بدأ الأستاذ كلمته بقوله:
تصبح الشهرة عند بعض الناس نشيدة حياه، وأملاً يتخطفهم الموت فى سبيلها، ويبذلون من أجل رنينها كل ما يشرف الإنسان أن يتحلى به، حتى إذا أعيتهم الوسائل، ووقفت دون مقاصدهم العراقيل، بذلوا دينهم وإيمانهم، وأعلنوا إلحادهم مجاهرين به غير مخافتين.. صارخين به غير هامسين، يحدوهم الأمل الحقير أن يعود عليهم الكفر بما لم يدركوه فى ستار الإيمان.
ولقد نعرف بعض هؤلاء اليوم، ولقد عرفنا أشباهاً لهم من قبل. ومنهم من عاصرناه. ومنهم من أكرمنا الله بعدم رؤيته، أو العيش معه فى زمن واحد.
وربما لا يكون هؤلاء الملحدون شيوعيين. فالقاعدة المنطقية تقول: إن كل شيوعى ملحد وليس كل ملحد شيوعياً. فقد يكون الملحد إذن غير شيوعى، بل قد يكون رأسمالياً متطرفاً. ولكنه يظل مع ذلك ملحداً كافراً زنديقاً.
وقد يصيب الملحد بإلحاده نصيباً من الشهرة، ولكنه ينسى أن الشهرة ليست فى ذاتها نوعاً من الشرف، بل قد تكون لوناً من حقارة الشأن وتفاهة الفكر وهوان الشأن.
إن نوع الشهرة هو الذى يدعو الجمهور إلى احترام الشهير وليست الشهرة فى ذاتها..
فالناس لا تحترم القاتل الشهير ولا اللص الحقير مهما يكن بعيد الصيت.. ولا المرتشى الوضيع مهما يكن ذا منصب خطير. ونصيب الملحد ذى الشهرة أن يدوسه الناس بالأقدام، ويرجموه بالحجارة
ثم قال:
ومن هؤلاء من أدرك أن الهجوم على العباد مهما يكونوا أعلاماً خفاقة لن يصل بهم إلى الشهرة التى بها يحلمون وبمجدها يهيمون، فقالوا وما لنا لا نهاجم الدين نفسه ونعلن عدم إيماننا بكلام الله وهو الله؟ فما دامت مهاجمة الكتاب لم تأت لنا إلا بالشهرة المؤقته فلابد أن مهاجمة كلام الله ستأتى لنا بالشهرة الثابتة!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 867)
وظهرت كتب ملحدة صريحة فى إلحادها، وثار بها الناس وأصاب أصحابها الشهرة، ولكنها كانت شهرة نجسة بخيسة مرغت أسماءهم فى الدنس أياماً ثم زالت عنهم الشهرة وبقى لهم الدنس.
وتعلم الملحدون ألا يعلنوا إلحادهم، واستفادوا من الدرس الذى رأوه رأى العين فيمن سبقهم.. … ..
ثم قال:
ولكن رأينا فى الزمن الأخير بعض من لا نذكره، ومن يعف القلم عن أن يخط حروف اسمه، يعلن إلحاده فى وقاحة نعرفها لسابقيه فى الإلحاد.
وانتقل الأستاذ ثروت أباظة بعد هذا لما أثاره هذا الكاتب فقال:
والقضية التى ساقها هذا الملحد ليعلن بها عن إلحاده قضية متهاوية لا تحتمل أى نقاش. فالأمر فيها واضح غاية الوضوح، وقد شرحها الله تعالى بمحكم آياته
ولكنه الملحد الجاهل يهاجم النص القرآنى فى جهالة رعناء ساذجة سذاجة ينفر منها الأطفال. ولو أننا قبلنا أن نناقش القضية لعقدنا مقارنة لا تنعقد بين كلام الله ـ وهو الله ـ وبين رأى فطير حقير لا يجوز له أن يذكر أو يناقش.
وقد نسى هذا الجاهل فى حمأة جنونه بالشهرة أن هذا القرآن مر بألف وأربعمائة عام وتزيد، وحفظه مئات الملايين، وناقشه الأئمة الهداة.. وناقشه أيضاً الملحدون الباحثون عن الشهرة وتهجموا على قدسيته، فإذا بالقرآن الكريم يقف شامخاً سابقاً ميسوراً على الهداة، متأنياً إباء الجبال الشم على الملحدين الزنادقة، لم يستطيعوا أن يهزوا حرفاً من حروفه بتشكيك، أو يهزوا كلمة من محكم كلامه لأى أثر من حيرة.
