لقائليها، وقد فاق في ذلك جَميعَ المفسرين؛ لِتقدُّمهِ، وسعةِ معرفتهِ بشعرِ العرب، وانتفعَ بِجُهدهِ في ذلك من أتى بعده من المفسرين، وأبرز من انتفع به ابن عطية، والقرطبي في تفسيريهما. والشواهد التي نسبها أقل من حيث العدد من الشواهد التي أغفلها، غير أن كثيرًا من الشواهد التي أغفلها يبعد أن يكون للجهل بها لشهرتها، كأبيات المعلقات، فقد أغفل كثيرًا منها، وأمثلة ذلك كثيرة. منها أن الطبري أورد قول الحارث بن عباد:
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وإِنِّي بِحَرِّهَا اليومَ صَالِ (1)
ولم ينسبه لقائله، وإنما اكتفى بقوله: قال الشاعر. (2) وصنع مثل ذلك مع قول المثقب العبدي يخاطب ناقته:
تَقولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيْنِي: … أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيْنِي (3)
فقد أغفل نسبته، مع استشهاده بأبيات متفرقة من هذه القصيدة، ونسبها للمثقَّب العبدي، مِما يدل على معرفته بها. (4) وصنع مثل ذلك بقية المفسرين، فقد أغفلوا نسبة عدد من الشواهد السائرة (5)، التي لا يخفى أمر قائلها على أمثالهم، مما يعني أن المفسرين لم يكونوا يعنون بنسبة الشاهد لقائله إذا تأكدوا من صحة الاحتجاج به. بل إن بعض المفسرين قد يورد الشاهد في مواضع فينسبه لقائله، في حين يُبْهمهُ في غيرها. (6)--------------------------------------------
(1) انظر: الأصمعيات 71، الحماسة البصرية 1/ 59 وقد استقصى المُحقق تخريجه.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 7/ 529، 8/ 29.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 7/ 382، والبيت في ديوان المثقب 195.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 12/ 45، 24/ 296، 14/ 324، 19/ 403، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) 4/ 293.
(5) انظر: الكشاف 4/ 10، 34، 111، المحرر الوجيز 1/ 68، 4/ 152، 210، 8/ 153، 168، الجامع لأحكام القرآن 4/ 120، 7/ 15، 9/ 211.
(6) تفسير الطبري (هجر) 3/ 640 - 641، 16/ 42، 2/ 189، 18/ 480 - 481، 24/ 424.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
ومما يدل على أن الشواهد لم تكن مجهولة النسبة في زمنهم، اهتداء المحققين لأكثر الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير، وهم قد رجعوا فيها لكتب المتقدمين ممن عاصر أولئك المفسرين أو سبقهم.
والمفسرون لم يكونوا بِدْعًا في هذا، فقد ألَّفَ سيبويه كتابَهُ في النحو، فأغفل أغلبَ شواهدِهِ ولم ينسبْ منها إلا القليل كما هو مشهور عند النحويين. (1) وفعل مثل ذلك الفراء في معاني القرآن، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن كتب المعاني.
2 - تبين من الإحصاء أن نسبة الشواهد المنسوبة في كتب التفسير تقارب الشواهد التي أغفلت نسبتها في كتب التفسير عدا تفسير الزمخشري الذي غلب إغفال نسبة الشواهد على منهجه، مما جعل بعض العلماء يتصدى لنسبة شواهد تفسيره وشرحها.
3 - أن نسبة هذه الشواهد ليست كلها من جهد المفسرين، بل اعتمدوا في ذلك على علماء الرواية واللغة كأبي عبيدة والفراء والأصمعي وأبي تمام وغيرهم مِمَّن دونوا أشعار العرب، ونقلوها لمن بعدهم، ويندر أن تجد شاهدًا غير منسوب عند أهل اللغة والشعر، ثم تجد نسبته في كتب التفسير، لأنَّ المصادر التي استقى منها الجميعُ مادةَ الشعرِ واحدةٌ، وهم العلماء المتقدمون الذين جمعوا بين حفظ الشعر ورواية اللغة وتفسير القرآن.
وأبرز المفسرين الذين شاركوا مشاركةً جيدةً في نسبة الشواهد الشعرية هو الإمام الطبري لتقدمهِ وسعةِ معرفته بشعر العرب، ثم جاء مَنْ بعده من المفسرين فاستفاد مما أورده من شواهد الشعر منسوبة إلى الشعراء الذين قالوها، أو إلى الطبري نفسه، وكثيرًا ما يردد ابن عطية والقرطبي عبارة «وأنشد الطبري» عند نقلهم للشواهد من تفسيره فهو عمدة--------------------------------------------
(1) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه لجمعة 115 - 170
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
في باب شواهد التفسير ليس له نظير فيما طبع من كتب التفسير.
4 - ما ورد في الجدول السابق هو ما نسبه المفسرون لقائله بعينه، وأغفلت ما نسبه المفسرون لقبيلة الشاعر، وهو يعد تقريبًا للنسبة، ويعد من البيان الناقص للقائل، والتحقق من نسبة الشاهد إلى العصر الذي يحتج بشعر شعرائه كان هو أهم ما يعنى به المفسرون بغض النظر عن القائل له في غالب الأحوال. وقد تقدم عند دراسة عرض المفسرين للشاهد الشعري تمهيدهم للشاهد الشعري بما يوضح قائله وزمنه، بحيث يطمئن المفسر أن هذا الشاهد قول لمن يحتج بقوله، ويحتكم إلى لغته.
