسير أبو عبيدة مع سعة معرفته بشعر العرب فقال: «{أَكْبَرْنَهُ}: أَجْلَلْنَهُ وأَعْظَمنَهُ، ومن زعم أَنَّ {أَكْبَرْنَهُ}: حِضْنَ، فمن أينَ؟ وإنَّما وَقَعَ عليه الفعلُ ذلك لو قالَ: أَكْبَرْنَ، وليس في كلام العرب أكبرن: حِضْن». (8) وقال ابن منظور عن هذا التفسير: «وهذا--------------------------------------------
(1) الحيوان 6/ 278.
(2) لم أعثر على قائله.
(3) يوسف 31.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 16/ 76 - 77.
(5) المحرر الوجيز 9/ 290.
(6) قال الحاتِمي في رَدِّهِ على المتنبي تفسيْرَه لمعنى {أَكْبَرْنَهُ} في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] بأَنَّهُ بِمعنى: حِضْنَ استحسانًا له: «لم يقلْ هذا أَحَدٌ مِن مُحصِّلي أَهلِ العلم، ولا شَهِدَ به ثقةٌ، وإِنَّما رُوي بيتٌ شاذٌّ لم يُنسَب إلى أَحدٍ … ثم ذكر البيت». الرسالة الموضحة 13.
(7) انظر: الكشاف 2/ 465.
(8) مجاز القرآن 1/ 309.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)

القول ليس بمعروف في اللغة» (1).
وقد حاول الأزهري توجيه هذا التفسير، فقال: «وأما قول الله جل وعز: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] فأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. وروى عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة … قلتُ: وإن صحت هذه اللفظةُ بِمعنى الحيض فلها مَخرجٌ حَسَنٌ، وذلك أن المرأة إذا حاضت أولَ ما تحيضُ فقد خرجت من حدِّ الصِّغر إلى حد الكبر. فقيل لها: أَكبَرتْ أي حاضت فدخلت في حدِّ الكبر الموجب عليها الأمر والنهي … إلا أن هاء الكناية في قول الله: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} ينفي هذا المعنى، فالصحيحُ أَنَّهُنَّ لَمَّا رأينَ يوسفَ راعهنَّ جَمالُه فأَعظمنَهُ» (2).
- وردَّ الطبريُّ قولَ الشاعرِ (3):
فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا … زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ (4)
وقال فيه في معرض تضعيفه لقراءة من قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] (5) بضم الزاي من (زُيِّنَ)، ورفع (قَتْلُ)، ونصب (أولادَهُم) وخفض (شُركاءِهِم)، وهي قراءة ابن عامر من السبعة (6)، قال: «ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه الاسم، وذلك في كلام العرب غيرُ--------------------------------------------
(1) لسان العرب 12/ 13 (كبر).
(2) تهذيب اللغة 10/ 211 - 212.
(3) نُسِبَ لأحدِ المولَّدين من شعراء المدينة. انظر: خزانة الأدب 4/ 415.
(4) زَجَّهُ: طَعَنَهُ، والمِزَجَّةُ: الرمحُ القَصيرُ، القَلوصُ: النَّاقةُ الفَتيَّةُ. انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 358، 2/ 81، معاني القرآن للزجاج 3/ 169، الخصائص 2/ 406، شرح التسهيل لابن مالك 3/ 278، الإنصاف 347، الإفصاح للفارقي 116، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 2/ 605، الكشاف 2/ 70، البحر المحيط 4/ 229، ارتشاف الضرب 5/ 2429، خزانة الأدب 4/ 415.
(5) الأنعام 137.
(6) انظر: النشر 2/ 236 - 264 وفيه بيان مفصل وانتصر فيه لابن عامر، وتقدمت هذه المسألة ص 118.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)