ومن هؤلاء الذين قرأوا القرآن علماء فى شتى ألوان العلوم: منهم علماء فى اللغة ومنهم علماء فى الفقه.. ومنهم علماء فى المنطق، ومنهم علماء فى علم الكلام، ومنهم من ولى القضاء، ومنهم رجال الشرع.. وهيهات أن يحيط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 868)
بالباحثين فى كتاب الله تحديد.. إنه معروض على الأزمان وعلماء هذه الأزمان على مدى ألف وأربعمائة عام.
أولم يقدر هذا الملحد الجديد أن الذى عرض له تعرض لملايين البحوث، ولم يقل واحد منهم بما قال، لهوان ما قال وضآلته أن يثبت لتفكير على قدر ضئيل من الاستقامة.
ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم هذا علم يقين.. ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم مقدار سخافة الرأى الذى سقته.. وأنت لا شك تقدر مدى الغضب الذى أثرته فى نفوس المسلمين كافة بما تقول.. وأنت أيضاً لا شك أردت أن تثير هذا الغضب بأمل منك سقيم أن تنال به ما تهفو إليه نفسك المريضة الساقطة من شهرة.. وقسماً لن أنيلك ما تصبو إليه من الشهرة المريضة وأنا أكتب هذا الحديث متوجهاً إلى علمائنا الأفاضل ألا يحاول أحد منهم أن يجعل منك صاحب رأى فيناقشه، فما تبقى أنت إلا أن يناقشك كرام الفقهاء وينزلوا بك سخطهم لتنال به شهرتك.
وقد تفضل عالم جليل وتنازل وتناول رأيك بالتفنيد دون أن يذكر اسمك أو اسم مجلتك الحمراء الرعناء. وإنى أرى أنك أهون من هذا الذى فعل الشيخ الجليل. وعلى كل حال فحسبك هذا النقاش بل هو فوق الحسب.. وإنى أكاد أثق أن الفقهاء لن يذكروك بعد ذلك أبداً فإنهم ـ لا شك ـ أدركوا مقصدك، وإنهم من الذكاء واللماحية بحيث يجعلونك تعود من جولتك الملحدة بالخيبة وسوء المآب (1) .
ولا شك أنك تعلم أن مثلك لا غفران له عند الله، فقد أشركت وما لمشرك غفران، ولو لم تنل إلا بعدك عن رحمة لكان هذا فى ذاته أوفى عقاب لو كنت--------------------------------------------
(1) هذا رأى وجيه، ولكن كيد اللعين لا يزال مستمراً لم يتوقف، وخدع الكثير من المسلمين، ودعى إلى مؤتمر إسلامى كمفكر إسلامى!! وجعلته إحدى الإذاعات شاهد عصر! لذا أرى أن يكشف ويعرى، والله سبحانه وتعالى هو الأعلم بالصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 869)
تملك من العقل صبابة.. ولكن من أين لك بها؟ ! وهل لمن يقدم على ما أقدمت عليه أى نصيب من عقل أو إحساس أو منطق أو فكر أو خلق؟
لقد صدمت الشعور العام لكل المسلمين، ولو أنك فعلت هذا وقلت شيئاً يستحق النقاش لقلنا ملحد ولكنه يحاول أن يفكر، أما أن تصنع هذا من أجل الشهرة وحدها بعد أن أخطأتها في كل ميدان سعيت إليها فيه فتلك إذن كبرى الكبائر.. وليكونن عقابك في الدنيا خزياً وفى الآخرة ناراً لا تموت فيها ولا تحيا.