ومن أمثلة الاكتفاء بنسبة الشواهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «ومنه قول الهذلي» (1). وشعراء هذيل كثيرون، ولا يتميز الشاعر إلا بالتنقيب عن الشاهد في ديوان أشعار الهذليين لمعرفة قائله، إن كان في أشعار الهذليين المَجموعة، أو دواوين شعرائهم المرويَّة، وربما لا يعثر الباحث على القائل.
ومن الأمثلة كذلك التي نسب فيها المفسرون الشاهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «وقال رجل من بني أسد» (2)، وقوله: «قال رجل من بني عدي» (3)، وقوله: «وقال بعض بني عقيل … » (4)، وقوله: «وقال بعض بني سُلَيْم». (5) وأمثال هذه النسبة التي تقرب القائل، ولكنها لا تدل عليه دلالة واضحة. (6) ولكنها تعد في جانب من جوانبها توثيقًا للغة المنسوبة لقبيلة الشاعر، فينتفع بها من يدرس لهجات القبائل واختلافها.--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 11/ 479، 15/ 370.
(2) تفسير الطبري (هجر) 1/ 155، 24/ 696.
(3) المصدر السابق 9/ 619.
(4) 24/ 171، 24/ 101، 19/ 504، 505.
(5) تفسير الطبري (هجر) 4/ 636، وانظر: 15/ 629، 12/ 146، 16/ 98، 10/ 206، 24/ 35، 17/ 529.
(6) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 11/ 200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
- نسبة الشاهد إلى القبيلة إذا تعلق الاستشهاد باللهجة:
والمفسرون عندما تتعلق المسألة باللهجات ينصون على قبيلة الشاعر توثيقًا للاستشهاد، ومن ذلك قول ابن عطية وهو يذكر القراءات في قوله تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7] (1): «وقرأ جمهور الناس: {وَبَدَأَ}، وقرأ الزهري: (وبَدا خَلقَ الإنسانِ) بألف دون همزٍ، وبنصب القاف، قال أبو الفتح (2): ذاك على البدل لا على التخفيف. (3) قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنه أبدل الألف من الهمزة، وبَدِيَ لُغةُ الأنصارِ، قال ابن رواحة:
باسمِ الإِلهِ وبهِ بَدِينَا … ولو عَبَدْنا غَيْرَه شَقِينَا (4)». (5)
والشاهد فيه قولهُ: (بَدِينا) بكسرِ الدالِ، وبعدها ياء، وهي لغة الأنصار في بدأ. وقد نسب ابن عطية الشاهد لشاعر من الأنصار لما كان الاستشهاد للغة القبيلة.
غير أنه رُبَّما نسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته وهو معروف بنسبته تلك دون غيره من شعراء قبيلته، كقول الطبري: «ومنه قول الجعدي» (6)، وهو النابغة الجعدي دون غيره من بني جعدة لشهرته. (7)
5 - هناك شواهد شعرية مختلفة النسبة، منذ عصر الرواية، فينسبه أحدهم لشاعر، وينسبه الآخر لغيره. ومن أوضح الأمثلة على ذلك في كتب التفسير الشاهد الشعري الذي ذُكِرَ أنه أنشده الهذلي جوابًا لسؤال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو قول الشاعر:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا … كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (8)
فقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت المفرد الذي لا يكاد يخلو--------------------------------------------
(1) السجدة 7.
(2) هو أبو الفتح عثمان بن جني، وكثيرًا ما يذكره ابن عطية بكنيته.
(3) انظر: المحتسب 2/ 173.
(4) انظر: ديوانه 142.
(5) المحرر الوجيز قطر 11/ 531.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 14/ 534.
(7) انظر: الشعر والشعراء 1/ 289.
(8) سبق تخريجه ص 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
منه كتاب في التفسير، أو معجم من معاجم اللغة، فنسب لأبي كبير الهذلي، ولزهير، ولذي الرمة، ولابن مقبل، ولابن مزاحم الثمالي، ولقعنب بن أم صاحب، وقصة الهذلي مع عمر بن الخطاب ترجح نسبته لأحد شعراء هذيل وقد تقدم تفصيل ذلك. ولم يظهر لي من صنيع المفسرين عنايتهم بقطع الخلاف في نسبة شاهد مختلف فيه إلى قائله، لندرة هذه الشواهد، ولا يمكن إبراز هذا الجهد، ونسبته للمفسرين، وإنما محل مثل هذا كتب الشعر، وشروحه.
وقد ذكر الدكتور خالد عبدالكريم جمعة أهم الأسباب التي يمكن بها تعليل اختلاف نسبة الشواهد الشعرية لأكثر من شاعر فقال: «الذي أرى أن الخلاف في نسبة الشواهد ترجع إلى أسباب أهمها:
- أخذ الشعراء بعضهم من بعض.
- الخلاف بين الرواة في نسبة القصائد.
- كون الأب وابنه، أو الأخ وأخيه شاعرين، فيقع الخلط في نسبة الشاهد.
- قول القصائد في الحوادث، فتتداخل أبياتها، ويلتبس الأمر على بعض الرواة.
- كون الشاهد من الأبيات السائرة التي تتداولها الألسن، فيدخل لذلك في شعر أكثر من شاعر، دون أن يعرف قائله الأول.
- اتحاد القصائد في الوزن والروي والموضع، مما يؤدي إلى دخول أبيات من قصيدة في قصيدة أخرى.