فصيحٍ، وقد روي عن أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، ورأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه، وذلك قول قائلهم … ». (1) ثم ذكره. ورد الطبري للشاهد الشعري لعدم معرفة أهل العلم به، جاء هنا تبعًا لتضعيف القراءة، وقد رد العلماء مسلك الطبري هذا في رد القراءة، والشاهدُ هنا رَدُّهُ الشاهدَ لا ردهُ القراءةَ.
ولذلك أكَّدَ المفسرون على أن القرآن الكريم لا يُحملُ على شواذ الشواهد الشعرية، وأشار الطبري في غير موضعٍ من تفسيره إلى أن: «كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف». (2) كما بين أبو حيان أن كتاب الله: «ينبغي أن يُحملَ على أَحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ؛ إذ كلام الله تعالى أفصحُ الكلامِ، فلا يَجوزُ فيه ما يُجوِّزهُ النحاةُ في شعر الشمَّاخِ والطرمَّاحِ وغيرهما من سُلوكِ التقادير البعيدةِ، والمَجازاتِ المعقَّدةِ». (3)
ولذلك كان من شروط قبول الشاهد الشعري في التفسير أن يكون شائعًا ذائعًا، قال الطوسي: «ومتى كان التأويلُ يَحتاجُ إلى شاهدٍ من اللغة فلا يُقبلُ من الشاهد إلا ما كان معلومًا بين أهلِ اللغةِ، شائعًا بينهم، وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والألفاظ النادرة، فإنه لا يُقطعُ بذلك، ولا يُجعلُ شاهدًا على كتاب الله». (4)
وقد طبَّقَ المفسرونَ هذا الشرطَ في شواهدهم، فلا تكاد تظفر بشاهدٍ شاذٍّ في اللغة والنحو قَبِلَه المفسرون واعتمدوا عليه، وإن وجدته--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 12/ 137 - 138.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 12/ 311.
(3) البحر المحيط 1/ 3.
(4) التبيان في تفسير القرآن 1/ 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)

وجدت معه رده ونقده، واستبعاد المفسرين له كما مر في الأمثلة.

‌‌3 - ثقة رواة الشاهد الشعري:
ومن شروط قبول الشاهد الشعري أن يكون مَن رواه ثقةً يُعتمدُ على نقله. فقد اعتمد العلماء على شواهد من الشعر لم يعرف قائلوها، ثقة في رواتها كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه وأمثالهم ممن يوثق بروايتهم عن العرب، وقد اعتمد العلماء على أبيات سيبويه، مع إغفاله نسبة أكثرها، ثقةً بنقلهِ وأمانتهِ. ومما يدلك على ثقة الناس برواية سيبويه أن الزمخشري ذكر شاهدًا شعريًا ورد في بعض روايات كتاب سيبويه، فرده، وقال معتذرًا لسيبويه: «وما يقع في بعض نُسخِ «الكتاب» من قوله:
فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ … زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ
فسيبويهِ بَريءٌ من عُهدتهِ». (1) وذلك لمكانة سيبويه وثقة العلماء بروايته، مع تضعيف القول بما دل عليه هذا الشاهد، فمال الزمخشري إلى تبرئة سيبويه من عهدة هذا الشاهد لثقته به، وقال السِّيْرافي عن هذا الشاهد: «لم يُثبتهُ أَحَدٌ من أهلِ الروايةِ، وهُو من زياداتِ أبي الحسن الأخفش في حواشي كتاب سيبويه، فأدخلهُ بعضُ النُّساخِ في بعض النُّسَخِ، حتى شرحه الأعلمُ وابنُ خَلَفٍ في جُملةِ أبياته» (2).
اعتماد رواية الثقة:
والمفسرون قد اعتمدوا على أبيات كثيرة مجهولة القائل، إلا أن رواتها الذين رووها عن العرب من العلماء الثقات، فقبلها المفسرون لثقتهم في رواتها، وكتب التفسير مليئة بالشواهد المجهولة القائل التي لم--------------------------------------------
(1) المفصل 125.
(2) شرح كتاب سيبويه 2/ 219، ضرورة الشعر لابن السيرافي 180، خزانة الأدب 4/ 416 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)