ربنا سبحانك وتعاليت وتقدست أسماؤك … وما هم إلا عبادك وأنت وحدك تعلم الكافر منهم، وتعلم من اهتدى … وأنت العدل المطلق القاهر على العباد الواحد القيوم الحق … سبحانك لا تحاسبنا بما أتى السفهاء منا، فإنهم يا الله لا يعلمون … وأنت وحدك سبحانك من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور … تعاليت..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 870)
الجزء الرابع في أصول الفقه والفقه
مقدمة
إن الحمد كله لله، نحمده سبحانه وتعالي ونستعينه ونستهديه ونشكره أن وفقنا - بعظيم فضله وكرمه ومنه - إلى إنجاز هذا العمل الخالص لوجهه الكريم، ونسأله عز وجل أن ينفع به المسلمين، وينير به الطريق أمام الذين ضلوا وتأثروا بأباطيل الرافضة، وأن يجعله في ميزاننا يوم نلقاه سبحانه وتعالي، ونصلى ونسلم على رسوله المصطفي خير البشر، وعلى آله الأطهار، وصحبه الكرام الأبرار، وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فمنذ عدة سنوات وأنا أتضرع إلى الله جلت قدرته لتحقيق هذا الهدف الكبير، هدف إخراج موسوعة علمية تبين للمسلمين حقيقة الشيعة والرافضة، وتناقش ما يتصل بالأصول والفروع في ضوء الكتاب والسنة والأدلة المعتبرة، كما تناقش أدلتهم الباطلة، وما يثيرونه من شبه واهية تمتلئ بها المئات من كتبهم المنتشرة بين المسلمين، وهذه الكتب غالباً توزع مجاناً، وتهدى إلى كل من يستطيعون الإهداء إليه لنشر عقيدتهم الباطلة، وآرائهم الضالة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب المراجعات.
فالحمد الكثير والشكر والثناء العظيم لله المنعم الوهاب الذي أعانني على الانتهاء من الجزء الرابع بعد أن أعانني على الانتهاء من الأجزاء الثلاثة السابقة.
والجزء الأول تكفل بعقيدة الإمامة والعقائد التابعة للشيعة الاثنى عشرية، والثاني كان في التفسير المقارن وأصوله وكتبه، والجزء الثالث تناول الحديث وعلومه وكتبه، دراسة مقارنة.
أما آخر أجزاء الموسوعة، وهو هذا الجزء الرابع، فيشتمل على أصول الفقه والفقه، دراسة مقارنة أيضاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 874)
أصول الفقه عند الشيعة الاثنى عشرية أربعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع والعقل، وتحدثنا عما يتصل بالكتاب والسنة في الجزأين الثاني والثالث، ولذلك اكتفيت هنا بالإشارة السريعة إلى ما سبق بيانه ثم تحدثت عن الإجماع والعقل، وجعلت أصول الفقه في الباب الأول، أما الفقه فقد خصصته ببابين، يليهما خاتمة للكتاب كله بأجزائه الأربعة.
والغاية من البابين الثاني والثالث أن نستخرج الأحكام الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الاثنا عشرية تأثراً بعقيدتهم في الإمامة، أي أنها أحكام لا تصح إلا بصحة الإمامة التي يعتقدونها.
والجزء الأول تكفل بمناقشة الإمامة، وانتهينا منه إلى أن عقيدة الإمامة عند الجعفرية الاثنى عشرية لا مستند لها من كتاب ولا سنة، وأن الأدلة أثبتت غير ما ذهبوا إليه، وما دمنا قد انتهينا من بحثنا إلى هذه النتيجة فلا حاجة إذن إلى مناقشة ما نذكره من الآراء الفقهية المرتبطة بالإمامة عندهم، فما بنى على باطل فهو باطل.
وقد يقال: إن هذه الآراء الفقهية ربما يكون لها أدلة استندوا إليها، وهذا يستدعى مناقشة الأدلة، فنقول: إن الآراء التي ستذكر في هذا الجزء لها أدلتها عندهم فعلاً ولكن الأدلة هي أيضاً أثر من آثار الإمامة، أي أنها مبنية على العقيدة التي أثبتنا عدم صحتها، مثال هذا ما ذكرناه في أواخر الجزء الثاني عن أثر الإمامة في الحج: من حيث الأحكام، والروايات التي وردت في كتب السنة عند الجعفرية الرافضة، وقد رأينا أن واضعي الروايات أكثر غلواً من واضعي الآراء الفقهية، وقد أثبتنا في الجزء الثالث أن جميع الأخبار المتصلة بأئمتهم الاثنى عشر وضعت في عصور متأخرة.