- العَجَلَةُ والخطأ والسهو الذي وقع فيه بعض القدماء من العلماء والنساخ». (1)--------------------------------------------
(1) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه 191، 211.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)
وهذه أسباب مبنية على استعراض الشواهد الشعرية في كتب النحو واللغة، وما يقال فيها يقال في شواهد التفسير أيضًا.
- الوهم في توثيق الشاهد:
مع هذه العناية بنسبة الشواهد إلى قائليها، والحرص على توثيق الشواهد إلا أنه ربما وهم المفسر في نسبة شاهد إلى غير قائله، أو نسبته إلى قائله بغير ما اشتهر به مما يوقع القارئ في الوهم. ومن أمثلة ذلك:
1 - أورد الطبري قول الشاعر:
ظَلَمَ البِطاحَ به انهلالُ حَريصةٍ … فَصفا النِّطافُ بِها بُعَيدَ المُقْلَعِ
فنسبه لعمرو بن قميئة في موضعين (1)، وانفرد بنسبته إلى ابن قميئة مع إنه لا يوجد لابن قميئة قصيدة على هذا الروي (2)، ولم يجد محقق الديوان من نسب هذا البيت لابن قميئة غير الطبري، في حين إن هذا البيت ضمن قصيدة طويلة للحادرة الغطفاني، كما في ديوانه. (3)
2 - ومن الأمثلة أَنَّ ابن عطيةَ أوردَ قول الأخطل يهجو جريرًا:
كنتَ القَذى في مَوجِ أخضرَ مُزبدٍ … قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فَضَلَّ ضَلالا (4)
ونسبه لجرير، وليس في ديوانه. (5) كما نسب بيتًا لذي الرمة وهو لكعب بن زهير كما في ديوانه من قصيدته البُردة (6).
ومن أمثلة نسبة الشاهد إلى قائله بحيث يدخل الوهم على القارئ في نسبته، قول ابن عطية: «والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس:--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 1/ 559، 3/ 56.
(2) انظر: ديوان ابن قميئة 207.
(3) انظر: ديوان الحادرة 48.
(4) انظر: ديوان الأخطل 252.
(5) المحرر الوجيز (قطر) 3/ 163.
(6) انظر: المحرر الوجيز 4/ 141، وبيت كعب في ديوانه 86، وشرح قصيدة كعب بن زهير 175، تفسير الطبري (هجر) 7/ 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)
وإِنَّ الذي يَسعَى ليُفسدَ زَوجَتي … كَسَاعٍ إلى أُسدِ الشَّرى يَسْتَبيلُها (1)». (2)
وأبو فراس هو الفرزدق، وهذا من أبياته التي استشهد بها المفسرون واللغويون، غير أنه لم يشتهر عند العلماء بهذه الكنية، وإنما اشتهر بها الشاعر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني، وهو شاعر متأخر توفي سنة 357 هـ. (3) ولا يحتج بشعره في اللغة، فربما أوقع هذا في الوهم، ورُدَّ الشاهدُ لكون أبي فراس الحمداني من المتأخرين.
ومِمَّا يؤخذ على المفسرين إيرادهم شاهدين من الشعر منسوبين لآدم عليه السلام، مع علمهم باختلاقهما، وضعفهما، وهما فيما قيل:
تغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها … فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ
تغيَّر كُلُّ ذِي طَعمٍ ولَونٍ … وقَلَّ بَشَاشةَ الوجهُ المليحُ
وقد رواهما الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (4)، وابن عطية (5)، ولم ينبها على وضعهما. وقال القرطبي بعد إيرادههما: «في أبياتٍ كثيرةٍ ذكرها الثعلبي وغيره … قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدمُ الشعرَ، وإِنَّ محمدًا والأنبياءَ كلهم في النهي عن الشعر سواءٌ، لكن لما قُتِلَ هابيلُ رثاه آدمُ وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانيةِ أوصى بها إلى إبنهِ شِيث، وقال: إِنك وصِيي فاحفظ مني هذا الكلامَ ليُتوارث، فحُفظت منه إلى زمانِ يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعربُ بالعربية وجعله شعرًا». (6)
وقال ابن كثير تعليقًا على هذه الأبيات: «وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم عليه السلام قال كلامًا يتحزن به بلغته، فألفه بعضهم إلى هذا،--------------------------------------------
(1) انظر: ديوان الفرزدق 2/ 113.
(2) المحرر الوجيز (قطر) 3/ 481.
(3) انظر: ديوانه 5.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 8/ 325 - 326.
(5) انظر: المحرر الوجيز (قطر) 4/ 414.
(6) الجامع لأحكام القرآن 6/ 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)
وفيه إقواء، والله أعلم». (1) وما ذكره ابن كثير من الإقواء في البيت قد وجد له السيرافي مخرجًا حيث ذكر أنه يُمكن إنشاده على وجه لا يكون فيه إقواء، وذلك بأن تنصب «بشاشةً» على التمييز، وترفعُ «الوجهُ المليحُ» بِقَلَّ، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. (2) وقد ذكر حمزة الأصفهاني أن خلف الأحمر هو الذي وضع هذا الشعر، ونسبه لآدم عليه السلام، وانتقده في صنيعه. (3)
2 - نسبة الشاهد إلى الرواة:
لم يقتصر المفسرون في نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وإنما يوثقون الشواهد الشعرية بعزوها إلى من أنشدها من العلماء الثقات الذين سمعوا عنهم الشواهد، أو إلى كتبهم ومصنفاتهم المروية عنهم.
ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وقال بعض نحويي الكوفة (4): من العربِ من يضيفُ «لات» فيخفض بها، وذكرَ أَنَّهُ أُنْشِدَ:
................................. … لاتَ ساعةِ مَنْدمِ (5)
بِخفضِ الساعةِ. قال: والكلام أن ينصب بها، لأنها في معنى «ليس»، وذكر أنه أُنشِدَ:
تذكَّرَ حُبَّ ليلى لاتَ حِينا … وأَضْحى الشَّيبُ قد قَطَعَ القَرينا (6)». (7)--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية 1/ 221.
(2) انظر: معجم الأدباء 2/ 526 ترجمة الحسن بن عبد الله السيرافي.
(3) انظر: التنبيه على حدوث التصحيف 18.
(4) هو الفراء، كما في معاني القرآن 2/ 397.
(5) وتَمامه كما في الأضداد لابن السكيت 173:
ولَتَعْرِفنَّ خلائقًا مَشمُولةُ … ولَتندمنَّ ولاتَ ساعةِ مَندمِ
ولا يعرف قائله، قال الفراء: ولا أحفظ صدره. انظر: معاني القرآن 2/ 397، خزانة الأدب 4/ 168.
(6) الشاعر عمرو بن شأس كما في منتهى الطلب للميموني 8/ 70.
(7) تفسير الطبري (هجر) 20/ 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)
والشاهد اكتفاء الطبري بنسبة الشاهد إلى من أنشده من العلماء من نحوي الكوفة وإن لم يصرح باسمه وهو الفراء كما اتضح بالرجوع لكتابه، والفراء قد سَمعه من المفضل الضبي. (1) ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: « … كما قرأ بعضُ القَرأَةِ: (وَالبَغْي يَّعِظُكُمْ) (2) تَخِفُّ الياءُ مع الياءِ، وذكر أن الكسائي أنشده:
وَأَشْمَتَّ العِدَاةَ بِنَا فَأَصْخَوا … لَدَى يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيْنَا (3)». (4)
فاكتفى بذكر من أنشد الشاهد وهو الإمام الكسائي.
وقد يكون من أنشد الشاهد عدد من العلماء كأهل الكوفة أو البصرة، فينسبه المفسر إليهم جميعًا. ومن ذلك قول الطبري: «وحكى بعض البصريين (5)، وبعضُ الكوفيين سَمَاعًا من العرب: «طَافَ يطيفُ»، وطِفْتُ أطِيفُ»، وأنشدوا في ذلك:
أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ … وَمَطَافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ (6)». (7)
ونسبة الشواهد إلى الرواة والعلماء جادة مطروقة عند المفسرين واللغويين، ولم يكن كثير من العلماء يُعنى بنسبة الشعر إلا إلى من أنشده من الرواة والعلماء ولا سيما شعر الجاهلية لبعد العهد بينهم وبين شعراءه. (8)--------------------------------------------
(1) قال الفراء: أنشدني المفضلُ: وذكره. انظر: معاني القرآن 2/ 397.
(2) النحل 90، وقراءة إدغام الياء في الياء هي قراءة أبي عمرو ويعقوب وهما من العشرة. وابن جريرٍ يشير إلى كلام الفراء كما في معاني القرآن 2/ 29، وكلام الفراء لا يصرح بحذف الياء الثانية، لكن الشاهد الذي ذكره يدل على أنه أراد هذا، غير أنَّ شاهد الشعر هذا لا يصلح نظيرًا للآية؛ ففي الشاهد ثلاث ياءات: اثنتان مدغمتان أولًا، ثُمَّ الثالثة في أول الفعل، وفي الآية ياءان، وتكرار ثلاث يقتضي الحذف، غير أن تكرار اثنتين يقتضي الإدغام. انظر: النشر 1/ 284.
(3) لم أعثر على قائله.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 15/ 494.
(5) هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن 1/ 237.
(6) لكعب بن زهير كما في ديوانه 113.
(7) تفسير الطبري (شاكر) 13/ 335.
(8) انظر: الكشاف 3/ 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)
3 - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين.
وربما وثق المفسرون الشواهد بنسبتها إلى الكتب التي نقلوا منها، ولو كان شاهدًا مجهولًا، ولا سيما إذا كان الكتاب لمؤلف موثوق كسيبويه والمبرد. ومن ذلك أن «أبيات الكتاب» أصبحت في الثقة بها عند العلماء مضرب المثل، حتى أصبح يكتفى بالقول بأن هذا الشاهد من أبيات الكتاب للدلالة على اعتماد العلماء له.
ومن ذلك قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] (1): «والمراد بالأيام، أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، كقوله - وهو من أبيات «الكتاب»:
فيومًا علينَا ويومًا لنا … ويومًا نُساءُ ويومًا نُسَرّ». (2)
فقد اكتفى الزمخشري بالإشارة إلى أنه من أبيات كتاب سيبويه مع جهالة قائله، وهذا عنده كاف في الثقة به، والاعتماد عليه. (3)
وقال الزمخشري في موضع آخر: «وعَبَرتُ الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون عَبَّرتُ بالتشديد، والتعبير والمُعَبِّر. وقد عثرتُ على بيت أنشده المُبَرِّد في كتاب «الكامل» (4) لبعض الأعراب:
رَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا». (5)
ومن الأمثلة أيضًا على ذلك قول ابن عطية بعد أن أورد تفسيرًا عن كتاب أبي عبيدة، وأورد شاهدًا من الشعر ليس في كتاب أبي عبيدة: «أنشده أبو بكر ابن الأنباري حاشيةً في كتابِ أبي عبيدة». (6)--------------------------------------------
(1) آل عمران 140.