يعرف قائلوها، وكثير من الشواهد النحوية التي لم يعرف قائلوها في كتب التفسير من الأبيات التي ذكرها سيبويه في كتابه، أو ذكرها الفراء في معانيه، وتلقَّاها العلماءُ بالقبولِ من عهدِ سيبويهِ حتى اليوم، ولم يطعنوا في الكتاب بسببها. وأَمَّا الشواهد اللغويَّةُ فهي مِمَّا رواه أبو عُبيدةَ أو الكسائيُّ أو الأصمعيُّ من الرواة الثقات الذين رويت عنهم أشعار العرب.
ومن أمثلة هذه الشواهد التي رواها الثقات في كتب التفسير مع الاختلاف في القائل، قول الشاعر:
وَلستَ لإِنسيِّ ولكنْ لَمَلأَكٍ تَنَزَّلُ من جَوِّ السماءِ تَصُوبُ (1)
فقد استشهد به الطبريُّ، والزمخشريُّ، وابنُ عطية، والقرطبيُّ (2) اعتمادًا على رواية الثقات له كسيبويه (3)، وأبي عبيدة (4)، وابن السكيت. (5) وأمثلة الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير كثيرة كما سيتضح في هذا المبحث، غير أن رواية الثقات لها جعلت المفسرين وغيرهم يعتمدون عليها، ويستشهدون بها.

‌‌4 - ألا يَحتملَ الشاهدُ التأويلَ:
وذلك بأن تكون دلالته على المراد صريحة، ولا يمكن تأويله بوجه--------------------------------------------
(1) نسبه ابنُ بري لرجلٍ من عبد القيس، أو لأبي وجزة، أو لعلقمة بن عبدة كما في اللسان (صوب) 7/ 433.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 333، الكشاف 3/ 30، المحرر الوجيز 1/ 101، 116، الجامع لأحكام القرآن 9/ 183.
(3) أنشده دون عزو في الكتاب 4/ 38.
(4) نسبه أبو عبيدة لرجل جاهلي من بني عبدالقيس يمدح بعض الملوك، ولعل هذا هو الأرجح لأن أبا عبيدة أنشد قبله بيتين لعلقمة بن عبدة على وزن هذا البيت وقافيته فهو يعرف بيت علقمة وهذا ليس له وربما وقع الوهم في النسبة عند ابن بري من هذا التقارب بين البيتين. انظر: مجاز القرآن 1/ 33.
(5) انظر: إصلاح المنطق 82، الاشتقاق 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)

يبعده عن الاستشهاد في المسألة التي أورد شاهدًا لها، وقد رد المفسرون شواهد متعددة، ووصفوها بأنها ليست حجة على المراد؛ لإمكان تأويلها تأويلًا يسقط الاحتجاج بها على هذا الوجه أو ذاك. ومن أكثر المفسرين الذين ردوا الشواهد بهذه الحجة ابن عطية في تفسيره.
ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية وهو يشرح معاني الدين في اللغة: «ومن أنحاء اللفظة الدين: الداء، عن اللحياني، وأنشد:
ما دِينُ قلبكَ مِن سَلمى وقَدْ دِينا (1)
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني». (2)
ومن الأمثلة قوله أيضًا عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33] (3): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعضُ الناسِ: هي الخَمْرُ، واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:
شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (4)
قال القاضي أبو مُحمدٍ رحمه الله: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعةً من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ--------------------------------------------
(1) لم أعثر عليه.
(2) المحرر الوجيز 1/ 74 - 75.
(3) الأعراف 33.
(4) صدر بيت مجهول، وعجزه: «كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقولِ».
وهو بلا نسبة في تهذيب اللغة 15/ 161، ولسان العرب 1/ 75، نهاية الأرب للنويري 4/ 113.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)

مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ». (1)
فابن عطية يرد هذا الشاهد، ويرى مع التسليم بصحته أنه ينبغي تأويله على وجه آخر غير الوجه الذي استُشهِدَ به عليه.
ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية وهو يستدل على أَنَّ الوصفَ بـ «أُخرَى» يُقالُ في المرة الثالثةِ أيضًا، وليس في الثانية فحسب، ثم أورد شاهدًا لا يدل على قوله هذا، فبحث له عن تخريج بقوله: «وأَمَّا قولُ الشاعر (2):
جَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ … نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (3)
فيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (4)
فقد رده ابن عطية أيضًا لاحتمال دلالته على غير المعنى المستشهد عليه به، وهناك أمثلة أخرى على مثل هذا عند ابن عطية. (5)
ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسيره قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21] (6): «وقوله: {يَرْجُونَ} قال أبو عبيدة وقومٌ: معناه يخافون (7)، والشاهد لذلك قول الهذلي (8):
إذا لَسَعَتْهُ النَّحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخَالفَها في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (9)
قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابهِ؛ لأَنَّ خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدًا برجائه، فإذا نفي--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز (قطر) 5/ 488 - 489.
(2) هو عبيد بن الأبرص.
(3) رواية الديوان: «جَعَلَتْ لَها عُودَينِ». النَّشَمِ والثُّمَام: شجر. انظر: ديوانه 126.
(4) المحرر الوجيز 12/ 135 - 136.
(5) انظر: المحرر الوجيز 1/ 87، 4/ 194، 6/ 78، 11/ 58.
(6) الفرقان 21.
(7) انظر: مجاز القرآن 1/ 275، 2/ 73، تفسير الطبري (شاكر) 15/ 26.
(8) هو أبو ذؤيب الهذلي.
(9) الشاهد من شواهد المفسرين المشهورة، وهو في وصفِ رجل حاذق يتدلى إلى عسلٍ محفوظٍ في مَكمنهِ في حال غيابِ النَّحلِ العاملات عنه، ولا يخشى لَسْعَ النحلِ، لنفاسةِ العسلِ، ولذتهِ. انظر: ديوان الهذليين 1/ 143.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)

الرجاء عن أحدٍ فإنّما أخبر عنه أنه مكذِّبٌ بالبعث لنفي الخوف والرجاء … وأما بيتُ الشعرِ المذكورِ فمعناهُ عندي: لم يَرْجُ دَفعَها ولا الانفكاكَ عنها، فهو لذلكَ يوطَّنُ على الصَّبْرِ، ويَجدُّ في شُغلهِ». (1)
واعتراضُ ابنِ عطية على شرح الشاهدِ قد يكون له وجهٌ، مع مخالفته لشرح الشراح، فقد شرحه أبو عبيدة كما نقل بغير ذلك، وشرحه السكري فقال: «لم يَرْجُ لسعَها: لم يَخَفْ، ولم يُبَالِها». (2) ويقوي ما فهمه ابن عطية معنى البيت الذي بعده وهو قوله:
فَحَطَّ عليهَا والضُّلوعُ كأَنَّها … من الخَوفِ أَمثالُ السِّهامِ النَّوَاصلِ
ففيه دلالة إلى أنَّ الخوف قد تَملَّك هذا الرجل، وأن البيت الذي قبله ليس نفيًا للخوف، وإنما نفي للرجاء مع بقاء الخوف، وقد يكون نفي الخوف في الأول من اللسع، وإثبات الخوف في الثاني من السقوط. (3) ومعظم شراح البيت والمفسرين ذكروا أن الرجاء في البيت بِمعنى الخوف. (4) والرجاء عند هذيل فيه خوف وخشية، بخلافه عند غيرهم ففيه اطمئنان، ولذلك فسروا الآيات التي وردت في الرجاء بمعنى الخوف (5)، وبعض اللغويين يجعل هذه لغة هذيل وحدها (6)، وبعضهم يجعلها لغة تهامية، ونسبت لخزاعة وغيرها (7)، وبعضهم يذهب إلى أن الرجاء يكون بمعنى الخوف عند هذيل في حال النفي فحسب (8)، ولعل--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 12/ 16، الجامع لأحكام القرآن 8/ 311.
(2) شرح أشعار الهذليين 1/ 144، الكشاف 3/ 440 - 441.
(3) انظر: شرح أشعار الهذليين 1/ 144.
(4) انظر: أمالي الزجاجي 20، تهذيب إصلاح المنطق 1/ 204، المخصص 8/ 178، تحفة المودود 255.
(5) انظر: اللغات في القرآن 44، البحر المحيط 6/ 491، 8/ 341، تفسير البيضاوي 3/ 248، الأضداد لابن السكيت 179.
(6) انظر: الإتقان للسيوطي 1/ 134.
(7) انظر: الأضداد لابن السكيت 81.
(8) انظر: البحر المحيط 6/ 491.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)