فالآراء الفقهية التي تعتبر نتيجة التأثر أو الغلو في عقيدة الإمامة لا مستند لها من كتاب أو سنة، وإنما تستند إلى روايات ينسب أكثرها للأئمة، ومع أن الأدلة أثبتت عدم صحة إمامتهم بالطريقة التي يذهب إليها الجعفرية الرافضة، إلا أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 875)
الأئمة كانوا من التقوى والصلاح، من وجهة نظرنا، بحيث إننا نراهم أجل من أن يأتوا بمثل هذه الروايات المفتراة، وإنما افتراها على الأئمة غلاة الجعفرية الرافضة الضالون، المضلون، كما افتروا الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومع أنه يكفي أن نذكر الآراء الفقهية التي ذهب إليها الجعفرية الرافضة تأثراً بعقيدتهم في الإمامة، ولا حاجة لمناقشتها، غير أنني ناقشت بعض النقاط بشيء من التفصيل في الفصلين الأول والثاني من الجزء الثاني كنموذج للمناقشات التفصيلية حتى لا يطول بنا الحديث، وبعد الفصلين اكتفيت بالإشارة إلى أهم ما جاء في فقههم تأثراً بعقيدتهم الباطلة، ثم ذكرت بعض الأخبار التي وضعوها لتأييد باطلهم (1) .
وبتحديد هذه الآراء الفقهية نرى أن بقية الفقه الجعفري يمكن أن ينظر إليه كسائر المذاهب الفقهية، فتقبل الأحكام أو ترفض في ضوء الأدلة (2) ، وبذا نكون قد أوضحنا بعض معالم الطريق أمام دعاة التقريب، وهذا الفقه الذي تأثر واضعوه بعقيدتهم الباطلة، وبنى على ترجيح ما خالف جمهور المسلمين وإن وافق الكتاب والسنة، هذا الفقه لا يمكن معه التقريب إلا إذا تخلى الرافضة عن باطلهم.
وفي مقدمة كتابى " فقه الشيعة الإمامية … " ذكرت أنني اعتمدت على ثلاثة كتب لبيان الأحكام عند الجعفرية الاثنى عشرية:
الأول: المختصر النافع في فقه الإمامية، ألفه أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى الملقب بالمحقق.--------------------------------------------
(1) وضحت منهجى هذا في بداية الفصل الثالث من الباب الثاني قبيل الحديث عن الصيام والاعتكاف.
(2) على أن يراعى ما ذكرناه في أصول فقههم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 876)
الثاني: الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية لزين الدين الجبعى العاملى الملقب بالشهيد الثاني، واللمعة الدمشقية لمحمد بن جمال الدين مكى العاملى الملقب بالشهيد الأول.
وذكرت ما يبين مكانة هذين الكتابين عند الجعفرية الاثنى عشرية.
الثالث: مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة لمحمد الجواد بن محمد الحسين العاملى، والمقصود بالعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى.
ويعتبر هذا الكتاب من أكبر الموسوعات في الفقه الجعفري، أخذت منه ما تركه الكتابان الأولان، ورأيت أن لا حاجة إلى ذكره، وهو ليس بكثير، ولهذا كنت أشير إلى صفحاته فيما استخرجه منه.
هذا ما سلكته لتحديد أحكام الطهارة والصلاة في ذلك الكتاب، وهنا سأستند إلى هذه الكتب الثلاثة أيضاً مع إضافة مرجع جديد هو " مستمسك العروة الوثقى " للسيد محسن الطباطبانى الحكيم، مرجع الجعفرية بالعراق قبل الخوئى، والكتاب موسوعة فقهية عصرية فهو يبين ما عليه الجعفرية الرافضة في عصرنا (1) ، وسوف أسلك نفس الطريقة في عدم ذكر صفحات ما هو موجود في الكتابين الأولين لكثرة المنقول منهما وسهولة استخراجه، ونكتفي بالإشارة إلى موضع ما نأخذه من الموسوعتين إلى جانب بعض الكتب الأخرى كالخلاف للطوسى وغيره (2) .