(2) الكشاف 1/ 419.
(3) انظر: الكشاف 1/ 344، 1/ 660، 3/ 8.
(4) الكامل للمبرد 2/ 562 - 563.
(5) الكشاف 2/ 474.
(6) المحرر الوجيز (قطر) 9/ 302.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 551)
فقد خشي ابن عطية أن يطعن في نسبته إلى أبي عبيدة وهو ليس في كتابه «مَجاز القرآن»، فأشار إلى أن هذا الشاهد قد علقه أبو بكر بن الأنباري حاشية على كتاب أبي عبيدة. وهذه صورة من صور التوثيق للشاهد الشعري في كتب التفسير.
وقد نقل ابن عطية كلام الفراء وشاهده الشعري ثم قال: «هذا قول الفراء في كتابه». (1)
كما إن من صور توثيق رواية الشاهد عند المفسرين نسبة الشاهد الشعري إلى كتب المختارات الشعرية المتقدمة، والدواوين المعروفة للشعر، والتي عني المفسرون بها كثيرًا ولا سيما ابن عطية الذي روى المفضليات وديوان الحماسة عن شيوخه.
- ومن أمثلة هذا التوثيق للشاهد من كتب الاختيارات قول ابن عطية: «وفي المُفضليَّات لبعض شعراء الجاهلية:
وشَهرِ بَنِي أُميَّةَ والهَدايَا .... .......................................
البيت (2)
قال الأصمعيُّ: يُريدُ رَجَبًا». (3) فقد وثَّقَ الشاهد بنسبته إلى «المُفضليَّات» وهي مجموعة من شعر الجاهلية والإسلام جَمعها المُفضَّلُ بن محمد الضبي. (4)--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 7/ 81.
(2) البيت لعوف بن الأحوص، وتتمته: «إذا حَبَسَتْ مُضرِّجَهَا الدِّمَاءُ». … انظر: المفضليات 174.
(3) المحرر الوجيز (قطر) 6/ 483.
(4) ذُكر أن الذي اختارها هو إبراهيم بن عبد الله عندما اختبأ في بيت المفضل، فلما مات أظهرها المفضل فنسبت إليه. انظر: إنباه الرواة 3/ 304، المزهر 2/ 165، بحوث وتحقيقات للميمني 1/ 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 552)
وقد زاد ابن عطية هذا الشاهد إيضاحًا في موضع آخر من تفسيره، ونسبه إلى الشاعر فقال: «وشَهرُ مُضرَ وهو رَجَبُ الأصمُّ، سُمي بذلك لأنه كان لا يُسمعُ فيه صوتُ الحديد، وسَمَّوه مُنْصلَ الأَسنَّةِ؛ لأنهم كانوا يَنْزِعون فيه أسنَّةَ الرماح. وهو شهرُ قريشٍ، وله يقول عوفُ بن الأحوص … ». (1) ثم ذكر الشاهد.
وفي شرح الأنباري للمفضليات: «قال أبو عبيدة: هذا شهر كانت مشايخ قريش تعظمه، فنسبه إلى بني أمية … وقال أحمد بن عبيد: شهر بني أمية: ذو الحجة، كانت تعظمه قريش؛ لأنهم كانوا إذا قضوا الحج تذاكروا آباءهم، فافتخروا بِهم، وخَصَّ بني أمية على سائر قريش». (2) ولم أجد قول الأصمعي عند غير ابن عطية، وقد جمع بينه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنتا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». (3) وذكر أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ورجب مضر» للتفريق بينه وبين ما كانت تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعًا منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقرر النبي ذلك، ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل قريش. (4)
ومن أمثلة توثيق المفسرين للشاهد الشعري من كتب الاختيارات الشعرية المتقدمة، التي اعتمد عليها العلماء في استشهادهم قول--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 5/ 204.
(2) شرح المفضليات للأنباري 1/ 431، شرح اختيارات المفضل للتبريزي 2/ 805.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير 5/ 417، ومسلم في صحيحه 3/ 137.
(4) انظر: المحرر الوجيز 6/ 482 - 483، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/ 488 - 508.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 553)
الزمخشري وهو يشرح معنى (الدِّينِ) في اللغة، وأنه بمعنى الجزاء: «ومنه … بيت الحماسة:
ولم يَبْقَ سِوى العُدوَ … انِ دِنَّاهُمْ كمَا دانوا». (1)
والبيت معروفُ القائلِ، وهو لشَهْلِ بن شيبان المعروف بالفِنْدِ الزِّمَّاني، غير أنه نسبه لديوان الحماسة لأَبي تَمَّام لشهرتهِ، أو لنسيانه اسم الشاعر وتذكره موضعه. (2)
بل إن الزمخشري عندما استشهد ببيت من شعر أبي تمام، وعلم أن العلماء سيعيبون عليه ذلك، اعتذر لصنيعه بقوله: «وهو وإن كان مُحدثًا لا يُستشهدُ بشعره في اللغةِ فهو من علماء بَيتُ الحَماسةِ العربيةِ، فاجعل ما يقولهُ بِمنزلةِ ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماءِ: الدليلُ عليه، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه». (3)
وقد نسب الزمخشري كثيرًا من شواهده في التفسير لديوان الحماسة. (4) وابن عطية يعتمد في كثير من شواهده على ديوان الحماسة لأبي تمام وإن لم يصرح باسمه، وقد وجدت هذا بموازنة شواهده بديوان الحماسة، وقد دلني على ذلك ما ذكره هو في فهرس شيوخه، من أنه أخذ هذا الديوان بشروحه عن شيوخه. (5)
هذه أهم صور توثيق رواية الشاهد الشعري عند المفسرين، وقد تقدم كثير من أمثلة ذلك في مبحث «منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري» في هذا الفصل فيكتفى بما تقدم من الأمثلة هناك (6).--------------------------------------------
(1) الكشاف 1/ 116.