الذي حملهم على ذلك أن معظم ما ورد فيه ذلك من أساليب قرآنية أو شعرية إنما هي أساليب منفية. والأمثلة في تفسير ابن عطية كثيرة على اعتراضه على شواهد المتقدمين. (1)
هذه هي أهم الشروط التي نص المفسرون على اشتراطها، أو استنبطت من منهجهم في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير. وقد التزم المفسرون بهذه الشروط التزامًا صارمًا، وظهر ذلك جليًا في كتبهم، ومما يزيد الأمر دلالة أن أكثر المفسرين التزامًا بهذه الشروط وهو الإمام الطبري في تفسيره، فلم يستشهد إلا بالشواهد الصحيحة السائرة الموثقة، التي أجمع العلماء على الاستشهاد بها، وتجده في تاريخه يستشهد بأشعار الشعراء المُحدثين وغيرهم، ويختلف منهجه في الاستشهاد في تاريخه عنه في تفسيره لاختلاف الغرضين، وقد حفل تاريخه بعدد كبير من الشواهد الشعرية، لأبي تمام، وأبي نواس، وبشار، وغيرهم. مما يدل على أنه في تفسيره كان يسير على منهج واضح لا لبس فيه ولا غموض. (2)

‌‌منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري:
يمكن تقسيم توثيق المفسرين للشاهد الشعري إلى قسمين:
الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية، وهي التحقق من صحة نسبته إلى من يصح الاستشهاد بشعره.--------------------------------------------
(1) انظر: المحرر الوجيز 3/ 199، 99، 9/ 25، 12/ 154، 12/ 135، 16، 10/ 72، 120، 2/ 122.
(2) بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بهم الطبري في تاريخه 596 شاعرًا، وعدد أبيات الشعر 5852 بيتًا تقريبًا، عزا أكثرها لقائليها، وكثرت فيها المقطوعات الطويلة بخلاف شواهد التفسير فندر فيها المقطوعات. وأكثر أشعار تاريخه شواهد تاريخية لشعراء متأخرين عاصروا الدولة الأموية والعباسية. انظر: الطبري ومنهجه في التاريخ للدكتور علي بكر حسن 220.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)

والثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية، وهي التحقق من سلامته من التحريف والتصحيف، وسلامة ضبطه ومعناه، ودلالته على المعنى المراد.

‌‌الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية.
ويكون توثيق المفسرين لرواية الشاهد بنسبته إلى قائله، أو إلى قبيلة الشاعر، أو إلى راويه من الرواة والعلماء، أو إلى الكتب المعتمدة الصحيحة. وفيما يلي دراسة هذه الأوجه.

‌‌1 - نسبة الشاهد لقائله.
يعد توثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها من أهم ما يعنى به المحققون المعاصرون، وفي ذلك مشقة لا يعرفها إلا من عانى ذلك، فرب بيت فرد لا يهتدي المحقق إلى قائله إلا بعد جهد جهيد، والمتأمل لكتب التفسير يجد عناية عند بعضهم بنسبة الشواهد الشعرية لقائليها، وعدم عناية عند آخرين. وحتى يكون الحكم في هذه الدراسة دقيقًا فقد أحصيتُ ما نسبه كُلُّ مفسرٍ من المفسرين لقائله من شواهده في جدولٍ بينت فيه عدد الشواهد في التفسير، وما نسبه المفسر منها دون اعتبارِ ما نسبه مَنْ حقَّقَ الكتبَ من الباحثين؛ لأن القصد معرفة جهد المفسر في متن الكتاب، وكانت على هذا النحو:

م … اسم التفسير … عدد شواهده … المنسوب … غير المنسوب … نسبة المنسوب
1 … تفسير الطبري … 2260 … 962 … 1298 … 42.57 %
2 … الكشاف للزمخشري … 901 … 260 … 641 … 28.86 %
3 … المحرر الوجيز لابن عطية … 1981 … 981 … 1000 … 49.5 %
4 … تفسير القرطبي … 4807 … 2470 … 2337 … 51.38 %
- ويُمكنُ من خلال هذا الجدول الخروج بالنتائج التالية:
1 - أَنَّ الطبريَّ كان له جُهدٌ ظاهر في نسبة الشواهد الشعرية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)