وهذان البابان مقسمان حسب تقسيم الفقه عند الجعفرية الاثنى عشرية، قال الأستاذ محمد تقى القمي: " جرت العادة عند المؤلفين من فقهاء الإمامية أن يقسموا--------------------------------------------
(1) يقع الكتاب في أحد عشر مجلداً، وهو تقريبا في حجم كتاب المغنى لابن قدامة، ولكنه مع هذه الضخامة ينتهي قبيل الجهاد في العبادات.
(2) في الستينيات التقيت بأحد علمائهم وهو السيد كاظم الكفائى، ووجهت إليه عدداً من الأسئلة أجاب عن بعضها بخطه، فصورت ما كتب وألحقته برسالتي للماجستير حيث رجعت إليه في بعض المسائل، ثم رأيت أن أجعله هنا أيضاً، وهو بعد الخاتمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 877)
الموضوعات الفقهية إلى أربعة أقسام (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام) ولعل وجه الحصر أن المبحوث عنه في الفقه إما أن يتعلق بالأمور الأخروية؛ أي معاملة العبد ربه، أو الأمور الدنيوية: فإن كان الأول فهو عبادات، أما الثاني فإما أن يحتاج إلى صيغة أولاً، فغير المحتاج إلى صيغة هو الأحكام كالديات والميراث والقصاص والأطعمة، وما يحتاج إلى صيغة فقد يكون من الطرفين أو من طرف واحد: فمن طرف واحد يسمى الإيقاعات كالطلاق والعتق، ومن الطرفين يسمى العقود، ويدخل فيها المعاملات والنكاح، وتبدأ العبادات بكتاب الطهارة كمقدمة للعبادات " (1) .
وبعد: فلقد بذلت ما استطعت لإخراج هذه الموسوعة العلمية بالصورة التي ترضي الله عز وجل، وترفع سخطه، ولقد أمسكت القلم عن التجريح فضلاً عن التكفير إلا إذا وجدت من يكفر أو يفسق خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رضي الله عنهما وحشرنا معهما بفضله وكرمه، وخير جيل عرفته البشرية في تاريخها، وهو جيل الصحابة الكرام البررة، رضي الله تعالي عنهم ورضوا عنه، فمن طعن في هؤلاء الذين شهد لهم الله تعالي، والرسول صلى الله عليه وسلم، وهم نقلة الإسلام والقرآن الكريم والسنة المطهرة، من طعن في هؤلاء فاعلم أنه زنديق أراد أن يجرح شهودنا كما قال الإمام أبو زرعة، وإذا لعنا هؤلاء الزنادقة أتباع عبد الله بن سبأ اللعين، فإننا لا نكون خرجنا على المنهج العلمي، بل اتبعنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك شيعي غير رافضي، وهو الحاكم في مستدركه، بسنده الذي صححه ووافقه الذهبي ـ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: " إن الله تبارك وتعالي اختارني، واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم--------------------------------------------
(1) راجع تقديمه للمختصر النافع حاشية صفحتي: ل، م وانظر هذا التقسيم في مفتاح الكرامة: كتاب التجارة ص 2، 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 878)
وزراء وأنصاراً وأصهاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل " (3/632) .
ولا شك أن الرافضة لن يرضوا عن هذه الموسوعة، وهذا يذكرنا بقول الحق تبارك وتعالي: "" وَلَن تَرضي عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ "".
يكفي إذن أن نرضي الله عز وجل، والمؤمنين من جمهور المسلمين، ومن الشيعة غير الرافضة المعتدلين غير الغلاة.
هذا ما أردته، فإن كنت قد أصبت فهذا من الله جلت قدرته وعظمته، وإن كنت قد أخطأت فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومما أمرنا بتلاوته:
"" … رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ". (سورة البقرة) .
"" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ "" (89: الأعراف) .
و" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (الصافات) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 879)
الباب الأول: أصول الفقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 880)
الفصل الأول: القرآن الكريم
القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا بلا شك لا خلاف حوله، فهو كتاب ربنا عز وجل.
وفي الجزء الثاني تحدثت عن هذا المصدر بالتفصيل، حيث قسمت الجزء إلى قسمين:
الأول عن القرآن الكريم وعلومه عند جمهور المسلمين، حتى نتبين الفرق بين منهجهم ومنهج الشيعة الاثنى عشرية.