(2) انظر: ديوان الحماسة 30، شرح شواهد الشافية للبغدادي 8.
(3) الكشاف 1/ 208.
(4) انظر: الكشاف 1/ 109، 138، 2/ 436، 3/ 316، 323، 4/ 259، 655.
(5) انظر: فهرس ابن عطية 106، 114.
(6) انظر: ص 277 من البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
الثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية.
أما توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية عند المفسرين، فالمقصود به ما قام المفسرون به من خدمة للشاهد من حيث ضبطُه، وشرحهُ، وذكر رواياته وبيان معانيها، ونفي ما قد يعتريه من التصحيف والتحريف بضبطه بالعبارة بدلًا من الحركات، وكل هذا من صور التوثيق التي عني بها المفسرون في تعاملهم مع شواهد الشعر الكثيرة في كتب التفسير. وفيما يلي ذكر لأهم صور توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية مع إيراد الأمثلة من كتب المفسرين.
1 - ضبط رواية الشاهد.
عُنِي المفسرون بضبط روايات الشاهد الشعري، وإن لم تكن موضع الشاهد في البيت لتوثيق الرواية، والحرص على تأدية متن الشاهد كما روي، وهذه من أهم أوجه ضبط معنى الشاهد لترتب فهم المعنى الصحيح على ضبط روايته، وتدقيقها. ومن أمثلة ذلك:
- الطبري عند تفسيره قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] (1) أورد قول ساعدة بن جُؤَّيَّةَ الهذلي شاهدًا على معنى «الرَّيب» وهو قوله:
فقالوا: تَركنَا الحيَّ قَد حَصَرُوا بهِ … فلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (2)
قال الطبري: «ويُروى «حَصَرُوا» و «حَصِرُوا»، والفتح أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله: حَصَروا به: أطافوا به، ويعني بقولهِ: لا ريبَ فيهِ: لاشكَّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ، يعني: قَتيلًا، يقال: قد لُحِمَ، إذا قُتِلَ» (3).
فقد حرص الطبري على ضبط رواية الشاهد، وشرحه حتى يتضح--------------------------------------------
(1) البقرة 2.
(2) انظر: ديوان الهذليين 1/ 232.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
المراد منه للقارئ، ويتبين وجه الاستشهاد منه، مع بيان الوجه الأكثر استعمالًا عند العرب، وجواز الوجه الآخر.
- ومثل هذا قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:
عَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها … تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (1)
وقد يُنشد هذا البيتُ:
على أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها … تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا». (2)
فقد نبَّه على أن للشاهد رواية أخرى لا شاهد فيها على المراد، توثيقًا للروايتين، وحتى لا يقع الباحث على الرواية الأخرى فيطعن في الرواية الأخرى، وهذا من حرص المفسر على أن يضع أمام القارئ ما يعينه على استجلاء معاني الشاهد الشعري الذي يورده.
ورُبَّما ضَبطَ المفسرُ العبارةَ المُحتملةَ في الشاهد بعبارة مَشهورةِ الوزنِ، حتى يزول اللبسُ، ومن ذلك أن الزمخشري أورد قول أوس بن حَجَر:
أَبَنِي لُبَينى إِنَّ أُمَّكُمُ … أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكُمُ عُبَدُ (3)
قال الزمخشريُّ في ضبطه: «وعُبَدُ بوزن حُطَم». (4) وهذا ضبط مزيل للإيهام، وهو مناسب لضبط قافية القصيدة، ومنها قبل الشاهد:
أَبَني لُبَينى لَستُمُ بِيَدٍ … إِلّا يَدًا لَيسَت لَها عَضُدُ
أَبَني لُبَينى لا أُحِقُّكُمُ … وَجَدَ الإِلَهُ بِكُم كَما أَجِدُ
2 - رد الرواية المشكوك فيها:
قد يتردد المفسر في قبول تفسير من التفاسير لآية من القرآن لعدم--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 163.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 6/ 204 - 205.
(3) انظر: ديوانه 149.
(4) الكشاف 1/ 652.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
قناعته بأدلة ذلك التفسير، وقد يكون هذا الدليل شاهدًا شعريًا لم يبلغه بالرواية التي يستشهد بها لذلك الوجه، فيرد هذا التفسير لعدم صحة هذه الرواية عنده، في حين تكون هذه الرواية قد صحت عند غيره فيستشهد بها. وقد لاحظت أن أبا عبيدة قد تعقبه المفسرون بعده في كثير من شواهده، وطعنوا في بعض روايات الشواهد التي أوردها، وردوا عليه بالوجه الذي يحتج به هو، وهو شواهد الشعر واللغة، والذي يبدو لي أنه ما دام ثقة في روايته، غير مدخولٍ من هذه الجهة، فإن شواهده التي يتفرد بها تبقى لها قيمتها ووزنها في ميزان العلم، وأنه لا ترد روايته مع الثقة به لمجرد ورود رواية تخالفها عمن هو في مثل درجته من الثقة وسعة الرواية. ولا سيما أن أبا عبيدة من مصادر الشواهد الشعرية عند المفسرين فقد أخذ المفسرون بعده شواهده واستشهدوا بها في تفاسيرهم من الطبري حتى الشنقيطي من المعاصرين، ولا سيما شواهده اللغوية وهي الغالبة على شواهده.