والقسم الثاني جعلته للحديث عن هذا المصدر عند الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، ومن الدراسة ظهر تأثرهم تأثراً كبيراً بعقيدتهم الباطلة في موقفهم من القرآن الكريم، ولا حاجة إلى أن نعيد الحديث مرة أخرى، ولكن أوجز هنا ما يبين منهجهم، وأثر عقيدتهم في تناولهم لهذا المصدر وأثر هذه العقيدة الباطلة ظهر فيما يأتي:
أولاً:
اعتبروا القرآن الكريم قرآناً صامتاً، والإمام قرآناً ناطقاً، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء، فله بيان القرآن الكريم، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، بل نسخه عند فريق منهم، وما دام القرآن الكريم صامتاً فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالي، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية ـ وهم قلة: لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم، وقال جمهور الجعفرية ـ وهم الأصوليون ـ بحجية الظواهر، ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن أئمتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 880)
ثانيا:
لما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجئوا إلى التأويل، وقالوا بباطن القرآن، وتوسعوا في القول بالباطن إلى غير ما حد حتى أن فريقاً منهم اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله العزيز لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيراً عن الإسماعيلية الباطنية.
ثالثا:
غلاة الجعفرية عز عليهم أن يخلوا القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الذين سبقوا الإمام علياً، أرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق على في الخلافة والأئمة من بعده، ووجدت المعتدلين نسبيا من الجعفرية ـ في القديم والحديث ـ قد تصدوا لهؤلاء الغلاة وكشفوا القناع عن هذا الباطل، وفندوا مزاعم القائلين بالتحريف.
رابعا:
الجعفرية درجات بين الاعتدال والغلو، فليسوا سواء، لذا كان لزاماً علينا الرجوع إلى كتبهم المختلفة لنرى إلى أي مدى أثرت عقيدة الإمامة عندهم في تناولهم كتاب الله تعالي.
وقد رجعت إلى الكثير من كتبهم، وقدمت دراسة لستة عشر كتاباً، مقتصراً على بيان أثر الإمامة في كل منها، ووجدت أن القرن الثالث ظهر فيه ثلاثة كتب هي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 881)
التفسير المنسوب للإمام العسكرى _ إمامهم الحادى عشر، وتفسير العياشى والقمي، وهذه الثلاثة تمثل جانب التطرف والغلو في المذهب الجعفري، ثم يأتى شيخ طائفتهم الطوسى (المتوفي سنة 460 هـ) فيخرج كتابه " التبيان في تفسير القرآن " وهو يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما، ثم يليه الطبرسى ـ شيخ مفسريهم ـ ورأيناه قريباً من الطوسى. والجعفرية بعد هذا إلى عصرنا- كما ظهر من دراستى لباقى كتبهم ـ منهم من سلك أحد المسلكين، ومنهم من جمع بينهما، أو اقترب من أحدهما، وإن بدا لنا أن الكتب الضالة المضلة التي رزئ بها القرن الثالث كانت أقوى أثراً من غيرها، فمنها كتاب ينسب إلى إمام، وآخر لعلى بن إبراهيم القمي الذى يوثقونه كل توثيق، وأحد تلاميذه هو الكليني صاحب كتاب الحديث الأول عندهم، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك مما يكشف عن غلو صاحبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 882)
الفصل الثاني: السنة المطهرة
لا شك أن السنة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.
وإذا كان الجزء الثاني جعلته للمصدر الأول، فإن الجزء الثالث جعلته للمصدر الثاني، وقسمته أيضاً قسمين:
القسم الأول: للحديث وعلومه عند جمهور المسلمين.
القسم الثاني: للحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة الاثنى عشرية.
وتناول هذا القسم بياناً مفصلاً شافياً يتضح منه موقف الشيعة والرافضة من السنة المطهرة.
وظهر من هذا البيان أثر عقيدتهم الباطلة في موقفهم منها، ويبدو هذا الأثر فيما يلي:
أولاً: جعلوا الإمام كالنبى المرسل صلى الله عليه وسلم:
فالعصمة لهم جميعًا، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره، يستوي في هذا كله أن يكون المعصوم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكون أحد أئمة الرافضة، وبذلك أشركوا مع الرسول الكريم المصطفي هؤلاء الأئمة، وحتى يكون الإمام مصدراً للتشريع قائماً بذاته، جعلوا له الإلهام مقابلاً للوحى بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضهم ذهب إلى بقاء الوحي مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد.
ثانيا: في مراتب الحديث:
الحديث عندهم لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 883)
ويأتي بعد الصحيح الحسن: فيشترطون إمامية الراوى، ويقبلون رواية الإمامي غير ثابت العدالة، ويرفضون رواية غير الإمامي كائناً من كان، ويقبلون رواية الإمامي الممدوح المقدوح أحياناً بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفري الرافضي فهذا قدح لا يغتفر!!
ويأتي بعد الحسن الموثق لوجود غير الجعفرية في السند، والتوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم.
وإذا دخل في السند غير جعفري لم يوثقه الجعفرية، فالحديث ضعيف، وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من أجلاء الصحابة والتابعين وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية!
وذكرت بعض النماذج في الجرح والتعديل عندهم، وهي تبين مدى غلوهم وضلالهم، سيأتي شيىء منها في خاتمة الكتاب من هذا الجزء.
ثالثا: في الترجيح:
جعلوا المشهور عندهم مقدماً على غيره، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة.
وجعلوا من المرجحات مخالفة العامة، أي عامة المسلمين، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقها، ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة سحيقة عميقة، فابتعد الاثنا عشرية الرافضة كثيراً عن المنهج الإسلامي الصحيح.
رابعا: في كتب السنة المعتمدة عندهم:
بدراسة أصول الكافي وروضته، وجدنا أن الكليني اتخذ من السنة ـ بمفهومها عنده ـ وسيلة لإثبات عقيدته في الإمامة، ورأيه في الأئمة وما يتصفون به، ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الرافضة الذين لم يأخذوا بعقيدته في الإمامة، وإنهم مهما تعبدوا فهم في النار، فعبادتهم غير مقبولة في زعم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 884)
الكليني، على حين أن الرافضة جميعاً بغير استثناء سيدخلون الجنة، ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات والآثام، ومهما كان خطؤهم في حق الله تعالي أو في حق عباده، والكليني من أجل هذا كله رأيناه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول صلى الله عليه وسلم ولآل بيته الأطهار.
والكليني اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالي نصاً ومعنى، وقد نهج منهج شيخه على بن إبراهيم القمي ـ صاحب التفسير الضال المضل ـ في التحريف وفي الطعن في الصحابة الكرام: نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم.
والكليني أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالاً عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه، حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه ـ جل شأنه ـ أنزل كتباً من السماء بخط إلهي تؤيد فرقته، والكليني يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية، ويذكرها بحسب هواه ويفسرها بما يشتهي، وبما يشبع غيه وضلاله.
ويبقى من الكافي الفروع، ومن كتب الحديث المعتمدة: الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى، وهذه كلها تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، لذا لم نتوسع في بيان أثر الإمامة فيها؛ فالفقه خصصناه بهذا الجزء: والآراء التي تأثرت بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء في هذه الكتب، إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة في الفقه - يبين إلى حد كبير أثر الإمامة في فروع الكافي والكتب الثلاثة الأخرى، وعرضت مثلاً انتهيت منه إلى أن ما يقال عن أثر الإمامة في الفقه الجعفري أقل مما يقال عن أثرها في هذه الكتب الأربعة، ففي الكتب مزيد من التأثر بالغلو في عقيدة الإمامة، كما أننى نقلت كثيراً من الروايات التي افتراها أصحاب هذه الكتب في البابين التاليين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 885)
الفصل الثالث: الإجماع
هو المصدر الثالث من مصادر التشريع عند الجعفرية الرافضة، وقد يظن هنا إذن أنهم متفقون مع جمهور المسلمين، ولكن الواقع غير هذا لأن الإجماع عندهم في مفهومه وحجيته لا يخرج عن النطاق الجعفري وأئمة الجعفرية الاثنى عشرية: -
فالإجماع عند الجمهور يعنى " اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في عصر من العصور بعد وفاته على حكم، وهذا التعريف: يخرج المجتهد المبتدع بما يكفر فلا يعتد بقوله وإن لم يعلم بكفر نفسه، لأنه لا يعد من الأمة، ولا يؤتمن على شئونها، أما المبتدع بما لا يكفر فالمختار دخوله فيمن يعتد بآرائهم من المجتهدين" (1) .