ومن أمثلة رد المفسرين للشواهد التي ارتابوا في صحتها قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] (1): «والإصراخُ الإغاثةُ، وقُرئَ: «بِمُصرخيِّ» (2) بكسرِ الياءِ وهي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيت مَجهولٍ:
قالَ لَها: هلْ لكِ يَا تَا فيّ … قالت لهُ: ما أنتَ بالمَرْضِيِّ». (3)
فقد شكَّكَ الزمخشري في الشاهد، وضعَّف القراءة، والشاهد منسوب للأغلب العجلي. (4) وقد بالغ الزجاج في رد هذا الرجز فقال: «وهذا الشعر مما لا يتلفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل--------------------------------------------
(1) إبراهيم 22.
(2) هي وجه في قراءة حمزة، وقراءة يحيى بن وثاب والأعمش. انظر: السبعة 362، معاني القرآن للفراء 2/ 57.
(3) الكشاف 2/ 551.
(4) خزانة الأدب 4/ 431.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
هذا الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ». (1)
ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وحَكى الزجاجُ أنَّ العربَ تُعبِّرُ عمَّا يعقلُ وعمَّا لا يَعقلُ بـ «أولئك»، وأنشدَ هو والطبري:
ذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَيامِ (2)
فأَمَّا حكاية أبي إسحاقَ عن اللغةِ فأمرٌ يُوقفُ عنده، وأَما البيتُ فالروايةُ فيه «الأقوام». (3) فرد ابن عطية هذه الرواية للشاهد.
وقد استشهد بِها الطبري والزجاج عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] (4) على أنَّ «أولئك» تأتي للجمع القليل للتذكير والتأنيث، حيث لم يقل الشاعر: بعد تلك الأيام، وكذلك الأمر في الآية؛ لأنَّ «تلك» يأتي للدمع والبلالة على الجمع الكثير. (5)
وقد ورد هذا البيت في الديوان بشرح ابن حبيب كما قال ابن عطية، وليس فيها شاهد لما ذهب إليه الطبري، وهي:
ذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى … والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَقوامِ (6)
في حين قد رَوَى الشاهدَ كما رواه الطبري المُبَرِّدُ (7)، والزمخشري (8)، وابن هشام (9)، وغيرهم. (10) ولا يكاد يخلو منه كتاب--------------------------------------------
(1) معاني القرآن وإعرابه 3/ 159.
(2) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 240.
(3) المحرر الوجيز 10/ 294.
(4) الإسراء 36.
(5) انظر: تفسير الطبري (هجر) 14/ 596.
(6) انظر: ديوان جرير 2/ 990.
(7) انظر: المقتضب 1/ 321، الكامل 1/ 439.
(8) انظر: الكشاف 3/ 519.
(9) تخليص الشواهد 123، أوضح المسالك 1/ 123 - 124.
(10) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 3/ 126، 133، تفسير البيضاوي 3/ 142، 4/ 36، شرح شواهد الشافية للبغدادي 4/ 167، شرح الشواهد للعيني 1/ 408، شرح الأشموني 1/ 139، شرح التصريح 1/ 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
من كتب النحو، فلعل اعتراض ابن عطية على رواية الزجاج والطبري لاطلاعه على رواية محمد بن حبيب في شرحه لديوان جرير، ولم يطلع على ما ذكره المبرد وغيره من المتقدمين. وصنيع ابن عطية في رده لهذه الرواية للشاهد يدل على عنايته بروايات الشواهد، ورده الرواية التي يشك في صحتها. وأمثلة التشكيك في روايات الشواهد عند المفسرين كثيرة. (1)
3 - إيراد الروايات الأخرى إذا دعت الحاجة.
وربما يورد المفسرون روايات أخرى للشاهد الشعري عند الحاجة إلى ذلك، وربما يوردونها لمزيد بيان الشاهد وإن لم يكن ثمة حاجة داعية لذكر الروايات الأخرى ولا سيما إذا كانت الرواية الأخرى لا تتعلق بمحل الشاهد من البيت.
ومن أمثلة ذلك أن الطبري عند الحديث عن القراءتين الواردتين في قوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] (2)، حيث قرأها بعضهم: {مِنْ سَبَإٍ} بالتنوين على أنه رجلٌ اسمه سبأ (3)، وقرأها بعضهم: {سَبَأَ} بِمَنعها من الصِّرفِ على أنه اسم امرأة أو قبيلةٍ (4) قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، وقد قرأ بكل واحدةٍ منهما علماءُ من القراء، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، فالإجراء (5) في سبأ، وغير الإجراء صوابٌ؛ لأن سبأ--------------------------------------------
(1) انظر: الكشاف 3/ 50، 117، 4/ 241 وغيرها.
(2) النمل 22.
(3) هذه قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. انظر: النشر 2/ 253.