إذن الإجماع هنا ينظر فيه إلى الأمة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم " لا تجتمع أمتى على ضلالة" (2) .
هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما الجعفرية الاثنا عشرية فالإجماع عندهم يعنى شيئاً آخر، لأنهم لا ينظرون إلى المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما ينظرون إلى من دان بإمامة الأئمة الاثنى عشر، شريطة أن يكون الإجماع كاشفاً عن رأي الإمام، ما لم يكن الإمام داخلا بنفسه في المجمعين.--------------------------------------------
(1) أصول التشريع الإسلامي ص 110.
(2) "حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره" المقاصد الحسنة للسخاوى ص 460 - وللجمهور أدلة كثيرة على حجية الإجماع لسنا بحاجة إلى ذكرها أو مناقشتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 886)
وكى نتبين هذا الرأي ننظر أولاً إلى حجية الإجماع عند الجعفرية. جاء في فوائد الأصول للخراسانى (3/ 52) :
" اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع المحصل (1) الذي هو أحد الأدلة الأربعة: فقيل إن الوجه في حجيته دخول شخص المعصوم في المجمعين، ويحكى ذلك عن السيد المرتضى.
وقيل إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي أمر المعصوم بتبليغه إلى الأنام، ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة، وقيل إن المدرك في حجيته هو الحدس برأيه ـ أي الإمام ـ ورضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين المنقادين على شيىء وبين رضا الرئيس بذلك الشيء، ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين.
وقيل إن حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.
وقيل إن الوجه في حجيته إنما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين ".
من هذا نرى أنهم على اختلاف مشاربهم يربطون الإجماع بالإمام بشخصه أو برأيه، وكذا بالنسبة للدليل المعتبر عندهم لا يخرج عن هذا، فهم يقولون بأن المجمعين لا يخرج الدليل الذي استندوا إليه عن السنة (بالمفهوم الجعفري) فلا--------------------------------------------
(1) الإجماع في الاصطلاح عند الجعفرية ينقسم إلى قسمين:
أـ الإجماع المحصل: والمقصود به الإجماع الذي يحصله الفقيه بتتبع أقوال أهل الفتوى.
ب ـ الإجماع المنقول: والمقصود به الإجماع الذي لم يحصله الفقيه بنفسه وإنما ينقله له من حصله من الفقهاء، سواء أكان النقل له بواسطة أم بوسائط، ثم النقل تارة يقع على نحو التواتر، وهذا حكمه حكم المحصل من جهة الحجية. وأخرى يقع على نحو خبر الواحد، وإذا أطلق قول الإجماع المنقول في لسان الأصوليين فالمراد منه هذا الأخير وقد وقع الخلاف بينهم في حجيته على أقوال. (أصول الفقه للمظفر 3/101) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 887)
يصح أن يكون هذا الإجماع كاشفاً عن وجود دليل معتمد من أي أصل من أصول الفقه الأخرى عندهم (1) .
فالجعفرية الإمامية إذن ينظرون في الإجماع إلى الإمام نفسه لا إلى ذات الإجماع، قال علامتهم الحلى: " الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع " (2) .
وقال غيره: " أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله " (3) .
ومادام الإمام عندهم يعتبر معصوماً وقوله سنة، فما جدوى الإجماع إذن؟ وما الفرق بينه وبين السنة؟ يوضح هذا أحد علمائهم إذ يقول:
" إن الإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم … فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف فيدخل حينئذ في السنة ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها.
و … لم تثبت عندنا عصمة الأمة من الخطأ وإنما أقصى ما يثبت عندنا من اتفاق الأمة أنه يكشف عن رأي من له العصمة! فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف.
وعلى هذا فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم، فكما أن الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلاً على الحكم الشرعي--------------------------------------------
(1) انظر أصول الفقه للمظفر 3 / 97 ـ 98.
(2) تهذيب الوصول ص 70، وانظر في هذا المعنى: تجريد الأصول ص 75، وزبدة البيان ص 687 والحقائق في الجوامع والفوارق ص 1/75.
(3) المعتبر ص 6 ويلقبون القائل بالمحقق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 888)