(4) هذه قراءة ابن كثير برواية البزي، وأبي عمرو، وروى قنبل عن ابن كثير إسكان الهمزة. المصدر السابق.
(5) الإجراء من مصطلحات الكوفيين التي وضعها الفراء، وهو الصَّرْفُ عند البصريين، أي التنوين. انظر: دراسة في النحو الكوفي 233.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
إن كان رجلًا كما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أُجريَ، وإن أريدَ به اسمُ القبيلة لم يُجْرَ، كما قال الشاعر (1) في إجرائه:
الوارِدُونَ وتَيمٌ في ذَرا سَبأٍ قد عَضَّ أَعناقَهُم جِلْدُ الجَوامِيسِ (2)
يروى: ذَرا، وذُرى. وقد حدثت عن الفراء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء: كيف لم تُجْرِ سبأَ؟ قال: لست أدري ما هو». (3) أي فترك صرفه كما تفعل العربُ بالأَسماءِ المَجهولةِ التي لا تعرفها.
وقال الفراء في توجيه الروايتين: «من قال: «ذَرَى» (4) جعل سبأَ جِيْلًا، ومن قال: «ذُرَى» أرادَ مَوضِعًا». (5) في حين وجهها البغدادي فقال: «من قال: «ذُرا» بالضم جعلَ «سَبأَ» جَبلًا، ومن قال: «ذَرَا» بالفتح أراد مَوضعًا». (6) وأظنُّ كلمةَ «جيلًا» تصحفت إلى «جبلًا» عند البغدادي، وإِلا فلا فرقَ بين كونه جبلًا أو موضعًا، فهو مصروف في الحالين، بخلاف ما إذا كان المقصود بالأول الجيل والقبيلة فإنه لا ينصرف.
فقد حرص الطبري على إيراد الروايتين للشاهد لأنه بهما يتبين وجه الاستشهاد، ويفهم وجه القراءتين اللتين ذكرهما.
ومن الأمثلة على إيراد المفسرين للروايات الأخرى للشاهد الشعري وإن لم تتعلق بِمحلِّ الشاهد قول الطبري عند تفسير قوله تعالى في أمر مريم عليها السلام: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] (7): «فتأويل الكلام: وضَمَّها اللهُ إلى زكريا، من قول الشاعر:--------------------------------------------
(1) هو جرير بن عطية.
(2) رواية الديوان: «تدعوكَ تَيمٌ، وتيمٌ في قُرى سَبأٍ». انظر: ديوانه 1/ 130.
(3) تفسير الطبري (هجر) 18/ 38.
(4) الذَّرَى بالفتح: الكِنُّ وما يُستَتر به، تقول: أنا في ذَرى فُلانٍ أي: في ظلِّهِ وحِمَايتهِ، فإن كان المرادُ بسبأ القبيلةَ كان المعنى أنَّ تيمًا يَحتمونَ بسبأٍ ويَمتنعون بِها. وأَما الذُّرى بالضم فهي جَمعُ ذِرْوَةٍ، وهي أَعلى الشيء. وعلى هذا تكونُ سبأُ اسمًا للمدينةِ. انظر: معاين القرآن للفراء 1/ 308 حاشية رقم 2.
(5) معاني القرآن 1/ 308.
(6) خزانة الأدب 7/ 537.
(7) آل عمران 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
فهو لضُلَاّلِ الهَوامِ كَافِلُ (1)
يراد به: لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتفرِّقِ النَّعَمِ، ومنتشرِهِ ضَامٌّ إلى نفسهِ وجامِعٌ. وقد روي:
فهوَ لضُلَاّلِ الهَوافي كَافلُ
بمعنى: أنه لِمَا نَدَّ فَهَربَ من النَّعمِ ضَامٌّ، من قولهم: هَفا الظَّليمُ، إذا أسرعَ الطيران». (2) فقد أورد الطبري رواية أخرى للبيت، مع عدم تعلقها بمحل الشاهد فيه، دلالة على معرفته بهذه الرواية الأخرى، وتوثيقًا للرواية الأخرى للبيت. (3)
- انفراد المفسر برواية للشاهد.
قد ينفرد المفسرون برواية للشاهد لم ترد عند غيرهم، والطبري هو الذي يكثر عنده ذلك لتقدمه، وأخذه للشعر عن رواته المتقدمين، ولا سيما ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمنه. ومما لاحظته في تفسير الطبري أنه على الرغم من اشتهار تلمذة الطبري لثعلب إلا أنه لم يشر إليه في روايته للشعر، ولم يرو عنه في ذلك شيئًا مع تطابق شرحه للشعر مع شرح شيخه ثعلب في كثير من المواضع ولا سيما في شرح شواهد زهير بن أبي سُلمى حيث وازنتُ شرحه للشاهد بشرح ثعلب للديوان فوجدت تشابهًا كبيرًا بين الشرحين، ولا أعرف عِلَّةَ إغفال الطبريِّ الإشارةَ لشيخه ثعلب في تفسيره، مع إشارته لغيره من العلماء.
ومن الشواهد التي انفرد الطبري برواية لها مخالفة لما رواه رواة الشعر، قول حميد بن ثور الهلالي:
إذا كانتِ الخمسونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ … لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ
وقد استشهد به الطبري على هذه الرواية على دلالة لفظة الأم،--------------------------------------------
(1) لم أعثر على قائله.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 6/ 348.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 6/ 376 - 377، الكشاف 1/ 22، 2/ 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)